|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:10 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
فرار (أ ـ موضوع المسرحية وزمانها ومكانها: زمانها بداية العصر العباسي سنة 132 هـ: أي بعد مقتل مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين. ومكانها دمشق وموضوعها العلاقة بين العلماء والأمراء في الدولة العباسية. ب ـ شخصيات المسرحية: 1 ـ عبد الله بن علي عم السفّاح والمنصور. 2 ـ أبو جعفر المنصور ولي عهد أبي العباس السفّاح. 3 ـ عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي فقيه الشام. 4 ـ سفيان الثوري الفقيه الواعظ الزاهد وتلميذ الأوزاعي. 5 ـ جنود وحرس وحجاب. المشهد الأول ( (قاعة كبيرة، يتصدّرها باب كبير، يحرس مصراعيه جنديان، وعلى ميمنة القاعة باب أصغر من الأول، يحرسه جنديان آخران، وأربعة الجنود يشرعون رماحاً، أسنتها حراب معقوفة، ويرتدون السواد لباس العباسيين في بداية عهدهم. وفي ميسرة القاعة شيخ وقور أبيض اللحية. بعد لحظات من كشف الستار يدخل من الباب الصغير رجل مكتهل، بدأ الشيب يخالط لحيته السوداء). الداخل: (ناظراً إلى الشيخ) مَن هَهنا؟ أشيخي الأوزاعي؟ الأوزاعي: نَعَمْ الداخل: إذن زايلني ارتياعي الداخل: (مكبَّاً على يدي الشيخ): أهلاً بشيخ الشامِ هاتِ ألثمْ يديك لثم الولد المِطْواعِ الأوزاعي: (قابضاً يديه) ويحك يا سفيان! لستُ إلاَّ مُسْتهدياً يبحث عن شعاع ولو رأيتَ الجندَ كيف ساقوا شيخَكَ بعد طول الامتناعِ وكيف أَلْقُوْهُ هنا، وولَّوْا حسبتني من سَقَط المتاع سفيان الثوري: لا يبهت اللؤلؤُ إن نثرته من عقده النظيم فوق القاع والماسُ لا يطفئه تعليقُه عقداً على ترائب الرعاع. الثوري: (مشيراً إلى الحراس): فهم ومن أشلاهُمُ أصغرُ من شرارة من علمك اللَّماع الأوزاعي: هل بقي الثوريُّ ثوريَّاً؟ الثوري: (مشيراً إلى شيخه) نعمْ! الشبلُ يحكي الليثَ في الصراع وثورتي ليست سوى اندفاعةٍ قبَسْتُها من سيلك الدُّفَّاعِ أرضعتني النخوةَ من طفولتي الأوزاعي: والآنَ شبْتَ! الثوري: لم يشبْ رضاعي الأوزاعي: أما رجوْتَ البُرْءَ منها قطُّ؟ الثوري: لا! ليس عقوقُ الأب من طباعي إن برئَ الثوريُّ من ثورته أصبحَ دون الأَمَةِ اللَّكاع الأوزاعي: دربُك وعرٌ الثوري: والخُطا واثقةٌ ما عثرت، وهي تجيبُ الداعي الأوزاعي: والحاكمون ظالمون الثوري: دأبُنا القراعُ حتّى النصرِ في القراع الأوزاعي: (بعد صمت) دعنا من القراع والصدامِ وقلْ: علامَ جئت هذا القصْرَ؟ والقصورُ للحكّامِ الثوري: ما جئتُ لكن جيء بي كالمهر إذ يُجرّ بالزمامِ أُلْقيتُ فيه جاهلاً ذويهِ الثوري: (مشيراً إلى الحراس): غير من أرى أمامي ألا تراني فيه كاليتيمِ في مائدةِ اللئامِ؟ الأوزاعي: طمأنتني سفيانُ خِلْتُ ... الثوري: (مقاطعاً) خِلْتَني أتيتُ لانتجاعِ لا يا أخا الأوزاعِ تلميذُك لا يسعى إلى حرام الأوزاعي: لقد تساويْنا الثوري: (مشيراً إلى نفسه) وكيف تستوي السفوحُ؟ (ثم إلى شيخه) ويحي، والقممْ!؟ كيف تقاس بالذي (ثم إلى نفسه): كان لك الخادم في ظل الحرمْ؟ الأوزاعي: (وهو يحك رأسه) ظل الحَرَمْ؟ الثوري: نعمْ نعم.! الأوزاعي: (بعد صمت وتفكر) أذكرتني أ أنت في مكةَ من جرَّ زمامَ فرسي؟ الثوري: نعمْ وسرتُ في الطواف بك سيرَ الحرسِ الأوزاعي: ومن أماط الجمع عني؟ الثوري: مالكُ بنُ أنسِ الأوزاعي: واخجلي منك! ومن شيخ الحجاز مالكِ من علمين: عالم وناسكِ واخجليّ أأنت قُدْتَ فرسي؟ ومالكٌ بلّغني مناسكي؟ يا ليتني أغسل رجليْ مالكٍ بالدمع من فرط الندمْ الثوري: لا، يا أخا الأوزاعِ، لا كلاكُما للدين والدنيا عَلَمْ الثوري: (مشيراً غل الحراس) كلاكُما لا هؤلاءِ تبنيان أرسخَ الممالك وتنشران النورَ لا الجور لكل سالكِ كي ينجوَ الناس من المهالكِ فلا يساورنَّ قلبَكَ الألمْ الأوزاعي: (متّجهاً إلى الحراس) حتى متى تحبُسنا حرابكم؟ حتى متى؟ أحد الحراس: حتى يقول حاجبُ الأمير: أََدْخِلْ مَنْ أتى الأوزاعي: لم نأتِ بل جيء بنا بالرغم منا يا فتى الحارس: سِيّان من يأتي ومن يُؤْتى به إلى بني العباسِ الأوزاعي: ما لي وللقوم؟ الحارس: ألا تحبّ أن تلقى رؤوسَ الناسِ؟ الأوزاعي: ومن هُم؟ الحارس: من حررَّوك من بني أمية الأنكاسِ فعبّ مروانُ الحمارُ منهم كأس الردى حين عتا الثوري: أنحنُ في سُرداق السفّاح الحارس: لا، بل أنتما في حضرة المنصورِ في دار عبد الله ذاك الأسدِ الهصورِ عمِّ أبي العباس شيخِ القوم والمشيرِ الأوزاعي: مالي وللعمِّ ولابن الأخ والسفَّاح والحرّاسِ؟ إِخالُني فريسةً بين نيوب الأُسْدِ والصقور فَرُدَّني إلى دواةِ الحبر واليراع والقرطاسِ الحارس: لا تخشَ مكروهاً فعبدُ الله ربع ممرعٌ وجودُ من زاره انثنى وقد جَنى جنىً يرنو له الحسودُ الأوزاعي: شتَّانَ ما يريدُه غيري وما أُريد!! هَمُّ الورى وما يملكُ العبيدُ لا ما يملكُ المعبودُ وهمّيَ الذي إذا أنفقته يزيدُ الثوري: مطلبُك المفقودُ من خزائن الحكَّام لا الموجودُ الحارس: (مستغرباً دهشاً) أُقسمُ لا أفهمُ! الثوري: لو فهمتَ قاسيتَ الذي أقاسي الأوزاعي: (متجهاً إلى الحارس) حتّى متى؟ الأوزاعي: مشيراً (إلى الباب الكبير): سَلْ مَنْ وراء الباب هل ندخلُ أو نعودُ؟ الحارس: (مستنكراً) أسألُ!؟ لا أجرؤ حتى تُفتح الأبوابُ ويخرج الحاجب والكتّاب والأصحابُ كالأَنْجُم الزهر التي يحجبها السحابُ الأوزاعي: مالي وللأنجم والسحاب يا سفيانُ؟ وللمديح السَّمْجِ؟ إذ يهذي به منافق جبان الأوزاعي: (آخذاً بيد سفيان ومتجهاً به نحو الباب الصغير) فلنمضِ لا تعبأ بما يشرعه في وجهك الجنودُ (الحارسان يشرعان رمحيهما ليقطعا الطريق على الشيخين) الحارس الأول: هيهات هيهات لما ترومُ يا أوزاعي!! أما أتتْ بك الريحُ التي سار بها شراعي؟ فانتظرِ الريح التي تؤذن بالإقلاع الحارس: (مشيراً إلى مصراع الباب الكبير المغلق) فأنتما ونحن أسرى ذلك المصراع. الحارس الثاني: (مشيراً إلى المصراع الذي بدأ الحارس بفتحه) هاهو ذا يفتح الأوزاعي: قد جاء الفَرَجْ الحارس الأول: قد هزت الريح الشراع فادخلا بلا حَرَجْ الأوزاعي: يا ليت ريحاً تغرق الشراع والربَّانْ من قبل أن نرسيَ فوق هذه الشُّطآنْ الحارس: (متعجباً وفاسحاً الطريق للشيخين) لم أرَ أغبى منهما فيما يُحبّانِ ويكرهانْ أفيهما استقامةٌ؟ وفي رجال الدين أمْتٌ وعوَجْ؟ (يدخل الأوزاعي والثوري ويسدل الستار على المشهد الأول) * * * المشهد الثاني ( (قاعة ضخمة فخمة، يتصدرها كهل متجهّم، على ميمنته شاب موفور الصحة والنشاط، وعلى ميسرته حاجب يشهر رمحاً، وخلف الثلاثة أجنادٌ يرتدون السواد، وتتدلَّى على جنوبهم السيوف في الأغماد. يدخل الثوريّ والأوزاعي خلف حارسين) الأوزاعي: نبدأ بالسلام حيّا اللهُ عبدَ الله والمنصورْ عبد الله: (مشيراً إلى الأوزاعي بعصا) أيُّ سلام من عَصيّ جامحٍ (ثم إلى الثوري) وشامسٍ نفورْ الأوزاعي: رُدَّ السلام فهو لله وثرْ ما شئت بعدَ الردِّ أن تثور المنصور: كيف نُحيّي ثائرينِ رفضا المبايعةْ؟ وأعلنا العِصيان الثوري: لم نعصِك بل فِئْنا إلى الموادعَةْ عبد الله: كلتاهما معصيةٌ منسوجةٌ بأنمل المخادعة كلاكما صنيعتا مروانَ الثوري: لم نبغض سوى المصانعَةْ من يصانعْ حاكماً يصانع القاهر لا المقهورْ فهل تزلّفنا إليك؟ عبد الله: لا المنصور: فما سرُّكما المستور؟ عبد الله: يا ابن أخي أخرجْ من الصدورِ ما تخزنه الصدورْ المنصور: وما الذي تخزنُ؟ مكرٌ غادر لا يفلح الغدور عبد الله: (مشيراً إلى الشيخين): ألا ترى؟ كيف يفيض شرر الأجفان بالشرورْ؟ عبد الله: (ناكتاً الأرض بعصاه): دَعْ لي يا منصور ذاك الماردَ الأوزاعي كي أفضح المكنون في جنبيه والأضلاعِ فأصغِ والقَفْ ما يمجّ الشيخ من أفاع ثم أعتصر من قلب سفيان الذي يغور في الجحورْ عبد الله: (بعد نكت في الأرض وصمت ونظرات غاضبة يمطر بها الأوزاعي): ما القولُ في مروانَ؟ وما الذي أراح الناس من مروانْ؟ الأوزاعي: كلاهما مغامرٌ يصبو إلى السلطانْ عبد الله: أما محا المغامرُ الجورَ؟ الأوزاعي: بلى!! لكنْ بجور ثانْ بقتله الشيوخ والنساء والصبيان عبد الله: يريدُ أن يقتلع الشوك من الجذورْ الأوزاعي: هل الجذورُ في صدور الشيخ والعجوز والغريرْ؟ لم يقلع الجذورَ لكنْ سحق الهشيم والبذور أَيُقمع الطغيان بالطغيانِ؟ أم بالعدل والأحسانْ عبد الله: ويلك! قد أسرفت في إيجاعي ألا يحلُّ دم من يحكم بالإثم وبالعدوانْ؟ ومن يُذيق عترة النبيّ سوء العسف والهوان؟ الأوزاعي: إن دمَ الإنسان لا يحلُّ في الإسلامِ إلاَّ بقتل العمد، أو بردَّةٍ تهدّد الوحدَة بانقسامِ أو بزنى المحصنِ إذْ يمضي عن الحلِّ إلى الحرام فأيَّهم كان بنو أميةْ؟ الشيخُ والرضيعُ والمرضعُ والعجوز والصبيةْ؟ عبد الله: إن لم يكونوا مَنْ ذكرت فهم الأبناءْ والحفداءُ الراضعون البغيَ من مراشف الأثداءْ والوارثون ما جنى الأجدادُ والآباء فليحملوا أوزارهم هل تلد الحيَّةَ إلاَّ حيَّةْ؟ الأوزاعي: أيَّاً تلدْ فليحمل الوازرُ ما يزرُ لا الذريّة عبد الله: (ينكت الأرض بعصاه نكتاً متواتراً) ويلك! ماذا قلت؟ الأوزاعي: ما يقضي به القضاء ما نزل الوحي بهِ من لوحه المحفوظ في السماء عبد الله: (وهو يزداد توتّراً ثم يتصنع الهدوء): دَعْنا من الدماءْ ما الحكمُ يما تركوا مُذْ هلكوا وراءهم من مالْ؟ الأوزاعي: المالُ إن حلّ لهم فهو لكم حلالْ عبد الله: مالُ بني مروان مسروقٌ من الرعيّةْ الأوزاعي: إن كان مسروقاً فقد كان حراماً وهو ما يزال عبد الله: أنحن سُرَّاقٌ؟ الأوزاعي: لقد قلتُ الذي يمكن أن يقالْ (الجنود يحركون السيوف في أغمادها غضباً، وعبد الله ينكت الأرض) عبد الله: أقبحْ بما قلتَ! الأوزاعي: أرى الأغماد في سواعد الأجنادْ تحرذك السيوف بالحتوفِ كي أقول ما يُرادْ عبد الله: (متصنعاً الهدوء): دعك من الجند، وقل: هل أنفق الأموال في الجهاد؟ الأوزاعي: في الغزو والفتوح لا في العسف والحيف على العبادْ عب الله: ألستُ حرّاً في الذي أملكُ؟ الأوزاعي: لا المالُ ليس مالَكْ عبد الله: فمالُ من؟ الأوزاعي: مالُ الذين زرعوا وقطعوا (مشيراً على الجند): كي يشبعوا رجالَكْ مالُ الذين أصبحوا منذ وليتَ أمرهم عيالَكْ أبعد ما طعمتَ ما قد زرعوا تطعمُهم نصالَكْ؟ عبد الله: هَبْني فعلتُ! الأوزاعي: تجمعُ الوزرينِ: غصبَ المال والفسادْ وتخسر الدارين: دنياك وأخراك عبد الله: فما السدادُ ما الرشادُ؟ الأوزاعي: عفوُك عمّن لم يزِرْ وِزراً ولا أذيّةْ والحكمُ بين الناس بالسويّة عبد الله: أحكمُ إن ظاهرتني الأوزاعي: لا شأن لي في الحكم والسياسةْ وكلُّ ما يشغلني اليراع والدواة والكرّاسةْ عبد الله: ذاك الذي أعنيه أي: تُفْتي لنا كيلا يضلَّ السَّاسةْ أُوليك ما كنت تلي ثم تلي القضاءْ الأوزاعي: لستُ له بالكُفِْ لا تُلْقِ على شيخوختي الأعباءْ عبد الله: إن لم تكنْ فمن إذن أولئك الأكفاءْ؟ الأوزاعي: سَلْ فقهاء الشامِ عبد الله: (مشيراً إلى الشيخين) سألتُ فاختاروا اللذين ههنا أمامي الأوزاعي: (بنبرة جازمة) أمّا أنا... فلا فسل سفيانَ المنصور: (متجهاً إلى عمه) دعْ لي طَرَفَ الكلامِ (ثم متجهاً إلى الثوري) سفيانُ قد أعيينا فراراً أين اختفيتَ؟ الثوري: حيث لا أجرح إثماً أو أصيب عاراً المنصور: طار بك السحابُ؟ أم غار بك الترابُ؟ حيث غارا الثوري: لا ذا، ولا ذا إنما أخاف أن أضيرَ أو أُضارا فَأَخْلَعُ الدنيا لمن يلبسُها وأرتدي الزهادَةْ منصرفاً عن عيشها الرغد إلى العبادةْ المنصور: من حرَّم الزينة والطيِّبَ من دنياك والرغادة؟ الثوري: ما حُرّمت بل مُرِّغت بالإثم باسم الغوص في السعادةْ فجلُّ ما نلبسُهُ يكسو التقى أوزارا وجلُّ ما نطعمه يأتدم الجمارا فما أصبنا مغنماً إلا حشونا في البطون نارا المنصور: غَلوْتَ يا سفيانُ في التحريمِ تحريم ما أبيح من نعيمِ كأننا نقتاتُ بالضريع والزقّومِ ونجرع الغِسلين والغسّاق والمهل مع الحميم الثوريّ: إن أغلُ فالغلوُّ لي وإن تحمَّلتُ فلم أُلْزم سواي وطأةَ التحمّلِ فلتأكلوا ما تشتهون ولأكابدْ غصصي في مأكلي ولتسكنوا القصور إن جعلت قبري منزلي ومن يفاخر بالذي يملكه فإن حسبي عملي المنصور: الويل لي! حسبُك ما أطلقت يا سفيان من رجومِ عليَّ حتى خِلْتُني إبليسَ مدفوعاً إلى الجحيم الثوري: لم أٌصد التعريضَ المنصور: بل عنيْتَ ما كنيْتَ من معانِ حاولت أن تخفي ما تخاف أن يظهر للعيانِ وزلّةُ اللسان قد تفضح ما يدور في الجنان فكُفَّ عنّي مِقْوَلاً يسيلُ إذْ يزلُّ بالسموم الثوري: لو سال بالسموم لاقتلعته بالفأس من حلقومي المنصور: قد سال حتى دلَّ أو كاد على أنك من خصومي ماذا أردتَ؟ الثوري: لم أُردْ غير الذي باح به لساني أن يذكر الناسُ صروف الآخرَةْ كيلا تغرّهم من الدنيا طيوفٌ عابرَةْ تعلِّل الأوغادَ بالأمجاد وهي غادرة تبهرجُ الإجرامَ للحكام بالأماني الثوري: (بعد صمت) إن لم تكن منهم فلا تأبهْ لما أباح به بياني المنصور: لا، لستُ منهم غير أن النفس فيما قلتَ أمستْ حائرَةْ قُلْ ليَ: من تراني؟ أمنهمُ؟ أم من فريق ثانِ؟ الثوري: إني أرى محارةً ألقتْ بها في الشاطئ الأمواهُ مغلقةً لم تبتسمْ عن ثغرها الشفاهُ أغلقها البارئُ كي تختلط الأشباهُ المنصور: أليس فيها درّةٌ؟ الثوري: لا يعلم المكنونَ إلا اللهُ الدرُّ مثلُ السرِّ الثوري: (مشيراً إلى قلبه): والأسرارُ تثوي ههنا لا أنت تفري الصدف المغلق كي نُبْصرها ولا أنا يفتحها الدّيانُ يومَ الدين لا أهلُ الدنا المنصور: عُدْتَ إلى التعريضِ الثوري: بل سرتُ من المُرِّ إلى لأمرِّ المنصور: روّعتني يا شيخ ما روَعتُ، بل فجَّرت نبعَ خيرِ لم يخفِ القهَّارَ أو يستغفر الغفّارَ إلا ذو وَرَعْ ما أبرق الرجاء إلا أرعدت فينا جوانح الهَلَعْ فجوهرُ الإيمان بالله رجاءٌ وفزعْ هذا يمنّي القلب بالخير وذا يقيه كلَّ شرٍ فخذ من الدّينِ ما شئتَ ودعْ لي ما تدعْ عبد الله: سكتُّ حتى كاد أن يخنقني السكوتُ (مشيراً إلى المنصور) أرنو إلى البحر وفيه سابحٌ مختبطٌ (ثم إلى الثوري) وحوتُ (ثم إلى الأوزاعي) وثالثٌ كالقَرْشِ ظنَ أننا لماضغيه قوتُ يشحذ ـ وهو يسمع الثوريَّ ـ أنيابَ الطمعْ الأوزاعي: لم ننتجع مرتع مروانَ وكم من طامع فيه رَتَعْ ولو طمعنا فيك لانتجعناك كما الساعي إلى الخصب انتجعْ الثوري: لا، يا بني العباسِ ما نحنُ ـ على فافتنا ـ تحوتُ إنا نقيء الذلَّ أو نزدردُ الترابَ أو نموتُ متى ازدلفنا أو زحفنا؟ رُكَّعاً إليكمُ معْ من ركع؟ الأوزاعي: (آخذاً بيد الثوري) امضِ بنا سفيانُ المنصور: (متجهاً إلى الأوزاعي) سوف يمضي من بعد ما يذكر لي حاجته فأقضي فإنني أُكْرمُ كلّ من يحلّ أرضي (ثم إلى الثوري) ما حاجةُ الثوريَّ؟ الثوريّ: لي عندك حاجتانِ المنصور: فما هما كلتاهما عنيد بإذن الله تُقْضيان بغير منّ أو أذى الثوريك وغير إبطاءٍ وغير نَقْضِ فبعضُ حاجتيَّ لا يُغني ـ إذا قضيْتَه ـ عن بعضِ المنصور: أقضيهما معاً بلا تمهُّل قُلْ: ما هما؟ الثوري: أولاهما أنك لا تُعطي إذا لم أسألِ المنصور: وأختُها؟ الثوري: لا ترسل الرسل إلى داريَ ما لم أُرْسِل بذي وذي تعفُّ كفّي ويخفُّ محملي وأنت لا يؤذيك مني مخرجي ومدخلي المنصور: أذا فراقٌ أم طلاقٌ بائنُ؟ الأوزاعي: أَنْصِفْ وقل: أشظفٌ أم شرفٌ لسحنتينا صائنُ؟ (متجهاً إلى عبد الله) دعنا لما اعتدنا نَعُدْ ثم اصطنعْ بطانة تُداهنُ وارتعْ بما وليتَ ولنقنع بما نليه عمَّا لم نَلِ (ثم يخرج الشيخان مسرعين وعبد الله والمنصور مبهوتان) المنصور: عمّاه! قد هدمتَ ما بنيتُ أطلقتَ من قبضتي الصقرَ الذي احتويْتُ أوشكتُ أن أطويَ سفيانَ كما طويتُ من طويتُ عبد الله: تحويه أم يحويك يا منصورُ؟ تطويه أم يطويك وهو الأجدلُ النفورُ؟ المنصور: سيّانِ أن أُطْوَى وأن أطويَ من صافيتُ عبد الله: خُيّل لي أنك في منقار عصفور وأن ريشك النثير في المدى يطيرُ حينئذ رميت هذا الطائر الخبَّ بما رميتُ المنصور: سفيان ليس ماكراً أو خبَّا أو ببّغاءَ حاكمٍ يُفْتيه إن أفتى بما أحبَّا ولا الذي ينتقر الحبَّ إذا ذرَّت يداك حَبّا عبد الله: أراك تبدي حبّه المنصور: أكذب إن أنكرتُ ما أبديتُ لكنني مُنْشَطرٌ: يحبُّه قلبي وعقلي يبغضُ يطيعُه ديني ودنياي الغرور ترفضُ ومهجتي أسيرة له وفي الحكم عنه معرضُ فأيُّ شطريَّ إذن أُطيعُ؟ وهل أنا التابعُ للثوريّ يا عميّ أم المتبوعُ؟ عبد الله: يا ليتني أصمٌّ أسمعُ لا أعي الذي وعيْتُ المنصور: (مسترسلاً في نجواه) ندمتُ إذْ ذممتُ فالقلبُ بما اجترمته مفجوعُ فهل أُراضي الشيخَ؟ عبد الله: ثوريُّك ذا يا ابن أخي جنّيُّ مَسَّكَ منذُ اندسَ فينا فإذاً أنت به حفيُّ فلتستعذْ باللهِ يذهبْ مسُّهُ ودواؤك الدويُّ المنصور: إن كان جنيّاً فمن منا التقيُّ؟ ومن الوليُّ؟ عبد الله: عادوك المسُّ وعُقْبى المسّ في الإنس جنونٌ أو هلاكْ المنصور: هيهات يا عماه! لا يأتي جنونُ المسّ من ملاكْ سفيانُ ألقى قَبَساً في ليلنا ثم قلاني وقلاك شعَّ فأبصرتُ بعينيْ مهجتي أشعَّةَ الإيمانِ فهان عندي مطمحي للمجد والسلطانِ والآن يشويني اللُّوابُ باحثاً عن فطرة الإنسانِ أفيَّ مَسٌّ؟ عبد الله: عارضٌ من اصطراع العقل والوجدان وسوف تشفى حينما تمردُ تحت التاج كالشيطانِ حينئذ يخمدُ في الجوانح الصراعُ ويبردُ الضميرُ أو تلجمُه الأطماعُ وأنت فوق العرش لا تُحسُّ ما يحسُّه الرعاعُ المنصور: قالوا: يصيرُ القلب فوق العرش من صوَّانِ عبد الله: أسطورةٌ! لكنها والتاج توأمانِ ما افترقا في زمن قطُّ ولا مكانِ (الستار يُسدل ببطء شديد والمنصور يتابع نجواه) المنصور: عن أنقذ الشيخين من إِسارهما فرارهُ فنحن من أغوارها في هُوَّةٍ ليس لها قرار أحسبني أكبرُ أو أَشْمَخُ إذْ أَصغرُ أو أنهارُ فأيُّنا أهدى سبيلاً؟ نحن يا عمُّ أم الشيخانِ؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |