|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
رقصة الممثل الأخير قُدمَّت المسرحية في مهرجان حمص المسرحي السادس بتاريخ 25/10/1992 شخصيات المسرحية: 1 ـ نادر: المخرج. 2 ـ حسيب: المراقب المالي. 3 ـ وليد: بسانيو. 4 ـ حسن: أمير مراكش. 5 ـ صباح: نريسا. 6 ـ فاتن: بورشيا. 7 ـ إيمان: الطالبة الجامعية. 8 ـ شعيب: شايلوك. 9 ـ مصطفى: حارس المحكمة + مساعد المخرج. 10 ـ الأب. 11 ـ متفرج 1. 12 ـ متفرج 2. 13 ـ حارس المسرح. 14 ـ رجل الصناديق. المشهد الأول (خشبة المسرح وقد جهزت لتدريبات متقدمة من مسرحية تاجر البندقية لشكسبير. تبدو بعض الأعمدة ومداخل القصر.. هناك طاولة إلى اليمين لجلوس المراقب حسيب وقربها لوحة كتب عليها مراقب مالي.. الخ. وإلى يسار الخشبة طاولة أصغر ولوحة كُتب عليها (المخرج). المسرح فارغ.. إظلام.. موسيقا تعبر عن ألم ومعاناة.. إضاءة خافتة يدخل الممثلون من يمين ويسار المسرح ببطء حاملين على ظهورهم دمى خشبية يسير الممثلون بخطى متثاقلة.. يصفّون الدمى التي يحملونها في عمق ويمين المسرح ويقفون أمامها. تصمت الإضاءة ثوان قليلة ثم إلى موسيقا فرحة راقصة مع إضاءة قوية يرقص الممثلون يدورون حول الدمى الخشبية ويقومون بإلباس ثياب المسرحية بحيث ترتدي كل دمية ثياب شخصية من الشخصيات.. يدخل حسيب أثناء الرقص عابساً حاملاً دفتر حساباته ومنشّة طاردة للذباب ومكّبر يجلس وراء طاولته تتراجع الموسيقا.. يدخل المخرج نادر من اليسار حاملاً حقيبته ويبدو متحمّساً بشدة للعمل. ينتبه الجميع إليه). المخرج: (يصرخ) جاهزون.. (لمصطفى) اقرأ التفقد يـا مصطفى. حسيب: (مقاطعاً) لحظة يا أستاذ نادر. المخرج: (بامتعاض) ماذا تريد؟ حسيب: سيادة المدير عزّت بيك أوصاني أن أذكركّم قبل كل تدريب بشروط العقد. المخرج: (بثقة) طمّن سيادة المدير عزت بأنني سأنجز المسرحية في الموعد المحدد. حسيب من واجبي أن أذكركم قبل كل تدريب بشروط العقد. المخرج: يا سيد حسيب أنا أعمل في المسرح يعني في فن الكلمة المقدسة وأنا مستعد لأن أدفع حياتي ثمناً للكلمة التي أقولها. حسيب: (وهو يُخرج العقد) ومع ذلك فلا بد من قراءة العقد الذي وقعتموه بأنفسكم.. (يقرأ العقد باستفزاز) أنا الموقع أدناه المخرج نادر أتعهد أمام الأستاذ عزت بيك وأنا بكامل قواي العقلية بأن أنجز مسرحية تاجر البندقية للكاتب العظيم شكسبير في الموعد المحدد وإذا فشلتُ لأيّ سبب كان فسوف أتّخلى عن الإخراج وأصبح أمين مستودع التوالف والمستهلكات.. التوقيع.. نادر.. نادر. المخرج: هل هناك شيء آخر؟ حسيب: كلا.. يمكنك أن تبدأ اللعب. المخرج: (للممثلين) جاهزون؟ (يدير الممثلون ظهورهم للجمهور ويصرخون). الممثلون: (بصوت واحد) كلا. المخرج: لماذا؟ (يلتفت الممثلون معاً ويشيرون إلى الصالة). الممثلون: انظر (يجمدون وهم يشيرون إلى الجمهور). المخرج: (بحيرة) مَنْ أدخل هؤلاء إلى هنا؟ وليد: اسألهم. حسن: الباب مفتوح. المخرج: اطردوهم وأغلقوا الباب. حسيب: اطردهم أنت. المخرج: (بغضب) أنا مخرج ولست طارداً للجماهير.. أين المستخدمون؟ مصطفى: غائبون. المخرج: أبو أحمد. وليد: إجازة. المخرج: أبو عدنان. حسيب: مريض. المخرج: أبو شاكر. حسيب: في الحج! المخرج: يعني.. لا يوجد أحد.. طيب (يقترب من مقدمة الخشبة ويكلم الجمهور) يا شباب.. إذا سمحتم.. اتركوا لنا الصالة. متفرج1: (من بين الجمهور) لن نخرج قبل مشاهدة المسرحية. المخرج: أية مسرحية؟! متفرج 2: (من بين الجمهور) تاجر البندقية. المخرج: المسرحية غير جاهزة.. موعد العرض بعد أسبوع. متفرج 1: ولكنكم أعلنتم أن موعد العرض هو هذا اليوم (يخرج صحيفة ويشير إلى الخبر فيها). المخرج: مستحيل. متفرج 2: اسمع إذن (يقترب مع متفرج 1 من المخرج.. ويقرأ) تعلن فرقة المسرح الصاعد عن تقديم مسرحية تاجر البندقية في الساعة السادسة من مساء الاثنين الواقع في (يخطف المخرج منه الصحيفة ويتأمل الخبر بدهشة). المخرج: هذه مؤامرة.. مؤامرة دنيئة.. إنهم يريدون تحطيمي.. (لمتفرّج 1 و2) الخبر غير صحيح متفرج 1: (يهدد) هل تقصد بأن الصحيفة تكذب؟ المخرج: (فزعاً) أعوذ بالله.. الأمر فيه خطأ مطبعي حتماً. متفرج 1: مطبعي أو غير مطبعي.. أنا دفعت ثمن البطاقة عشرين ليرة. متفرج 2: وأنا أيضاً تركت شغلي وأتيتُ إلى هنا. متفرج 1: لن نخرج من المولد بلا حمص. المخرج: ليس لدينا مولد ولا حمص.. نحن نتدرب يعني لدينا بروفة ألا تفهمان؟ متفرج 2: نتفرج. المخرج: لسنا للفرجة. متفرج 1: ونحن لن نخرج (يجلس مع متفرج 2 على خشبة المسرح) يقترب وليد ويهمس في أذن المخرج). وليد: عندي اقتراح. المخرج: لن أسمع أي اقتراح. وليد: ستتوقف البروفة. المخرج: القضية قضية مبدأ.. إما أنا وإما هم. مصطفى: يا أستاذ. نادر مضت نصف ساعة ولم نفعل شيئاً. حسن: أرجوكم زوجتي تلد في المشفى.. هل تنوون متابعة التدريب أم لا؟!. مصطفى: يا أستاذ آخر باص يذهب إلى قريتي يمر من هنا في الثامنة إلا ربعاً.. وإذا لم ألحق به فسوف أمشي ثلاث ساعات. شعيب: وأنا تركت عملي الإضافي بعد الظهر وخسرت أجرته. المخرج: كفاكم نقّاً كالضفادع (يشد وليد) قل بسرعة ما هو اقتراحك؟ وليد: تسمح للجمهور بحضور التدريب.. الجمهور يتفرج والممثلون يعتادون على التمثيل أمامه. المخرج: ولكن ربما تشاجرنا أمام الناس. حسيب: (يحاول إثارته) وشتمكم المخرج كالعادة. المخرج: (لحسيب بغضب) اسمع أنا لا أشتم إلا عندما أغضب. حسيب: لا أدري كيف استطاعوا احتمالك إلى الآن يا سيد نادر. المخرج: (يفطن) ها ها.. أنت تثيرهم ضدي يا سيد حسيب أنا أعرف ما تهدف إليه (للجمهور.. فجأة) سأسمح لكم بالحضور ولكن على شرط. لا أريد أن أسمع منكم كلمة واحدة وإلا طردت الجميع خارج الصالة.. مفهوم. متفرج 1: على رأسي (يعودان مكانهما). المخرج: (يستعد للعمل) اقرأ التفقد يا مصطفى. مصطفى: (يقرا) وليد. وليد: حاضر. مصطفى: حسن. حسن: حاضر. مصطفى: صباح. صباح: حاضر. المخرج: (مقاطعاً) ستوب.. (بيأس) لا فائدة.. لا فائدة!!. مصطفى: ماذا حدث؟ المخرج: كم مرة قلت لكم هنا على خشبة المسرح لا يوجد وليد أو مصطفى أو صباح أو حسن.. هنا يوجد أنطونيو..بسانيو أمير مراكش.. قاضي البندقية.. هنا يجب عليكم أن تنسوا أسماءكم تماماً وتتوغلوا في أعماق الشخصيات.. هل هذا مفهوم (لمصطفى) اقرأ الأسماء من جديد. (مصطفى يقرأ الأسماء وخلال القراءة المراقب حسيب يضرب بمنشّة الذباب على الطاولة فرحاً حين يسمع بغياب ممثل). مصطفى: بسانيو. وليد: حاضر. مصطفى: اليهودي شايلوك (شعيب لا يرد). المخرج: لمن الدور؟ مصطفى: لشعيب. المخرج: ولماذا لا ترد يا سيد شعيب؟ شعيب: لأني لا أحب هذا الدور. المخرج: ما هو السبب؟ شعيب: إنه يسبب لي إحراجاً بين الناس. المخرج: ولكن دور اليهودي يناسبك تماماً. شعيب: ماذا تقصد؟ المخرج: أقصد أنك بارع جداً في أداء هذا الدور. شعيب: لا أريده.. الجميع صار يسخر مني ويناديني يا يهودي.. يا يهودي حتى الأطفال في الحارة. المخرج: العرض بعد أسبوع ولا يمكنني تبديل هذا الدور الآن. شعيب: ولكنني أكرهه. المخرج: (مقاطعاً) كفى.. كفى.. تابع القراءة يا مصطفى. مصطفى: (يتابع القراءة) حارس المحكمة (لا أحد يرد.. يصرخ من جديد) حارس المحكمة.. حارس المحكمة. المخرج: (ينظر إلى نسخة الإخراج فيكتشف أن الدور لمصطفى) ماذا أفعل بهذا الغبي (يتناول الرمح الموضوع على شاخص الحارس ويضرب به مصطفى) أليس هذا الدور لك؟ مصطفى: (يفطن) هذا صحيح.. أنا آسف. المخرج: تابع.. تابع.. مصطفى: قاضي البندقية. قاضي البندقية. وليد: إنه في السجن. المخرج: ماذا؟ مصطفى: في السجن. المخرج: هل تسخر مني يا سيد وليد؟ وليد: كلا.. إنه في السجن حقاً (يقترب من المخرج ليهمس في أذنه فيصرخ جميع الممثلين). الجميع: (بصوت واحد) قبضوا عليه البارحة ومعه بعض المهربات. المخرج: (يفاجأ) ياسلام.. قاضي البندقية ويتاجر في المهربات. شعيب: (موافقاً) يريد أن يعيش. المخرج: اخرس.. الفنان يجب أن يكون قدوة ومثالاً في المجتمع بسلوكه المستقيم. شعيب: (هامساً) مرحباً قدوة. حسيب: (محرضاً) ستموتون من الجوع إذا بقيتم وراءه. المخرج: (لمصطفى) تابع القراءة. مصطفى: (يتابع) الخادمة نريسا. صباح: (بتذمر) حاضر. مصطفى: أنطونيو.. تاجر البندقية (لا أحد يرد). المخرج: أين تاجر البندقية؟ حسن: لقد رأيته مع عربته في الشارع القريب يبيع البطيخ والأناناس. المخرج: ومتى سيشرفنا حضرته؟ حسن: ربما بعد أن تنفق بضاعته. حسيب: (ساخراً) يا جبار.. (يشير إلى مصطفى يتابع).. مصطفى: الأميرة بورشيا (لا أحد يرد). المخرج: هل تعرفين أين الأميرة بورشيا يا صباح؟ صباح: كلا.. اسألوا عنها السيد وليد. وليد: ماذا تقصدين؟ صباح: لا شيء. المخرج: إنها السادسة والنصف ولم تشرف حضرتها. صباح: طبعاً.. يحق لها أن تتدلّل.. أليست بطلة؟ حسيب: هذا سيكفي سنبدأ العمل؟ مصطفى: ولكن.. هناك غياب كثير. المخرج: لا يهم (يفتح النسخة ويقلبها) سنعمل في المنظر الأول. مصطفى: غير جاهز. المخرج: الثاني. مصطفى: غير جاهز. المخرج: الثالث. مصطفى: غير جاهز. المخرج: (وقد نفد صبره) .. لا. هذا غير معقول (يقلب في نسخة الإخراج) هه.. يمكننا أن نبدأ بالمنظر. حسن: (مقاطعاً) السابع.. دخول أمير مراكش لخطبة الأميرة بورشيا. مصطفى: (مقاطعاً) كلا الأفضل أن نبدأ بمشهد المحاكمة.. الباص سيمر من هنا في الساعة الثامنة. حسن: بل سنبدأ بمشهد أمير مراكش.. زوجتي تلد في المستشفى. مصطفى: وآخر باص يذهب إلى قريتي. المخرج: (غاضباً) كفى.. كفى.. يا جماعة.. يا جماعة.. الفن يحتاج إلى تضحيات ومن ركب سفينة الفن فعليه أن يخوض بحر التضحيات.. أنا مثلاً.. أنا مثلاً.. كان عندي تدريب ليلة العرس.. (يسأل الممثلين) متى؟ متفرج 1: (من الصالة) ليلة العرس. المخرج: اخرس ولا تنطق كلمة ثانية.. مفهوم.. (يتابع حديثه للممثلين) قلتُ للعروس التي أحبها.. أنا ذاهب.. فقالت إلى أين؟ فقلت إلى المسرح فقالت.. إما أنا وإما المسرح.. فقلت بإصرار..المسرح.. المسرح.. وحين عدت لم أجد أحداً في البيت.. وإلى الآن مازالت عازباً. شعيب: يا أستاذ.. عشر سنوات ونحن نعمل في الفن ولم نستفد شيئاً. المخرج: الفنان يفيد ولا يستفيد.. يعطي ولا ينتظر.. يمنح ولا يُمنح لأن أجره أعلى من أي أجر. حسن: وهل سنمضي الليلة هكذا في الجدال والمماحكة؟ المخرج: معك حق.. يبدو أن هناك عناصر مدسوسة في هذه الفرقة تريد إضاعة وقتنا الثمين.. جهزوا للمشهد السابع.. دخول أمير مراكش لخطبة الأميرة بورشيا. صباح: ولكنَّ الأميرة بورشيا غائبة يا أستاذ. المخرج: تأخذين مكانها. صباح: أنا آسفة. المخرج: لماذا؟ صباح: كان عليك أن تعطيني دور الأميرة منذ البداية. المخرج: ولكنك لا تصلحين لدور بورشيا. صباح: (بغضب) طبعاً.. لا تصلح له إلا الآنسة الدلوعة فاتن أما أنا فلا أصلح إلا لدور خادمة. المخرج: يا آنسة صباح.. في المسرح ليس هناك دور كبير أو صغير كما يقول المخرج العظيم (ستانسلافسكي) بل هناك ممثل كبير وممثل صغير. صباح: لن تستطيع خداعي بهذا الكلام. المخرج: (فجأة ينادي) مصطفى. مصطفى: نعم أستاذ نادر. المخرج: هل تحفظ دور بورشيا؟ مصطفى: أنا؟ المخرج: نعم أنت. مصطفى: ولكن لماذا؟ المخرج: ستقوم الآن بدور الأميرة بورشيا. مصطفى: ولكن كيف سأقوم بدور فتاة. المخرج: كأيّ فتاة.. ألم تر فتاة في حياتك.. (يقلّد الفتاة) كيف تسير تتمايل!... تبتسم.. (يرمي إليه بباروكة فتاة). مصطفى: إذا علم أهل قريتي بالأمر فسوف تكون كارثة بالنسبة لي. المخرج: لا تبالغ في المسألة كثيراً.. الأمر كلّه دقائق ثم تعود إلى دورك العظيم.. حارس محكمة البندقية.. (يصرخ) جهزوا للمشهد السابع. (إظلام خفيف مع موسيقا مرحة.. يجهّز الممثلون لمشهد دخول أمير مراكش.. يرتدي مصطفى ثياب الأميرة بورشيا ويضع الباروكة على رأسه.. يرتدي حسن ثياب الأمير.. ترتدي صباح ثياب الخادمة نريسا وتقف قرب مصطفى.. يقف حسن على باب القصر منتظراً الإذن بالدخول.. يجلس مصطفى على كرسي وثير). المخرج: (لمصطفى) أنت الآن بورشيا الحسناء التي تنتظر الخطاب كي تختار عريساً منهم.. إنها الآن تستعد لاستقبال أمير مراكش.. (يصرخ) ادخل يا أمير مراكش. (يدخل حسن بكبرياء مصطنعة يرتدي ثياب الأمير وعلى رأسه عمامة فيها ريشة). المخرج: (يصرخ) ستوب.. أوقفوا التمثيل.. (يشد حسن من ذراعه) أين الريشة؟ حسن: على العمامة. المخرج: (ينتزع الريشة ويتأملها) هذه ريشة دجاجة وليست ريشة طاووس. حسيب: هذه ريشة ديك هندي. المخرج: ديك سخيف! ألم تسمع بما قاله الشعراء في الديك الهندي؟ المخرج: (باستخفاف) ماذا قالوا؟ حسيب: (ينشد) أنا ديكٌ من الهندِ بديعُ الصوت والقدِّ ولي تاجُ على رأسي وكلُّ الطيرِ من بعدي المخرج: ولكني طلبت شراء ريشة طاووس لأن الأمير يمشي كالطاووس وليس كديك هندي أحمق. حسيب: وهل تعرف ثمن ريشة الطاووس يا سيد نادر؟ المخرج: كم يكون؟ حسيب: عشرين ليرة. المخرج: مبلغ تافه. حسيب: (ساخراً) طبعاً تافه أنتم لا تقدرون قيمة هذه المبالغ التافهة.. عشرة هنا وعشرة من هناك تشكل مبلغاً خطيراً. المخرج: (بمرارة ساخرة) ماذا كنت تقول لو أني طلبت منك ريشة نسر مثلاً. حسيب: (ساخراً) كنت سأجهز لك بعثة استكشافية تبحث لك عن نسرك النادر في أعالي الجبال. المخرج: لقد زاد الأمر عن حده. حسيب: بل أنت زودتها.. (يأتي بدفتر الحسابات) هل تعلم مجموع ما أنفقناه على مسرحيتك الميمونة حتى الآن (يقرأ أرقام بالعدسة المكبرة) ثلاثة آلاف وأربع وخمسون ليرة ونصف. المخرج: وهل تسمي هذا مبلغاً..؟ إنه لا يساوي فنجان قهوة تشربه راقصة مشهورة (يجلس المخرج ويكشف عن ساقيه). حسيب: تعليمات الأستاذ عزت تطلب منك شد الأحزمة والاقتصاد في النفقات. مصطفى: (متوسلاً) ألن نتابع التمثيل يا أستاذ؟ المخرج: سنتابع.. ولن أسمح لريشة ديك هندي ومَنْ وراء هذه الريشة أن يعطّل التدريب.. (ينادي) أدخل أمير مراكش. (تعزف موسيقا الاستقبال ثم يدخل حسن بدور أمير مراكش يتجه نحو مصطفى الذي يقوم بدور بورشيا مرغماً.. ينحني حسن). بورشيا: (لمصطفى) أيتها الخادمة هاتي العلب الثلاث وضعيها أمام الأمير. (تخرج صباح لإحضار العلب). أمير مراكش: (حسن) لقد جئتُك يا مولاة قلبي وروحي بعد أن قطعتُ بسيفي ألفاً من رؤوس الأعداء. (تدخل صباح وهي تدفع أمامها طاولة عليها ثلاث علب الأولى ذهبية اللون والثانية فضية والثالثة رصاصية وتضع الطاولة بين بورشيا وأمير مراكش). بورشيا: (لمصطفى) أيها الأمير.. إنَّ من بين هذه العلب علبةً تحتوي على صورتي فإذا اخترتَها فسوف أكون زوجة لك وإذا لم تحسن الاختيار فيجب عليك أن تقسم بشرفك أن تظل عازباً طوال حياتك.. ماذا قلت أيها الأمير؟!. أمير مراكش (حسن): (بعد تفكير.. يرفع يديه بالقسم) لقد قبلت (يحمل علبة الذهب) الأولى من الذهب وقد كُتِبَ عليها سينال من سيختارني ما يرغب فيه الكثير من الناس (يضع علبة الذهب ويأخذ علبة الفضة) الثانية من الفضة سيظفر من يختارني بما هو جدير به (يضع علبة الفضة ويأخذ علبة الرصاص) والثالثة علبة الرصاص المعتم وعليها تحذير معتم كلونها).. يجب على من يختارني أن يعطي وأن يقامر بكل شيء (يضع علبة الرصاص ويبدأ بالتفكير ويحدث نفسه) كيف أحسن الاختيار.. الرصاص لا.. لا.. لن أعطي وأجازف بشيء في سبيل الرصاص أو الفضة.. (فجأة بفرح مصطنع) وجدتها العلبة الذهبية سينال من يختارني ما رغب فيه الكثير من الناس. المخرج: (هامساً) اترك العلبة وتغزّل بالأميرة. أمير مراكش: وهل يرغبون بغير هذه الحسناء (يتأمل مصطفى بامتعاض) إن الناس قاطبة يأتون من أنحاء الدنيا كي يسعدوا بتقبيل العلبة التي تضم صورة هذا الملاك السماوي الرائع.. (يتوقف فجأة عن التمثيل ويرمي عمامته) هذا مستحيل.. مستحيل. المخرج: ماذا جرى؟! لماذا توقفت. حسن: لا أستطيع التمثيل وأمامي هذا الوجه القبيح الذي يطيّر الكلماتِ من رأسي. المخرج: تخيل.. تخيل.. حسن: مستحيل! المخرج: وماذا نفعل؟! الآنسة صباح ترفض تمثيل دور بورشيا وأنت لا تستطيع التخيل أنّك أمام فتاة حسناء.. ما العمل؟ هل نوقف التدريب؟ وليد: عندي اقتراح. المخرج: ما هو؟ وليد: نستنجد بالجمهور. المخرج: أي جمهور. وليد: الذي أمامك. المخرج: لم أفهم بعد. وليد: تطلب من إحدى الفتيات في الصالة أن تأخذ دور الأميرة بورشيا بشكل مؤقت ريثما تأتي فاتن وتسير بأمور التدريب.ا المخرج: معك حق.. فهذه المسرحية من الجمهور وإليه (يقترب من الجمهور) يا حضرات الآنسات والسيدات لقد رأيتم بأم أعينكم مشكلتنا فنرجو من إحدى الآنسات في الصالة أن تشرف بالصعود إلى خشبة المسرح وتأخذ دور الأميرة بورشيا البطلة المعروفة في مسرحية تاجر البندقية.. ماذا قلتم يا آنسات؟.. هيا تشجعن. (فجأة تنهض إيمان من الصالة وتصعد خشبة المسرح يركض المخرج والممثلون نحوها). المخرج: أهلاً وسهلاً.. أهلاً وسهلاً.. الاسم الكريم. إيمان: إيمان. المخرج: هل مثلّت دور بورشيا من قبل؟ إيمان: كلا.. ولكني أعرفه فأنا طالبة في قسم اللغة الإنكليزية والمسرحية مقررة في المنهاج. الأب: (من الصالة) أين صعدت يا بنت..؟ انزلي بسرعة. المخرج: لماذا تصرخ كالبعير يا قليل الذوق؟. إيمان: هذا أبي. المخرج: أبوك!.. أنا آسف تفضّل يا سيد. إيمان: اسمه عبد المنعم. المخرج: تفضل هنا يا سيد عبد المنعم. الأب: لن أتفضل.. (لإيمان) هيا انزلي بسرعة ولا تفضحيني آخر عمري أمام الناس. المخرج: (متوسلاً) يا سيد عبد المنعم.. الأمر في غاية البساطة تساعدنا ابنتكم قليلاً في التدريب هنا أمام أعينكم ثم ينتهي كل شيء. الأب: (يصعد ويحاول إنزال ابنته) هذا مستحيل.. كلّه إلا التمثيل.. (لابنته) قلتِ أريدُ متابعةَ الدراسة في الجامعة.. قلنا على الرأس والعين قلتِ أريد الذهابَ إلى المسرح لأشاهدَ المسرحية المقررة قلنا أمرنا لله.. أما أن يصلَ بك الأمر للصعود إلى خشبة المسرح مثل ليلى علوي.. فهذا مستحيل.. المخرج: يا سيد عبد المنعم المسرح ثقافة وحضارة. الأب: أنا أكره المسارح. المخرج: هذا غير معقول ألم تر مسرحية في حياتك؟ الأب: لقد حضرت مسرحية بالصدفة منذ أربعين عاماً.. وربما كانت لأبي خليل القباني. المخرج: رائع.. رائع.. يا سلا م. الأب: (متابعاً بحماس) وقد حفظتُ ألفية ابن مالك ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب. المخرج: يا سلام (يأخذ بيده ويجره إلى منتصف المسرح) أنت مكتبة متنقلة يا سيد عبد المنعم.. ولكن يبدو لي أن ثقافتكم الأجنبية متواضعة. الأب: أنا أكره الأجانب. المخرج: لماذا؟ الأب: لقد استعمرونا وشوهوا تراثنا. المخرج: ولكنك سمحت لابنتك بدراسة اللغة الإنكليزية. الأب: طبعاً.. معك حق.. لأنّ من تعلم لغة قوم أمن مكرهم. المخرج: معك حق فنحن نمثل مسرحياتهم حتّى نأمن شرهم.. ماذا قلت يا سيد عبد المنعم؟ الأب: في أي شيء؟ المخرج: في قيام إيمان بدور بورشيا.. لن تأخذ من وقتكم ووقت الآنسة إيمان أكثر من نصف ساعة. الأب: أنت تحرجني والله يا أستاذ نادر.. اطلب أي شيء إلا هذا الأمر الصعب. المخرج: لماذا؟ الأب: (هامساً في أذن المخرج) سيقاطعني الأهل والأقارب والجيران. المخرج: لا تكّبر المسألة كثيراً يا سيد عبد المنعم. إيمان: بابا.. أرجوك.. دعنا نساعد الجماعة. الأب: (مستسلماً) حاضر.. (يصفق الجميع.. يوقفهم الأب فجأة) ولكن على شرط. المخرج: ما هو؟ الأب: سأجلسُ هنا إلى جانب السيد حسيب وأقوم برصد ومراقبة كافة الكلمات والحركات والإشارات.. وإذا رأيتُ الأمورَ غير سليمة.. هكذا أو هكذا.. فسوف أوقف التدريب على الفور ماذا قلت يا سيد نادر؟ المخرج: (مرغماً) وأنا موافق). (يتجه الأب نحو طاولة المراقب حسيب ويضيف إلى اللوحة التي كتب عليها المراقب المالي كلمتي أخلاقي لغوي فتصبح مراقب مالي.. أخلاقي.. لغوي). المخرج: والآن يا آنسة إيمان يمكنك ارتداء ثياب بورشيا والجلوس هنا. (ترتدي إيمان ثياب بورشيا وتجلس على الكرسي الوثير). المخرج: (وهو يقدم نسخة من المسرحية لإيمان) تفضلي يا آنسة إيمان يمكنك قراءة دورك منها. صباح: ولكن الآنسة إيمان قالت بأنها تحفظ الدور كما سمعت. إيمان: معك حق فأنا أحفظ الدور ولا أحتاج إلى نسخة. المخرج: هذا عظيم.. اخرج يا أمير مراكش.. موسيقا الاستقبال.. هيا.. (تعزف الموسيقا ويدخل حسن بدور أمير مراكش كما دخل المرة الأولى بغرور وعنجهية ويقف أمام إيمان وينحني). إيمان: أيتها الخادمة.. هاتي العلب الثلاث وضعيها أمام الأمير. صباح: حاضر يا مولاتي (تخرج صباح لإحضار الطاولة والعلب). أمير مراكش (حسن): لقد جئتك يا مولاة قلبي وروحي بعد أن قطعت بسيفي هذا.. أربعين.. بل خمسين بل مئة ألف من رؤوس الأعداء. (تدخل صباح وتضع العلب والطاولة أمام الأمير). بورشيا (إيمان): أيها الأمير.. من بين هذه العلب علبة تحتوي على صورتي فإذا اخترتها فسوف أكون زوجة لك وإذا لم تحسن الاختيار فعليك أن تقسم بأن تظل عازباً طوال حياتك. أمير مراكش (حسن): (يقسم) لقد قبلت.. (يحمل صندوق الذهب ليقرأ عليه) سينال من يختارني ما يرغب فيه الكثير من الناس (يضع العلبة الذهبية ليأخذ الفضية يسرع نحوه المخرج). المخرج: (هامساً) تجاوز علبة الفضة إلى الرصاص (يأخذ حسن علبة الرصاص ويقرأ ما كتب عليها). أمير مراكش (حسن): (يقرأ) يجب على من يختارني أن يعطي ويقامر بكل شيء (يحدث نفسه) كيف أحسن الاختيار. المخرج: حكّ رأسك لتظهر لنا أنك في حيرة شديدة (يخلع أمير مراكش قبعته ويحك رأسه). أمير مراكش (حسن): الرصاص.. لا.. لن أخاطرَ أو أجازفُ بشيء في سبيلك أيها المعدن الرخيص. الأب: (فجأة ينهض) قف.. لا تكمل. الأب: لقد أخطأت في النحو يا أمير مراكش.. كان عليك أن تقول أو أجازفَ. حسن: ولكن المخرج حفظنا إياها أجازفُ. الأب: خطأ.. خطأ فادح لأن أجازفَ معطوف على فعل أخاطرَ الذي قبله والفعل منصوب بأداة النصب لن التي سبقته ولذلك فإنه عليك أن تقدر لن ناصبة لما قبل فعل أجازف. المخرج: فتحة.. ضمة.. كسرة هذه مسألة شكلية تافهة. الأب: (محتداً بغضب) تافهة.. أعوذ بالله.. المسألة خطيرة.. بل خطيرة جداً يا أستاذ نادر.. لأن التهاونَ في اللغة العربية يعني التهاون في التراث. والتهاونُ بالتراث يعني ضياع الهوية القومية لهذه الأمة (يصرخ كأنه يخطب) وهذا ما يريده الاستعمار والإمبريالية. المخرج: ما هذا؟.. لا تكبر المسألة كثيراً يا سيد عبد المنعم.. الأمر في غاية البساطة. الأب: أبداً.. إنّ وضعَ الفتحة مكان الكسرة أو وضعَ الكسرة مكان الضمة يقلب المعنى رأساً على عقب.. (يتجه نحو اللوحة ويديرها ليكتب خلفها) اسمع هذه الجملة (يكتب) أكلَ التمساحُ الصيادَ (يضبطها بالشكل) من أكل من؟ حسيب: التمساحُ قد أكلَ الصيادَ طبعاً. (يقوم الأب بإبدال الحرات فتصبح الفتحة فوق التمساح والضمة فوق الصياد) أما إذا قلت أكل التمساحَ الصيادُ فيصبح الآكلُ مأكولاً أي يصبح الصيادُ آكلاً للتمساح وبماذا بإبدال الفتحة بالضمة فقط.. (للمخرج) أرأيتَ ما تفعله الحركات يا أستاذ نادر.. وأنا بالذات قررتُ تعليمكم (يخرج من جيبه كتاباً قديماً) ألفية ابن مالك لتقويم ألسنتكمِ المعوجة.. هيا هيا (يجلسون على شكل طلاب صغار في مكتب). الأب: (وهو يقرأ من كتاب ألفية ابن مالك). كلامُنا لفظٌ مفيدٌ كاستقمْ واسمٌ وفعلٌ ثم حرفٌ الكلِمْ. (يردد الجميع بيت الشعر والمخرج في ذهول). المخرج: (يصرخ) كفى.. كفى.. (يلاحق الأب الذي يختبئ) سنسمعُ الفيةَ ابن مالك في ما بعد (يسرع نحو حسن غاضباً) وأنت.. قل أجازفَ وخلصنا. أمير مراكش: لن أخاطرَ بشيء في سبيلك أيها الملعونُ الرخيص (يحمل العلبة الذهبية ثم يضعها) سينالَُ من يختارني ما يرغبُ فيه الكثير من الناس (يتأمل إيمان) وهل يرغبون في غير هذه الحسناء الفاتنة (يشير إليها) الأب: (مقاطعاً) قف. المخرج: (بيأس) ماذا حدث؟ هل أخطأنا في النحو ثانية. الأب: كلا.. ولكن الأمر أخطر بكثير. المخرج: كيف؟ الأب: لقد أشار إلى ابنتي عندما قال الحسناء الفاتنة والفتنةُ أشد من القتل. المخرج: وإلى أين تريده أن يشير؟ الأب: إلى أيّ مخلوق عدا ابنتي. المخرج: حسناً (لحسن) لا تُشر إلى ابنته عندما تقول الحسناء الفاتنة. حسن: وإلى أين أشير؟ المخرج: (وقد نفذ صبره) إلى أي حمار تراه أمامك.. تابعوا التمثيل. حسن: وهل يرغب الخطاب في غير هذه الحسناء (يشير إلى المخرج) إن جوهرة غالية لا يمكن أن توضع قط إلا في العلبة الذهبية (يصرخ) وجدتها.. العلبة الذهبية.. هاتوا المفتاح. وليكن حظي ما يكون.. (لا أحد يرد) هاتوا المتفاح. المخرج: (لصباح) أعطه المفتاح يا نريسّا. صباح: الصندوق مفتوح. المخرج: لماذا؟ صباح: لأنه بدون قفل. المخرج: ولماذا لم يضع النجار قفلاً للصندوق؟ حسيب: أنا الذي طلبت منه ذلك.. هل تعلم أن ثمن القفل الواحد مع براغيه ومساميره يا سيد نادر خمسون ليرة وثلاثة صناديق بثلاثة أقفال يصبح المجموع مئةً وخمسين ليرة ويمكن أن ترسم القفل على الصندوق فنوفر المبلغ. المخرج: ولكن كيف سيقول هاتوا المفتاح ويفتح الصندوق وهو بدون قفل. حسيب: الأمر في غاية البساطة.. أنا سأقوم بالدور أمامكم.. (يأخذ مكان حسن ويأخذ العمامة ويرتديها ويقوم بالتمثيل بشكل مبالغ فيه) لقد اخترت صندوق الذهب.. أيتها الخادمة هاتي المفتاح (حركات إيمائية تشير كأنه قد تناول المفتاح) شكراً.. شكراً.. انظروا إنه من الذهب الخالص حتى يليق بالصندوق والآن سأفتح الصندوق.. (يقوم بحركات إيمائية تدل على أنه يفتح قفل الصندوق..) أ رأيتم..؟ الأمر في غاية البساطة.. (يعود إلى مكانه) المخرج الناجح يقوم بإخراج أعظم المسرحيات بأقل التكاليف المهم أن يمتلك عقلاً مبدعاً. المخرج: أنت ستدمّر مسرحيتي بهذا البخل الشديد. حسيب: بخل..الكلمة غير لائقة أبداً يا أستاذ نادر.. وإذا علم الأستاذ عزّت بالأمر. المخرج: (مقاطعاً) لا تهددني به.. أرجوك.. لم أعد أحتمل. حسيب: (بفرح) هل تنوي التخلي عن المسرحية؟ المخرج: (بعزم وعناد) كلا سأتابع التدريب وأقدم المسرحية في الموعد المحدد.. هيا تابعوا التمثيل. حسن: والمفتاح والقفل؟ المخرج: يا أخي تخيّل.. تخيّل. حسن: كيف أتخيّل؟ المخرج: كما رأيت السيد حسيب يتخيل (يقف مكان أمير مراكش ويقلد ما قام به حسيب بشكل ساخر) لقد اخترت صندوق الذهب أيتها الخادمة.. هاتي المفتاح.. شكراً.. شكراً.. إنه من الذهب الخالص انظروا.. سأفتح الصندوق (يفتح الصندوق فيخرج له الرأس العظمي بشكل مفاجأ يتراجع فزعاً). الرأس: (بشكل آلي) ليس كلُّ ما يبرق ذهباً. المخرج: (وهو يضرب الرأس) لا تخرج الآن يا أحمق. الرأس: ومتى أخرج؟ المخرج: عندما يختارك أمير مراكش فقط.. هل فهمت؟ (يغلق الصندوق). (يعود حسن لتمثيل دور أمير مراكش). أمير مراكش (حسن): لقد اخترت العلبة الذهبية.. هاتوا المفتاح وليكن حظي ما يكون (تقدم إليه صباح المفتاح إيمائياً ويقوم هو بفتح الصندوق ولكنّ الرأس لا يخرج) أنا أمير مراكش.. أنا أمير مراكش.. (المخرج يتجه بغضب خلف الطاولة ويضرب الشخص المكلّف برفع الرأس.. فيصرخ من الوجع ويرفع الرأس الذي يبرز من العلبة الذهبية.. يتراجع أمير مراكش فزعاً). الرأس: ليس كل ما يبرق ذهباً! أمير مراكش (حسن): يا للهول..! ما هذا..؟ جمجمة رجل ميت؟! الرأس: إن الديدان تسعى دائماً داخل القبور المزّينة بالذهب ولو أنّ عقلك يعادل شجاعتك لما اخترت الصندوق الذهبي.. الوداع أيّها الأمير العازب إلى الأبد.. الوداع (يختفي الرأس ويغلق الصندوق). بورشيا (إيمان): لقد فشلتَ أيها الأمير في اختيار الصندوق وعليك أن ترحل عن هذا القصر وتحيا بقية حياتك في برودة وحرمان. أمير مراكش (حسن): الوداع يا بورشيا الحسناء.. إن قلبي مليء بالحزن والأسى (يخرج). بورشيا (إيمان): نريسَّا. نريسّا (صباح): نعم يا مولاتي. بورشيا (إيمان): لقد كان اختياره مثلَ سحنته الكريهة. المخرج: (بحماس مفتعل) رائع.. عظيم.. أحسنت يا آنسة إيمان.. يا سلام موهبة رائعة.. (للأب) أنا أحسدك على هذه الموهبة الفريدة يا سيد عبد المنعم. الأب: لن تستطيع خداعي بهذا الكلام. المخرج: أبداً.. والله.. فأنا أقول الحقيقة.. إن عبقرية الآنسة إيمان كالشمس الوّهاجة التي لا يمكن أن تختفي أبداً. صباح: (مغتاظة) وهل اكتشفتَ عبقرية الآنسة من ثلاث جمل قالتها؟! المخرج: طبعاً.. فأنا أكتشف العبقرية بسرعة حتى قبل أن أراها.. صباح: (بغضب شديد) أنت منافق. المخرج: (مذهولاً) ماذا؟! صباح: ومغرور أيضاً. المخرج: أنا لا أسمح لك بهذا الكلام. صباح: (تتابع) ثلاثة أشهر وأنا أتدرّب على دور الخادمة ثم تأتي فتاة من البريّة وتأخذ دور بورشيا أما أنا فلا أصلح إلا لدور الخادمة (تخلع ثياب التمثيل وترميها على الدمية التي تجسد دور الخادمة). وليد: (يحاول تهدئتها) ماذا تفعلين يا آنسة صباح؟ صباح: (تتجه نحو الباب) سأترك لكم المسرحية. وليد: انتظري يا صباح. صباح: هل ستذهب معي الآن أو لا؟ وليد: سألحق بك بعد قليل. صباح: يبدو أن الآنسة إيمان قد أعجبتك. وليد: لا.. لا.. أقسم لك. صباح: أنت كاذب.. إذا لم تذهب معي فلن ترى وجهي. (تخرج.. يتبعها وليد). وليد: اسمعي يا صباح. المخرج: اتركها يا وليد فنحن لا نريد في فرقتنا ممثلات مغرورات. (يعود وليد) حسيب: ومن سيأخذ دور الخادمة الآن؟ المخرج: سأحوّله إلى خادم. حسيب: ومَنْ سيأخذ دور الخادم؟ المخرج: أيّ واحد من الفريق. (يتأمل أفراد الفريق ليختار). مصطفى: لا.. لا أنا لا أستطيع الباص سيمر من هنا في الثامنة إلا ربعاً. حسن: وأنا أيضاً زوجتي تلد في المستشفى. شعيب: أنا مستعد لأخذ دور الخادم.. ولكن على شرط. المخرج: ما هو؟ شعيب: أن أترك دور اليهودي شايلوك. المخرج: كلا.. لن تجبرني على ذلك. شعيب: إذن دوري يكفيني وزيادة. المخرج: ترفضون جميعكم دور الخادم.. حسناً.. (فجأة) أنا سآخذ الدور.. فاجأتكم.. أليس كذلك؟ المخرج المبدع يفاجئ الممثلين والجمهور أيضاً (يقلب صفحات نسخة الإخراج) استعدّوا للمنظر الثالث من الفصل الثاني.. دخول بسّانيو لخطبة الأميرة بورشيا. (إظلام قليل.. يجهز الممثلون أنفسهم للمنظر.. إيمان تجلس على المقعد الوثير.. المخرج يرتدي ثياب الخادمة ويقف قربها بتذلل.. بسّانيو يتهيأ للدخول). المخرج: موسيقا الاستقبال (تعزف الموسيقا).. ادخل يا بسّانيو. (يدخل بسّانيو وينحني بتحية احترام أمام بورشيا). بورشيا (إيمان): أرجوك يا بسّانيو أن تتمّهل ولا تتسرّع في الاختيار لأنك إذا أخطأت في اختيار الصندوق الصحيح فسوف أخسرك إلى الأبد. متفرج 1: (من الصالة) ولماذا لا تدلّينه على الصندوق الصحيح؟! المخرج: اسكت يا قليل الذوق. متفرج !: الله يسامحك. بورشيا: (كأنها توجه كلامها للمتفرج 1) إنّ في استطاعتي أن أرشَدك يا بسّانيو للصندوق الصحيح ولكنني أكون قد حنثتُ بيميني الذي أقسمته لأبي.. رحمه الله.. حين وعدته ألا أتزوجَ إلا من يختار الصندوق الصحيح. المخرج: (للمتفرج 1) هل سمعت يا جاهل؟ المتفرج 1: كلام حكايات. المخرج: تابعوا.. تابعوا.. ولا تأبهوا لهذا الجاهل. بورشيا: أرجوك يا بسّانيو لا تنظر إليَّ هكذا بعينيك الساحرتين اللتين شطرتاني إلى شطرين.. الشطر الأول لك. بسّانيو (وليد): والثاني؟ بورشيا (إيمان): لك أيضاً. (الأب يراقب الحوار الغزلي باهتمام). بسّانيو (وليد): أتيحي لي فرصةَ الاختيار يا بورشيا فانا أعاني في عشقي كل ألوان العذاب (يقترب منها). بورشيا (إيمان): أتكابد حقاً كلّ ألوان العذاب يا بسّانيو؟ (تنهض وتقترب منه). بسّانيو (وليد): نعم يا بورشيا (تتلامس أيديهما). الأب: (فجأة) قف.. (يفصل بينهما). المخرج: ما الذي حدث يا سيد عبد المنعم؟ الأب: ألم تسمع؟ ألم تر؟ هذا غزل حقيقي والله! المخرج: أبداً.. إنه تمثيل. الأب: أتظنني غبياً (يصرخ) ابتعدا عن بعضكما.. (يبتعدان).. أكثر.. أكثر (يبتعدان). المخرج: (غاضباً) هذا لا يجوز يا سيد عبد المنعم!.. أنت تتدخل في شؤون الإخراج. الأب: سأتدخل في شؤون الإخراج والإنتاج والماكياج والدبرياج. وهل يعجبك هذا الكلام أم أنصرف مع ابنتي؟ المخرج: (مستسلماً) يعجبني.. آخ.. يعجبني.. تابعوا.. تابعوا.. بسّانيو (وليد): (يرفع الصندوق الذهبي) سينال من يختارني. متفرج 1: (من الصالة) لا تفتحه يا أخ. بسّانيو (وليد): لماذا؟ متفرج 1: فيه رأس واحد ميت. (يرمي بسّانيو الصندوق فزعاً). المخرج: (وقد نفد صبره) ومَنْ سمح لك يا أخ بالتدخل في شؤون المسرحية؟ متفرج 1: كيف تريدني أن أسكت والرجل سوف يتوّرط بالصندوق الغلط؟ المخرج: اصبر قليلاً وسوف ترى أنك على خطأ. متفرج 2: هل تقصد أنه سيختار الصندوق الصحيح؟ المخرج: لا يجوز كشفَ أسرار المسرحية قبل الأوان. متفرج 2: يبدو لي أنها مسرحية سخيفة. متفرج 1: وبايخة..! المخرج: أنا لا أسمح لكما بإهانة شكسبير العظيم أمامي. متفرج 1: ومَنْ يصدّق بأنّ فتاة جميلة حلوة تربط زواجها بصناديق. متفرج 2: ومن يغلط سوف يبقى بعيداً عن النسوان طوال حياته (يضحكان). المخرج: (نافد الصبر) اخرجا من المسرح حالاً.. حالاً.. (يشهر عليهما رمح الحارس ويلاحقهما) اخرجوا فوراً.. لم أعد أحتمل وجودكما.. يا جهلة.. (يهربان). الأب: الحق عليك يا سيد نادر. المخرج: عليّ أنا؟.. لماذا؟ الأب: نعم.. كان عليك أن تعرّب المسرحية حتى تقربها من أذهان المشاهدين العرب وأنا سوف أساعدك في مسألة التعريب. المخرج: كيف؟ الأب: يعني بدلاً من أن تسّمي المسرحية تاجر البندقية والبندقية كما تعلم بلد إفرنجي في إيطاليا.. يمكنك أن تسميها مثلاً تاجر الحميدية. المخرج: يا سلام.. وماذا أسمي هملت؟ الأب: هل تقصد المنحوس الذي قتل عمه ووالد خطيبته وأمه وخطيبته. المخرج: نعم.. نعم.. الأب: سمه أبا الهموم. (ساخراً بمرارة) وصل الأمر إلى البوس والتقبيل وتقول تمثيل (يدفع ابنته إلى الخارج والمخرج يعترض طريقهما). المخرج: اسمعني قليلاً.. أرجوك. الأب: لن أسمع شيئاً. المخرج: سأحذف كل المشهد هه (يمزق أوراقاً من نسخة الإخراج) ما رأيك؟ الأب: لن تستطيع خداعي مرة ثانية.. المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. المخرج: سوف تتعطّل البروفة. الأب: تتعطل.. تخرب.. وما علاقتي أنا؟! المخرج: أرجوك.. العرض بعد أسبوع. الأب: بعد أسبوع.. بعد شهر.. فليخرب المسرح فوق رؤوس أصحابه. (فجأة تدخل فاتن.. يراها المخرج فيستردُّ عزمه وكبرياءه). المخرج: (فرحاً) مَنْ.. فاتن.. بورشيا العظيمة.. (يسرع نحوها) أهلاً أهلاً.. جئتِ أخيراً. فاتن: أنا آسفة على هذا التأخير. المخرج: سامحك الله.. لقد جعلت أعداء الفن الجهلاء يتحكّمون بنا كما يشاؤون. فاتن: تأخرت لظروف اضطرارية. المخرج: أعرف.. أعرف (للأب) يمكن الآن أن تأخذ جوهرتك المصونة وترحل من هنا. الأب: هل تطردني يا سيد نادر؟ المخرج: تحمّلتك كثيراً يا جاهل يا محنّط.. صعودك إلى هنا جريمة بحق الفن والفنانين. الأب: (لابنته) هل يعجبك هذا؟ أشتم وأهان أمام الناس من أجلك.. هيا اخلعي ثياب المسخرة هذه.. حسابك في البيت. (تخلع إيمان ثيابها ببطء وتتناسى معها تاج الأميرة). المخرج: (لفاتن) جهزي نفسك يا آنسة فاتن.. الجميع في أشدّ الشوق للعمل معك. فاتن: أنا آسفة يا أستاذ نادر. المخرج: (بفزع) ماذا تعنين؟ فاتن: لن أستطيع متابعة التدريب معكم. المخرج: لماذا؟ فاتن: لقد خُطبتُ لضابط وسيم.. وعرسي مساءَ الخميس القادم. المخرج: أرجوك.. ألا يمكنك الاستمرار؟ المسرحية بعد أسبوع. فاتن: (بدلال) مستحيل.. خطيبي يغار جداً وأخشى أن يرتكب هفوة خطيرة إذا رآني على خشبة المسرح. وليد: لماذا جئت إذن؟ فاتن: جئت لوداعِكم والاعتذار للأستاذ نادر (تلتفت باحثة عن صباح).. أين صباح؟ حسيب: لقد تركتْ المسرحية أيضاً. المخرج: كلا.. ستعود حتماً.. أنا واثق.. أليس كذلك يا وليد؟ وليد: طبعاً.. طبعاً. فاتن: بّلغاها تحياتي.. (صوت زمور سيارة صغيرة) هذا خطيبي أعطاني دقيقتين فقط.. إنه يغار جداً.. باي.. (تتجه نحو الخارج.. تتوقف) أنا آسفة نسيت شيئاً.. الجميع مدعوون على العرس يوم الخميس.. وليد يعرف البيت.. (تخرج). الأب: (يرمي ثياب بورشيا في وجه المخرج) خذ ثياب الأميرة (يخرج مع ابنته إيمان). المخرج: (يعترض طريق الأب وإيمان ويتوسل) إلى أين يا جماعة؟.. انتظرا قليلاً. الأب: ولكنك طردتني يا سيد نادر. المخرج: كانت ساعةَ نحس. الأب: وقلت بأني منحط. المخرج: أنا.. أبداً.. لقد قلت بأنك محنّط والمحنّطات آثار فرعونية قديمة يحتفظون بها في المتاحف. الأب: أنا فرعون.. ابتعد عن طريقي ابتعد. المخرج: (متوسلاً) سيد عبد المنعم.. آنسة إيمان. الأب: أنا فرعون.. (يجّر ابنته ويخرج). مصطفى: لم يبق سوى نصف ساعة على مرور الباص. حسن: ساعة وربعة ولم نفعل شيئاً.. وربما تكون زوجتي قد ولدت. وليد: (وهو يخلع ثياب بسّانيو ويعلّقها) الأفضل أن نؤجل التدريب. المخرج: كلا.. سنتابع التدريب. وليد: ولكن.. لا فائدة من هذا التدريب. المخرج: أنا قلت سنتابع يعني سنتابع. وليد: لم يبق في الفريق سوى أربعة.. ولا توجد بينهم فتاة واحدة. المخرج: ها.. ها.. الأمر هكذا إذن.. بقاؤك في التدريب مرتبط بوجود الفتيات. وليد: ماذا تقصد؟ المخرج: الأمر واضح.. وجُودك بالفرقة لم يكن لوجه الفن بل كان لغايات رخيصة مثلك. وليد: أنا لا أسمح لك بإهانتي. المخرج: (متابعاً) ومَنْ يدري فربما كنت أنت السبب في هربهن من الفرقة.. نعم.. أنت السبب.. أنا واثق من ذلك.. وإذا كنت تظن بأنني أعمى عن مواعيدك الغرامية من وراء ظهورنا فأنت واهم. وليد: هذه أموري الخاصة ولا أسمح لك بالتحدث فيها.. المخرج: خاصة.. تدمّر الفرقة وتقول خاصة.. أنا واثق أنّ هناك مَنْ دسّك في الفرقة كالسوسة لتقرضها من الداخل.. نعم أنت سوسة.. وليد: لا.. لا.. أنت إنسان كثير الظنون والأوهام وتلقي فشلك على الآخرين. المخرج: أنا لم أفشل وسوف أقدّم المسرحية في الموعد المحدّد. وليد: (وهو يغادر) قدّمها إذن بدوني.. عن إذنك (يخرج). المخرج: مع السلامة.. درب السد ما رد. (يستريح ويشرب حبة مسكن.. مصطفى يقدم إليه الماء). مصطفى: (بتوسل) يا أستاذ ليس لي سوى مشهد واحد وأقف فيه حارساً دون أن أقول كلمة واحدة. المخرج: ما هو؟ مصطفى: إنه مشهد المحاكمة. المخرج: ولكنه في آخر المسرحية. مصطفى: وهذه هي المشكلة. المخرج: لا تهتم (يصرخ) حضروا لمشهد المحاكمة. حسيب: أنطونيو تاجر البندقية غائب. المخرج: أنا سآخذ دوره. حسن: وقاضي البندقية غير موجود. المخرج: أنت ستأخذ دوره. حسن: أنا؟! ولكن ربما تركتكم في أية لحظة. المخرج: أنا واثق أن زوجَتك لن تلد إلا بعد انتهاء التدريب.. هيّا حضروا لمشهد المحاكمة.. (يستعدون لتحضير المشهد ما عدا شعيب.. ينتبه المخرج إليه) لماذا لم ترتد ملابس اليهودي شايلوك يا شعيب؟ شعيب: لقد طلبتُ منك تغيير الدور. المخرج: لا أستطيعُ الآن تغيير الدور. شعيب: وأنا لا أستطيع الاستمرار فيه. حسن: (ساخراً) دورُ اليهودي يناسبك تماماً. شعيب: أنا لا أسمح لك بالمزاح معي. حسن: أنا لا أمزح.. لقد استدنتَ مني ومن أعضاء الفرقة أكثرَ من مرة ولم تردّ ديناً واحداً. مصطفى: وكان يأكل السندويشَ ويشربُ الشاي ويدخنُ على حسابنا. شعيب: أنا لم آكل أو أشرب شيئاً لم أدفع ثمنه. اسألوا السيد حسيب. حسيب: أنا لا علاقة لي بحساباتكم الشخصية. المخرج: كفى.. كفى.. ارحموني يا ناس.. العرض بعد أسبوع.. شعيب قل لي ماذا قررت؟ شعيب: سأقبل الدور وأتابع العمل ولكن على شرط. المخرج: ما هو؟ شعيب: في الحقيقة لقد عرضتْ عليّ إحدى الفرق المشهورة العمل معها. المخرج: وما اسم هذه الفرقة؟ شعيب: فرقة (اضحك بعبّك). المخرج: وماذا عرضت عليك فرقة (اضحك بعبّك) هذه؟ شعيب: العمل معها طبعاً ولي في كل ليلة مئتا ليرة وسندويشتان وعلبة مارلبورو ولكني مستعد لرفض هذا العرض إذا دفعتم لي هذه.. (يقدم ورقة للمخرج). المخرج: ما هذا؟ شعيب: قائمة بالنفقات التي تحملتها أثناء تدريبات المسرحية معكم. المخرج: (يقرأ بصوت مرتفع) أجار سرفيس 70 سبعون ليرة قدوم يوم عطلة أربع مرات 400 ليرة فقدان مظلة 150 ليرة.. ثمن سندويش 60 ليرة.. (يتوقف عن القراءة) ألا ترى معي أنّ هذه النفقات مبالغ فيها قليلاً. شعيب: يا أستاذ نادر.. أنا موظف بسيط وراتبي على قده.. أصرف نصفه على أهلي ولم أتزوج حتى الآن وتريدني أن أصرف من جيبي على المسرحية. المخرج: (يقدم الورقة لحسيب) هل يمكن صرف هذه النفقات)؟ حسيب: (دون أن يلمسها) مستحيل.. هذه نفقات خاصة والأستاذ عزت يقطع يدي من هنا إذا صرفت قرشاً واحداً.. هكذا أو هكذا. شعيب: (يأخذ الورقة ويغادر) أنا آسف.. أرجو لكم التوفيق (يخرج). حسن: مَنْ سيأخذ دوره؟ مصطفى: أنا لا أستطيع.. الباص سيمرّ من هنا في الثامنة إلا ربعاً وبقي عشر دقائق. حسن: وأنا أيضاً أخذت دور أمير مراكش وقاضي البندقية. المخرج: وأنا أخذت دور الخادمة والتاجر أنطونيو. حسيب: (فجأة) أنا سآخذ دور شايلوك. الجميع: (بدهشة) أنت!! حسيب: نعم أنا!.. ما بكم.. لقد أحببتُ واللهِ هذا الدور منذ البداية. حسن: هل تحفظه؟ حسيب: عن ظهر قلب كما أحفظُ جدول الضرب.. ماذا قلت يا أستاذ؟ المخرج: أنا غير مرتاح لهذا الثعبان. حسيب: أنتم مندهشون طبعاً.. معكم حق.. ولكنْ ثقوا تماماً بأنني أحبّ الأستاذ نادر كثيراً وسوفَ أساعده لوجه الله. المخرج: (مع نفسه) هذا واضح. حسيب: (وهو يرتدي ثياب شايلوك ويحمل سكينه..) هيا حضّروا لمشهد المحاكمة. (يجهز الجميع لمشهد المحاكمة.. المخرج في قفص الاتهام في دور أنطونيو.. حسن في دور القاضي.. حسيب في دور شايلوك.. مصطفى في دور حارس المحكمة). القاضي (حسن): محكمة.. فُتحت الجلسة.. هل تاجر البندقية المتهم أنطونيو موجود؟ أنطونيو (المخرج نادر): نعم يا سيدي. القاضي (حسن): وهل المدعي اليهودي شايلوك موجود؟ شايلوك (حسيب): (يشحذ السكين) أنا وسكيني الحادة رهنُ إشارتكم يا سيدي القاضي. القاضي (حسن): أنا آسف يا سيد أنطونيو على هذه المحاكمة واعلم أنك تواجه اليهودي اللئيم شايلوك وهو مجرد من الإنسانية والرحمة وقد نُحتَ قلبه من الصخر الأصم وليس لديه عطف أو رحمة. أنطونيو (المخرج نادر): أنا مستعد لأسوأ الأحوال. القاضي (حسن): وأنت يا شايلوك أما زلتَ مصراً على اقتطاع رطل من لحم هذا التاجر البائس؟ شايلوك: (بحماس) طبعاً كما ينص العقد الذي وقعه بنفسه يا سيدي القاضي (يخرج ورقة العقد من عُبّه وهو نفس عقد المخرج فعلى صفحة كتب عقد المخرج وعلى الثانية عقد أنطونيو) سأقرأه لك (يقرأ) أنا الموقع أدناه المخرج نادر نادر. القاضي: (مقاطعاً) ماذا تقرأ؟ شايلوك (حسيب): عفواً عفواً (يقلب الورقة ويقرأ) أنا الموقّع أدناه التاجر أنطونيو أتعهد بأن أدفع ديوني المستحقة للسيد شايلوك في موعدها المحدد وإذا لم أستطع فيحق للسيد شايلوك أن يقتطع رطلاً من لحمي ومن المكان الذي يرغبه.. التوقيع تاجر البندقية أنطونيو (يطوي العقد) وقد فات موعد سداد الدين يا سيدي القاضي. القاضي (حسن): ولماذا لم تستطع سداد الدين يا أنطونيو؟ أنطونيو (المخرج نادر): (بحزن ويأس) لقد غرقت جميع سفني يا سيدي. القاضي (حسن): ألن تأخذك الشفقة أو الرحمة يا شايلوك؟ شايلوك (حسيب): مستحيل.. إنه يستحقُّ كل هذه المصائب. القاضي (حسن): لماذا؟ شايلوك (حسيب): أنا أكرهه (يهجم نحو أنطونيو شاهراً سكينه فيرّده الحارس) اسمح لي بأخذ رطل من لحمه يا سيدي القاضي. القاضي (حسن): لم أنطق بالحكم بعد أيها الشرير. شايلوك (حسيب): الحكم واضح.. أرجوك (يهجم من جديد نحو أنطونيو ويردّه الحارس). القاضي (حسن): لماذا تكرهه إلى هذا الحد؟ شايلوك (حسيب): أنا أكرهه وأكره كلّ الفنانين الحمقى الذين يتوهمون أنهم قادرون على تغيير هذا العالم عندما يلقون بحجارتهم الصغيرة في مستنقع هذا الكون الساكن العظيم. القاضي: ليس هذا جواباً يا عديم المشاعر. شايلوك: وأنا لست ملزماً بأن تعجبك إجابتي. القاضي: سنعطيك دينك مضاعفاً ما رأيك؟ شايلوك: كلا.. لا أريد سوى لحمه. (يهجم أنطونيو شاهراً سكينه يردّه الحارس مصطفى.. فجأة نسمع صوت الباص وزموره.. مصطفى يركض نحو الباب). مصطفى: (يصرخ..) الباص.. باص القرية.. (يخلع ثياب الحارس ويرمي الرمح ويخرج.. يدخل حارس المسرح الليلي) الحارس: مَنْ منكم اسمه حسن؟ حسن: أنا! الحارس: أسرع.. لك هاتف من مستشفى الولادة السريعة. حسن: إنها زوجتي.. (يخلع ثياب التمثيل ويركض حاملاً علبة حليب وكيس حفاضات ويغادر المسرح). الحارس الليلي: انتبهوا سأغلق المسرح وأطفئ الأنوار بعد نصف ساعة. حسيب: حسيب: اطمئن أيها الحارس.. بعد نصف ساعة سينتهي كل شيء وتطفأ الأنوار إلى الأبد.. (يخرج الحارس). (للمخرج) والآن يا حضرة المخرج يمكننا إكمالُ المسرحية الحقيقية. المخرج: (يبدأ بجمع حوائجه استعداداً للتسليم والمغادرة) أنا مستعدّ لكل شيء. حسيب: (يقرأ عقد المخرج بصوت مرتفع وتدخل إيمان أثناء القراءة ومعها تاج الأميرة دون أن يراها أحد..) أنا الموقع أدناه المخرج نادر نادر أتعهد أمام الأستاذ عزت بيك وأنا بكامل قواي العقلية أن أنجز مسرحية تاجر البندقية للكاتب العظيم شكسبير في الموعد المحدد وإذا فشلت فسوف أتخلى عن الإخراج). المخرج: (يشير إليه أن يتوقف) كفى.. لا تكمل (ينتهي من جمع حوائجه في حقيبته ويحملها ليسلمها لحسيب). إيمان: (فجأة) توقف يا أستاذ نادر. المخرج: (مفاجأً) آنسة إيمان.. لماذا عدت؟ إيمان: لقد نسيتُ معي تاج الأميرة.. (تقترب من حسيب). المخرج: يمكنك الاحتفاظ به. إيمان: (تخطف العقد من حسيب) هل تسمح لي بقراءة العقد؟ حسيب: (يحاول استرداد العقد) لا تضّيعي وقتي يا آنسة سأعود إلى البيت وأرفع تقريري بالهاتف للسيد عزت هذه الليلة. إيمان: (وهي تقرأ) دقيقة واحدة. حسيب: العقد واضح مثل عين الشمس لقد فشل الأستاذ نادر وأصبح أمين مستودع النفايات والمستهلكات.. سيأكله العث (يضحك) لا تخف لدينا مبيدات حشرية.. (يتابع الضحك). إيمان: (فجأة بفرح) وجدتُها.. وجدتُها!. (يركض المخرج نحوها ويتوقف حسيب عن الضحك) المخرج: ماذا وجدت؟ إيمان: طريقةَ الحل. المخرج: كيف؟ إيمان: انظر.. العقد يشترط عليك أن تنجزَ المسرحية في الموعد المحدد. المخرج: هذا صحيح. إيمان: ولكن العقد لم يشترط عدد الممثلين المشتركين في العرض المسرحي. المخرج: لم أفهم. إيمان: ألا تحسنُ التمثيل؟ المخرج: طبعاً لقد كنتُ أفضل طالب في المعهد وقمتُ بأدوارِ ملوك وأمراء ولصوص وتجار وعبيد وأبطال وخونة. إيمان: إذاً يمكنك أن تحوّل المسرحية إلى (مونودراما) يعني مسرحية من ممثل وحيد وتقوم أنت بتمثيل جميعِ الأدوار. المخرج: (بحماس شديد) يا إلهي كيف لم تخطر لي هذه الفكرة (لإيمان) أنت إنسانة عظيمة.. أنا لا أصدق أنك ابنة ذاك المتخلّف.. الأب: (من خارج المسرح) إيمان.. (يدخل) ماذا جرى لك..؟ ساعة وأنا أنتظر على الباب.. (ساخراً) هل أعطيتهم تاج الأميرة؟ المخرج: (يندفع نحو الأب) أنت إنسان عظيم يا سيد عبد المنعم لأنك أنجبت مثلَ هذه الفتاة الرائعة. الأب: كفى أيها المخادع.. أما زلت مصراً على البقاء فوق هذه الخشبة؟ المخرج: سأبقى.. وأقدم المسرحية وحيداً وفي الموعد المحدد.. (الأب يخرج مع إيمان..) أنا أدعوكما منذ الآن. حسيب: ولكن هذا تحايل على العقد. المخرج: اخرس.. العقد واضح مثل عين الشمس.. المطلوب هو إنجاز المسرحية وسوف أقدمها وحدي وفي الموعد المحدد.. (يأتي بالدمى الكبيرة التي عُلقّت عليها ثياب المسرحية.. ويضعها حولـه على شكل نصف دائرة..) ويدور بينها صارخاً.. أنا أنطونيو.. أنا الخادمة.. أنا بسّانيو.. أنا شايلوك.. أنا بورشيا.. أنا القاضي.. (يدور) أنا.. أنا المخرج (يسقط ساجداً على المسرح إظلام تام وبقعة ضوء فوق المخرج.. موسيقا قوية.. بقعة ضوء حمراء فوق حسيب الذي مازال في ثياب شايلوك حاملاً سكينه.. إظلام.. مع تتابع الموسيقا). النهاية |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |