ثلاث مسرحيات ـــ نور الدين الهاشمي

مسرحيات ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

السلسلة

قدمت المسرحية في مهرجان الكويت المسرحي الثامن في نيسان عام 2005‏

المشهد الأول‏

المنظر.. غرفة صالون يدلُّ أثاثها القديم القليل على مجد غابر... في وسط الغرفة وإلى الأمام قليلاً كرسي ضخم يجلس عليه رجل أعمى كبير السن يصعب تحديد عمره يضع نظارات سوداء وبين يديه عكاز مزخرف يديره بعصبية... يوحي منظر الرجل العمى بالمهابة والسيطرة.. إلى يمين الرجل إلى الوراء قليلاً خزانة مزخرفة قديمة وإلى يساره طاولة صغيرة عليها علب أدوية وكأس ماء وإلى اليسار أيضاً "ديوان قديم وفي الجدارين الخلفي واليساري نافذتان مغلقتان بستائر كالحة سميكة وفي الجدار الخلفي إلى يسار النافذة ساعة حائط كبيرة. هناك مدخل إلى اليمين يؤدي إلى داخل المنزل وإلى اليسار يؤدي إلى خارج المنزل.. ...‏

الإضاءة خافتة.. تدق الساعة معلنة العاشرة.. الرجل الأعمى يصغي بقلق وانتباه..صمت.. يدخل الابن وهو في حوالي الأربعين من العمر.. يبدو عليه التردد والطاعة.‏

الابن: مساء الخير يا أبي.‏

الأب: (لا يرد).‏

الابن: أنا آسف (ينظر إلى ساعة الجدار) تأخرت قليلاً..‏

الأب: (بجفاف) أعطني الدواء.‏

الابن: ألم تأخذ الدواء حتى الآن؟‏

الأب: كلا.‏

الابن: (يسرع الابن ويخرج بعض الحبوب من علب الدواء..) يجب أن تأكل شيئاً قبل أخذ الدواء.‏

الأب: لماذا؟‏

الابن: الطبيب قال ذلك...‏

الأب: (بتهكم) أتهمّك صحتي حقاً؟!‏

الابن: طبعاً يا أبي.‏

الأب: (بغض وألم) ولكنك تركتني دون طعام أو دواء هذا المساء.‏

الابن: لم أكن أعلم بأني سأتأخر هكذا...‏

الأب: أنت تعلم بأنني أعمى ومريض ولا أستطيع القيام بأي شيء.‏

(يتناول الدواء).‏

الابن: بالصحة والعافية.‏

الأب: لماذا تأخرت؟‏

(يخفض الابن بصره...)‏

الأب: (فجأة...) ما اسم تلك الفتاة؟!.‏

الابن: (بخوف) أية فتاة؟‏

الأب: التي كنت معها هذا المساء؟ أنت لم تتأخر مرة واحدة طوال حياتك (يصرخ) ما اسمها؟‏

الابن: حياة.‏

الأب: عمرها؟‏

الابن: ستبلغ الخامسة والعشرين في الشهر القادم.‏

الأب: وتعرف تاريخ ميلادها أيضاً.‏

الابن: هي أخبرتني عنه.‏

الأب: يبدو أنها لا تخفي عنك شيئاً.‏

الابن: لقد حدثتني عنها وعن أسرتها وعمّا تحبه أو تكرهه.‏

الأب: أيعجبك حديثها؟‏

الابن: نعم.‏

الأب: لماذا؟‏

الابن: تقول أشياء كنت أتمنى قولها دائماً.‏

الأب: هل حدثتها عني؟‏

الابن: (بخجل) نعم.‏

الأب: وماذا قالت؟‏

الابن: قالت.. والدك عاش طويلاً.‏

الأب: (ينهض غاضباً) وتحسدني على طول حياتي أيضاً.. اسمع يا بني.. هذه المرأة تريد تدمير نظام حياتنا ويجب أن تتركها..‏

(يرن جرس الهاتف يخطو الابن خطوة نحوه بتردد.. يتكلم وهو ينظر إلى والده...).‏

الابن: ألو.. حياة.. مساء الخير.. كلا لم أنم بعد.. ستقرئين لي قصيدة.. طبعاً "أحب الشعر (يسعل الأب سعالاً شديداً ليلفت الأنظار إليه.. يشتدّ سعاله ويكاد يختنق..)..‏

حياة.. أنا آسف.. سأتصل بك فيما بعد. مع السلامة (يغلق السماعة ويناول الأب دواء "بخاخاً للربو.. يستنشق الأب الدواء فيهدأ سعاله..) كيف حالك الآن يا أبي؟‏

الأب: أشعر بأن صحتي ليست على ما يرام.‏

الابن: هل أستدعي الطبيب؟‏

الأب: كلاّ.. أعرف ماذا سيقوله.‏

الابن: ماذا يمكنني أن أفعله الآن؟‏

الأب: ابق إلى جانبي فقط.‏

الابن: سأكون إلى جانبك دائماً.‏

الأب: ألن تتركني كما فعلت الليلة؟‏

الابن: كلا.. كلا..‏

(يرن جرس الهاتف.. يشير الأب إلى ابنه كي يردّ..).‏

آلو.. حياة.. لم يحدث شيء.. والدي مريض.. تريدين زيارته.. (يشير الأب بالرفض القاطع) لا يرغب بزيارة أحد..‏

أنا.. غداً.. (ينظر إلى والده) ربما لن أستطيع.. سأحاول مع السلامة.. (يضع السماعة...).‏

(ينهض الأب.. يسرع الابن لمساعدته.. يتوكأ على كتف الابن ويغادران المسرح.. الهاتف يرن.. يتردد الابن في الخروج مع أبيه.. يتابع الأب خروجه وحده يعود الابن إلى الهاتف...).‏

إظلام‏

المشهد الثاني‏

(المنظر السابق نفسه.. المسرح مظلم ما عدا الجهة اليسرى تدق الساعة إحدى عشر دقة يدخل الابن من الخارج مرحاً.. يتوقف).‏

الابن: مساء الخير.. (لا أحد يرد.. إضاءة عامة حيث نرى الأب ملقى على وجهه والعكاز أمامه على الأرض.. يركض الابن نحو أبيه بفزع.. ينهضه بصعوبة ويعيده إلى الكرسي.. يبدأ بإيقاظه..) أبي.. أبي. هل أنت بخير؟ أبي استيقظ أرجوك (يستعيد الأب وعيه بسرعة).. الحمد لله.‏

الأب: لا تخفْ.. لم أمت بعد.‏

الابن: ما الذي حدث؟‏

الأب: دخت قليلاً فوقعت.‏

الابن: متى؟‏

الأب: أعتقد أنها كانت حوالي السابعة.. نهضت لأملأ كأس الماء فدار رأسي وسقطت دون أن أشعر.‏

الابن: يا إلهي!.. أربع ساعات وأنت مرمي هنا على الأرض الباردة بين الحياة والموت.. وأنا في الخارج ألهو وألعب.‏

الأب: لا تلم نفسك يا بني.. أنا الذي سمحت لك بالخروج.‏

الابن: كان عليك أن لا تسمح لي أبداً.‏

الأب: ولكنك توسلتَ إلي.. وخفتُ أن تنعتني بالاستبداد والطغيان..‏

الابن: أنا راض بما تفعله بي.‏

الأب: أنت ابن بار حقاً.‏

الابن: لن أسامح نفسي لو تسببتُ لك بأيّ مكروه.‏

الأب: ولكنْ ليس من المعقول أن تبقى سجيناً معي طوال الوقت.‏

الابن: سأبقى بقربك دائماً إذا كان هذا يسرك.‏

الأب: والفتاة؟‏

الابن: سأتركها إذا أردت.‏

الأب: لن تستطيع.‏

الابن: بل أستطيع (يرن جرس الهاتف..).‏

الأب: (يضحك) جاء بسرعة وقت البرهان على كلامك.‏

(يتجه الابن نحو الهاتف متهجماً..).‏

الابن: ألو.. وصلتُ منذ قليل.. (بجفاف).. والدي مريض.. لا يستطيع الكلام.. قلت لك هذا أكثر من مرة.. الكتاب.. لم أقرأ فيه شيئاً حتى الآن.. لا أستطيع.. أرجوكِ.. لا تتصلي بي بعد الآن.. الأمر ليس بيدي.. صدقيني.. مع السلامة..‏

(يغلق السماعة وينظر إلى أبيه بفخر) ما رأيك يا أبي؟‏

الأب: أين الكتاب؟!‏

الابن: أيّ كتاب؟‏

الأب: الذي أعطتك إياه الفتاة.‏

(يخرج الابن من عبّه كتاباً ويقدمه للأب.. يتلمسه الأب) يبدو أنه جديد.. (يقلب صفحاته) صفحاته لم تفتح بعد (تسقط سكين صغيرة من الكتاب على الأرض.. ما هذا؟‏

الابن: (يتناولها الابن ويقدمها للأب..) هذا مشرط لفتح الورق..‏

(يضع الأب المشرط في الكتاب..) هل أعيد الكتاب للفتاة..؟‏

الأب: كلا (ينهض الأب ويتجه نحو الخزانة القديمة.. يخرج سلسلة من المفاتيح المعلقة في رقبته.. يفتح الخزانة ويضع الكتاب فيها ثم يخرج كتاباً قديماً) خذ.. في خزانة أجدادك ما يكفيك للقراءة طوال عمرك.‏

الابن: (يتفحص الكتاب) لقد قرأته.‏

الأب: كم مرة؟‏

الابن: ربما ثلاثة أو أربعة.‏

الأب: لا يكفي.. هذا الكتب يجب أن تبقى جديدةً في نظرنا دائماً.‏

الابن: أشعر أحياناً بالملل من قراءتها.‏

الأب: لن تشعر بالملل إذا حفظتها عن ظهر قلب.‏

(يأخذ الابن الكتاب ويجلس على الديوان.. يقرأ قليلاً.. يتثاءب.. ينهض..).‏

الأب: إلى أين؟‏

الابن: أريد أن أنام.‏

الأب: انتظر.. سأطلعك على سرّ هام.‏

(يخرج الأب المفاتيح المعلقة برقبته ثم يفتح الخزانة ويخرج منها صندوقاً صغيراً.. يفتح الصندوق ويخرج منه لفافة من ورق أصفر سميك وقديم.. ينشر اللفافة) هذا سند تمليك البيت الذي ورثتُه عن أجدادك.. انظر لقد وضع أجدادك أختامهم عليه.. وهنا سأضع خاتمي وستضع أنت خاتم حتى لا ينسانا الأحفاد أبداً".‏

الابن: ولكنني أصبحت في الأربعين ولم أتزوج حتى الآن.‏

الأب: ما زال الوقت مبكراً.. لقد تزوجتُ بعد موت أبي وسوف تتزوج أنت بعد موتي وسيصبح هذا البيت بما فيه ملكاً لك..‏

الابن: لا تتحدث عن الموت أرجوك.‏

الأب: لا تحزن يا بني.. هذه سُنّة الحياة.. أنا ضيفك الآن. إن عشت هذا العام فلن أعيش في العام القادم.. وكل ما أطلبه منك أن تبقى قريباً مني حتى أموت..‏

الابن: سأبقى إلى جانبك.. أقسم لك.‏

الأب: كان أبي ـ رحمه الله ـ يقول: سعيد إلى الأبد مَنْ ينال رضا أبيه.‏

الابن: سأنال رضاك.. أنا واثق من ذك.‏

(يرن جرس الهاتف.. فيسرع الابن ويقطع سلك الهاتف بغضب وكأنه يريد إرضاء أبيه..).‏

الأب: لماذا صمتَ الهاتف؟‏

الابن: سيصمت إلى الأبد..‏

الأب: لماذا؟.‏

الابن: لقد قطعتُ السلك..‏

الأب: أحسنت يا بني.. لم أكن راغباً بهذا الهاتف منذ البداية.‏

الابن: لم نكن نستخدمه إلا للاتصال بالأطباء..‏

الأب: أدوية الأطباء تخفف أوجاعي ولكنها لا تستطيع إعادة الشباب لي...‏

الابن: الشباب لا يعود يا أبي..‏

الأب: صحيح يا بني.. ولكننا نشعر به حين يُخلص لنا مَنْ حولنا.‏

الابن: أنا مخلص لك.‏

الأب: بقاؤك قربي دليل إخلاصك.‏

الابن: ستجدني كما تشاء.‏

الأب: أخاف أن تملّ صحبي.‏

الابن: دلّني على طريقة أبرهن لك فيها على صدقي.‏

الأب: (بخبث) هناك وسيلة.‏

الابن: ما هي؟!‏

الأب: لعبة بسيطة.‏

الابن: لعبة!‏

الأب: كان أبي لعبها معي في أواخر حياته (يخرج الأب من الصندوق سلسلة ذهبية اللون بطول خمسة أمتار تقريباً "وفي نهايتها إسوارتان على شكل قيد يُفتحان ويغلقان بواسطة مفتاح) هاتِ يدك اليسرى (يسلم الابن يده اليسرى للأب فيضع فيها الإسوارة ثم يغلقها بالمفتاح ويصنع الأب الإسوارة الثانية في يده اليمنى ثم يغلقها ويعيد المفتاح إلى السلسلة في رقبته) يمكنن الآن أن أطمئن إلى حبك وإخلاصك..‏

الابن: (هو يتأمل القيد) ولكنْ كيف سأتحرك؟!‏

الأب: السلسلة طويلة.. خمسة أمتار بالتمام والكمال ويمكنك أن تتجول بحرية في الغرفة وتصل إلى أيّ غرض تريد.. ولا تنس أنني تركت لك اليد اليمنى حرة كما ترى..‏

الابن: قد اضطر للذهاب إلى غرفتي أو الخروج من المنزل..‏

الأب: لا تقلق يا بني.. أنا قريب منك ويمكنك أن تطلب مني فتح السلسلة متى تشاء..‏

الابن: وهل ستفتحها؟‏

الأب: طبعاً يا بني.. إذا رأيتُ السبب مقنعاً (الأب يضحك..).‏

إظلام‏

المشهد الثالث‏

(المنظر السابق.. الإضاءة خافتة.. الأب يجلس صامتاً على كرسيه الابن يجلس على الديوان ويقرأ في الكتاب القديم, السلسلة متصلة بين يد الابن والأب.. يتثاءب الابن.. يستلقي على الديوان تضايقه السلسلة في البداية ثم يجد وسيلة ما للاستلقاء.. يغفو.. تشير الساعة إلى الثانية عشرة تدق مرة.. أو مرتين ثم تتوقف تماماً يشد الأب السلسلة..).‏

الأب:‏

انهض يا بني.‏

الابن:‏

ما الذي حدث؟‏

الابن:‏

لا شيء. لقد حان موعد طعامي.‏

الابن:‏

كم الساعة؟‏

الأب:‏

إنها الثانية عشرة.‏

الابن:‏

(ينظر إلى الساعة بدهشة) الساعة متوقفة.‏

الأب:‏

هذا أفضل.‏

الابن:‏

هل أربطها؟‏

الأب:‏

كلا.‏

الابن:‏

ومواعيد طعامك ودوائك.‏

الأب:‏

أعرفها.‏

الابن:‏

وكيف ستعرف الزمن؟‏

الأب:‏

وما الفائدة؟ الزمن في هذا البيت متشابه ولا فرق هنا بين ساعة وأخرى، ودقات الساعة تذكرنا دائماً حين نكبر بأنّ بساط العمر يُسحب من تحتنا...‏

(يُحضر الابن صحناً وملعقة ويبدأ بإطعام والده.. يشير الأب بأنه قد اكتفى.. يعيد الابن الملعقة والصحن إلى مكانهما..) يجلس على الديوان.‏

الأب:‏

ماذا تفعل؟‏

الابن:‏

سأسهر قليلاً.‏

الأب:‏

اقرأ في الكتاب الذي أعطيتك إياه.‏

(يقرأ الابن قليلاً في الكتاب.. يشعر بالملل والضجر.. يرمي الكتاب ثم تخطر على باله فكرة) أبي!‏

الأب:‏

ماذا تريد؟‏

الابن:‏

أريد كتاباً آخر..‏

الأب:‏

وهل انتهيت من قراءة الكتاب؟‏

الابن:‏

نعم.‏

الأب:‏

بهذه السرعة.‏

الابن:‏

لا تنسى يا أبي أنني قرأته من قبل.‏

(ينهض الأب نحو الخزانة ويفتحها.. يتسلل الابن أيضاً نحو الخزانة دون أن يشعر به الأب.. يبحث عن كتاب لابنه.. يغافل الابن أباه ويأخذ الكتاب الذي أهدته إياه الفتاة ثم يعود بسرعة إلى الديوان.. الأب يشد السلسلة ليطمئن على بعد الابن عنه..) أين أنت؟‏

الابن:‏

في مكاني على الديوان.. (يغلق الأب الخزانة ويعيد المفاتيح إلى رقبته).‏

الأب:‏

خذ هذا الكتاب العظيم.. أعتقد أنك لم تقرأه سوى مرتين( يأخذ الكتاب ويضعه جانباً".. يعود الأب إلى كرسيه مسروراً يقوم الابن بإخراج السكين من الكتاب ويبدأ بفتح صفحات كتاب الفتاة والقراءة فيه.. يستغرق في القراءة يُسمع طرق على الباب.. يتوقف الابن عن القراءة).‏

الابن:‏

(وهو يصغي لطرقات الباب) أبي.. أبي!‏

الأب:‏

ماذا تريد؟!‏

الابن:‏

هناك مَنْ يطرق الباب (تتتابع الطرقات).‏

الأب:‏

أنا لا أسمع شيئاً.‏

الابن:‏

ولكن هناك من يطرق الباب حقاً.. اسمع يا أبي (صوت طرقات).‏

الأب:‏

أنت واهم.. لا أحد يزورنا إلا إذا كان مخطئاً في الباب.‏

(ينهض الابن ويتجه نحو الباب حاملاً السلسلة فيكتشف أن السلسلة أقصر من أن توصله إلى الباب...).‏

الابن:‏

أبي.... السلسلة قصيرة.. لم توصلْني إلى الباب.‏

الأب:‏

وما حاجتك إليه؟!‏

الابن:‏

أريد أن أرى مَنْ يطرق الباب.‏

الأب:‏

لا أحد يا بني صدقني (الطرق يتواصل).‏

الابن:‏

دعني أفتح الباب وأتأكد.‏

الأب:‏

هل تعتقد أنني أكذب عليك؟‏

الابن:‏

كلا ولكنْ ربما كنت أسمع ما لا تسمع.‏

الأب:‏

(بغضب) إذن أنا خَرِف ومعتوه في نظرك.‏

الابن:‏

كلا يا أبي.. (يتوقف الطرق.. يعود الابن إلى مكانه حزيناً... يتابع فتح صفحات الكتاب والقراءة.. يرتفع صوت طفلة تبكي.. يصغي الابن بانتباه.. لا يبدو على الأب أيّ إحساس بشيء) أبي.. أبي.. ألا تسمع؟!‏

الأب:‏

وماذا أسمع؟‏

الابن:‏

هناك طفلة تبكي (يرتفع بكاء الطفلة.. ينهض الابن ويتجه نحو الباب ولكن السلسلة تشده من جديد) افتح القيد قليلاً لأرى الطفلة.‏

الأب:‏

اجلس يا بني.. لا يوجد أي شيء!‏

الابن:‏

ولكنّي أسمع صوت بكاء!‏

الأب:‏

أنت متعب.. الأفضل أن تنام.. (بكاء الطفلة ما زال مستمراً).‏

الابن:‏

أرجوك يا أبي.. إذا كنت لا تريد فتح القيد فتعال معي..‏

الأب:‏

أنا تعب.‏

الابن:‏

افتح القيد إذن.‏

الأب:‏

لن تجد شيئاً.‏

الابن:‏

دعني أرى بنفسي.‏

الأب:‏

أنت لا تصدقني إذن (الابن لا يرد).‏

(ينهض الأب غاضباً ويسير باتجاه الابن (يتوقف صوت الطفلة).‏

الابن:‏

(وهو يمنع والده من متابعة الذهاب نحو الباب) توقف يا أبي (يتوقف الأب).‏

الأب:‏

ألا تريد أن ترى بنفسك؟‏

الابن:‏

لم يعد هناك من حاجة.‏

الأب:‏

لماذا؟‏

الابن:‏

لقد توقف صوت الطفلة.‏

الأب:‏

كلا.. بل عُدتَ إلى رشدك.‏

(يعود الأب إلى مكانه.. كما يعود الابن إلى مكانه على الديوان.. ويتابع القراءة في كتاب الفتاة حياة ويفتح الأوراق بالسكين بهدوء بين الحين والآخر.. الأب يغفو على كرسيه ملقياً رأساً إلى الخلف.. يرن الهاتف.. ينصت الابن إليه.. الهاتف يرن...).‏

الابن:‏

أبي.. هل تسمع شيئاً؟ (الأب لا يرد، ينهض الابن ويقترب من الهاتف فيكتشف أن السلك مقطوع) السلك مقطوع.. أنا قطعته بنفسي.. يا إلهي..! كيف يرنّ الهاتف إذن.. ربما كنت أتخيل حقاً أشياء غريبة هذه الليلة...‏

(ترتفع من بعيد أصوات سيارات الإسعاف والحريق.. ثم ترتفع أصوات متفاوتة من البعيد تصرخ).‏

الأصوات:‏

حريق.. حريق.. حريق.. (تختلط أصوات المناداة مع أصوات سيارات الإسعاف والحريق.. يغلق الابن أذنيه وكأنه يشك في الأصوات التي يسمعها.. يبدأ الدخان بالتسرب عبر الباب الخارجي والغرفة الداخلية يتشمم الابن الهواء ثم ينهض فزعاً.. تتوالى من الخارج أصوات الاستغاثات وسيارات الإسعاف والحريق.. تزداد كثافة الدخان.. يسرع الابن نحو أبيه ويبدأ بإيقاظه).‏

الابن:‏

أبي.. أبي.. انهض، البيت يحترق.. (يهزه) انهض.. انهض أرجوك سأحترق أنا وأنت.. هل تسمعني؟ أبي.. أبي (يهزه بقوة فيميل رأس الأب بقوة فوق الصدر).‏

يا إلهي.. إنه ميت.. ميت.. لا تمت الآن أرجوك... سأحترق أنا وأنت.. (يركض باتجاه الباب لكن السلسلة تمنعه من الوصول إلى الباب.. يركض باتجاه النوافذ يزيح الستائر فيكتشف أنّ خلفها جدراناً صماء ولا يوجد أية نوافذ.. يسرع نحو أبيه يحاول حمله أو شده فلا يستطيع لأن الجسد متشبث بصلابة على الكرسي والكرسي مثبت بالأرض.. ينتزع من رقبة الأب سلسلة المفاتيح ويبحث عن المفتاح الملائم لفتح القيد فلا يجد.. يسأل والده وهو يهزه) أين المفتاح؟ أين المفتاح..؟ (يرمي المفاتيح.. ويعود لشد السلسلة دون جدوى فهي معلقة بيد أبيه.. يدور في أرجاء البيت حول أبيه وهو يصرخ) النجدة.. النجدة.. (يرتفع الدخان وصوت النار التي بدأت تراقص ألسنتها على الجدران..) لا أريد أن أموت لا أريد.. حياة.. حياة.. ماذا أفعل؟ (يفطن فجأة فيركض باتجاه الكتاب ينفضه فتسقط السكين يمسكها بقوة ويفكر في قطع رسغه ليحرر نفسه لكنه يتوقف ويتجه بخطوات مترددة نحو أبيه.. ثم يزداد تصميمه شيئاً فشيئاً.. يركع أمام أبيه.. يمسك بيد أبيه المقيدة يقبلها.. يضع السكين عليها.. موسيقا قوية على وهج النار المتراقصة مع أصوات الاستغاثات وسيارات الإسعاف والحريق.. فجأة يهدأ كل شيء وتتابع ساعة الجدار دقاتها)‏

إظلام‏

ـ النهاية ـ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244