كرونوس والتيتانوس ـــ مصطفى صمودي

مسرحية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مشهد (11) ماذا بعد؟!؟!!!!

[بَهْو يؤدي إلى مقصورة كرونوس وفي اليسار مدخل يُفضي إلى دهليز سريّ يدخل منه سائر المشاركين في هذا المشهد باستثناء التيتانوس /1/ الذي يدخل من الباب الرئيسي. رييا مع ابنها زيوس].‏

رييا: ((مخاطبة زيوس)) آه.. كم انتظرتك يا بني حتى أُكَحِّل عيني بمرآك.. ها قد عُدت إليّ يا حبيبي نوراً يملأ سماء قلبي.. قبل أن يملأ فضاء الدنيا.‏

زيوس: وأنا يا أمي.. كنت أنتظر رسولك عند مطلع كلّ فجر لآتي إليك.. وأكون الذراع التي تحميك واليد التي تسمو بِكَ إلى أعلى علّيّين. ((يَتَنَهّدُ مرتاحاً)) لقد حصلت على وقت كافٍ من الراحة يا أمي.. وآن أوان العمل.. عليّ أن أسقي والدي الشّراب السريّ ليتقيّأ سائر إخوتي الّذين ابتلعهم.. ليتصدّوا للتيتانوس الأشرار.. هل أرسلت في طلب السيد الحكيم كما طلبت منك‏

يا أمي؟‏

رييا: نعم يا بني..‏

زيوس: الأوضاع يا أمي.. صعبة.. عويصة.. متداخلة.. متشابكة.. وأخاف أن يكون هناك اتّفاق سريّ بين التيتانوس و/أهريمن/. لأن مثل هذا الاتفاق هو الطامة الكبرى. الأمور بحاجة إلى حلّ.. والحل بيد الكلّ.. والكل بحاجة إلى عمل مضاعف.. إذ لا يمكن التّصدي لـ /أهريمن/ ولسائر الأعداء في الخارج.. إلاّ حين يكون الدّاخل سليماً معافى والعكس صحيح.. هات الشّراب السريّ يا أمي.‏

رييا: حاضر يا بني ((وهي تحضر لـه الشّراب)) انتبه يا بني.. بعد أن يتقيّأ أبوك سائر إخوتك.. لا تدعهم يخرجون إلى النّور فوراً.. حتى لا تعمى أبصارهم.. لأنهم عاشوا في ظلمات أحشاء أبيك زمناً طويلاً.. أسْدِل ستائر المقصورة عليهم واتركهم فيها يوماً أو يومين حتى تألف أبصارهم ضوء الصبح شيئاً فشيئاً.‏

زيوس: وهو كذلك ((يأخذ منها الشّراب ويدخل)).‏

رييا: ((وحدها وما زالت تعيش حالة فرح رومانسيّة بعودة وَلَدِها إليها فتناجيه وكأنّه أمامها)) حبيبي زيوس.. أيها النّور المقدّس.. بل يا مُنَوِّرَ النّور.. سعادتي بِعَوْدَتِك لا أبيعها بالدّنيا وما عليها.. لقد أَحْيَيْت أملي بعد يأس.. وأضاءت مستقبلي بعد أن كاد يغيب في متاهة المجهول. ((تدخل جاريتها الخاصّة من المدخل السّري متعبّة)) طَمْئِنيني.. هل أبلغت السيد الحكيم رغبة مولاك؟!‏

جاريتها الخاصّة: نعم يا مولاتي.‏

رييا: ماذا قال لك؟‏

جاريتها الخاصة: لقد أبْدى استعداده المطلق لرؤية مولاي زيوس.. حتى أنه كان يأمل أن يرى سيد القّصر ـ ويقصد بذلك مولاي كرونوس ـ قبل أن يصل الحال إلى ما وصل إليه.. وقد أَوْعز لأحَدِ رجاله بأن يبلغ أنصاره بأنه سيقابل مولاتي زيوس.. ليتّخذوا الإجراءات اللازمة.. لكن يا مولاي.. سمعت منه جملة لم أفهم معناها.‏

رييا: وما هي؟‏

جاريتها الخاصة: قال.. لقد حدث ما حدث.. ويحدث‏

ما يحدث.. لغياب ما غاب.‏

رييا: فعلاً.. إنه على صواب.. ورأيه في محلّه.. ((تعيد الجملة معجبة بها ومؤكّدة لها)) لقد حدث ما حدث.. لغياب ما غاب.. هل أخبرك متى سيأتي؟‏

جاريتها الخاصة: قال لي. إنه سيأتي. بأقصى سرعة ممكنة.‏

رييا: طبعاً أوضحت لـه كيفيّة الدّخول إلينا..‏

جاريتها الخاصّة: أجل يا مولاتي.. لكنّه أصرّ ـ في البداية ـ على أن يدخل القصر نهاراً وجهاراً.‏

رييا: ((مستنكرة)) لكن.. لا يمكن ذلك في مثل هذا الظرف.‏

جاريتها الخاصّة: قلت لـه ذلك يا مولاتي.. فاقتنع أخيراً بما قلت وسيدخل القصر في الدّهليز السريّ. ((تؤكد لها)) لقد شرحت لـه بدّقة طريقة الدّخول.‏

رييا: أحسنت.. إذاً.. بإمكاني القول أن كل شيء على ما يرام.‏

جاريتها الخاصة: أعتقد ذلك يا مولاتي.‏

رييا: تعالي واجلسي هنا.‏

جاريتها الخاصّة: ((تجلس)) نعم يا مولاتي؟‏

رييا: لَمْ يَتَسَنَّ لي ـ لِضيق الوقت ـ أن أسألك عمّا جرى معكم حين عُدْتِ برفقة مولاك زيوس إلى هنا.. هل اعترضكم في الطّريق أيّ عائق؟‏

جاريتها الخاصة: ((تسمع صوتاً عالياً ملفتاً للسّمع.. تشعر الجارية ببعض الاستغراب فَتَلْتَفِت نحو مصدر الصوت)) ما هذا يا مولاتي؟!!‏

رييا: لا تخافي.. مولاك كرونوس يتقيّأ الآن أولادي الّذين ابتلعهم واحداً بعد الآخر.. لأن مولاك زيوس.. سقاه الشّراب السريّ.‏

جاريتها الخاصّة: ((تتذكّر الكلمة)) الشّراب السريّ!!؟ الشّراب السريّ؟!؟ ((تفطن)) آه.. الشّراب السري الذي أمرتني يا مولاتي أن أُذَكّرَ به مولاي زيوس.‏

رييا: هو بذاته ((تعود إلى حديثها السّابق)) قولي لي.. هل اعترضكم في أثناء عودتكم أيّ عائق؟!‏

جاريتها الخاصة: لا يا مولاتي.. لأننا عُدنا في ذات الطّريق الذي ذهبنا منه.. وبالطّريقة نفسها.. ولم يعترضنا سوى حاجز واحد ((تسمع صوت تقيّؤ الثاني)).‏

رييا: ((تُعَقّبْ)) هاهو مولاك كرونوس يتقيّأ ولدي الثاني ((تعود إلى حديثها السّابق مرّة ثانية)) ما هو العائق الذي اعترضكم؟‏

جاريتها الخاصة: اعترضنا عائق يتعلّق بمولاي زيوس.‏

رييا: ((متلهفة لسماع الإجابة)) ما هو؟!‏

جاريتها الخاصة: لم يصدّق أحد من أفراد هذا الحاجز أن مولاي زيوس راعٍ من رُعاة الأغنام.‏

رييا: ((مبتسمة)) ولِمَ؟‏

جاريتها الخاصة: ((تبتسم بلطف)) لم يُصدّقوا ذلك لجمال وجهه وبهاء طلعته.. وبياض بشرته.. ونعومة يديه.‏

رييا: ((مسرورة من هذا الوصف)) حبيبي زيوس... ((تخاطب جاريتها)) وماذا حصل بعد ذلك؟‏

جاريتها الخاصة: حينها.. تصرّفت يا مولاتي.. كما تصرّفت أنت يوم قدّمت لمولاي كرونوس الصّخرة ليبتلعها .. بكيت مثلك بكاءً مُرّاً.. قبّلت أرجلهم تمرّغت على أقدامهم ونعالهم وأنا أتوسّل إليهم محاولة إقناعهم بأنه راعٍ للغنم.. وأنه الوحيد المعيل لي والذي يقود لي القطيع.. ولم أتوقف عن التّضرّع والبكاء حتى تركوه وعدت معه.‏

رييا: ((والدّمعة في عينها تحضن جاريتها بحرارة)) حبيبتي.. فضلك علينا كبير.. ولن ننساه وسنكافئك على ما فعلت مكافأة تليق بك بعد أن تهدأ الأمور وتستقر الأحوال.‏

جاريتها الخاصة: لم أفعل ذلك يا مولاتي طمعاً بمكافأة.. فعلت ذلك.. حباً واحتراماً ووفاءً وإخلاصاً وطاعة لأمر مولاتي حتى ترضى عليّ ((تنحني لها)).‏

رييا: أنت أخت قبل أن تكوني جارية ((صوت تفيّؤ كرونوس لابنه الثالث)) لم يبق في أحشاء مولاك كرونوس سوى ولدٍ واحد. بعدها. سيتصدّى أولادي للتيتانوس الّذين حاولوا حرماننا من كلّ شيء.‏

((تسمع وقع أقدام في الخارج)) يظهر أن السيد الحكيم قد ركب رأسه وجاء إلينا من المدخل الرّئيسي للقصر.‏

جاريتها الخاصة: ربما يا مولاتي.. ((تهرع نحو الباب الرّئيسي المقابل للباب السّري لتَتأكّد.. تعود بعد قليل خائفة مرتجفة)) مولاتي.‏

رييا: ما بك؟!!‏

جاريتها الخاصة: تعالي وانظري يا مولاتي من القادم.‏

رييا: من؟ .. ((تتقدّم معها نحو الباب فتشهَق من هول الصّدمة)) .. /هاء/.. ((تتراجع)) إنه التيتانوس الأكبر.. ما الذي جاء به في مثل هذا الوقت؟‏

جاريتها الخاصة: لا أدري يا مولاتي..‏

رييا: أخشى أن يكون قد عرف شيئاً ممّا يجري.‏

جاريتها الخاصة: لا أتوقع يا مولاتي.. لأن ما قمنا به.. كان بغاية السريّة.‏

رييا: ((تَحتار.. ولا تدري كيف تتصرّف ثم تخاطب جاريتها)) ادخلي بسرعة إلى مقصورة كرونوس وأغلقي الباب.. وأقفليه وراءك من الداخل.. ولا تفتحي لأحدٍ مهما كان.. إلاّ إذا أمرتك أنا بذلك.‏

جاريتها الخاصّة: أمرك يا مولاتي ((تدخل بسرعة وتغلق الباب وراءها بقوّة ثم يسمع صوت إغلاق الباب من الدّاخل)).‏

تيتانوس /1/: ((يدخل عابس الوجه يرمق رييا بنظرات غريبة مُريبة.. فترة صمت مخيفة ثم يلقي السّلام بفتور ونفور)) عمت صباحاً.‏

رييا: ((ترد على السّلام بخوف)) عمت صباحاً.‏

تيتانوس /1/: ((مستغرباً)) خيراً؟! ما بك؟‏

رييا: ((تبلع ريقها)) لـ.. لا.. لا شيء.‏

تيتانوس /1/: يبدو أن هناك أمراً ما غير عادي.‏

رييا: ((تحاول أن تتمالك نفسها)) لا.. صدّقني.. كلّ شيء عادي لكنّني متعبة هذا اليوم.‏

تيتانوس /1/: مساء البارحة.. كانت هناك تحركات مُريبةٌ وغير طبيعية في هذا القصر.‏

رييا: لا.. الأمر طبيعي.. لكن.. م.. م.. مولاي كرونوس كان مريضاً جداً.. ولم يتركني أنام لحظة واحدة.‏

تيتانوس /1/: أين هو الآن؟‏

رييا: ((تعود إلى التّأتأة والفأفأة)) م.م.‏

مو.. مولاي.. ك.. كرو.. كرنوس.‏

تيتانوس /1/: طبعاً.. أنا أسألك عنه لا عن غيره.‏

رييا: إنه.. إنه.. هـ.. هنا.. أقصد هناك في مقصورته الخاصّة.‏

تيتانوس /1/: عليّ إذاً.. أن أطمئن على صحته.‏

رييا: ((بعد أن يحاول الدّخول تقف أمامه محاولة عدم وصوله إلى الباب)).. مولاي كرونوس.. بصحة جيّدة أقصد.. هو الآن بصحة جيّدة.. وقد تماثل للشّفاء غداً تتحسّن صحته.. حينها.. يمكنك أن تراه.‏

تيتانوس /1/: حينها؟!.. أفهم من كلامك أنّي لا يمكن أن أراها لآن؟‏

((يسمع التيتانوس الأكبر /1/ صوت تقيّؤ كرونوس لولده الأخير فيلتفت مستغرباً إلى مصدر الصوت لعدم علمه السبب ثم يلتفت إلى رييا)) ما هذا الصّوت الذي سمعت؟!‏

رييا: ألم أقل لك.. إن مولاي كرونوس مريض.. إنه يتقيّأ الآن.. طبيعة جسمه كذلك.. لا يستريح إلاّ إذا تقيّا.. مولاي التيتانوس أنت تعلم.. أن الكِبر عِبَرْ.‏

تيتانوس /1/: لن أغادر القصر حتى أراه.. عليّ أن أطمئن على صحته على الأقل ((يقترب من الباب فتحاول الوقوف في وجهه ثانية.. يبعدها عنه ويقترب من الباب يدير /مِزْلاج = قبضة/ الباب أكثر من مرّة فلا يُفتح يلتفت إلى رييا)) مريض.. وتقفلون عليه الباب؟!! ((يعود ويدير /مِزْلاج: قبضة/ الباب بقوّة فلا يُفتح يخاطب رييا)) هات مفتاح الباب.‏

رييا: أنا لم أغلق عليه الباب.. يظهر أنه هو الذي أغلقه على نفسه من الدّاخل.‏

تيتانوس /1/: ((يدقّ الباب بكلّ قوّة)) افتح الباب.. افتح الباب يا كرونوس..‏

((ريبا في موقف لا تُحسد عليه.. يُفتح الباب بقوّة من الداخل فيقع التيتانوس /1/ وراء الباب.. يخرج زيوس مسرعاً نحو أمه من غير أن يرى التيتانوس والجارية تتّبعه محاولة منعه من فتح الباب)).‏

جاريتها الخاصة: لم أستطع منع مولاي من فتح الباب يا مولاتي..‏

زيوس: أمي.. لقد تقيّأ والدي إخوتي الأربعة.‏

تينانوس /1/: ((يقف مفاجأ بالنّداء)) نعم؟!! ماذا تقول؟!! تقول أمّك؟!!‏

زيوس: ((يفاجأ بوجود التيتانوس /1/ فيلتفت إليه حانقاً غاضباً)).‏

رييا: ((تخاطب ابنها زيوس)) بنيّ.. قدّم التّحيّة لمولاك التيتانوس الأكبر.‏

زيوس: ((غاضباً.. يتقدّم منه ببطء وَتَحَدِّ يَكِزّ على أسنانه ويضرب الأرض بقدَميْه كأنّه يهدّد ويتوعّد)) إذاً أنت من كان يقرع الباب بهذه الوحشيّة أيها التيتانوس؟!!.‏

رييا: ((تقف بينهما محاولة منع ابنها من الوصول إلى التيتانوس)) لا.. أرجوك يا ولدي..‏

تيتانوس /1/: ((مُنْدَهشاً ممّا يسمع ورأى)) ماذا أسمع؟... أمٌ وَوَلد؟!.. هناك إذاً مؤامرة كبرى تُحاك من وراء ظهورنا.. ونحن آخر من يدري؟!!! ((صارخاً)) ستحلّ عليكم لعنة التيتانوس.. ((صوت أقوى مقرون ببعض الصدى)) ستحلّ عليكم لغة التيتانوس..‏

ديدالوس: ((يدخل من الباب السريّ ومن ورائه السّيد الحكيم)) تفضّل أيّها السّيد الحكيم.. ((يدخل)).‏

تيتانوس /1/: ((يشهق مصعوقاً وكأن الأرض تدور به)) أيّها التيتا.. ((يحاول... الصراخ لأخوته التيتانوس مستنجداً بهم فلا يستطيع وكأن صوته قد بُحّ.. تطفأ الإضاءة على الجميع، ويسلّط ضوء سيّار قوي على زيوس بجانب السّيد الحكيم.. تعلو بهم شيئاً فشيئاً قطعة خشبيّة دائريّة ترتفع بهم حوالي مترين أو ثلاثة أمتار عن الأرض.. وبينما هما يرتفعان... يُسمع صوت مرش عسكري ثم يتماهى صوت المرش العسكري مع أصوات محاربين.. وهمهمات جنود. وصليل سيوف.. وقرع طبول وسماع صهيل خيول وأصوات رصاص وطلقات مدافع وهدير طائرات وإطلاق قذائف صواريخ وسماعُ أصوات أحدث ما توصل إليه العلم الحديث /وكأنَّ زيوس والسّيد الحكيم/ يقودان من مرتفع/ معركة أو حرباً/ حقيقيّة.. حرباً جرت أو ستجري .. معركة لا يمكن خوضها وضمان نتائجها لصالح الشّعب إلاّ بالتحام /القمّة بالقاعدة/ يبقى الضّوء السيّار مُسلّطاً عليهما مصحوباً بأصوات المعركة حتى تخفت الموسيقى شيئاً فشيئاً حتى حدود التّلاشي***.‏

[نهاية المسرحيّة]‏

31/12/2005‏

*** يمكن للمخرج أن يسقط على الشاشة صوراً لمعارك قديمة وحديثة وكان زيوس والسيد الحكيم يشرفان عليهما ويقودانها من الأعلى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244