جثة في المقهى ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

ثلاث مسرحيات ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 01:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل الأول

فضاء علوي‏

(ترفع الستارة على ظلام تام يسود الخشبة وصمت، ثم يسمع طنين ذبابة زرقاء وهي تدور في الفضاء. فجأة يسمع صوت انفجار تتلوه عدة انفجارات والتماعات ضوئية ودخان حرائق. ثم يسود الصمت، وتنبعث موسيقى جنائزية، ونلمح في الظلام فتاة1 تنبعث من دخان الحرائق، تلبس بلوزاً وبنطالاً ضيقين أزرقين، وتؤدي رقصة انسيابية تعبر عن دورة الحياة: الولادة، الشباب، الهرم، الموت، فالانبعاث من جديد. يرافق الحركة صوت حوار تسجيلي صادر عن مانيكانين "هو وهي" معلق كل منهما بخيط غير مرئي في عمق الفضاء بينهما شجرة ذات أفرع دقيقة عليها بقايا أزهار ذابلة وأوراق صفر أو مريضة ثقبتها الديدان، إنها تمثل شجرة الحياة، تنساب على أغصانها ونحو الأعلى أفعى مرقَّطة جميلة.‏

المانيكان الأول "صوت1" رجل شديد السمرة لـه لحية طويلة وشعر أشعث، وعلى رأسه تاج من أغصان، وفي يده عصا يستند إليها هي غصن ينتهي بقبضة. إنه شبيه بآدم. والمانيكان الثاني "صوت2" امرأة بيضاء شبيهة بحواء. لباسهما بدائي بسيط إلا أنه جميل ويستر معظم جسميهما. يُبرز حوار كل منهما بقعة ضوء تنتقل بين الرجل والمرأة).‏

صوت 1 (هو): جميلة هي الأرض من بعيد.‏

صوت 2 (هي): من بعيد فقط...‏

هو: راقصة بارعة القوام. تدور حول نفسها وحول الشمس.‏

هي: تدور... تدور... تدور حول نهايتها.‏

هو: إنها تسبح في ملكوت الجمال الكوني. كم هي جميلة وزرقاء.‏

هي: بشرط ألا تقترب منها؛ إنها مجرّد جثة تتناهشها الديدان والحروب.‏

جسدٌ ميّتٌ تغتصبه آلهة شريرة.‏

هو: أية آلهة؟‏

هي: آلهة من لحم ودم وطين، لها أنياب ولحى ومخالب.‏

هو: مهما يكن فإنهم أبناؤنا.‏

هي: أبناؤنا... وعلينا أن نفرح ونحزن من أجلهم. ليتني لم أنجب.‏

هو: ما كان ذلك بيدنا. نحن واحدة من هذه الثنائيات التي يولد منها العالم. ثنائيات تدور حول نفسها وحول شمسها، يحركها العشق.‏

هي: بل يحركها الصراع.‏

هو: تلك هي الحياة، وكان علينا أن نعيشها.‏

هي: الحياة‍! الحياة كذبة كبيرة ملفوفة في كفن.‏

هو: بل هي مقهى يرتاده زبائن.‏

هي: هذا المقهى شَرَك يخدعهم، يدخلون إليه فيعلقون ولا يعودون.‏

هو: لم يعد يخيفنا هذا الشَرَك، نحن خارج المكان والزمان، وابنتنا أنهت رقصتها، فلنزر هذا المقهى.‏

هي: افعل ما بدا لك.‏

هو: لن أهبط وحدي، سترافقينني، ألست أنت التي أهديتني تفاحة العشق؟‏

هي: كانت التفاحة وهماً، والشجرة جفّت ثمارها وتساقطت أوراقها.‏

ونحن نهبط في جحيم الآخرين سبعين خريفاً.‏

هو: (معاتباً) أنت أردت ذلك، فقدنا ذلك الفردوس لأنك أردت أن نصنع جنتنا بأنفسنا. أية جنة صنعنا، وهؤلاء أولادنا بعضهم لبعض عدو‍!؟‏

هي: أنا حزينة ولكنني لست نادمة، إنها ضريبة الحياة، لولا ما صنعنا ما كان هذا الوجود موجوداً.‏

(الفتاة1 تُنهي رقصتها، تتداعى وتتكوّم على الأرض كجذع شجرة يابسة. ثم يسود الظلام. تتوهج في العتمة وجوه وأطراف إنسانية وأشكال مختلفة كأنها تدخل من الجدران والنوافذ ثم تختفي)ٍ.‏

فضاء سفلي‏

(يدخل نادل المقهى في العتمة وبيده عصا في رأسها شمعة، يشعل عود ثقاب ويسمع لإشعاله صوت واضح بملأ أرجاء المسرح، يشعل الشمعة ويمررها على فوانيس معلقة على الجدران فتتوهج بذبالات الضوء).‏

النادل: يجب إبقاء الأضواء مشتعلة كي لا تضل الأرواح طريقها إلى المقهى.‏

(يخرج وتبدأ أنوار المسرح بالارتفاع تدريجياً مع غلبة العتمة. المكان مقهى منتدى الشام للعب الشطرنج وثرثرة الأدباء والفنانين، ثمة طاولات لرواد المقهى. الجدار الخلفي الزجاجي هو الواجهة المطلة على ساحة المدينة، وثمة نافذة جانبية في الجدار. ويرى من خلال الجدار الزجاجي نصب الشهداء والمؤلف من عدّة شخصيات هم المجاهد يوسف على رأسه خوذه وفي يده سيف مسلول كأنه قادم للتو من ميسلون، وآخر يحمل شهيداً على يديه، وامرأة وطفلتها، وعلم يرفرف فوقهم ـ ويمكن أن يؤدي الغرض نقوش هذه الشخصيات على لوحة حجرية خلف الزجاج ـ تمر بقعة ضوء بهدوء على الوجوه المختلفة التعابير، تسمع من بعيد أصوات تردد الأغنية الوطنية الشهيرة:‏

زيّنوا المرجة والمرجة لينا‏

شامنا فرجة الله مزينا‏

يتلاشى صوت الأغنية ويعلو صوت عزف ناي من بعيد. يكتمل ارتفاع الإضاءة وينقطع صوت الناي.‏

النادل سليم يدخل حاملاً رقعَ وأحجارَ شطرنج يوزعها على الطاولات ويخرج. بقعة ضوء على عين خفية (كاميرا)، وثمّة غرامفون قديم بسماعة يدور قرصه وتنطلق منه الأصوات).‏

صوت مدير المقهى: أهلاً بكم في مقهى منتدى الشام، ساحة سعد الله الجابري مقابل تمثال الشهداء، موقعنا على الإنترنيت‏

WWW.SHAM.NET‏

(يتلوه غناء فيروز):‏

شآم أهلوك أحبابي وموعدنا ‏

أوائل الصيف آن الكرم يعتصر‏

(يغادر يوسف التمثال موقعه في اللوحة، ويتجه نحو النافذة حيث يصدر عنها التماعة ضوئية وتنفتح بقوة كأنها تحت تأثير الريح، ويعبر يوسف منها إلى المقهى، وعلى جبينه عصابة صفراء(1). صمت. يتلفت)‏

يوسف: وهل بقي في الشام كرمه تقتصر؟ لقد أكلت الثعالب العناقيد، وأشعلت النواطير الحرائق في الكروم.‏

(يبحث عن قاعدته فلا يراها، يخبط على الأرض بسيفه).‏

النادل: (يدخل حاملاً القاعدة) فهمت، القاعدة (يضعها على الأرض فيصعد عليها يوسف ويتسمر كتمثال، يد على مقبض السيف وأخرى ممدودة للشحاذة) لا أدري أيها الماجد لماذا تترك كل يوم مكانك في الساحة هناك في لوحة الشرف وتأتي إلى هنا؟‏

يوسف: لقمة الأولاد أهم من أقواس النصر ولوحات الشرف يا سليم.‏

النادل: إيه... كان الله في العون. (يخرج ويسمع صوته) كثر الشهداء والشحاذون يا يوسف.‏

يوسف: لأن الأوطان صارت مقابر الإنسان، والعالم أصبح مزرعة كونية يملكها رعاة البقر.‏

النادل: (يدخل حاملاً طاولة وكرسيين بشكل يكون محشوراً تحتها) أصبحنا كلنا خدماً. (يضع الأشياء) كنت أتمنى لو أنك حضرت حفل التأبين الذي أقاموه لك. كان رائعاً حقاً. استأجرت الحكومة المقهى، وأقاموا منصة الخطاب هناك (يشير إلى مقدمة المسرح الممتدة حتى الصفوف الأولى من الصالة. تخفت الأضواء ويظلم المسرح، ويسمع صوت أبواق سيارات المرافقة) ووصل المحافظ ليلقي كلمته.‏

(المحافظ تحت بقعة ضوء في مقدمة المسرح وظهره للجمهور).‏

المحافظ: أيها السادة. يسرنا اليوم أن نحتفل بمناسبتين عزيزتين على قلوبنا. الأولى هي عيد المرور، وهو عيد الشرطة الوطني، وأنا كمحافظ شرطي، وشرطي محافظ يهمني المحافظة على مرور القوانين من مخفر إلى مخفر، ومرور الأموال من جيب إلى جيب، ومرور الأنفس من شهادة إلى شهادة. والمناسبة الثانية هي تأبين شهيدنا يوسف البطل الذي قضى في ساحة المعركة ضد العدو.‏

يوسف: (صوت تسجيلي وبقعة ضوء على يوسف) كان هذا في الأولى حين كنا نجاهد لتحرير الوطن، ثم جاء من بعدنا قوم قرناء(2) نبشوا قبورنا وحرثوا الأرض بمحاريث من نار، وزرعوها بأطماعهم، ورووها بغسيل أموالهم، فضاع الأمن والوطن. وخرجنا إلى الثانية. أنا لم أمت في المعركة الثانية أيها المحافظ، عدت من الحرب بلا عمل، اشتغلت في المحطة الحرارية، وبسبب انعدام قوانين السلامة الصناعية سقطت في المدخنة. صرخت وصرخت... أنقذوني أنا هنا... فلم يسمعني أحد، لأنكم كنتم تحتفلون بعيد المرور الوطني.‏

المحافظ: (يتابع خطبته) هكذا لفظ الفقيد أنفاسه وهو يردد:‏

من لم يمت بالسيف مات بغيره إن الحياة عقيدة وكفاح‏

أيها السادة والسيدات، لقد استشهد رجالنا الشجعان دفاعاً عن البرلمان، لكن دمهم لم يذهب هدراً، فها نحن حتى اليوم نقبض ثمن ذلك الدم الزكي (يمد يده جانباً ويبسط كفّه كمن يتهيأ لقبض المال. ثم يختفي في ظلمة المسرح).‏

***‏

(تعود الإنارة سريعاً. يدخل الشيخ ساكت ـ ليس لـه من مظهر الشيخ سوى لحية قصيرة مدببة وطاقية بيضاء على رأسه ـ يضع قطعة نقدية في يد يوسف. يجلس ويشير إلى شخص وهمي بالجلوس أمامه. يبدأ بصف حجارة الشطرنج، ويشير إلى الآخر باللعب).‏

النادل: (يدخل حاملاً صينية ويضع كأس شاي أمامه) أهلاً بالشيخ ساكت، مع من تلعب اليوم؟ مع قرينك أيضاً؟ لا أعتقد أنك ستغلبه يوماً، من يلعب مع الشيطان يخسر؟ (ساكت ينهمك في اللعب واللعب المضاد).‏

(مخاطباً يوسف) يا عم يوسف، الشيخ ساكت ما زال يؤمن بأنه سيأتي من يملأ الدنيا عدلاً بعد أن ملئت جوراً؟‏

(يجمد الشيخ ساكت في وضعية التثبيت(3). النادل يخرج حاملاً الصينية فيصطدم باثنين قادمين هما سليمان وسعيد فيقع على الأرض).‏

سليمان: سلامتك يا سليم.‏

سعيد: الزحام شديد على المقاهي في هذه الأيام.‏

سليمان: هذا لأن الناس يتابعون آخر أخبار العم سام.‏

سعيد: لابدّ من وضع إشارات ضوئية هنا من أجل تنظيم المرور.‏

سليمان: والأفكار أيضاً. الأفكار هي السبب في أزمة المرور. كل شيء كان يمكن أن يمر بسهولة وانتظام لولا مطبّات المجتمع المدني في شوارعهم ومشاريعهم.‏

النادل: يا حضرات، أنا درويش على باب الله، أمشي الحيط الحيط وأقول يا رب السترة. إذا كان لديكما حديث فأكملاه هناك.‏

سليمان: إذن أسرع إلينا بفنجانين من القهوة.‏

النادل: حاضر (يخرج بسرعة، ينفجران في الضحك، يجلسان).‏

سعيد: هل نسينا شيئاً؟‏

سليمان: آ... صحيح (يضع قطعة نقدية في يد يوسف) نحن نرعى الشهداء وأبناءهم (يقف أمام الشيخ ساكت) يا شيخ ساكت وزيرك مأكول وملكك محاصر (ساكت يشير إليه في قرف أن ينصرف. سليمان يعود إلى مكانه).‏

سعيد: لن يتكلم. منذ أن خرج من السجن وهو ساكت.‏

سليمان: خمس عشرة سنة في زنزانة منفردة كافية لنزع حباله الصوتية.‏

(النادل يدخل حاملاً القهوة، يضع منفضة سجائر أمام الشيخ ساكت ويتابع طريقه نحو سليمان ويضع القهوة. فجأة يطلق الشيخ ساكت صرخة قوية ويرمي المنفضة أرضاً).‏

النادل: آسف يا شيخ ساكت... آسف... لقد نسيت. حقك عليَّ، والله لقد نسيت (يلتقط المنفضة، ساكت يهدأ)‏

سعيد: لماذا فعل ذلك؟ ما الذي حصل؟‏

النادل: إنه لا يطيق رؤية منفضة سجائر، هل رأيت جسده؟‏

سعيد: كلا... ما علاقة جسده بالسجائر.‏

سليمان: يقولون إن جسده منفضة سجائر.‏

النادل: اضطر مرّة إلى خلع قميصه. أشار إليَّ أن جسده يشتعل، كان الفصل شتاء، والثلج ينهمر في الخارج، أخذته إلى دورة المياه، خلع قميصه. وصببت سطلاً من الماء على ظهره وصدره. بدأ يتنفس. لم يكن في جسده موضع شبر إلا وفيه طعنة بسيجارة أو ضربة بسوط.‏

يوسف: "ليس في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير".‏

النادل: رحم الله ابن الوليد يا يوسف، لو جاء خالد سيف الله المسلول، اليوم، لهزمه سجان بأعقاب السجائر. (يضع كفّه على فمه) أوه... أنا لم أتكلم شيئاً.‏

سليمان: ونحن لم نسمع.‏

سعيد: حدّثنا عن الشيخ ساكت يا سليم.‏

النادل: قبل أن يدخل الشيخ ساكت السجن كان يدخن هنا على هذه الطاولة علبة كاملة وهو لا يتوقف عن الكلام، كان يتكلم كلاماً غير مفهوم، بعضهم يقول إنه يتكلم في السياسة، وآخرون يقولون كلامه رموز ورسائل موجهة إلى مجموعات إرهابية يقودها، وآخرون يؤكدون أنها لغة الصوفية.‏

سعيد: كان عليه أن يلجأ إلى الوضوح أو إلى التَّقية ليحافظ على نفسه.‏

النادل: كان تقياً ولكنه كان ثرثاراً.‏

سليمان: ما علاقة التقوى بالتقية يا سليم ( إلى سعيد) كانت التقيه تنفع قبل هذا العصر الاستخباراتي وغسل الأدمغة والأموال. هل سنظل نخفي الكلمة التي نختنق بها حتى تسقط عاصمة أخرى. لقد صنعوا آلهة هم على شعوبهم ملوك من حديد، وعلى أعدائهم ملوك من ورق، لَكَم يسعدني أن أرى صورهم على أوراق اللعب. أو أرى الشعب يحفر في التراب ليخرج تلك الجرذان من الجحور التي سيختبئون فيها ذات يوم.‏

سعيد: أخفض صوتك، لسانك مثل مقص البرْد في سعد الدابح.‏

سليمان: لقد بدأ الشتاء، العواصف تهب فتقصف الأشجار اليابسة، والسيل سينداح فيجرف القصور المنيفة، والصقيع يمتد فيغطي الحقول البائسة لتموت الحشرات التي تتغذى من دم الأرض. نعم، لابد من الموت كي تنبعث حياة جديدة سعيدة في الربيع.‏

سعيد: تريد ربيعاً كربيع بغداد؟ دار السلام لم يبقَ فيها خليفة ولا سندباد. وتنقُب حيطانها جرذان من حديد.‏

النادل: كان الشيخ ساكت يحدثنا عن جرذان لها أسنان من حديد نقبت سد مأرب فانداح السيل وأغرق البلاد.‏

(تحت مسقط ضوء، زبيدة زوجة الشيخ ساكت وهي تمسك بيدها مرآة صغيرة وتتزين).‏

زبيدة: كان زوجي حميد جرذَ كتب يقرض صفحاتها بنهم، فإذا انتهى من القراءة كان يكتب ويكتب وأنا عند رأسه أبري لـه القلم. اللعنة على قلم لا يكتب سوى أحرف لا تنجب كلمة. كنت أتزين لـه كل ليلة وأنتظر، أنتظر حتى أمل فأنعس وأنام، وعندما أستيقظ في الليل كنت أراه ساجداً يصلي. أمي كانت تلح عليّ وتقول: يا بنتي بدنا ولد. حماتي تقول: فتْحي عينك، حميد ابني مثل حصان، العيب فيكِ أنتِ. أما أنا فكنت طفلة لا أدري بمَ أجيب.‏

ساكت: (يعبر إلى دائرة المشهد) يا زبيدة قولي لهم لا اعتراض على حكم الله. كل شيء بأوانه. أنا أفعل ما يجب عليَّ. ألست أقوم بواجبي؟‏

زبيدة: واجباتك متباعدة جداً، وأنا أهرم في الانتظار. الفلاح ينثر مائة حبة كي تنبت منها عدّة حبات.‏

ساكت: يا زبيدة أنت تتكلمين عن الحَب وأنا أتكلّم عن الحُب.‏

زبيدة: عن أي حب تتكلم يا حميد؟ أنت لم تقل لي مرة واحدة أحبك.‏

ساكت: لا يسع القلب محبوبين، محبوبي هناك (يشير إلى السماء).‏

زبيدة: ونعم بالله، ولكن (تحل عروتين من قميصها) كل حب لا يمر من هنا مجرد تهويم. الشجرة لا تسمق في السماء إذا لم تكن جذورها متشبثة في الأرض.‏

حسن، لا أريد شجاراً، هل يرضيك أن أقول أحبك، تعلمين أني أحبك.‏

زبيدة: الكلمات لا تحبل بالأطفال... أوه... أحس بجسدي كلّه يشتعل.‏

ساكت: كلانا يحترق، روحي تحترق يا زبيدة (يمسك بيدها في لطف) كل منّا يسير في واد.‏

زبيدة: أنا أعرف الوادي الذي أسير فيه، أما أنت ففي أي وادٍ تسير؟‏

ساكت: وادي العشق.‏

زبيدة: أعلم أنك عاشق؟ بح لي يا حميد، ولا تكلمني بالألغاز، أنت تسير في الفضاء، تسير في المجهول، وقد تضيع عليك معالم الطريق الترابية، فإذا كنت معك، وعرفت سرّك، فقد أساعدك في العودة إلى الطريق التي تنتهي عندي (مداعبة) وتأكد بأني لن أحاسبك على ضياعك ولن أغار.‏

ساكت: لا أستطيع أن أبوح بأسرار العشق يا زبيدة، إن بحت بها هلكت. (ينشد):‏

وارحمتا للعاشقين تكلّفوا ستر المحبة والهوى فضّاح‏

بالسر إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء العاشقين تباح (4)‏

زبيدة: اللهم ألهمني الصبر.‏

ساكت: آمين.. اصبري يا زبيدة لابدّ أن نلتقي هناك... هناك في البحر.‏

(يفلت يدها ويخرج من دائرة المشهد. تتابعه بنظرات منكسرة ومشفقة).‏

زبيدة: أي بحر؟ ألا تخشى على نفسك المد والجزر، ألا تخشى على نفسك وعليَّ من الحيتان؟‏

(إعتام المشهد)‏

***‏

(يدخل نور الدين أوغلي ماسح الأحذية كأنه هارب من شيء ما وهو يحمل صندوقه وكرسياً صغيراً من القش، يقابل النادل فيسر في أذنه شيئاً ثم ينتحي جانباً من المقهى).‏

سعيد: نور الدين ما الذي جاء بك إلى هنا، أنت لم تحضر لتشرب فنجاناً من القهوة بالتأكيد.‏

نور الدين: الظروف جعلتني ألتجئ إلى هنا. هل ستمسح حذاءك اليوم؟‏

سعيد: بالتأكيد، مررت بك في الساحة فلم أجدك. بل، لم أجد أي بويجي لا في الساحة، ولا في المدينة. هل صار لكم يوم عطلة مثل الحلاقين؟‏

نور الدين: (يتناول من الصندوق شحّاطة(5) ويتجه إلى سعيد ليأخذ حذاءه وبمسحه) المحافظ أصدر أمراً بمنع البويجية، والبلدية تلاحقنا.‏

سعيد: بسيطة نحن في بلد ديموقراطي، ولنا نوّاب يدافعون عن الشعب، اذهبوا إليهم أو إلى المحافظ واشكوا أمركم.‏

نور الدين: بما أن النواب مشغولون عنا بأمور أعظم من هموم المواطنين، وهم كائنات مستورة لا نراهم ولا يروننا، فقد جمعنا بعضنا وذهبنا إلى السراي وقدمنا معروضاً للمحافظ قلنا فيه: عندنا عيال نريد أن نطعمهم.‏

سليمان: أخطأتم، لقد أسقطتم من الطلب كلمة ضرورية، كان عليكم أن تقولوا: ونريد أن نطعمك يا سيادة المحافظ ونطعمهم.‏

سعيد: كف عن مداخلاتك يا سليمان ودعنا نستمع. وبماذا أجابكم المحافظ؟‏

(نور الدين يسكت) لماذا أنت ساكت؟ (يستمر في الصمت) هل أسأل الشيخ ساكت كي يحدثني؟‏

(يلتفت الشيخ ساكت نحوهم يخرج من جيبه دمية مربوطة بشريط مطاط، تتنطط وتصدر أصواتاً وقحة وغير مفهومة).‏

سليمان: (لنور الدين) هاهو الشيخ ساكت يخرج المحافظ من جيبه، وهاهو يلقي خطبة وطنية خالدة. وما عليك إلا أن تترجم لنا ما يقول، فلمَ أنتَ خائف؟ (الشيخ ساكت يعيد المحافظ الدمية إلى جيبه).‏

نور الدين: لم يرضَ المحافظ أن يقابلنا، قال لنا حاجبه: (يقلد الحاجب) إن غرفة المحافظ معقّمة وثيابكم ملوّثة، عودوا وعقّموا ثيابكم، واغتسلوا واغسلوا أيديكم لننظر في أمركم.‏

سعيد: (يبتسم) وهل فعلتم ما طلب منكم؟‏

نور الدين: قلنا لـه: المسألة ليست في الثياب، المسألة في النفوس، وما يحتاج إلى التعقيم ليست ثيابنا وإنما هي نفوسكم.‏

سعيد: وطَرَدَكم، ألم يفعل ذلك؟‏

نور الدين: أجل، شتمنا وطردنا، فخرجنا، وانتظرنا المحافظ أمام السراي، وعندما ركب سيارته الفارهة تجمعنا أمامها بوجوه منكسرة وعيون زائغة فمدّ رأسه من نافذتها وقال:‏

***‏

المحافظ: (يمد رأسه) ماذا تريدون؟ ألم يشرح لكم حاجبي؟‏

نور الدين: لقد شرح وقال: إن غرفتكم معقّمة وثيابنا ملوّثة.‏

المحافظ: وسأعقم المدينة منكم ومن أمثالكم، مناظركم تؤذي عيون السائحين الأجانب.‏

نور الدين: الأجانب الذين يقصفون مدننا بالقنابل! ما لنا وللغرباء يا سيادة المحافظ، نحن لدينا عيال ونريد أن نعيش.‏

المحافظ: إذا أردتم أن تعيشوا كونوا حضاريين. افتحوا صالونات لتزيين الأحذية كصالونات قص الشعر والكوافيرات.‏

نور الدين: يا سيادة المحافظ، تريدنا أن نأكل الكاتو ونحن لا نشبع الخبز.‏

المحافظ: هل تسخر مني يا حيوان؟ ابتعدوا عن طريق السيارة يا أبناء السفلة.‏

نور الدين: سيدي المحافظ نحن مواطنون شرفاء ندفع الضرائب، ولسنا أبناء سفلة.‏

المحافظ: تقول إنك مواطن وتجلس في ساحة المدينة وتحت نصب الشهداء مع صندوقك القذر تمسح أحذية الناس؟!‏

نور الدين: هذه ساحتي أنا، فأنا ابن شهيد.‏

المحافظ: (يضحك بوحشية) بعد قليل ستقول إنك من نسل الملوك الأبطال.‏

نور الدين: (ببرود) سيدي المحافظ، أنا نور الدين أوغلي، وجدّي الأعلى هو نور الدين محمود بن زنكي. ومعي شجرة النسب، هل تريد أن تراها؟ (يمد يده إلى صدره ليخرج الورقة).‏

المحافظ: أبعد قذارتك عني، طز فيك وفي جدّك، أنا لم أسمع بنور الدين هذا، لعلّه كان بويجيّاً مثلك أيضاً.‏

نور الدين: كان سلطان المجاهدين، والملك العادل، ولكن الحرب هي التي جعلت مني ماسح أحذية وجعلت منك محافظاً.‏

المحافظ: اخرس يا وقح، أنت إرهابي، مخرّب، خائن، ضد الثورة... اقبضوا عليه. سألقي بك في السجن عرفياً حتى تتعفّن ويأكلك الدود أيها الوغد. (يختفي).‏

***‏

سعيد: ولكنهم لم يقبضوا عليك، هاأنت سليم معافى أمامنا، ولم تتعفن في السجن، ألم أقل لك إننا في بلد ديموقراطي؟‏

نور الدين: الفضل يعود إلى سكرتيرة المحافظ، تلك الحسناء الجميلة التي كانت تجلس بجانبه، لمست يده المرتجفة وقالت: حبيبي... حرام... اتركه من أجلي.‏

سليمان: يقال إنها مومس لكنها مثقفة، لابدّ أنها قرأت شيئاً عن نور الدين محمود.‏

سعيد: هل حقاً أنت تنتسب إليه؟‏

نور الدين: هذه هي شجرة النسب (يعطيه الورقة الملفوفة فيستعرضها).‏

سعيد: آه... فعلاً (يعطيها لسليمان).‏

سليمان: نور الدين... آ... ربما كان شخصية تاريخية هامة حاربت الصليبيين الإفرنج وانتصرت عليهم، لكنه لم يكن ثورياً (يعيدها إلى صاحبها) مهما يكن... انتهى عصر البطولات والشهادة، هذا عصر الكولا والهمبرغر والأمراء الوطاويط.‏

(يعود نور الدين إلى مكانه، يدخل النادل)‏

النادل: يا نور، المعلم سمح لك بالعمل في المقهى على أن يأخذ أربعين في المئة من واردك اليومي كاستثمار على أن تضع صندوقك منذ الغد وتعمل في الأسفل عند دورات المياه، وأن تصبغ لـه أحذيته وأحذية عائلته مجّاناً أربع مرات في الأسبوع.‏

ساكت: وطاويط... وطاويط.‏

سعيد: هيه... ها قد تكلم أخيراً الشيخ ساكت.‏

النادل: الشيخ ساكت يتكلم أربع مرات فقط في الأسبوع، ثم يصمت.‏

(يدخل أبو الجود حاملاً لفافة من الكتب).‏

أبو الجود: السلام عليكم.‏

سعيد: وعليكم السلام، تفضل.‏

النادل: هل تجلس وحدك أم مع الشباب؟‏

أبو الجود: (متحيراً) أما زالت التسعيرة كما أعرفها؟‏

النادل: أنت غائب منذ سنوات. هناك زيادة خمس ليرات.‏

أبو الجود: أف... هذه لصوصية... إذن لن تطالبني بالبقشيش... خدمة سيئة وبقشيش!‏

النادل: أنا لا أطالب أحداً بالبقشيش.‏

سعيد: اجلس يا أبا الجود أنت في ضيافتنا (للنادل) مع البقشيش أيضاً. (يجلس).‏

سليمان: ألن تسلم على يوسف؟‏

أبو الجود: الأحياء أفضل من الأموات، شعبنا نصفه شهداء ونصفه شحاذون. لو يعطيني مكانه لغنيت، واستغنيت عن السفر إلى الخليج.‏

(يدخل طفل في الثامنة يحمل في علبة صغيرة أقلاماً يعرضها للبيع).‏

النادل: مرحباً حسّون.‏

حسن: مرحباً عم سليم.‏

النادل: كيف البيع معك اليوم؟‏

حسن: لم أبع شيئاً بعد. وشرطة البلدية تلاحقنا وتصادر البضاعة. إنهم يصادرون أرزاق الناس، الخضار والفواكه والفستق الحلبي... وكل شيء. عم سليم إلى أين يأخذون البضاعة المصادرة؟‏

النادل: حسب القانون يأخذونها إلى دار الأيتام والجمعيات الخيرية.‏

حسن: ولكني رأيت الشرطة يتقاسمون البضاعة المصادرة ويذهبون بها إلى بيوتهم.‏

النادل: لا تكن كثير الملاحظة وتتعب رأسك بهذه الأمور يا حسون، المهم أن تكون في دراستك شاطراً.‏

حسن: أمس، عند المساء، هجم مساعد في الشرطة على طفل أكبر مني بقليل، أمامه بسطة جرابات صغيرة ولما حاول انتزاعها منه تمسك بها الطفل وراح يرجوه، فلكمه المساعد على وجهه فتدلّى فكّه، قالوا انكسر فكّه، حمله أحد المارة وأخذه إلى المستشفى.‏

النادل: مسكين. (يربّت على كتفه) كن صاحياً لنفسك يا حسن.‏

(يقف حسن أمام الشيخ الساكت فيأخذ منه قلماً وينقده الثمن بصمت. يهمّ حسن بإعادة باقي المال فيشير لـه بأن يحتفظ بالباقي).‏

حسن: شكراً (يتابع ويقف أمام طاولة سعيد، يأخذ أبو الجود العلبة ويستعرض الأقلام).‏

أبو الجود: بكن تبيع القلم؟‏

حسن: بعشرين ليرة.‏

أبو الجود: لص صغير.‏

حسن: أنا لست لصاً، أنا أربح في القلم ليرة ونصف فقط.‏

أبو الجود: من العيب أن تكذب وأنت لم تفقس من البيضة بعد. أدفع لك عشر ليرات فقط.‏

حسن: هات... دعها من يدك... هذه ليست للبيع.‏

(حسن يستعيد القلم بأنفه وغضب ويخرج من المقهى).‏

أبو الجود: (للنادل) كيف تسمحون لمثل هذه النِّمر بدخول المقهى يا سليم؟‏

النادل: ألم تتعرّف على هذا الولد يا أبا الجود؟‏

أبو الجود: وكيف لي أن أعرفه، ابن شوارع.‏

النادل: كم مضى عليك وأنت في الغربة لمْ تزر مدينتك؟‏

أبو الجود: سبع سنوات.‏

النادل: من الطبيعي ألا تعرف هذا الصبي. هذا حسن ابن أخيك مختار.‏

أبو الجود: مختار... مختار... يلاحقني حتى هنا في المقهى؟ هل طلع لي مختار في اليانصيب؟‏

ساكت: وطواط... وطاويط.‏

أبو الجود: (يلتفت نحو الشيخ ساكت) هل تكلمني أنا يا... من يكون هذا؟‏

سعيد: هذا هو الشيخ ساكت، خرج من السجن مؤخراً. دعه في حاله وقل لي: متى حضرت من الخليج.‏

أبو الجود: منذ أسبوع فقط، وسأقطع إجازتي وأعود. المصروف هنا يكسر الظهر.‏

سليمان: لماذا لا تنهي غربتك وتستقر في بلدك؟.. صار لديك عقارات كثيرة أنت تؤجرها، ودكاكين تستثمرها، وشراكة في مشروعات كثيرة.‏

أبو الجود: هذا صحيح ولكن لا تنس أنني خسرت أموالاً كثيرة ويجب أن أعوضها. في بنك التقوى بسويسرا وحده طار لي نصف مليون دولار. تصور... البنك اختفى فجأة، يقولون إنهم نقلوا أعماله إلى بلد صغير في أمريكا اللاتينية بحثت عنه في الخارطة والموسوعات الجغرافية فلم أعثر عليه.‏

ساكت: (ينقل نقلة في الشطرنج ويأكل قطعة هامة) وطواط... مال الخسيس ما بروح إلا فطيس. (أبو الجود يتلفت نحوه في غضب).‏

النادل: دعك منه يا دكتور، إنه مسكين ولا يقصدك، يكلّم حجارة الشطرنج يظنها شخصيات ماثلة أمامه.‏

سليمان: ثمة رائحة كريهة في المقهى، إنها تشتد منذ أن وصلنا، هل تشمّها يا دكتور؟‏

أبو الجود: بالنسبة لي فقدت حاسّة الشم منذ أن ذهبت إلى الخليج، تداويت كثيراً بدون فائدة، للأسف أنا لا أميّز بين رائحة الوردة ورائحة الكنيف.‏

سليمان: أعجب منك يا دكتور، وأنت المتخصص في الفقه والقانون، وتدرِّس العلوم الدينية، تضع أموالك في بنوك مشبوهة تتوارى خلف أسماء برّاقة، بنوك تظهر وتختفي فجأة وتصب أموالها في جيوب الصهاينة والغزاة الذين يحتلّون أراضينا ويقصفون شعوبنا!؟‏

أبو الجود: وما أدراني أنها هكذا؟‏

النادل: عذراً، لا أريد أن أتدخل في الحديث، ولكن لو أنشأت بمالك مشروعات هنا، يعمل فيها أفراد عائلتك أو أهل بلدك. وكما أعلم أهلك من ذوي الحاجة، أخوك مثلاً.‏

أبو الجود: دعني من أهلي وأخي، ومن الأفضل أن تنتبه إلى شغلك فقط (لسليمان) تصوّر ما إن وصلت من الخليج حتى جاء أخي ورنَّ جرس الباب.‏

(تحت مسقط ضوء، مختار يرن جرس الباب بشكل إيمائي. يسمع صوت جرس الباب، صمت، ثم يعود الرنين ثانية).‏

أبو الجود: (يتجه تحت ضوء ملاحقة) حاضر... حاضر... (في مواجهة أخيه) من؟ أخي مختار... أهلاً بك.‏

مختار: الحمد لله على السلامة (يتعانقان).‏

أبو الجود: تفضل... منذ سنوات لم نلتقِ.‏

مختار: ولم تصلني منك رسالة أيضاً رغم أنني كتبت لك أكثر من مرّة.‏

أبو الجود: الشغل يا أخي... الشغل، تربية أجيال ليست بالمهمة السهلة.‏

(تحت مسقط ضوء يجلسان على أريكة).‏

مختار: كتبتُ لك أخبرك بتدهور صحة والدك، كان يلفظ أنفاسه وهو يتطلع إلى الهاتف لعلّك تتصل فيسمع صوتك قبل أن يموت. هل المكالمات الهاتفية عندكم في الخليج غالية؟‏

أبو الجود: لا... ولكنني شغلت بحماتي. سبحان الله، حماتي توفيت أيضاً منذ شهرين، كم حزنا عليها، أبناؤها الآن يوزعون ثيابها على الفقراء.‏

مختار: تعذب كثيراً قبل أن يموت، ثماني سنوات وهو مقعد في داري، كنت وأولادي وزوجتي نعتني به، هل تعلم ما يعني ذلك، ثماني سنوات، وهو مقعد لا يستطيع الخروج إلى دورة المياه، وعلينا نحن أن نقوم بمهمة مرحضته وتنظيفه عدّة مرات يومياً.‏

أبو الجود: آه يا أخي... لكلٍ بلواه، لقد أصيبت حماتي بالسرطان، لم يكتشفوه إلا عندما استفحل، عليها رحمة الله لقد تركت ثروة جيدة لأبنائها. زوجتي صالحها أخوتها على الميراث فأعطوها داراً تقدّر اليوم بعدة ملايين.‏

مختار: ما يحزنني أنني لم أعد أستطيع شراء الأدوية لوالدك.‏

أبو الجود: مسكينة، لم ينفع معها أي دواء، كنت أرسل إليها من الخليج علب الدواء الباهظة الثمن وغير الموجودة هنا، الأدوية الوطنية هنا مفعولها ضعيف، ماتت لكن ضمير مرتاح فأنا لم أقصّر في الواجب.‏

مختار: مات لكن ضمير يعذبني، ما زلت أعتقد أنه كان يمكن أن أخدمه بشكل أفضل، ولكن العين بصيرة واليد قصيرة، لقد تراكمت عليّ الديون، وراتبي لا يكفي معيشة الأولاد. الله لا يسلّط علينا لا حاكم ولا حكيم.‏

أبو الجود: لعن الله التجارة، تخسر وتربح، لقد خسرت أموالاً كثيرة. ولكن بفضل الله عوّضت وربحت... الحمدلله... الحال مستور.‏

مختار: مسكين يا أخي. أنا أرثي لك، لقد خسرتَ ما لا يعوَّض، خسرت نفسك.‏

أبو الجود: نفسي! أنا مؤمن ولا أريد أن أتحدث عن نفسي، أعوذ بالله من كلمة أنا. أوه بالمناسبة، أنستنا الشجون والأحاديث هدية الأولاد (يفتح حقيبة أمامه ويخرج ثلاث علب محارم ورقية موضوعة في بيت قماشي مطرّز رخيص الثمن) هذه للأولاد، اعذرني، لم أستطع إحضار المزيد، كان معي حمولة زائدة في الطائرة. (يخرج من الحقيبة ثياباً مطوية) كيف حال ابنتك سمر؟‏

مختار: تعلم أن ابنتي هي سلواني الوحيد في الحياة، نغمة صبا على أوتار حياتي.‏

أبو الجود: لو تعلم كم هي عزيزة عليّ. هذه الثياب اشتريتها لحبيبة عمها سمر.‏

مختار: (يضع علب المناديل جانباً) من أي مطعم أحضرت هذه العلب؟ أعلم أنهم يقدمون على الطاولة مع الطعام مناديل ورقية. على كلٍّ، شكراً يا أخي على الهدية، لكن أولادي يتمخطون بمناديل من قماش، ولا تنفع هذه المناديل في تجفيف الدموع، إذ لم يعد أحد يبكي على أحد. في هذا العصر جفَّت الدموع (يقلّب الثياب) يبدو أن حماتك يا أخي لم تغسل ثيابها قبل وفاتها، هذه الثياب بحاجة إلى غسيل، المعطف محروق بالمكواة، والبطانة مفتوقة، والأزرار... الأزرار أيضاً مقطوعة.‏

أبو الجود: آه أمر غريب فعلاً، بالرغم من أن هذه الثياب جديدة واشتريتها من أفخم المحلات التجارية.‏

مختار: (ساخراً وهو ينهض للمغادرة) فعلاً... غريب... يفضل أن تعيدها إليه وتسترجع نقودك.‏

(يخرج من مسقط الضوء).‏

أبو الجود: (وحده) كلّهم طامع فيَّ، هه... جاء يحدثني عن أبيه طامعاً في مالي. يريد أن يبيعني قبر أبيه.‏

***‏

يلتمع زجاج النافذة، ثم يصطفق مصراعاها ويعبر منها أبو قصي وشخصيات أخرى تعتصب بعصائب صفر وتتوزع في المقهى صامتة).‏

أبو قصي: (يخرج من عبّه بطحة عرق ويكرع كرعة ويقف أمام يوسف).‏

نصبوا رفاتك في الرمال لواء ‏

يستنهض الوادي صباح مساء‏

يا ويحهم نصبوا مناراً من دم ‏

يوحي إلى جيل الغد البغضاء(6)‏

اشرب. اشرب يا يوسف.‏

يوسف: أما زلت تسكر وتنشد الشعر يا أبا قصي؟ أنت الآن في دنيا أخرى.‏

أبو قصي: وهل تظنني لا أعرف، أنا أنشد الشعر كي لا أبكي، لقد ذهب الطليان وجاء الأمريكان، غادرتُ الدنيا الغادرة وألف عمر المختار يقتل في اليوم ولا يبكيه أحد، وأصبح من حكمة الحكام أن يقبِّلوا يد القاتل ويدينوا المقتول. كان استشهادك عبثاً يا يوسف... انزل يا رجل وشاركني الشراب، هذا محرم في الدنيا أما هنا فهو السلوان حتى تقوم القيامة... اشرب... أنت تبذل دمك وغيرُك يبيع الوطن والدم ويشتري بثمنهما العمائر والقصور والسيارات الفارهة ويغذي البنوك المشبوهة. ألا تعلم أن أولادك من بعدك يشحذون اللقمة... عبثاً كان استشهادك. اشرب... اشرب أم أن الأبطال لا يشربون الخمرة.‏

يوسف: (يبعد الزجاجة بلطف وبسمة) فعلت ما كان يجب عليَّ أن أفعل، وهل كنت تريدني أن أحيا مثلك؟ تأتي في منتصف الليل تسكر وتعربد عند قاعدتي في هذه الساحة إلى أن يأتي الشرطة ويأخذوك إلى المخفر.‏

أبو قصي: وهل سألتني يوماً لماذا كنت أفعل ذلك؟‏

يوسف: كلا، (بحب) ولكنني كنت أشعر بفقدك وأشتاق عربدتك عندما كنت تغيب عني أياماً وأنت في السجن.‏

أبو قصي: كنتُ في أسوأ الأحوال، أجد في السجن مكاناً آوي إليه وأنام. زوجتي ترفض أن تفتح الباب لي، وعلّمت الأولاد كرهي، تقول لهم أبوكم سكّير. تصوّر اشتد شوقي إليهم ذات مرّة فذهبت إلى مدرستهم وطلبت من المدير رؤيتهم فوافق لكن الأولاد رفضوا مقابلتي. (يشرب جرعة بألم)، كنت عندما أسكر أذهب إلى بيت أمي، فتغسل لي وجهي، وتضع لي العشاء وأنام وهي تقرأ فوق رأسي سورة الرحمن، ثم تقول: أصلحك الله يا بني. وعندما ماتت وذهب البيت في الميراث، ضعت... ضعت تماماً.‏

يوسف: ومن علّمك شرب الخمرة؟‏

أبو قصي: صاحب ابن حرام، كان يذهب إلى الخمارة حتى في رمضان، لكن المشكلة ليست في هذا الصديق، المشكلة في أسرتنا نفسها، أسرة فيها الشيخ المتزمت والفنان الممثل والأديب الشاعر والرّقاصة، والسكّير والمومس... أسرة مشوشة مضطربة.‏

يوسف: أنت مدرس قدير للأدب العربي... خسارة! كيف كنت تدرّس طلابك ورائحة الخمرة تفوح منك؟‏

أبو قصي: عندما وجدوا أنني لا أصلح للتدريس نقلوني إلى مكتبة مديرية التربية، كانت مجرد غرفة على سطح مبنى المديرية بين المداخن الكثيرة التي تنفث الهباب علينا طيلة فصل الشتاء. كانت تضم نماذج متعددة. فيهم المختل عقلياً والمريض والمغضوب عليه سياسياً، المطرود من الحزب، والكاتب الأديب.‏

***‏

(يبدأ بعض الذين دخلوا من النافذة بالجلوس حول طاولة مستطيلة كلما عرّف بهم أبو قصي).‏

أبو قصي: الشيخ عبد الرزاق (يجلس شيخ بدين إلى الطاولة وهو أعور، يضع مجلة مصورة أمامه ثم يحقن ذراعه بالأنسولين) مدير المكتبة، إنسان طيب ودود، مصاب بداء السكر يحقن نفسه بالأنسولين ليأكل وجبة من الحلويات، نفسه دنِّيقة لا يلتزم بحمية، اضطر الأطباء لقطع ثلاثة أصابع من قدميه. كنا نعطيه مجلّة فنون فيتأمّل صور الفاتنات ويقول:‏

الشيخ عبد الرزاق: سأسرّ لك بشيء يا أبا قصي. النظر إلى الصور غير محرّم، لكن لا تشع عني هذه الفتوى.‏

أبو قصي: الشيخ عبد الرزاق، كان فَرْدْ كريمة(7) فقدَ عَيْنَهُ في حادث سيارة.‏

الشيخ عبد الرزاق: كنت أمشي على الرصيف، وكان ابن أحد المسؤولين يشفّط(8) بسيارته في الحارة، فجأة قفزت السيارة فوق الرصيف وصدمتني. بعد ستة أيام استعدت الوعي في المشفى لكنني فقدت إحدى عيني.‏

أبو قصي: وتنصحني ألا أسكر وأنا أسمع هذه القصة يا شيخ عبد الرزاق!؟ (يأخذ جرعة من البطحة).‏

الشيخ عبد الرزاق: هداك الله يا أبا قصي. في المحكمة تعرضت القاضية إلى إغراءات المال، والضغوط والتهديد، ثلاثة محامين عن ذلك الشاب الأرعن، أما أنا فكنت أتقاضى عن نفسي، فليس لدي ما أعطيه أتعاب المحاماة. بصراحة يئست من كسب الدعوى، بل خفت على نفسي أن أعتقل بتهمة ما ملّفقة، لكن القاضية شجعتني، وفي جلسة الحكم فوجئ الجميع بقرار انتصف لي بالعدل وفرض على الخصم العقوبة والغرامة.. آه نسيت أن أقول: كانت القاضية مسيحية، وجهها كطلعة البدر يسبِّح الخالق.‏

أبو قصي: (يأخذ جرعة من البطحة) وهذا نخب العدالة والجمال. (يشير بالبطحة إليه) آسف.. أنت لا تشرب لا في الدنيا ولا في الآخرة.. سأشرب بدلاً منك (يشرب جرعة أخرى).‏

(رجل آخر يدور في المكان حول الطاولة ولا يستقر وهو يكلم نفسه ويحرك رأسه متحاشياً هجمات وهمية ويشير بيديه إشارات مختل عقلياً)‏

أبو قصي: الأستاذ عبد السميع كان مسؤولاً في الحزب والدولة، لم يسلم من تقاريره الأمنية أحد حتى أبوه، عندما لم يحرم والده أخوته من الميراث ويكتب لـه الدار اتهمه بالرجعية فسجنوه وعذّبوه. وبما أن الدنيا يوم لك ويوم عليك فإن عبد السميع هذا عزلوه من منصبه وأعادوه إلى التربية فجن، وأخذ يسمع أصواتاً غامضة، يعتقد أن لـه أعداء يتنصّتون عليه، ويبحثون عنه ليقذفوه باللايزر.‏

(رجل ثالث أمامه كبة صوف ويغزل بصنّارتين).‏

أبو قصي: الأستاذ هناء بعد تأنيث التعليم الابتدائي، وبعد أن رأى أن الوظائف يتقدم إليها الذكور والإناث فتؤخذ الإناث ويترك الذكور أصابته لوثة فصار يعتقد أنه امرأة فهو يغزل الصوف ويصنع كنزات للأولاد في الشتاء.‏

(رابع يلبس قمبازاً ويطلق لحية طويلة, يجلس على سجادة الصلاة في وضعية القعود، عيناه شاخصتان إلى السماء وهو يرفع يديه، لا يتحرك)‏

أبو قصي: عيسى المجذوب كان شيوعياً ثم تتلمذ على شيخ طريقة جاهل فانجذب (للشيخ عبد الرزاق) يا شيخ عبد الرزاق، إنه يصلي بلا وضوء.‏

الشيخ عبد الرزاق: دعه في شأنه، يتقبل الله من كل عبدٍ حسب حاله.‏

أبو قصي: بماذا تفكر يا يوسف؟ أنت لا تتكلم.‏

يوسف: كل منا يرى العالم من داخله فيظنه الآخرون مجنوناً، ولكن من يستطيع أن يدعي أنه يعرف الحد الفاصل بين العقل والجنون، أو بين الخطأ والصواب، الإنسان هو غيره في كل آنٍ. في كل لحظة يموت في الإنسان وجودٌ ويحيا وجود آخر، كنت أراك وأنت تحط رحالك عندي في كل ليلة إنساناً يختلف عما كنت، فمرة تكون طفلاً يثرثر، وأخرى شاعراً ينشد، وثالثة كنت تغني بحزن، وأخرى بفرح، ومرةً كنت ترمي بالبطحة أرضاً مستغفراً، ثم تتوضأ وتصلي وتبتهل وتناجي ربك بقلب خاشع.. كنت أحبك وأرثي لك في كل أحوالك، لكنني لم أعرفك إلا في اليوم الأخير وأنت تلفظ أنفاسك أمامي، كبدك فتته الخمرة، وفمك يبصق دماً، ويدك الشاحبة المرتجفة تشير نحوي وأنت تقول: يوسف، يا صديقي، سامحني، كنت في كل ليلة أقلقك وأنت في نومك الأبدي.‏

يوسف, أيها الصديق، المدينة نائمة وأنت وحدك تستيقظ من رقادك الحجري لتشهد موتي.‏

أبو قصي: (بحزن) نعم، يوسف، أيها الصديق، أنت وحدك في تلك الليلة تستيقظ من رقادك الحجري في عتمة الليل لتشهد موتي، كنت أتمنى لو كحلت عينيّ قبل أن أموت برؤية أولادي ووداع أصدقائي.‏

سليمان: أبا قصي، يا صديقي، لم أعلم برحيلك إلا الآن، اعذرني.‏

أبو قصي: من؟ سليمان؟ الأديب والشاعر والباحث.. (إلى يوسف) هذا هو العاقل الوحيد في المكتبة معنا يا يوسف، ولأن مدير التربية كان من جهلة المتعلمين إلا من كتابة التقارير الأمنية، ويعتقد أن أحرار المثقفين والأدباء هم الطاعون الأسود فقد قذفه إلى سطح المديرية بين هباب الفحم. كتبوا لـه في أمر النقل: بناء على مقتضيات المصلحة العامة رأينا نقلكم إلى مكتبة المديرية. ألم أقل لك كان استشهادك عبثاً.‏

يوسف: لا يغرنك ما ترى, ما زلت حديث عهد هنا، وقريباً تنكشف لك الحقائق.‏

سليمان: (لأبي قصي) دعك من حديثه يا رجل، أنت الآن في عالم حر لا يستطيع أحد أن يؤثر في قناعاتك أو يلحق بك ضرراً.‏

(ينتقل إلى طاولة المكتبة ليدخل المشهد ويقدم لمدير المكتبة كتاب النقل)‏

الشيخ عبد الرزاق: الأستاذ سليمان نفسه! أهلاً بك. أقرأ لك كثيراً في الصحف, وقرأت لك بعض مؤلفاتك. تفضل, تشرفنا بحضورك. (مشيراً إلى زملائه) ربما تستغرب تصرفاتهم، لكنك ستحبهم، إنهم لا يؤذون ذبابة، وكل منهم يعيش في عالمه الخاص.‏

أبو قصي: (يقدم لسليمان سيكارة) قلت لك يا سليمان إن قلمك سيجرك إلى التهلكة. احمد الله أن الأمور انتهت هكذا.‏

سليمان: وهل تريدني أن أكسر قلمي.‏

أبو قصي: لا.. ولكن..‏

سليمان: (باعتداد وعنجهية) ولكن ماذا؟ أنت تعلم أنني لا أغمس قلمي في مدادهم. العمر سيكارة تبدأ بالاحتراق منذ الصرخة الأولى بعد الولادة، والعاقل من يحرص على ألاّ تلمسه شفاه ملوّثة.‏

أبو قصي: وهل بقيت شفاه غير ملوثة؟‏

سليمان: (في خطابية صمّاء كأنه آلة تسجيل) انظر إلى الكأس في نصفها الآخر.. الممتلئ.. تجد الإنسان الكادح البسيط المسحوق الباحث عن العدل, مَن لهؤلاء إن لم نقف نحن إلى جانبهم؟ القلم محنة بقدر ما هو منحة. الإنسان في أمنه وغذائه وحريته هو مركز الكون ومقصد العدالة، وهو محور أعمالي، فهل أنا مخطئ في ذلك؟‏

يوسف: شعارات تمضغها شعارات (يعود إلى قاعدته كتمثال).‏

***‏

(يبدأ أفراد المكتبة بالانسحاب من النافذة)‏

أبو قصي: انتهى دوامهم اليومي وحان وقت انصرافهم، ما يربطهم بالواقع هو التوقيع على دفتر الدوام صباحاً ومساء. (يجلس إلى طاولة سعيد) احمد الله أنك لم تنته إلى ما انتهوا إليه يا سليمان.‏

سعيد: سليمان لـه عقل كبير، ولا يمكن أن ينتهي إلى ذلك، ولكنه مغامر إلى حد المقامرة، والمرء يجبُّ الأذى عن نفسه بالتَّقيَّة.‏

سليمان: (متفلسفاً في تعالم) التقية نوعان: نوع مدان وهو أن تمالئ الظالم وتسير في الركب وقلبك غير ذلك. ولكن ماذا ينفع القلب إذا كان اللسان واليد في خدمة الظالم؟ وأما الثانية فهي تقيَّة الحُر يداً ولساناً وقلباً. والأديب صاحب قلب ولسان, وتقيته غموضه الفني، لكنهم قادرون على حل أكثر الشيفرات غموضاً، ورغم هذا فهو مستمر في إرسال الشيفرات حيناً والخروج من التقية إلى التقوى والتصريح المباشر حيناً آخر.‏

سعيد: هل تعرِّض بي يا سليمان؟ حسن، أنت أديب وشاعر، وتستطيع أن تلجأ إلى الغموض الفني لتعبر عن أفكارك، أما أنا فصحفي، والصحافة لا تحتمل غير المباشرة. ولقاء الراتب الذي يعطونك إياه يجب أن تمدحهم وتبرر أفعالهم.‏

سليمان: وإذا رفضت، أو كتبت ما يمليه ضميرك.‏

سعيد: إذا رفضك استعملوا المقص.‏

سليمان: مقص الرقيب؟‏

سعيد: لا.. مقص النقيب. انظر (يبسط كفه بسبابة مقطوعة) ببساطة وهدوء أعصاب قصوا إصبعي.‏

أبو قصي: هنالك حالة ثالثة يمكن أن تتمتع فيها بحريتك في التعبير، أن تكون مجنوناً أو تسكر حتى تفقد رشدك، فتتكلم كما تريد (يشير إلى أفراد المكتبة الذين غادروا) اختاروا الأولى واخترت الثانية.‏

سليمان: والآن.. لماذا تشرب؟‏

أبو قصي: هذه الخمرة لا تسكر، لكنها تبقي الذاكرة مفتوحة على الأمس، نحن هنا نعيش بينكم، نتألم لما يحل بكم، لكننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً من أجلكم.‏

سعيد: وإذا رفض المرء الخمرة، ولم يوهب الجنون؟‏

أبو قصي: يصير مثل الشيخ ساكت، أتعلمان سر هذا الرجل؟‏

سعيد: لم يتكلم فنعرف سره.‏

أبو قصي: أما نحن فنرى ما ترون ونسمع ما لا تسمعون. الشيخ ساكت خرج من السجن بعد عشرين عاماً من غير محاكمة، قالوا لـه: سامحنا لقد أخطأنا فأنت بريء.‏

جعلوا من جسده خلال خمس عشرة سنة منفضة سجائر فلم يصرخ وظل يتكلم.‏

وَجْبة الضرب الليلية لم تنقطع عنه يوماً واحداً خلال خمسة عشر عاماً، كانوا يضربونه بأعقاب البنادق وبالكابل الفولاذي حتى تهرّأ لحم جسده، فلم يصب بداء السكوت وظل يتكلم.‏

كانوا يرفهون عن أنفسهم عندما يسهرون ويسكرون، فيحضرونه ويشربون البيرة أمامه ثم يخوزقونه بالقناني الفارغة ويضحكون.‏

وعندما خرج من السجن رأى أن أهله عملوا لـه قبراً، ظنوه مات، فلم يغضب وظل يتكلم.‏

سليمان: ومتى بدأ سكوته؟‏

أبو قصي: حدث هذا عندما طرق باب الدار على امرأته بعد خروجه من السجن.‏

***‏

(تحت مسقط الضوء الشيخ ساكت يطرق باب الدار وهو يحمل في يده صرة. تدخل دائرة الضوء طفلة في السابعة تضع محفظتها المدرسية على ظهرها).‏

ساكت: آه.. هل أخطأت الدار.. (يتلفت) كلا.. هذا هو البيت. ما اسمك يا حبيبتي.‏

حميدة: حميدة.‏

ساكت: وأمك؟‏

حميدة: ماما.. زبيدة.‏

ساكت: وأين هي؟‏

حميدة: إنها قادمة.‏

زبيدة: (تدخل دائرة الضوء) من؟ حميد!‏

ساكت: زبيدة!‏

زبيدة: (لابنتها) اذهبي يا حميدة، ستتأخرين عن المدرسة.‏

حميدة: ماما.. (ترفع وجهها) قبلة.‏

زبيدة: (تقبلها) هيا يا ابنتي، امشي على الرصيف ولا تتلهي في الطريق، وعندما تنصرفين عودي مباشرة إلى البيت، لا تجعليني أقلق عليك.‏

حميدة: حاضر ماما (تخرج)‏

زبيدة: (بعد صمت وإطراق) سميتها باسمك.. حميدة. انتظرتك سبع سنوات، هل تدرك ما يعني أن تنتظر امرأة مثلي زوجها سبع سنوات. سافرت إلى تلك القرى الغامضة عدة مرات، استل وسطاؤهم اللصوصُ الذهبَ الذي أهديته لي قبل الزواج من يدي قطعة قطعة وهم يعدونني بأن يهيئوا لي مقابلة معك في السجن، حتى خاتم الزواج سحبوه من إصبعي. هم يسلبون الأرواح والحريات ثم الأموال بلا رحمة.‏

لما تواترت الروايات من معتقلين كانوا معك بأنهم ساقوك إلى ساحة السجن، ثم دوى صوت إطلاق رصاص, ولم تعد.. أقام لك أهلك قبراً ومقريّة. كنت أذهب صباح كل جمعة إلى القبر وأبكي، أعتذر لك عن تلك الخلافات الصغيرة بيننا. حتى جفت مآقيَّ ولم أعد أستطيع البكاء. (صمت) لماذا أنت ساكت؟ قل شيئاً.. تلومني على أني تزوجت؟‏

أصر أهلي على الزواج، قالت أمي: أنت أرملة ولا نريد أن تلوك سمعتنا الألسن، ولكني رفضت الزواج. (صمت قصير).‏

ثم ماتت أمي، وأصبحت وحيدة، والوحدة أمر قاس يا حميد. (صمت) في وحدتي عثرت على الكنز الذي كان مدفوناً تحت ركام خلافاتنا الصغيرة. عندما عثرت على الكنز أدركت أن لصوص الأرواح والذهب لم يستطيعوا أن يسلبونا كل شيء، فلدينا دائماً ما لا يسلب. (صمت)‏

البحر الذي حدثتني عنه، هل تذكر؟ هو هنا، في داخلنا، والبحر لا يستطيع أن يسلبه أحد.‏

(ساكت مستمر في الصمت إلا أنه يتألم).‏

تكلم يا حميد.. لماذا لا تتكلم؟ لماذا أنت صامت كالبحر، هل عثرت أنت أيضاً على الكنز؟‏

(ساكت يقدم لها الصرة، تفتحها وتخرج منها كنزة من النوع الذي يصنع نسيجه المساجين بشغل المخرز).‏

آه هذه الكنزة صنعتها لي في السجن؟ (تقيسها على كتفيها) لا زلت تذكر مقاسات جسدي.‏

آه.. كنزة. وكنز! أي قلب كبير تحمله يا حميد!؟‏

(يدير الشيخ ساكت ظهره ويمضي بصمت، وتتابعه بنظراتها)‏

صوت الزوج: زبيدة.. من هناك يا زبيدة؟‏

زبيدة: لا شيء.. غريبٌ كان يسأل عن الطريق! (تختفي من تحت بقعة الضوء).‏

***‏

سعيد: (لأبي قصي) أنت حزين. هل أنادي النادل وتشرب القهوة معنا؟‏

أبو قصي: الأموات لا يشربون قهوة الأحياء، والأحياء إذا لم يشربوا قهوة الأجداد صاروا أمواتاً.‏

سليمان: صدقت (ينهض وكأنه يخطب في جمع) أيها الحضور الكريم، إن انقطاعنا عن الجذور موت. الجذام حملته إلينا الرياح: رياح شرقية هبت علينا ثم تلتها الرياح الغربية، وفي كل يوم يتآكل لحم جسدنا، ويسقط منا عضو، وعندما يتساقط لحمنا المجزوم ويتهاوى هيكلنا العظمي تماماً سيدفوننا مع النفايات النووية في براميل من قصدير. سيقول هؤلاء: لقد حملنا إلى شعبنا الثورة والحرية، ويقول أولئك: لقد حملنا إليهم الديمقراطية، أما نحن فيجب علينا أن نحمل في أعيننا، وعلى أكتافنا المناضلة، حلمَنا المشروع بالمجتمع المدني (يجلس).‏

أبو قصي: (يصفق، ثم مشيراً إلى يوسف) أحسنت، أما يوسف ونور الدين محمود وغيرهم ممن قالوا كلمتهم من غير ضجيج أو ادعاء، ثم مضوا في صمت، وحتى أنت وأمثالك يا سليمان، فسيظل أبناؤهم وأبناؤكم يستجدون رغيف العيش والكرامة.‏

سليمان: (في ادعاء) كتب علينا أن نناضل، نحن الطليعة الثورية المفكرة، ولا بد أن ننتصر.‏

سعيد: (كمن يخطب في جمع) نعم لا بد أن ننتصر، ونحن الصحفيين والإعلاميين وهبنا حياتنا للكلمة الحرة الصادقة، ضحينا بالكثير، وهاأنذا ضحّيت بإصبعي لأنني كنت أشير به إلى الكلاب الضالّة، لم أصبح شهيداً ولكنني كنت دائماً مستعداً للشهادة.‏

أبو قصي: هيا يا يوسف ولنمض.. يصنع الشهيد وطناً للجميع، ثم يبقى بلا وطن.. هيا.. كل شيء هنا عرضة للتفسخ والفساد.‏

يوسف: فلنغادر، (مشيراً إلى سليمان وسعيد) ولكن أيها المستجد في عالم السلام والحقيقة، لا يخدعنك صاحب كلام يقنِّع وجهه الأشوه بالبيان، ويعطيك حلاوة من طرف اللسان.‏

(يغادران المكان من النافذة).‏

النادل: (يدخل ويضع كأسين من الماء على الطاولة) هل تجددان القهوة؟ الطلب الثاني أرخص من الأول.‏

سليمان: هناك رائحة كريهة في المقهى, إنها تشتد.‏

النادل: لعلها من النهر، سقفت البلدية مجراه والمجاري تصب فيه.‏

سعيد: كلا.. ليست من النهر, إنها من هنا، رائحة تفسخ عضوي. أعتقد أنها صادرة من القبو.‏

ساكت: (يجري نقلة بالشطرنج. كمن يحدث نفسه) إنها رائحتكم أيها الخطباء، (يأكل حجر القلعة) القلاع تسقط (نقلة أخرى ويأكل الفيل) وفيلة هذا الزمان تقتل (يحاصر الشاه) والشاهات تحاصر وتتساقط.‏

النادل: من الأفضل أن تعود إلى السكوت يا شيخ ساكت، لا يلدغ المرء من جحر مرتين (يسر في أذنه) أليس في هذا المقهى لدغت المرة الأولى. هذا جحر الأفاعي, تجد فيه دائماً عيناً خفية وقلماً مُشْرعاً.‏

صوت مدير المقهى: انتباه.. انتباه.. أعزاءنا رواد مقهى منتدى الشام. لقد عثرنا في قبو المقهى على جثة مجهولة، نحن في انتظار الشرطة، يرجى التفضل بعدم خروج أحد من الزبائن حتى انتهاء التحقيق.‏

ـ ستار ـ‏

(1) العصابة الصفراء للشخصيات في المسرحية تدل على أنها متوفّاة.‏

(2) القرين هو الشيطان الخفي في الإنسان، يتزيّا بزيّه ويتكلم بصوته، فيأمر ويطغى، ويرتكب أعمال الشر.‏

(3) يستخدم هذا الأسلوب حسب ضرورات المشاهد مع الآخرين ليتم التركيز على المشاركين في المشهد الحي فقط، أما الباقون وهم في التثبيت أي في المشهد غير الحيّ فيبقون في إعتام خفيف بدلاً من الإظلام التام عليهم.‏

(4) الشعر للسهروردي.‏

(5) الشحاطة حذاء خفيف لا يحيط بالقدم من الخلف.‏

(6) البيتان للشاعر أحمد شوقي في الشهيد عمر المختار.‏

(7) فرد كريمة: اصطلاح شعبي لطيف، يعني أنه فقدَ إحدى عينيه.‏

(8) يشفّط: يقود بسرعة وتهوّر ويقوم باستعراضات خطرة مصدراً أصواتاً عالية بالفرامل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244