ثلاث مسرحيات ـــ نور الدين الهاشمي

مسرحيات ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

دائرة في الرمال

شخصيات المسرحية‏

1 ـ سائق السيارة‏

2 ـ خليل‏

3 ـ نجوى‏

4 ـ رجب‏

5 ـ شهد‏

6 ـ راتب‏

7 ـ إلهام‏

8 ـ بشار‏

9 ـ بديع‏

10 ـ الشيخ برهان‏

11 ـ سائق الدراجة النارية‏

المنظر الأول‏

(أرض صحراوية مترامية الأطراف.. رمال صخور سوداء متفرقة.. أعشاب جافة وأشواك.. في البعيد جبال قاسية الملامح.‏

المسرح فارغ.. يسمع صوت محاولات مستمرة لإشعال محرك سيارة دون جدوى.. عدة محاولات.. يدخل ركاب السيارة راتب، إلهام، رجب يساعد ابنته شهد، خليل، نجوى، بشّار، الشيخ برهان.. يتوزّعون في أرجاء المسرح).‏

برهان: (يستريح) الأفضل أن نستريح قليلاً ما دمنا لا نستطيع إفادة السائق في شيء.‏

إلهام: أنا لا أستطيع احتمال هذا المكان يا راتب.‏

راتب: لن نتأخر كثيراً يا عزيزتي إلهام.‏

بشار: لا اعتقد أن السائق قادر على إصلاح السيارة.‏

برهان: لا تتشاءم كثيراً يا بني.‏

نجوى: مَنْ يعرف أين نحن الآن؟‏

خليل: في الطريق إلى العاصمة يا نجوى.‏

نجوى: لا أعتقد ذلك..‏

خليل: أين نحن في رأيك؟.‏

نجوى: لا أعرف ولكنني واثقة أننا ابتعدنا كثيراً عن الطريق الصحيح.‏

إلهام: كان عليكم ألا تسمحوا للسائق بترك الطريق العام والسير في الصحراء.‏

خليل: لم يسأل أحداً منا؟‏

بشار: لا.. لقد سأل.‏

خليل: متى؟‏

بشار: في حوالي الثانية ليلاً وكان معظمكم نائماً.‏

خليل: ولماذا لم توقفه؟‏

بشار: سألتُه ولكنه قال بأن الطريق الصحراوي أقصر ويوفّر مئة كيلو متر؟‏

خليل: وهل صدقته؟‏

بشار: أنا لا علاقة لي.. هذه أول مرة أسافر فيها إلى العاصمة.‏

(يدخل بديع.. يترنح قليلاً ويحمل حقيبة صغيرة تحتوي على زجاجة فيها مشروبات روحية).‏

بديع: سامحكم الله أنتم هنا وأنا وحدي نائم في السيارة.‏

برهان: أ صحوت أخيراً يا سيد بديع؟‏

بديع: طبعاً.‏

برهان: من الخمر أم من النوم؟‏

بديع: لا فرق.. المهم أن ينام الإنسان دونَ أحلام مزعجة.. (يتلفت) أين نحن؟‏

خليل في الصحراء..‏

رجب: أعوذ بالله.. ما الذي أوصلنا إلى هنا؟‏

راتب: أسأل السائق.‏

(يدخل السائق وهو يمسح يديه بخرقة وسخة يسرع الجميع إليه).‏

راتب: هل أصلحت السيارة؟‏

السائق: أنا أحاول.‏

راتب: ثلاث ساعات ونحن نسمع منك هذا الكلام.‏

السائق: وسوف تسمعونه إلى آخر النهار.‏

إلهام: مستحيل.. يجب أن نحضر حفلة مطرب القمة في العاصمة مساء هذا اليوم.‏

رجب: ابنتي مريضة وعندها موعد مع الطبيب مساء هذا اليوم.. المسألة فيها حياة أو موت.‏

برهان: أنا يا بني لديّ موعد مع وزير الأوقاف وسأطلب منه السماح لي بجمع التبرعات من أجل توسيع المسجد وإصلاح المئذنة ومكبّرات الصوت.‏

خليل: زوجتي مدّرسة ستسافر للعمل في الخليج وموعدها مع لجنة توقيع العقود هذا اليوم.‏

بديع: أنا عندي جلسة في محكمة الاستئناف فإما أن تعوضَ لي الدولة عن مطبعتي الصغيرة التي احترقت تماماً بعد أن تسلّلت إليها النار من المبنى الحكومي. المجاور أو تقرَ المحكمة الحادث قضاء وقدراً.‏

السائق: أعرف أنكم مستعجلون.. وأنا أيضاً ولكن ماذا أستطيعُ أنْ أفعل لكم أكثر من ذلك.‏

راتب: اسمع.. سأخرب بيتك إذا لم نصل أنا وزوجتي لحضور الحفلة هذا اليوم.‏

(السائق لا يرد على التهديد).‏

برهان: حاول يا بني إصلاح السيارة من جديد وتوكل على الله.‏

السائق: أريد واحداً منكم لمساعدتي.‏

بديع: (يقف وهو يترنّح) إذا كان الأمرُ يتعلق بدفع السيارة فأنا مستعد.‏

السائق: كلا.. أريد واحداً ليدير مفتاح التشغيل فقط.‏

بشار: أنا سأذهب معك.‏

(يخرج مع السائق).‏

خليل: هذا الشاب سبب هذه المصيبة التي نحن فيها.‏

نجوى: ولماذا تلقي اللوم عليه؟‏

خليل: لقد رأى السائق وهو ينحرف ومع ذلك فلم يمنعه.‏

نجوى: الجميع مسؤولون عن هذه الحالة.‏

خليل: ربما كانوا نائمين.‏

نجوى: معظمكم كان صاحياً.‏

رجب: أنا كنت مشغولاً بمرض ابنتي.‏

برهان: تذكّرت.. كنت مستغرقاً في التسبيح فأنا أذكر الله عشرة آلاف مرة قبل أن أنام.‏

خليل: وأنا ربما كنت مشغولاً بفكرة قصة أو مقالة.. ولم يخطر ببالي أن السائق سينحرف في هذا الليل.‏

إلهام: أنا كنت نائمة.‏

راتب: وأنا أيضاً.‏

إلهام: ماذا تتوقعون منا ونحن محشورون في هذه السيارة البالية عشر ساعات.‏

راتب: أمثال هذه السيارات يجب أن تكون في المقابر منذ عشرين عاماً.‏

إلهام: في أوربا.. لا يسمحون لها بالظهور في الشارع.‏

راتب: أما هنا.. فلا شيء يفنى مهما صار قديماً.‏

بديع: إلا نحن.‏

خليل: (الزوجة) وأنت لماذا لم توقفيه؟‏

نجوى: لا أدري.. توقعتُ أنه يعرفُ الطريق جيداً..‏

خليل: وكيف تصدقينه؟‏

نجوى: أليس هو السائقَ الذي يقود السيارة.‏

(يدخل السائق ومعه بشار وهو يحمل قطعة من السيارة).‏

راتب: ماذا حدث؟‏

السائق: يستحيل إصلاح السيارة.‏

راتب: لماذا؟‏

السائق: إنها تحتاج إلى قطعة تبديل.‏

راتب: وأين نجدها؟‏

السائق: في العاصمة فقط.‏

إلهام: كانَ عليك أن لا تسافرَ بالناس المحترمين في مثل هذه السيارة.‏

السائق: لم أجبرْ أحداً على الركوب معي.‏

نجوى: ماذا ستفعل الآن؟‏

السائق: لا أدري.‏

خليل: هل تعرف أين نحن؟‏

السائق: (ينظر حوله) ربما على بعد مئتين وعشرين كيلو متراً عن العاصمة.‏

راتب: ولماذا تركتَ الطريقَ الإسفلتيَ العام وأتيت من هذا الطريق الرملي المهجور؟‏

السائق: إنه أقصر بمئة كيلو متر.‏

خليل: لم تسأل أي واحد منا.‏

السائق: لقد سألت.. ولكن لم ألقَ رداً.. وسمعتُ الشيخ برهان يقول توكلت على الله فتوكلت.‏

برهان: أنا كنت أقول سبحان الله.‏

إلهام: كان عليك أن تفحص سيارتك قبل أن تسافر.‏

السائق: فحصتها وتعطّلت ماذا أفعل؟ ابن آدم يخرج من بيته سالماً كالحصان وفجأة.. يهوي كالخرقة جثة بلا روح.‏

خليل: والآن ماذا سنفعل؟‏

السائق: لا أدري.‏

برهان: أنا أقترح أن ننتظر هنا فربما أرسل الله لنا سيارة عابرة من هنا أو هناك.‏

السائق: لا أعتقد أن أحداً سيمر.‏

خليل: لماذا.‏

السائق: لا أحد يعبر هذا الطريق سوى مرة أو مرتين في الشهر.‏

نجوى: لم تمرَّ بنا سيارة واحدة منذ أن تركنا الطريق العام.‏

خليل: كيف وصلْنا إلى هنا؟‏

السائق: لا أدري.. ربما أكون قد انحرفت قليلاً إلى اليمين أو اليسار.‏

رجب: وما العمل يا جماعة؟ ابنتي مريضة.‏

راتب: موقفنا خطير.‏

بشار: قرأت قصة عن أناس ضاعوا في الصحراء وماتوا من العطش والتعب.‏

برهان: لا تقنطوا من رحمة الله يا جماعة.‏

بديع: الله سبحانه يكره الصحارى ومَنْ يسكن فيها ولذلك حرمها من الماء والخضرة.‏

برهان: ولكنه وهبها كنوزاً في بطنها.‏

بديع: المهم أن تستطيع هضمها!!‏

راتب: (للسائق) لابدّ أن يسألوا عنك في كاراج العاصمة إذا تأخرت.‏

السائق: كلا.‏

أنا لا أتبع أي مرآب وأسافر وحدي.‏

رجب: هذا صحيح.. لقد كان يضع سيارته خلف المرآب.‏

خليل: وكنتُ تلتقط زبائنك من هنا وهناك؟‏

السائق: قلت لكم أنا لم أجبر أحد على الركوب معي.‏

خليل: كنا بحاجة للسفر بسرعة.‏

السائق: نعم فضلتم الركوب معي سِّراً لسبب ما.‏

إلهام: إنها المرة الأولى التي لا نسافر فيها بسيارتنا الخاصة.‏

السائق: وخجلتم طبعاً أن تظهروا أمام الناس كركّاب عاديين.‏

بشار: أنا لم أخبر أحداً بسفري.‏

برهان: لقد نصحوني بأن أجرة السيارة التي تقفُ على باب الكاراج ارخص من غيرها.. المال أمانة في عنقي وهو مال الله.‏

بديع: أنا لم أدرك أني مسافر إلا في منتصف الطريق.‏

ولا فرق عندي إن ركبت سيارة تقف على باب المتحف أو الكاراج..‏

إلهام الحر يزداد.‏

راتب: ابحثوا لنا عن حلٍّ أرجوكم.‏

خليل: أنا أقترح أن يذهبَ واحد منا ويبحثَ عن أقرب طريق أو قرية يخبر أحداً ما أو يأتينا بسيارة.‏

بديع: أنا لا أستطيع السير في هذا الحر.. ربما ارتفعت معي نسبة السكر.‏

رجب: أنا لا أستطيع ترك ابنتي وحدها فلا أدري كيف تتصرف في غيابي.‏

إلهام: هل هي مجنونة؟‏

رجب: (يصرخ) كلا.. رأسها يؤلمها فقط بين الحين والآخر.‏

برهان: أنا صائم وقد اعتدتُ على صيام الاثنين. والخميس. منذ عشرين عاماً والحمد لله.‏

خليل: (لبشّار) وأنت أيها الشاب.‏

بشار: أنا لا علاقة لي بمشاريعكم ولا فرقَ عندي إن بقيتم أم رحلتم.‏

خليل: ألا تريدون الوصول إلى العاصمة؟‏

بشار: لا فرق.‏

راتب: لماذا ركبتَ السيارة معنا إذن؟‏

بشار: مشكلة خاصة بيني وبين أهلي.‏

برهان: طاعةُ الوالدين فرضٌ يا بني.‏

بشار: والدي لا يريد طاعتي بل يريد خضوعي لإرادته.‏

نجوى: وإلى أين ستذهب في العاصمة؟‏

بشار: لي أخت تعيش هناك.‏

راتب: نسيتم مشكلتنا وانشغلتم بأمر الشاب.‏

خليل: لا أحد يريد الذهاب كما توقعت.‏

راتب: ولماذا لا يذهب حضرته (يشير إلى السائق).‏

السائق: أنا؟!‏

راتب: نعم أنت.‏

السائق: لن أترك سيارتي.‏

خليل: لن يحدث لها شيء.‏

السائق: لا أستطيع تركها دقيقة واحدة.‏

بديع: لن يسرقها أحد.. إلا إذا كان من جامعي التحف.‏

برهان: سيارتك في الحفظ والأمان ولن يتقرب أحد منها يا بني.. صدقني.‏

السائق: (بإصرار) قلت لكم لن أغادر هذا المكان.. فليذهب شخص آخر.‏

بديع: أنا سأذهب (يترنح).‏

خليل: هل تعرف الطريق؟‏

بديع: كلا.. سوف أسأل.‏

راتب: ومن ستسأل؟ لن تجد نملة في طريقك.‏

برهان: يا أخي ارحم نفسك وتوقف عن شرب هذا السم.‏

بديع: هذا الشراب سمٌ لذيذ.. صدقني.‏

برهان: أنت تخدع نفسك.‏

بديع: كلنا خادعون أو مخدوعون.‏

خليل: وما العمل الآن؟‏

برهان: ليس لنا إلا أن ننتظر.‏

إلهام: إلى متى؟‏

راتب: المكان مقفر ولا يمرُّ فيه حتى الطير.‏

بديع: الجميع يهجرون هذه الصحراء.‏

خليل: الأفضل أن نغادرَ معاً هذا المكان.‏

نجوى: ومَنْ سيخرجنا من هذه المتاهة.‏

خليل: السائق طبعاً.. إنه الوحيد الذي يعرف الطريق.‏

برهان: توكلتُ على الله‏

(يذهبون ويأتون بحوائجهم من السيارة.. ما عدا السائق الذي يبقى على المسرح).‏

راتب: ما بك؟ ألن تغادر معنا المكان؟‏

السائق: لا أستطيع.‏

خليل: ولكنك الوحيد الذي يعرف الطريق.‏

السائق: دبروا أموركم.‏

خلي: كيف؟ سنضيع إذا سرنا بدونك.‏

السائق: وأنا لا أستطيع مغادرة السيارة.‏

راتب: أقسم بالله سأخرب بيتك إذا لم تذهب.‏

إلهام: اسمع.. نحن لدينا أصدقاء هامون في العاصمة وسيعرفون كيف يعاقبون أمثالك.‏

السائق: تهديدكم لن يؤثر على غبار حذائي.‏

راتب: حسناً سنرى فيما بعد.‏

برهان: يا جماعة هذا الكلام لا ينفع الآن يجب أن نعرف لماذا لا يريد الرجل مغادرة المكان.‏

بشار: إنه خائف على السيارة.‏

السائق: كلا لستُ خائفاً على السيارة (الجميع في دهشة).‏

خليل: (باستغراب) لماذا إذن؟‏

السائق: معي تابوت..!‏

راتب: (بفزع) تابوت.. (الجميع يهمس بخوف تابوت.. تابوت).‏

خليل: وفيه ميت؟‏

السائق: طبعاً.. إنها جثة أبي.‏

خليل: وأين هي؟‏

السائق: فوق ظهر السيارة.‏

خليل: هل تقصد هذا الصندوق المغطى فوق ظهر السيارة؟!!‏

السائق: نعم.‏

إلهام: أرجوك يا راتب أخرجني من هذا المكان فوراً.‏

برهان: وإلى أين تأخذ الجثة؟‏

السائق: إلى قرية قرب العاصمة فهناك مسقط رأس أبي وقد أوصاني أن أدفنه هناك بين أبناء عشيرته.‏

نجوى: ولكنك لم تسأل أيّ واحد منا إن كان يقبل بالسفر مع ميت.‏

السائق: وهل ضايقكم في شيء..؟‏

بديع: تأملوا هذا الموقف الرائع.. حياتنا نحن الأحياء في كفة وجثة والده المحترمة في الكفة الأخرى.. (يخرج الزجاجة ويشرب) ويقولون لي لماذا تشرب؟‏

برهان: أنت تضيع عقلك في هذا السّم اللعين.‏

بديع: عقلي يا شيخ برهان كطفل مشلول الساقين يريد أن يلعب ويركض مع الأطفال فلا يستطيع فيبكي ويتألم فليس له إلا أن ينام ويحلم.‏

رجب: أسرعوا يا جماعة ابنتي مريضة.‏

راتب: (للسائق) ماذا قررت؟‏

السائق: ليس لديكم خيار آخر.‏

إلهام: تحركوا من هنا أرجوكم.‏

برهان: حسناً.. توكل على الله يا بني.‏

خليل: ولكنْ يا سيد برهان.‏

برهان: نحن مكرهون على ذلك.‏

السائق: تعالوا وساعدوني في حمل التابوت.‏

(يخرج السائق ومعه خليل وبرهان ويعودون وهم يحملون التابوت.. يضعونه على الأرض. شهد تطلب ماءً).‏

شهد: ماء.. ماء..‏

رجب: (للسائق) هل لديك ماء للشرب؟‏

السائق: نعم.. لدي وعاء فيه ماء استخدمه لتبريد المحرك.‏

خليل: ألا يصلحُ للشرب؟‏

السائق: نعم.. ولكن.‏

خليل: ولكن.. ماذا؟‏

السائق: أنا صاحبه.‏

بديع: اجلبه الآن نريدُ تبريد بطوننا.‏

(السائق يتلفت)‏

خليل: ما بك.. لماذا لا تجلب الماء؟‏

السائق: (وهو يخرج) حسناً سأجلبه (يخرج).‏

بشار: إنه يريد أن يفرض علينا شروطاً جديدة.‏

(يعود السائق حاملاً وعاء من البلاستيك وكأساً يحاول رجب أن يأخذ الوعاء ولكن السائق يرفض).‏

السائق: أنا سأوزع الماء.‏

راتب: ولماذا أنت؟‏

السائق: لأني صاحب الماء.‏

نجوى: كلا.. الماء للجميع.‏

برهان: معك حق يا سيدة نجوى فعندما يكون الناس في خطر فلا مال لأحد بل للجميع.‏

بديع: (يرفع الزجاجة) أنا مستعدٌ لإشراك الجميع معي في هذه الزجاجة.‏

برهان: لا أحد يريد أن يشاركك في هذا السم.‏

بديع: كله مكتوب على بني آدم ماذا نفعل؟‏

رجب: (للسائق) أعطني جرعة ماء أرجوك.‏

(الفتاة تمدُّ يدها.. السائق يصبُّ الماء يخطفه الأب ويسقيه للفتاة.. تشرب شهد بشغف وتطلب كأساً آخر ولكن السائق يرفض).‏

بشار: أعطها كأساً أخرى.‏

السائق: كلا.. لقد أخذت الآن حصتها.‏

بشار: إنها مريضة.‏

إلهام: الجميع بحاجة للماء مثلها.‏

السائق: عليها أن تنتظر الدور القادم للشرب.. إلا إذا أراد أحد أن يتبرع لها بحصته.. والآن سيأخذ كل واحد نصيبه من الماء (يصبُّ لنفسه ويشرب ثم يصب لإلهام فتشرب متقززة.. يصب لخليل ثم لنجوى.. يصب لبرهان).‏

برهان: أنا صائم.. احتفظ لي بحصتي من الماء حتى المغرب.‏

خليل: الصيام صعب في هذه الأحوال يا شيخ برهان.‏

برهان: أنا أجاهد نفسي الأمّارة بالشهوات حتى أغلبها.‏

بديع: الحرمان سوف يقتل كل الرغبات يا برهان.‏

برهان: مجالدة النفس والصبر على المكروه فيه ثواب كبير.‏

خليل: أنت تعذب نفسك.‏

برهان: كلا ما دام الأمر باختياري.‏

بديع: المشكلة متى يكون الأمر باختيارنا ومتى يكون مفروضاً علينا.‏

(يصب السائق لرجب كأساً فيشرب معظمه ويسقي ابنته القليل الباقي.. شهد تطلب أيضاً).‏

رجب: حرارتها مرتفعة.‏

(يصب السائق لبشار فيقدم الكاس لشهد التي تنظر إليه بدهشة).‏

رجب: لماذا تفعل هذا يا بني؟‏

بشار: لا أشعر كثيراً بالعطش.. أعطها الماء.. أرجوك.‏

رجب: لا أدري إن كانت تقبل.‏

(شهد تشرب قسماً من الماء وترد الباقي لبشار الذي يشرب باستمتاع.. السائق يصب حصة بديع).‏

بديع: ضع حصتي في هذه الزجاجة.‏

(يصب السائق حصة بديع في زجاجة الخمر).‏

بديع: هكذا أضمن أن أحداً لن يشرب حصتي من الماء.‏

السائق: استعد للسير.. أنا سوف أحدد موعد ومكان الكأس الثانية. خذ الوعاء يا عم برهان (يسلم وعاء الماء لبرهان.. يحملون التابوت ويخرجون).‏

المنظر الثاني‏

(مكان آخر في الصحراء.. الشمس اللاهبة أصبحت في كبد السماء.. الألوان توحي بالحرِّ الشديد، الأرض مشققة من العطش، تدخل إلهام ثم راتب، ثم السائق بشار وبديع. ورجب وهم يحملون التابوت، برهان يحمل وعاء الماء، نجوى تساعد شهد في سيرها، الجميع مرهقون ويبدو عليهم الإجهاد والعطش).‏

السائق:‏

يمكننا أن نستريح هنا قليلاً.‏

(يتوقفون. يضع حملة التابوت على الأرض يستريحون هنا وهناك صامتين، يمسحون عرقهم ويحاولون أن يردّوا الشمس عن أنفسهم بكل الوسائل بالثياب والأيدي والحقائب).‏

راتب:‏

خمس ساعات ونحن نسير ولم نصلْ إلى أي مكان.‏

بديع:‏

كلا.. لقد وصلنا إلى جهنم، انظروا.‏

برهان:‏

نار جهنم أشد من هذا الحرُّ الشديد عشرات المرات إن كنت لا تعلم.‏

بديع:‏

سامحك الله يا شيخ برهان.. هذا الحر وحده يشوي فيلاً سميناً بعشرة دقائق.‏

خليل:‏

(للسائق) هل أنت واثق أنك تسير بنا في الطريق الصحيح؟‏

السائق:‏

طبعاً.‏

خليل:‏

ولكننا لم نصادف طريقاً أو قرية أو حتى آثار أقدام.‏

السائق:‏

هذا لا يهم ما دمتُ سأوصلكم إلى العاصمة.‏

إلهام:‏

متى؟ بعد أن يأكلنا هذا الرمل الكريه.‏

السائق:‏

(يغير مجرى الحديث) أعتقد أن الجميع مشتاق إلى كأس ماء.. هات الوعاء يا عم برهان.‏

(يعطه برهان الوعاء والكأس فيصب كأساً لنفسه ثم يعطيه لراتب الذي يصب لنجوى ثم لنفسه، بديع يصب كأساً ويضعه في زجاجة الخمر ويشرب).‏

بديع:‏

مصيبة، صار طعم الماء في الزجاجة أقوى من طعم المشروب.‏

(رجب يصب كأساً لابنته شهد ثم لنفسه، بشار يصب كأساً ويحاول إعطاءه للفتاة التي ترفض وتطلب منه أن يشرب معظم ما في الكأس ثم تشرب الباقي بسرور يعود وعاء الماء لبرهان الذي ينظر بحسرة ولهفة إلى الماء).‏

خليل:‏

اشرب يا عم برهان.. لا يمكن احتمال هذا العطش.‏

برهان:‏

لقد مر معظم النهار.‏

(يخرج السائق ويأخذ وعاء الماء.. وكأنه يبحث عن الطريق ويستطلع المكان).‏

بشار:‏

ما هو مرض شهد يا عم رجب؟‏

رجب:‏

قلت لك إنها تشعر بصداع قوي يأتيها بين الحين والآخر.‏

بشار:‏

ما هي أسباب هذا المرض؟‏

رجب:‏

لا أدري.‏

بشار:‏

ولكنْ.. لماذا لا تتكلم.. (يحاول إثارتها) هل هي خرساء؟ (تنظر إليه شهد بغضب).‏

رجب:‏

كلا يا بشار إنها تتكلم طبعاً ووصلت في المدرسة حتى الصف العاشر وكانت من أحسن الطالبات.‏

بشار:‏

وكيف صارت في هذه الحالة؟‏

(الفتاة تشعر بالصداع).‏

رجب:‏

اتركنا بحالنا يا بني.‏

(شهد تضغط على رأسها بقوة.. رجب يحاول مواساتها).‏

بشار:‏

أنا آسف.. هل يمكنني أن أساعدها في شيء؟‏

رجب:‏

(لزوجته أما زلتِ مصرة على السفر إلى الخليج.‏

نجوى:‏

نعم.. حتى نتمكن من تسديد ثمن البيت.‏

خليل:‏

لا أعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي لسفرك.‏

نجوى:‏

وما السبب في رأيك؟‏

خليل:‏

أنت تريدين الابتعاد عني.‏

نجوى:‏

لماذا؟‏

خليل:‏

لا أعرف ولكني أشعر بأن حبّنا قد بدأ يفتر في السنوات الأخيرة.‏

نجوى:‏

كأنك لا تعرف السبب.‏

خليل:‏

لا.. أقسم لك.‏

نجوى:‏

عندما أحببتك كنت خليل الكاتب الحقيقي الذي يغمس قلمه بهموم الناس فيكتب بصدق وجرأة عنهم أما الآن وبعد أن استلمت المنصب الجديد في الصحيفة صرتَ تكرر نفسك وتتناول الأمور بسطحية وسذاجة وتتوهم أن على الناس أن يصدقوا ويثقوا بكل ما تكتبه حين يقرؤون اسمك المشهور.‏

خليل:‏

لا علاقة لهذا المنصب بما يحدث لي..‏

نجوى:‏

بل هو السبب لقد أصبحت حريصاً على منصبك قبل أي شيء آخر..‏

خليل:‏

كلا.. كلا.. قد يكون للوظيفة الجديدة علاقة ما ولكن السبب الجوهري يعود إلى تلك الحياة الكريهة التي نعيشها.. إنها تدور على وتيرة واحدة وتمتصّ أعمارنا كالعنكبوت ثم ترميها بلا روح، ماذا يمكنني أن أكتب عن مدينة بليدة.. أهلها متشابهون في لباسهم وكلامهم وأحلامهم.. يستيقظون دون رغبة.. يعملون دون رغبة.. يأكلون دون رغبة يسهرون.. يتناسلون.. ما أسوأ الحياة حين تتشابه الأيام.‏

بشار:‏

(وهو يحمل المذياع) اسمعوا.. اسمعوا قليلاً أرجوكم.‏

(يشير إلى المذياع.. يقترب الجميع ويصغون باهتمام.. وخلال إذاعة الخبر يدخل السائق ويصغي).‏

صوت المذيع:‏

(كأنه يكمل خبراً) وتنصحُ دائرةُ الأحوال الجوية ووزارة الداخلية جميع الأشخاص والسيارات بالابتعاد عن الطريق الصحراوي والطرقات المتفرعة عنه باتجاه الصحراء لأن دائرة الرصد الجوي تتوقع هبوبَ عاصفة رملية تتجاوز سرعتها مئة وعشرين كيلو متراً وسوف تجتاح المنطقة الخطرة حتى إشعار آخر.. أكرر الخبر الهام وردنا منذ قليل.. جاءنا من دائرة الأرصاد الجوية ووزارة الداخلية...‏

(بشار يغلق المذياع.. الصمت يخيم على الجميع).‏

برهان:‏

لا حول ولا قوة إلا بالله.‏

راتب:‏

عاصفة..‍ يا سلام.. هذا ما كان ينقصنا.‏

بديع:‏

هل ستهبُّ العاصفة في رأيكم من هنا.. أم من هنا؟‏

بشار:‏

ستهب من جميع الجهات يا سيد بديع.‏

بديع:‏

ولماذا تزدحم علينا كل هذه المصائب؟‏

برهان:‏

الله سبحانه غاضب علينا بسبب كثرة ذنوبنا.‏

بديع:‏

وهل نحن المذنبون الوحيدون في هذا العالم؟‏

السائق:‏

الأفضل أن نتحرك بسرعة.‏

بشار:‏

لن نستطيعَ التحركَ بسرعة ومعنا هذا التابوت.‏

خليل:‏

يجب ترك التابوت هنا.‏

برهان:‏

سنقيمُ لـه جنازةً لائقة وندفنه حسب الأصول.‏

السائق:‏

أرجوكم لا تناقشوني في هذه المسألة مرةً ثانية سافروا وحدكم.‏

راتب:‏

وأنت؟‏

السائق:‏

لن أتحرك شعرة واحدة دون جثة أبي.‏

نجوى:‏

ستداهمكم العاصفة وأنتم في هذا الجو العظيم.‏

السائق:‏

أنا لا أجبركم على مرافقتي.‏

خليل:‏

أنت تعلم جيداً أننا لا نعرف الطريق.‏

إلهام:‏

احملوا التابوت وخلّصونا بسرعة.‏

السائق:‏

ماذا قررتم؟‏

بديع:‏

موافقون رغماً عنهم.‏

السائق:‏

المهم أنهم موافقون..‏

(يذهب السائق باتجاه التابوت يحمله بشار وخليل.. يسيرون خارج المسرح).‏

إظلام‏

المنظر الثالث‏

(مكان آخر في الصحراء.. الشمس اللاهبة تميل للغروب، الأفق أحمر قان بلون الدم.. الأرض مشققة من العطش، تدخل نجوى وهي تساعد شهد.. إلهام.. راتب.. رجب وبشار. وخليل وبرهان يحملون التابوت.. بديع يترنح.. يتوقّفون صامتين.. ينزلون التابوت.. يستريحون. الجميع في أقصى حالات التعب والإرهاق).‏

خليل:‏

(يبحث عن السائق) أين السائق.‏

بديع:‏

إنه في الخلف يبحث لنا عن طريق.‏

نجوى:‏

لديّ إحساس بأنّ هذا الرجل لا يعرف الطريق.‏

إلهام:‏

منذُ الصباح وهو يتخبّط بنا كالأعمى هنا وهناك.‏

رجب:‏

ماذا نفعل؟ نحن مضطرون إلى السير وراءه.‏

بديع:‏

الحقوا البوم يأخذكم إلى الخراب.‏

نجوى:‏

وماذا ستفعلون إذا وصلتم للخراب؟‏

بديع:‏

ننعق كالغربان.. قاق.. قاق.. قاق..‏

(تجاوبه أصوات غربان حقيقية.. الجميع يصاب بالخوف.. يدخل السائق حاملاً وعاء الماء).‏

خليل:‏

هل أنت واثق أنك تقودنا في الطريق الصحيح.‏

السائق:‏

نعم.. نعم.. لابد أن نصل.. اصبروا قليلاً فقط.‏

إلهام:‏

إلى متى.. لم نعد نحتمل أكثر.‏

السائق:‏

أنتم مرغمون على الصبر فليس لأحدكم حل آخر.‏

(شهد تطلب ماء.. يسرع بشار نحو وعاء الماء يمتنع السائق من إعطائه).‏

السائق:‏

انتظر قليلاً (يتأمل الوعاء) لم يعد معنا سوى شربة واحدة لكل شخص.‏

برهان:‏

أنا لم أشرب شيئاً حتى الآن.. كم بقي للمغرب؟‏

خليل:‏

ساعتان.‏

بديع:‏

اشرب يا شيخ برهان.‏

برهان:‏

لن أشرب وأضيعَ ثواب هذا اليوم.‏

السائق:‏

مَنْ يشرب الآن فلن يشرب مرة ثانية.‏

رجب:‏

دعني أسقي ابنتي أولاً.. (يصب كأساً لشهد).‏

السائق:‏

مَنْ يريد الشرب أيضاً؟. (صمت قليل).‏

بديع:‏

لن أموت وأنا عطشان.. هات الماء أريد حصتي.‏

نجوى:‏

وأنا أيضاً.‏

بشار:‏

وأنا (يبدأ السائق بصب الماء).‏

راتب:‏

(فجأة) انتظر.. لا تسق أحداً.. (صمت) مَنْ منكم يبيعني حصته من الماء؟ (ينظرون إلى بعضهم) أنا مستعدٌ لشراء كل حصة بعشرة آلاف ليرة (يخرج دفتر الشيكات) بعشرين ألفاً.. بثلاثين ماذا قلتم.. إنها فرصة لا تعوض.‏

بديع:‏

أنا لن أبيع.. هات الماء.‏

راتب:‏

بخمسين ألفاً.. فكروا جيداً.. (لبشار) أيها الشاب يبدو لي أنك شجاع وتستطيع تحمل العطش ومبلغ خمسين ألفاً يمكن أن تبدأ به حياتك.. أنا بدأت حياتي التجارية بخمس وعشرين ليرة أعطاني إياها والدي كي أبيع وأشتري أمام دكانه واعتمدتُ على نفسي وأنا الآن أملك الملايين.. ماذا قلت.. أنا أدفع خمسين ألفاً مقابل كأس ماء.. تصور.‏

نجوى:‏

ولكنك لا تشتري كأس ماء بل حياة إنسان.‏

راتب:‏

وأنا أيضاً أدفع مبلغاً محترماً.‏

بديع:‏

قد تقتل إنساناً بهذا العرض.‏

راتب:‏

أنا لا أجبر أحداً.. أنتم أحرار.‏

نجوى:‏

كحرية المحكوم بالإعدام في اختيار رغبته الأخيرة.‏

راتب:‏

اسمعوني جيداً.. سأدفع لكم مئة ألف ليرة مقابل حصة أي واحد منكم.‏

خليل:‏

مئة ألف.. هل تمزح؟‏

راتب:‏

سأشتري حصتين واحدة لزوجتي والثانية لي.. دفتر الشيكات جاهز.‏

بديع:‏

مقامرة مثيرة تستحق التفكير.‏

خليل:‏

وما الذي يضمن لنا بأنك تملك رصيداً في المصرف؟‏

راتب:‏

كلمة شرف.‏

بديع:‏

وأنا أقسم لكم بشرف هذه الزجاجة المغشوشة أنني أملك مصانع ويسكي وايت هورس.‏

راتب:‏

اسمعوا جيداً.. قد نجد الطريق بعد ساعة أو أقل فتندمون على الفرصة الضائعة.‏

نجوى:‏

وربما لن نجد الطريق.‏

راتب:‏

المبلغ الذي أدفعه يستحق المخاطرة.‏

نجوى:‏

هذا يكفي.. اعطني حصتي من الماء.‏

خليل:‏

تريثي قليلاً يا نجوى.‏

نجوى:‏

(تنظر إليه نجوى بدهشة واستغراب) لماذا؟‏

خليل:‏

يجب أن نفكر قليلاً بالأمر.‏

نجوى:‏

أتريدني أن أتخلى عن حصتي من الماء؟‏

خليل:‏

وأنا أيضاً.. أرجوك فكري بالأمر.‏

نجوى:‏

كلا.. هات الماء.‏

خليل:‏

اسمعيني قليلاً.. نبيع حصة واحدة ونتقاسم الحصة الباقية.‏

نجوى:‏

وماذا نفعل إذا احتجنا إلى الماء مرة ثانية؟‏

خليل:‏

ربما وجدنا الطريق.‏

نجوى:‏

وربما لن نجده.‏

خليل:‏

المبلغ يغنيكِ عن السفر ومفارقة البيت والأولاد.‏

نجوى:‏

نحن نقامر بحياتنا.‏

خليل:‏

الحياة فرصة يجب أن ننتهزها.‏

نجوى:‏

لقد كنت تسخر من الانتهازيين في قصصك.‏

خليل:‏

الحياة تغيرت.‏

نجوى:‏

بل أنت الذي تغيرت.‏

خليل:‏

لست منفصلاً عن هذه الحياة.‏

نجوى:‏

يجب أن يبقى واحداً منا متمسكاً ببعض المبادئ.‏

خليل:‏

مَنْ يتمسك بما اهترأ يصبْح أحمقَ هذا الزمان.‏

نجوى:‏

أرجوك فكري بعقلك لا عواطفك.‏

نجوى:‏

حسناً لن أشرب الآن.‏

راتب:‏

أريد حصة أخرى من الماء.. إذا عثرنا على الطريق بعد قليل فلن يساوي ماؤكم قرشاً واحداً.‏

رجب:‏

أنا سأبيع حصتين.‏

بشار:‏

ولكن ابنتك بحاجة إلى الماء.‏

رجب:‏

أنا أعرف الناس بمصلحة ابنتي.. (لراتب) سأبيع حصتين وبسعر أقل.‏

خليل:‏

بل أنا الذي سأبيعه ووافقت أولاً.‏

رجب:‏

بل أنا الذي سأبيع.‏

بشار:‏

بل أنا.‏

بديع:‏

بل أنا.‏

برهان:‏

وأنا أيضاً سأبيع وتكفيني حصة واحدة للإفطار.‏

(يتنازعون فيما بينهم).‏

نجوى:‏

(تصرخ فجأة) كفى.. كفى توقفوا عن إهانة أنفسكم قليلاً.‏

خليل:‏

ماذا حدث؟‏

نجوى:‏

ألم تنتبهوا أن السائق لم يعرضْ على راتبِ بيع حصته من الماء.‏

بشار:‏

هذا صحيح.‏

السائق:‏

ماذا تعنين؟‏

نجوى:‏

أعني لو أنك تعرف الطريق حقاً لبعت حصتك أول هؤلاء الناس.‏

السائق:‏

أنا أعرف الطريق.‏

نجوى:‏

كلا.. هناك احتمالان.. إما أنك لا تعرف الطريق أبداً.. أو أن الوصول إلى أقرب مكان آمن ما زال بعيداً جداً.‏

السائق:‏

أنت تكذبين.‏

نجوى:‏

بل أنت الذي تكذب وربما أخبرت السيد راتب بهذه الحقيقة حتى أصبح بهذا الكرم.‏

السائق:‏

كلا كلا هذا كذب.‏

بشار:‏

بل أنت الكذاب.. عشر ساعات ونحن نتخبط كالعميان في هذه الصحراء.‏

السائق:‏

أنا لا أسمح لأحد بإهانتي وسأنصرف وحدي وأترككم طعاماً للذئاب.‏

خليل:‏

تهديدك لم يعد يخيف أحد.‏

بديع:‏

ذاب الثلج وبان تل القمامة.‏

السائق:‏

(مهدداً) حسناً.. سترون (يربط التابوت بحبل.. ثم يأخذ وعاء الماء ويسحب التابوت.. يركض رجب وخليل وبديع نحوه).‏

بشار:‏

إلى أين تأخذ الماء؟‏

السائق:‏

إنّه ملكي.‏

خليل:‏

كلا إنّه ملك الجميع..‏

رجب:‏

تريد قتلنا من العطش.. ألا يكفي أنك أضعتنا في هذه الصحراء..‏

السائق:‏

(يدافع عن الوعاء بشراسة) لن تأخذوا قطرة واحدة.‏

(يبتعد السائق عنهم ويهددهم بسكب الماء).‏

السائق:‏

سأسكب الماء على الأرض إذا لم تبتعدوا.‏

(يتجمد الجميع خائفين على الماء.. لحظة صمت ثقيلة).‏

(نسمع فجأة صوتَ دراجة نارية يقترب من بعيد يصغي إليه الجميع).‏

خليل:‏

صوت سيارة.‏

بشار:‏

كلا إنه صوت دراجة نارية.‏

برهان:‏

الحمد لله لقد نجونا.‏

(يرتفع صوت الدراجة.. يندفع الجميع خارج المسرح ما عدا شهد التي تراقب السائق الذي يخفي التابوت.. يتوقف صوت الدراجة النارية.. نسمع صوت طلقتي نار.. صرخات فزع.. يتراجع الذين خرجوا من المسرح برعب ودهشة.. يدخل سائق الدراجة النارية شاهراً مسدسه وهو يرتدي بذلة جلدية سوداء وخوذة معدنية لامعة.. حذاء أحمر طويل السابق.. ملامح شرسة توحي بالعنف.. والاستهزاء والغرور والقسوة.. إنه أشبه برعاة البقر والقتلة المأجورين).‏

سائق الدراجة:‏

من أنتم؟‏

خليل:‏

بل من أنت؟‏

بشار:‏

ولماذا تطلق النار؟‏

سائق الدراجة:‏

مَنْ يحمل السلاح هو الذي يحقّ له أن يسأل (يصرخ) من أنتم؟‏

راتب:‏

نحن مجموعةٌ من المسافرين باتجاه العاصمة وقد تعطّلت سيارتنا.‏

سائق الدراجة:‏

ولكنكم بعيدون جداً عن طريق العاصمة.. أين السائق؟‏

السائق:‏

أنا السائق.‏

سائق الدراجة:‏

(يتأمله ويدور حوله) كأني رأيتك من قبل.‏

السائق:‏

أنا سائق سيارة عامة أعمل على الطريق الصحراوي باتجاه العاصمة وربما ركبت معي في يوم من الأيام.‏

سائق الدراجة:‏

كلا فأنا لا أركب إلا هذه الدراجة في جميع تنقلاتي وأسفاري.‏

برهان:‏

هل تعرف أين نحن يا بني؟‏

سائق الدراجة:‏

أنا لست أبنا لأحد.‏

برهان:‏

أنا آسف.. من فضلك أين نحن؟‏

سائق الدراجة:‏

أنتم في الصحراء.. في مملكتي التي أجوبها على هذه الدراجة منذ أعوام كثيرة.‏

إلهام:‏

إذن تعرف الطريق إلى العاصمة.‏

سائق الدراجة:‏

طبعاً أيتها السيدة الجميلة.‏

راتب:‏

ألا يمكنُك أن تدلّنا على الطريق.‏

برهان:‏

قبل أن تداهمنا العاصفة.‏

سائق الدراجة:‏

وماذا تدفعون لي؟‏

برهان:‏

خدمة لوجه الله.‏

سائق الدراجة:‏

(يضحك) أنا أحبُّ وجه العملة أكثر.‏

راتب:‏

سأعطيك شيكاً بالمبلغ الذي تريد.‏

سائق الدراجة:‏

لا أستطيع.. لأنني لا أملكُ أية هوية (يضحك).‏

لماذا تريدون الذهاب إلى العاصمة؟‏

برهان:‏

أنا سأقابل وزير الأوقاف حتى يسمح لنا بجمع التبرعات للمسجد.‏

سائق الدراجة:‏

(لبديع) وأنت؟!‏

بديع:‏

لدي جلسة محاكمة في محكمة الاستئناف هذا اليوم فإما أن يحكموا لصالحي أو أن يعتبروا الأمر قضاء وقدراً.‏

سائق الدراجة:‏

(لبشار) وأنت؟!‏

بشار:‏

ليس لي هدف محدد.‏

سائق الدراجة:‏

أنت طالب.‏

بشار:‏

كنت.‏

سائق الدراجة:‏

وطردك والدك من البيت.‏

بشار:‏

لا يرد.‏

سائق الدراجة:‏

أنا لم يطردني. لكنه مات وترك لي ستة من أبنائه وأمهم ولولا هروبي لتعلقوا برقبتي وأغرقوني في فقرهم وبؤسهم.‏

(لراتب) وأنت؟!‏

راتب:‏

أنا اشتغل بالأعمال الحرة.‏

سائق الدراجة:‏

وأنا أيضاً أعمال حرة.. فأنا أنقل على ظهر دراجتي ما يزيد في هذا البلد من أموال ورجال سياسة ومحكومين إلى ما ينقص هذا البلد.. (يشير إلى إلهام) هذه زوجتك طبعاً فهي تنفع للأعمال الحرة (لخليل) وأنت؟.‏

خليل:‏

لا يحق لك أن تستجوبنا بهذا الشكل.‏

سائق الدراجة:‏

يبدو أنك من الذين يثرثرون كثيراً.‏

بديع:‏

الأستاذ خليل كاتب وصحفي.‏

سائق الدراجة:‏

ما رأيك أن تكتب قصة حياتي.. ستكون رواية رائعة أنت تكسب المال وأنا أكسب الشهرة.‏

خليل:‏

مَن أنت حتى أكتب عنك؟‏

سائق الدراجة:‏

ستعرفني بعد قليل (لنجوى) وأنت.‏

نجوى:‏

مدّرسة.‏

سائق الدراجة:‏

مدرسة ماذا؟‏

نجوى:‏

فلسفة.‏

سائق الدراجة:‏

لا أحتاجُها.. فأنا أحملُ مسدساً ومعي مال أستطيع أن أقنعَ بها من أريد (لرجب).. وأنت.‏

رجب:‏

أنا مزارع بسيط وهذه ابنتي الصغيرة شهد إنها مريضة وكان لدي موعد مع الطبيب هذا اليوم وفات الموعد كما ترى.‏

سائق الدراجة:‏

ابنتك جميلة.. هل هي متزوجة؟‏

رجب:‏

كلا.. لقد طلبها ابنُ عمها لكنها رفضت.‏

سائق الدراجة:‏

إنها تحب إذن.‏

رجب:‏

كلا.. كلا.. أرادت إكمال دراستها.. ولكن لعن الله أولاد الحرام.‏

سائق الدراجة:‏

(يتأملهم جيداً وكأنهم صيد ثمين) مَنْ منكم يودُّ الوصول إلى الطريق العام.‏

(الجميع يندفع نحوه ويقول أنا.. أنا.. أنا.. يطلق رصاصة في الهواء.. يتراجعون).‏

سائق الدراجة:‏

كفى.. اسمعوني جيداً.. لا أستطيعُ أن أنقل على دراجتي سوى شخص واحد فقط.‏

(الجميع أنا.. أنا.. أنا.. ما عدا نجوى وشهد وبديع وبشار..)‏

سائق الدراجة:‏

(يصرخ) توقفوا عن هذا الصراخ واسمعوني جيداً.. سأنقل أولاً من يدفع لي أكثر من الآخرين.‏

(صمت).‏

بديع:‏

(ساخراً) إذا ربحتُ الدعوى على الحكومة فسوف أعطيك النصف.‏

سائق الدراجة:‏

كلا.. أريد مالاً الآن ومضموناً.‏

برهان:‏

ليس لدي سوى الدعوات الصالحة.‏

سائق الدراجة:‏

لن تستجيب السماء من أجلي فقد يئست منها ويئست مني.. ألديك شيء آخر؟‏

برهان:‏

هذه الساعة الفضية (يخرج ساعة من زناره) أعرف بها أوقات الصلاة.‏

سائق الدراجة:‏

ارمها بسرعة.‏

(يرميها برهان).‏

برهان:‏

هل ستأخذني الآن؟‏

سائق الدراجة:‏

(يتأمل الساعة) كلا.. في المرة القادمة.‏

برهان:‏

أعدها إذن حتى أعرف الأوقات.‏

سائق الدراجة:‏

(وهو يضعها في جيبه) ألم تحفظها بعد؟ صبح.. ظهر.. عصر.. مغرب.. عشاء.. (لرجب) وأنت؟‏

رجب:‏

معي بعض المال لعلاج ابنتي.‏

سائق الدراجة:‏

أين هو؟‏

رجب:‏

في الجزدان.‏

سائق الدراجة:‏

أخرجه بسرعة.. (يخرجه رجب) هيا ارمه.‏

رجب:‏

والطبيب؟‏

سائق الدراجة:‏

أعتقد أنها لن تحتاج إلى طبيب.. هيا.‏

(يرمي رجب الجزدان حزيناً).‏

رجب:‏

من ستأخذ منا؟‏

سائق الدراجة:‏

ابنتك الجميلة طبعاً.‏

رجب:‏

(فزعاً) كلا.‏

سائق الدراجة:‏

(لإلهام) وأنت يا سيدتي.. هل تودين الذهاب معي؟.‏

راتب:‏

كلا.. لن تذهب معك.‏

سائق الدراجة:‏

حسناً.. كما تشاؤون.. أنا ذاهب.. سلّموا لي على العاصفة.. (يصفر كصوت العاصفة).‏

برهان:‏

ألن تأخذ أحداً معك؟‏

سائق الدراجة:‏

كلا.. أجوركم تافهة.. لا تساوي ثمن البنزين الذي صرفته للعثور عليكم.. (يهم بالمغادرة).‏

إلهام:‏

(فجأة) انتظر..‏

(يتوقف سائق الدراجة وكأنه متوقع ذلك).‏

(تخرج من حقيبتها حلياً وأساور).‏

سأعطيك هذه الأسوارة.. وهذه أيضاً.. وهذا الخاتم إذا أوصلتني إلى العاصمة.‏

سائق الدراجة:‏

وحدك طبعاً.‏

إلهام:‏

نعم وحدي.‏

سائق الدراجة:‏

ألا يمكنك أن تزيدي إغرائي أكثر؟‏

(إلهام تخرج عقداً ثميناً من حقيبتها).‏

إلهامك‏

سأعطيك هذا أيضاً.‏

(يقفز راتب ويمسك بحقيبة المجوهرات).‏

راتب:‏

لن اسمح لك بإعطائه أي شيء.‏

إلهام:‏

(تنتزع الحقيبة منه) مجوهراتي وأنا حرة بها.‏

راتب:‏

كلا.. إنها تساوي ثروة ضخمة.‏

إلهام:‏

ليست أغلى من حياتي.‏

راتب:‏

الجواهر ليست ملكك هل تفهمين.‏

إلهام:‏

بل ملكي.. لقد اشتريتني من أهلي وأنا في الخامسة عشرة وأنت في الخمسين.. وكنت تعلم بأنك عاقر ومع ذلك فقد خدعتني وخدعت الناس ومنّيتني بطفل يملأ علي حياتي ولكنك كنت تكذب وحينَ أدركتُ الحقيقة وهددتك بالطلاق أخذت تسترضيني بالأثواب والحفلات والحلي وكأنها تعوضني عن الحياة التي أعيشها دون طفل واحد أضمه إلى صدري وأشعر بأنني أم كغيري من النساء.‏

راتب:‏

لقد منحتك اسمي.. سمعتي.. وسمحت لك أن تفعلي ما تريدين.‏

إلهام:‏

لقد سمحت لي وشجعتني على إقامة علاقات مع أصحاب المال والنفوذ حتى تسير أمورك كما تريد.. فجعلتني احتقر نفسي كما احتقرك.. (لسائق الدرجة.. تعطيه المحفظة) هيا.. خذ.. أبعدني عن هذا المكان.‏

راتب:‏

(يحاول اعتراض طريقها) لن أدعكِ تتركيني وحدي وتسرقين أموالي.‏

إلهام:‏

لا أريد الموت هناك معكم.‏

سائق الدراجة:‏

هيا أسرعي.. لا أستطيع الانتظار أكثر.. الجو ينبئ بهبوب العاصفة.. اسبقيني على الدراجة.. (تخرج إلهام) هاتوا الماء.. (يتردد السائق) هيا أسرع (يهدد السائق بالمسدس.. السائق يعطيه وعاء الماء).‏