جثة في المقهى ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

ثلاث مسرحيات ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 01:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل الثاني

فضاء علوي‏

(المشهد كما في بداية الفصل الأول، هو وهي في فضاء المسرح، ثيابهما غدت عصرية إلا أنها لا تستر إلا جزءاً بسيطاً من جسميهما. والشجرة اختفى معظم أغصانها ولم يبق منها سوى بضعة أغصان مكسورة وجذع مجوف منخور، والأفعى امتدت إلى الأعلى أكثر وقنطرت عنقها ورأسها، والفتاة 1 في عمق المسرح في ثوب أبيض تتكوم أمام رمحين متصالبين. تغني ثم تبدأ بتحريك ذراعيها وجسمها في حركة موجية خفيفة).‏

الفتاة 1: (تغني) شجرة الياسمين‏

لم تزهر هذه السنة‏

والطيور غادرت الحقول‏

إلى بلاد مجهولة‏

(تنهض وقدماها ثابتتان في المكان وتتأوّد في رقصة إيقاعية بطيئة)‏

على قارعة الطريق‏

تقف العروس بثوب الزفاف الأبيض‏

وحيدة منفردة‏

تنتظر موكب العرس‏

والرياح تجذبها من شعرها الطويل‏

نحو الوادي السحيق‏

(تفرد شيئاً فشيئاً ذراعيها على الرمح المعترض فتبدو في وضعية الصلب)‏

جاءت الفصول ورحلت‏

ولم يجيء فصل الربيع‏

والسنونو لم تعد إلى أعشاشها‏

والبئر التي نضبت مياهها‏

تنضح بدم الأرض‏

والعروس لا زالت على قارعة الطريق‏

تقف وحيدة منفردة‏

تنتظر موكب العرس. (تسقط الأمطار بغزارة)‏

هو: هل جاء الربيع؟ الأمطار تسقط بغزارة.‏

هي: ألا ترى؟ إنها أمطار حمراء حامضية. (يستمر تساقط المطر).‏

هو: هل كان علينا ألاّ ننجب؟ ألم تقولي ليتني لم أنجب.‏

هي: قلت، ولكن ما كان بيدنا أن نفعل غير ذلك، سيدنا أراد أن يُعرَف فكنا وكانوا، وكان الحزن والجوع والقهر والموت.‏

هو: أنت تجدفين.‏

هي: بل أنا حزينة.. أنت لا تدرك حزن الأم وهذه الأفعى تلتهم العالم.‏

هو: حتى ثيابنا التهمتها.‏

هي: كنت تفضل دائماً أن تراني هكذا.. المرأة.. الرجل.. هذا العالم يتحول إلى سلعة.‏

(التماعات واهتزازات تسود المكان، أمواج بحرية هائلة تبتلع اليابسة).‏

هو: ما هذا الذي يجري هناك؟‏

هي: إنها الزلازل والحرائق، والبحار تهاجم اليابسة، وعلى الشواطئ مئات الألوف من جثث أبنائنا ملقاة، والحيتان تتغذى بالغرقى (هزة قوية).. الأرض تميد..‏

هو: ألا يمكن لنا أن نفعل شيئاً؟‏

هي: عندما تنطلق الحرائق من النفوس فلن يوقفها شيء.‏

هو: ألا ترين نوراً هناك.. من بعيد؟‏

هي: إنه نور البراكين. (يتوقف المطر ويسود صمت موحش)‏

هو: هل ننزل إليهم؟ لعلنا نستطيع أن نفعل شيئاً.‏

هي: وما الذي يمكن أن نفعله ونحن الخطيئة الأولى.‏

هو: ولكنها خطيئة لذيذة أنجبت هذه الفتاة الجميلة.. إنها طفلتنا.‏

هي: طفلتنا هذه.. مصلوبة في ليلة عرسها. (يظلم المسرح ببطء).‏

عما قليل يعم الظلام الكون، ويطغى البحر على اليابسة فتغوص الأرض في أعماق المحيط. وتنتهي لعبة الحياة والموت. من يغسل أحزان التعساء وقد غارت الشطآن في اليم..؟ عبث في عبث.. أية لعبة مشؤومة صنعناها في نزوة لذيذة مجنونة عابرة.‏

هو: كان علينا أن ندرك أن العالم الذي صنعته اللذة لا بد أن يتعرّى. ولكن..‏

هي: ولكن ماذا..؟‏

هو: من يدري, ربما الفردوس الذي حلمنا بأن نصنعه بأنفسنا ولم نستطع يأتي جيل من أبنائنا فيصنع ما قد عجزنا عنه. يجب ألاّ نفقد الأمل.‏

(إظلام)‏

فضاء سفلي‏

(عندما ترتفع أنوار المسرح نلاحظ بعض التغييرات التي تقتضيها عملية التحقيق في الحادثة الغامضة، فالطاولة المستطيلة تصبح في مقدمة المسرح وتأخذ شكل سرير تتمدد عليه جثة مغطاة. طاولة خاصة للمحقق. وتتوزع باقي طاولات المقهى هنا وهناك).‏

صوت مدير المقهى: أهلاً بكم من جديد في مقهى منتدى الشام، ساحة سعد الله الجابري مقابل تمثال الشهداء، موقعنا على الإنترنت.‏

WWW.SHAM.NET (ينطلق صوت فيروز)‏

شآم أهلوك أحبابي وموعدنا ‏

أوائل الصيف آن الكرم يعتصر‏

النادل: (يدخل حاملاً أصصا صغيرة في كل أصيص وردة سوداء يوزعها على الطاولات). الورد الأسود نادر جداً، بذوره مجلوبة من إفريقيا. لكن إدارة المقهى حريصة على راحتكم وما يسركم. (يدخل سعيد قادماً من المغاسل وهو يجفف كفيه بمنديل) معك حق يا سعيد، كانت الرائحة صادرة من القبو. آسف.. لأني وضعت الجثة هنا أمامكم، أنا أنفذ التعليمات ولا بد من تنظيف القبو.‏

سعيد: كنت أعلم ذلك، فالأقبية مخازن الأسرار والجرائم.‏

سليمان: (وهو يقف عند الجدار الزجاجي ويطل على الساحة) في أقبية النفوس تكمن حقيقة الإنسان، وفي أقبية المجتمع تكمن الصورة الحقيقية لبؤس التعساء وعذابات الأحرار، ودائماً فوق هذه الأقبية ساحات للنصر وتمثال للحرية مطل على البحر.‏

أبو الجود: (وهو يدور حول الجثة) قالت أمي إنها ولدتني في قبو المنزل، كان الشتاء قاسياً فلجأت إلى القبو.‏

سليمان: من لم تكحل الشمس عينيه بالنور يبقى قلبه مظلماً.‏

سعيد: (مغيراً الحديث) هل اتصلتم يا سليم بالشرطة، لا بد من السرعة قبل أن تتفسخ الجثة.‏

النادل: اتصلنا بدائرة الشرطة، فقالت إن مثل هذه الجرائم ليس من اختصاصها، فاتصلت الشرطة بالمحافظ، واتصل هو بدوره بالمحقق فجاء مختص في مثل هذه الجرائم الغامضة، كان في مهمة مماثلة في بغداد فقد ظهرت هناك جثث في أقبية المدينة والمقاهي (يخرج).‏

(تدخل مندوبة مبيعات، صبية متوسطة الجمال، تحمل في يدها كيساً، تتلفت، تمر بالشيخ ساكت وتهم بعرض ما تحمله فيشير إليها بلطف وابتسامة خفيفة بأنه لا يريد).‏

سعيد: هذا هو الشيخ ساكت يا آنسة، لا يبيع ولا يشتري، ولا يتكلم إلا نادراً.‏

المندوبة: (تتجه إلى سليمان ورفيقيه وتضع على الطاولة بضاعتها قطعة قطعة وهي تتكلم) شركة كي تي إس أفضل شركة للعطور، حازت على جوائز عديدة في المعارض، لها فروع في جميع المحافظات، فازت بجائزة الإيزو للجودة هذا العام. المواد المصنعة نباتية وتحديداً من الزهور، ليس هنالك مواد كيماوية تضر بالجسم، لدينا عطور خاصة بالرجال وأخرى للنساء، وهناك كولونيا وبودرة معطرة خاصة للأطفال. أنصحكم باستعمال منتجات كي تي إس.‏

سليمان: وحدّي الله يا فتاة، بالعة راديو؟ يبدو أنك لست من هذه المدينة.‏

المندوبة: أنا من بغداد فقدت أسرتي فنزحت ووجدت نفسي مضطرة للعمل.‏

سليمان: هل ستحكين لنا قصة حياتك؟ حالنا يكفينا.‏

سعيد: ما هذا..؟‏

المندوبة: ملطف للجو.‏

أبو الجود: هيا جربيه، لطّفي لنا جو المقهى. (تبخ عدة بخات) وهذا؟‏

المندوبة: عطر رائع رجالي مستخلص من زهور إفريقية.‏

أبو الجود: لا بأس نجربه.. (يتعطر، ويدفعه لجليسيه فيتعطران) جربا هذا العطر.‏

المندوبة: هل أعجبكم، هل تشترون زجاجة منه، إنه رخيص الثمن، سعر خاص لكم.‏

أبو الجود: نجرب غيره (يتعطرون من زجاجات أخرى).‏

المندوبة: ماذا اخترتم؟‏

أبو الجود: لا شيء.. لملمي أغراضك وانصرفي.. العطر حرام.‏

المندوبة: ومن حرّمه؟ الرسول قال: حبب إليّ من دنياكم ثلاث.. وذكر الطيب.‏

سعيد: (ضاحكاً) أفحمَتك يا دكتور.‏

أبو الجود: (هازئاً) ومثقفة أيضاً..! الرسول ذكر الطيب ولم يذكر العطر.‏

المندوبة: (هازئة وهي تجمع أغراضها) العطر ببلاش حلال وبفلوس حرام..!‏

(تمضي وكأنها تبحث عن مكان تستريح فيه ثم تجلس إلى طاولة الشيخ ساكت بوضع جانبي، وتضع الكيس على الطاولة، يدخل النادل حاملاً الشاي فيشير إليه الشيخ ساكت بأن يقدم لها كأساً).‏

المندوبة: آسفة (تهم برفع الكيس فيشير إليها بتركه في مكانه، تتناول الشاي) شكراً يا عم.‏

صوت مدير المقهى: انتباه.. انتباه.. إلى زبائننا المحترمين، يسمح بالدخول إلى المقهى, ويمنع الخروج منه إلا بتصريح رسمي من المحقق الذي سيصل بعد قليل.‏

المندوبة: أي قدر ساقني إلى هذا المقهى اللعين؟ هناك الموت يهبط علينا من السماء، ويترصدنا في زوايا الطرقات، وهنا الوحدة والخوف والمصير المجهول.‏

ساكت: (يخرج من عبّه محفظة صغيرة مطرزة بالخرز مما يصنع في السجن ويوضع فيها مصحف أو كتاب أوراد أو مفكرة، ويقدمها لها).‏

المندوبة: هذه لي؟ أوه شكراً. ماذا فيها؟ مصحف, إنجيل، كتاب أوراد وأدعيات؟ تقدمها لي وأنت لا تعلم ما إذا كنت مسلمة أم مسيحية (تهم بفتحها فيشير بيده كي تحتفظ بها ولا تفتحها) حسن، هذا لا يهم (تضعها في صدرها) تعتقد أنها تمنحني السكينة. (يدفع أمامها حجارة الشطرنج كي تلاعبه) تريد أن تسرّي عني وتبعد عني الخوف. (بسخرية مريرة) هه.. أصبح الخوف فلسفتنا وخبزنا اليومي (تصف حجارة الشطرنج) أنا لاعبة شطرنج جيدة، كنت ألاعب أبي وأغلبه مرة ويغلبني مرتين. انظر، الشاه يختبئ وراء صف من الجنود ويحيط نفسه بالقلاع والفيلة والوزراء، يدفعهم جميعاً إلى الموت قبل أن يموت. (تلعب) كان لدينا شاه جبّار متغطرس، هوايته اختراع الحروب، يظن نفسه نبوخذنصر البابلي أو صلاح الدين. (يتوقف عن اللعب مندهشاً) أنت مندهش؟ كنت طالبة في كلية التاريخ قبل الأحداث. في الحرب الأولى التي اخترعها الشاه قتل أخي الأكبر، وفي الحرب الثانية قتل أخي الأصغر وفي الثالثة سقط الشاه فوق أكوام من الجثث وركام البيوت التي هدمها القصف (تراكم بعصبية حجارتها بين كفيها وتكف عن اللعب) لم أر من أمي وأبي غير يدين ممدودتين من تحت الركام. كنت عاجزة تماماً عن فعل أي شيء. ليغفر الله لي.‏

أبو الجود: (يقف قرب النافذة ويستطلع الطريق) آمل ألاّ يتأخر المحقق فأنا مضطر إلى السفر. يجب أن أصل قبل عطلة البنك. لديَّ أموال يجب أن أودعها، عدا عن عمليات التحويل. المشكلة أن عمليات التحويل المصرفي تستغرق وقتاً. (يدخل شاب وفتاة في حوالي الثامنة والعشرين من عمرهما ويجلسان إلى طاولة. الفتاة في ثياب تظهر مفاتنها، والشاب يلبس الجينز ويضع سلسالاً في عنقه. سليمان وسعيد ينظران إليهما، ثم يتجه أبو الجود إلى الطاولة).‏

سعيد: لقد علقا في الفخ.‏

سليمان: إذا كانا مخطوبين فإن فخاً أكبر ينتظرهما.‏

أبو الجود: أعجب من الذين يبحثون عن الحب في الزواج. الحب كلام فارغ. الزواج عقد بين متعاقدين، وهكذا يسمى، عندما تقدمت لخطبة زوجتي الحالية بسط كل منا رأسماله، وعلى أساس ذلك تم إجراء العقد. التكافؤ أمر ضروري في الزواج الناجح.‏

سليمان: وإذا اختل هذا التكافؤ بعد الزواج، كأن يخسر أحد الطرفين أمواله أو تنكب عائلته هل على أحدهما أن يطلِّق الآخر؟‏

أبو الجود: بالرغم من أن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، إلا أن التكافؤ يجب أن يبقى قوام العلاقة الإنسانية والحياة الزوجية.‏

سليمان: ألا ترى أنك بهذا التفكير إنما تقترن بجثة محشوة بالدولارات فإذا فرغ ما في بطنها قمت بدفنها؟‏

سعيد: يبدو أن قانونك هذا في العلاقة مع الآخر طبَّقته على أبيك وأخيك أيضاً. (يدخل النادل حاملاً القهوة والماء إلى الشاب والفتاة 2 يتبعه نور الدين بصندوقه).‏

النادل: سمح لك مدير المقهى أن تبقى هنا طيلة فترة التحقيق كي تعتني بحذاء المغدور، يجب أن يبقى حذاؤه نظيفاً لامعاً، المحقق يعشق الأحذية، ويعتبرها مفتاح الدخول إلى الشخصية، وكشف الأسرار الغامضة.‏

(بقعة ضوء على الفتاة 2 والشاب)‏

الشاب: أنت رائعة اليوم.‏

الفتاة 2: اليوم فقط؟‏

الشاب: وكل يوم، لكنك اليوم تبدين متألقة تماماً.‏

الفتاة 2: أنا لا أعترض على كلمة اليوم، بل أحب هذه الكلمة، (تبتسم) ولكن ما الذي يعجبك فيّ هذا اليوم؟‏

الشاب: تسريحة شعرك. هل يضايقك أن أسأل ما الذي يعجب الفتاة من الرجل؟‏

الفتاة 2: لا يضايقني ذلك. الفتاة يعجبها من الرجل حذاؤه وقميصه وربطة عنقه، الحذاء خاصة مصدر قوة الرجل، هذا أول ما يلفت نظر المرأة.‏

(نور الدين يقف ويرقع الغطاء عن قدمي الجثة وينتزع الحذاء ويمسكه من رباطه متدلياً ينوس. إنه حذاء عسكري قديم).‏

نور الدين: يبدو أن صاحبه شخصية هامة وقوية، ما زال بعض اللحم والشعر عالقاً في النعل. مهنتي علمتني معرفة الناس وشخصياتهم ومهنهم من أحذيتهم (يعود إلى مكانه وينشغل بصبغ الحذاء وتلميعه).‏

الشاب: هل تقصدين أن القوة والحب والإعجاب يكمنان في الحذاء! وشخصية الإنسان، ما دورها؟‏

الفتاة 2: هذا يدخل في نطاق الفلسفة، أنا لا أحب هذه المادة، كنت دائماً أرسب فيها.‏

الشاب: وعند الزواج ألا تستحق هذه المادة الاهتمام.‏

الفتاة 2: ومن الذي يستطيع اليوم أن يتزوج، أنت مثلاً كأنك تدعوني إلى الاهتمام بدراسة شخصيتك، وأنت لا بيت ولا مال ولا عمل. (تلاحظ أنه قد تكدر) ولكن لا تزعل فأنت لديك حذاء أنيق وقميص جميل وتجيد الرقص, أنا أعشق الرقص، وهذا كاف لأن أحبك الآن.‏

الشاب: وغداً؟‏

الفتاة 2: الحب زمن واحد هو اللحظة التي نعيشها، فإذا تعدى ذلك دخلنا في فلسفة الحب. الماضي يا حبيبي جثة في انتظار الدفن، والمستقبل فلسفة مؤسسة على غيب مجهول، وما بني على مجهول فهو تخريف.‏

الشاب: وهل حبنا تخريف؟‏

الفتاة 2: أنا لم أقصد ذلك, لا تفهمني خطأ, أنا الآن أحبك بجنون, أشتهي أن أرقص معك, أضمك، أقبلك، وللأسف ليس لنا بيت نلتقي فيه، نلتقي في المقاهي فقط، ولكن غداً لا تسألني ما يكون. انتهى عصر العواطف الدائمة الكبيرة، والأسماء الخالدة، والأغاني الطويلة، هذا عصر النزوات المجنونة, عصر الهوامش والتفكيك، عصر الدول المجزّأة الصغيرة التافهة، وعصر الحريات الفالتة من كل إسار.‏

كل شيء يتألق بشدة ويختفي بسرعة، إنه عصر الومض، عصر العولمة.‏

الشاب: هل جئنا لنتكلم في السياسة أم في الحب.‏

الفتاة 2: أنا لا أتكلم في السياسة، ولكن السياسة كالهرة تقفز من الجدران والنوافذ إلى داخل البيت، انظر ذلك الجالس قربنا (تشير إلى ساكت) هل تعرفه؟‏

الشاب: كلا.‏

الفتاة 2: حسن، أنا أعرفه، بل أعرف زوجته، إنه إنسان مدمَّر، دمّره الصراع على الخلود. هو كان يطمح إلى الخلود فتماهى في حب معبوده، لكن السلطة الطامحة أيضاً إلى الخلود لا تريد أن يكون غيرها معبوداً في الناس، فعملت على تدميره. السلطة لا تمانع في قيام معبودات صغيرة تافهة لا تهددها، بل إنها تشجع ذلك، أما قيام معبود كبير يهددها فهذا يقلقها، ولا تتورع عن ارتكاب المجازر لإزاحة كل من يعترضها.‏

الشاب: أراك تتفلسفين وأنت التي تكرهين الفلسفة.‏

الفتاة 2: أنا لا أتفلسف، ولكنها الحقيقة التي جعلتني أومن أن الحياة يجب أن تكون ذات بعد زمني واحد، لا ثلاثية الأبعاد.‏

الشاب: وما علاقتك بزوجته؟‏

الفتاة 2: تعرفت عليها بعد أن دخل السجن وعانت ما عانت، وأنا التي أقنعتها باعتبار الماضي، وزوجُها جزء منه، جثة، وأن عليها أن تتزوّج، فتزوجت.‏

الشاب: وأنت التي لا تؤمنين بالزواج؟‏

الفتاة 2: أنا لم أقل ذلك، فالزواج هو لحظة حاضر لا ندري ما يكون بعدها، المهم هو أن يمتلك الإنسان حريته، وقد وضعتُ زوجتَه زبيدة في أول الطريق، ثم تركتها كي تختار بنفسها حريتها.‏

(بقعة ضوء حمراء على الشيخ ساكت، يقوم بنفض قميصه من أمام وخلف وكأنه يبعده عن جسده، ثم تزداد حركاته تواتراً ويطلق صرخات ألم)‏

الشيخ ساكت: نار..نار.. الكلاب.‏

سعيد: يا سليم.. يا سليم ( يدخل سليم) انظر الشيخ ساكت، افعل شيئاً ، جسده يشتعل.‏

النادل: تعال يا شيخ ساكت، تعال معي إلى المغاسل. قليل من الماء وتنطفئ النار في جسدك، وتبرد هذه الحروق, تعال معي (يخرجان)‏

نور الدين: (يحاول أن يعيد الحذاء إلى قدمي الجثة) أوه.. أين القدمان؟ غير معقول.. اختفت قدماه.. لعلي أخطأت المكان (يدور حول الجثة ويقف في طرفها الآخر.. (يرفع الغطاء ويدس الحذاء) حسن فليبحث بنفسه عن حذائه.‏

سعيد: (في سخرية مضمرة) قرأت أن أجساد الذين يكنزون الذهب والفضة تكون يوم القيامة منفضة للسجائر. (يدخل الشيخ ساكت هادئاً مبلل الثياب).‏

أبو الجود: (متدخلاً) أية سجائر يوم القيامة؟ إنما تصهر وتصب في أفواهم وبطونهم. هذا هو النص. مهما يكن فأنا مطمئن، أنا لا أتعامل بالفضة والذهب، أتعامل بالدولار (يضحك).‏

ساكت: والنور.. أين النور؟‏

سعيد: ها قد تكلم أخيراً الشيخ ساكت، بعد أن انطفأت النار في جسده.‏

أبو الجود: أي نور يا شيخ ساكت؟‏

ساكت: النور الذي يعطي النص مدلوله الحقيقي، ويرسم للإنسان سلوكه.‏

أبو الجود: (ساخراً) وأين يكمن هذا النور؟‏

ساكت: في قلب المرء, في جوهر النص، النور الذي يجعل حروف النص مضيئة.‏

أبو الجود: أنا أرفض المتصوفة وكلامهم.‏

سليمان: (موضحاً ومتفلسفاً) لكل شيء ظاهر وباطن، ولكل آية معنى ظاهر وأخر باطن. والحقيقة كامنة في البواطن، والقيامة هنا قيامة المرء من جسد إلى جسد آخر، أما الذهب والفضة فهما الحقيقة الثمينة يكتسبها المرء في كل عروج جسدي.‏

أبو الجود: هل أنت غنوصي؟ أي مقهى هذا الذي يجمع هذه الأجناس!‏

سعيد: وأنت واحد منها.‏

(يعود سليم وهو يحمل صينية عليها كؤوس ماء وزجاجتي كولا، وأمامه الشيخ ساكت يتجه إلى طاولته والماء يبلل قميصه. يضع سليم الكولا أمامه، فيشير أنه لا يشربها).‏

النادل: آسف، نسيت أنك لا تشرب الكولا، جسدك يشتعل حين تشربها. (يضع أمامه كأس ماء ويمضي إلى طاولة الشابين ويضع زجاجتي الكولا ويخرج)‏

***‏

(يدخل المحقق وهو رجل في حوالي الخامسة والأربعين من عمره، على رأسه قبعة كالخواجات، إنه مُقعد يجلس على كرسي ذي دواليب، ترافقه وتقوده سكرتيرته وهي فتاة خلاسية سمراء تلبس بلوزاً وتنورة طويلة بلون ناري. يتجول بين دهشة الحاضرين ويوزع الابتسامات. يدور حول الجثة، ثم يتوقف وراء طاولته ويضع بعض الأوراق عليها).‏

المحقق: السفر متعب لمن هو في سنّي يا أليسا.‏

أليسا: لا يا سيدي، السفر لا يرهقك، وإنما كثرة ممارستك للجنس. لقد أطاح الجنس برجليك حتى غدوت مقعداً.‏

المحقق: هراء، أنت تعلمين أن هذا الأمر ضروري بالنسبة لي كي يبقى فكري صاحياً أثناء التحقيق في القضايا الكبيرة.‏

النادل: (يدخل) سيدي المحقق أهلاً بك، لم أشعر بدخولك. (للزبائن في سخرية خفيفة) أقدم لكم عنوان الذكاء والعدالة سيادة المحقق وصديقته الآنسة أليسا. (للمحقق) هل تريد شاياً أم قهوة.‏

المحقق: قهوة أكسبريس كبسة واحدة. (بمرح) ولسكرتيرتي قطعة من اللُّبان, أحب الفتيات اللواتي يعلكن اللبان، هذا يزيد من أنوثتهن.‏

النادل: حاضر (يخرج)‏

المحقق: أرجو ألاّ تأخذوا فكرة سيئة عني، فأنا لست كغيري من المحققين، أنا أحب الحوار، وقد جئت إلى هنا لنتحاور، الإنسان كالقمر لـه وجهان، وجه مظلم ووجه مضيء، والحوار قائم بينهما في أعماقه باستمرار. اعتبروني أحد الوجهين في أعماقكم والذي يحاور فيكم الوجه الآخر؛ هكذا لا أكون غريباً عنكم.‏

سليمان: (لزميليه) هل أرسلوا إلينا محققاً أم فيلسوفاً محاضراً؟‏

سعيد: دعنا نستمع إليه، أصبح الأمر يشوقني.‏

سليمان: وما الذي يشوقك في كلامه؟ هذا الرجل ما دخل بلداً إلا وترك جميع أهله في الاعتقال.‏

المحقق: (يتشمم) أشم رائحة ما.‏

أليسا: لعلها رائحة الجثة.‏

المحقق: لا.. ليست الرائحة صادرة عن الجثة، لقد تعودت على رائحة الجثث. بل إن رائحة الجثث تشوقني وتمدني بالقوة والعظمة.‏

أليسا: حبيبي أنت عظيم في كل شيء, حتى في الشم.‏

المحقق: المحقق الناجح كلب شمام، تستغربين استعمالي هذه العبارة، لكن المحقق يجب أن يستعمل أيضاً حاسة الشم (يتشمم) من أين هذه الرائحة؟‏

أليسا: (في ابتسامة ساخرة) ربما فعلها أحد المحترمين هنا.‏

المحقق: (يندفع بكرسيه المتحرك نحو طاولة سليمان، يتشمم) كلا يا أليسا، هؤلاء المحترمون لا ينفثون عطراً. أشم رائحة عطر.. من يحمل زجاجة عطر.‏

المندوبة: أنا.. (يلتفت نحوها) أنا مندوبة مبيعات لشركة كي تي إس للعطور.‏

المحقق: (يندفع نحوها) آه.. هكذا إذن.. أرني ما لديك (يتفحص الزجاجات ويشمها) معذرة يا آنسة, لا بد من فحصها، ربما يكون فيها سوائل مدمرة أو مساحيق جرثومية، البشرية أمانة في أعناقنا، ونحن مسؤولون عن سلامة الحيوانات الناطقة، إن لهم الحقوق نفسها التي يتمتع بها الحيوانات غير الناطقة في ظل الرعاية التي تشملهم بها جمعيات الرفق بالحيوان.‏

حسن، الرائحة رائحة عطور، ولكن لا بد من الشك حتى نصل إلى اليقين، وبما أنني مختص بالتحقيق وليس بالتفتيش فلا بد من استدعاء فريق من الخبراء لفحص هذه المواد, أنا آسف جداً يا آنسة فأنت لا تستطيعين مغادرة هذا المكان قبل وصول هذا الفريق والانتهاء من عمله كي يرفع إليَّ تقريره (يعود إلى مكانه) قلت إنك مندوبة شركة.. ما اسم الشركة؟‏

المندوبة: كي تي إس للعطور.‏

المحقق: إذن.. شركتكم تنتج عطوراً للأجسام كي تصبح رائحتها أفضل.‏

المندوبة: أجل.‏

المحقق: ألا يمكن لشركتكم أن تطور إنتاجها فتنتج عطراً للنفوس القذرة (يتفجر في الضحك).‏

النادل: (يدخل) القهوة سيدي المحقق (يضعها أمامه) واللبان للآنسة.‏

المحقق: شكراً.‏

النادل: هل تريد شيئاً آخر سيدي المحقق؟‏

المحقق: لحظة من فضلك (يفحص المكان) قل لمعلمك لا بد من تحسين الأوضاع في هذا المكان. يجب هدم الجدران والسقف، وربما يجب نسف كل شيء هنا، وهدم الأبنية الطفيلية حولـه، وإنشاء حدائق وملاعب تابعة لـه، ومن ثم إعادة إعماره من جديد، الكرة الأرضية كلها مجرد مقهى، وروّاد المقهى يجب أن يأخذوا راحتهم ويعيشوا العصر الحديث. يجب ألاّ يقلق أحد فسنقوم نحن بهذه المهمة.‏

النادل: سأنقل إليه رغبتكم (يتلفت نحو نور الدين) يأمرك مدير المقهى أن تعتني بتنظيف وتلميع حذاء السيد المحقق طيلة فترة التحقيق، فالحذاء كما يقول سيدي المدير وجه العدالة (يخرج)‏

المحقق: أليسا.‏

أليسا: نعم يا سيدي.‏

المحقق: لماذا لا تمضغين اللبان؟ تعلمين أن ذلك يساعدني على التفكير والكلام.‏

أليسا: وهل اللبان على هذا القدر من الأهمية بالنسبة لك.‏

المحقق: ومن يتحدث عن اللبان؟ أنا أتحدث عن شفتيك وهما تتهامسان وتتسامران وأنت تمضغين اللبان.‏

أليسا: أنت شاعر يا حبيبي.‏

المحقق: (يبتسم بزهو) المحقق يجب أن يكون شاعراً وشفافاً, (يوجه الكلام إلى رواد المقهى) وسيتم التحقيق بشفافية عالية، تستطيعون أن تتابعوا جلستكم المعتادة في المقهى خلال فترة التحقيق، تستطيعون أن تطلبوا الشاي والقهوة والكولا، وسأعفيكم من أسئلة كثيرة فأنا أعرف الكثير عنكم أعرف أسماءكم وصوركم وطرائق تفكيركم، الاستخبارات اليوم تعمل بتقنيات عالية، وستجدون أن التحقيق أمر ممتع جداً لكم. (لأليسا) ولتوفير هذه المتعة وما دمنا نتحدث عن المتعة ما رأيك يا حبيبتي أن نبدأ عملنا بالموسيقى؟‏

أليسا: بداية رائعة، ولكن أي نوع من الموسيقى تريد؟‏

المحقق: موسيقى حديثة بالطبع، يستهويني الجاز الصاخب والإيقاع الملتهب.‏

أليسا: هذه لا تكتمل إلا بموسيقى الجسد، وأنت لا تستطيع أن ترقص.‏

المحقق: (يحرك عجلات المقعد بيديه ويندفع إلى الأمام) ليس من المهم أن أرقص أنا، وإنما المهم أن أجعل الآخرين يرقصون، وأتجول أنا بين الراقصين وأضبط إيقاعات الرقص كما أريد.‏

أليسا: وهل من المناسب الرقص في محضر جثة.‏

المحقق: الرقص فوق الجثث أمر ممتع للغاية، يمنحك شعوراً مغايراً تماماً (للآخرين) هل مع أحدكم شريط من هذه الموسيقى؟‏

الفتاة 2: معي أنا. (تتناوله من محفظتها).‏

المحقق: أتحتفظين دائماً بمثل هذا الشريط في حقيبة يدك؟‏

الفتاة 2: نعم، أريد أن تكون الحياة في متناول يدي دائماً.‏

المحقق: يعجبني كلامك (يدخل النادل) خذ يا سليم الشريط وضعه في المسجلة. (يأخذه النادل ويخرج) في فيافي الغرب كان الأجداد المقاتلون يسلخون فروات رؤوس الهنود الحمر ويرقصون على الموسيقى. الرقص والموسيقى يمنحان الجسد طاقة عذراء جهنمية. (تعلو ضربات موسيقى وحشية صاخبة) هيا.. المشهد الأول من التحقيق بعنوان: دعوة إلى الرقص (الشاب والفتاة يرقصان بإيقاعات سريعة) تعالا.. اقتربا من الجثة أكثر، ارقصا حتى تدب الحياة فيها من جديد. (يرقصان أمام الجثة تماماً. تتوقف الموسيقى) انظرا هل عادت الحياة إلى الجثة؟‏

الشاب: (الشاب والفتاة يرفعان الغطاء قليلاً) كلا. إنها لا تتحرك.‏

المحقق: لم ترقصا بما فيه الكفاية لإعادة الحياة إلى هذه الجثة، وهذه تهمة تؤخذ في الاعتبار. أنا في غاية الأسف, لن تستطيعا الحصول على حريتكما أو الخروج من هذا المكان، وستضطران إلى البقاء هنا. إذا شعرتما بالضجر فارقصا. يجب أن يتحول هذا المكان إلى صالة للرقص تضج فيه الحياة.‏

الشاب: هل كنت تأمل أن تعيد الموسيقى والرقصُ الحياةَ إلى جثة متفسخة؟‏

المحقق: لقد فعلها المسيح من قبل ولكن بطريقة أخرى.‏

الفتاة: أنا أؤمن بذلك، الموسيقى والرقص بالنسبة لي هما طاقة الحياة.‏

المحقق: تعجبني أفكارك دائماً. أما أنا فطاقة الحياة بالنسبة لي هي أليسا. أليس ذلك صحيحاً يا أليسا.‏

أليسا: لا أدري , هذا أمر يخصّك.‏

المحقق: بالطبع لا تدرين، فالشمس لا تدري أيضاً أنها صانعة الحياة على الأرض.‏

(يعود الشاب والفتاة إلى مكانهما، ينهض سليمان)‏

سليمان: (يتقدم نحو المحقق) لا يا سيادة المحقق، طاقة الحياة هي النضال من أجل العدالة.‏

المحقق: كلام جميل. سجلي هذا في الملف السليماني. (لسليمان) انظر إلى الجثة لعلك تعرف صاحبها.‏

سليمان: (ينظر من تحت الغطاء إلى وجه الجثة) أعرفه، إنه واحد من ضحايا المعارضة والدعاة إلى الحرية والمجتمع المدني.‏

المحقق: هل تفحصته جيداً؟ ألا يذكرك وجهه بشخص ما.. بأشخاص تعرفهم وربما لا تعرفهم، زجت بهم مقالاتك وكتبك البارعة السبك في أعماق السجون حتى بليت أجسادهم فيها.‏

سليمان: عمَّ تتحدث؟‏

المحقق: أتحدث عن فترة كنتم سادتها، وكنت الفارس الذي يصول ويجول، والناس في حكمكم قسمان، تقدمي ورجعي، ومن لم يكن معكم فهو ضدكم، لكم حق الحياة ولغيركم حق الموت، أنتم حزب الله المختار والآخرون أبقار للذبح. وكنتَ آنذاك كذلك الشاعر العباسي الذي دخل على الخليفة أبي العباس السفاح فوجد عنده شيوخاً من بني أمية أمَّنهم على حياتهم فقال:‏

لا يغرنْك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داء دويّا‏

فضع السوط وارفع السيف حتى لا ترى فوق ظهرها أمويّا‏

ولم يخرج حتى تدحرجت رؤوسهم على الأرض.‏

حتى إذا دالت دول، وحالت أحوال، نصبتم أنفسكم رموزاً للحق والحرية والمعارضة!‏

سليمان: تلك فترة اعتذرت عنها.‏

المحقق: وما أكثر ما تفعلونها ثم تعتذرون. إذا كنت قد اعتذرت عن أفكارك وأقوالك، فكيف لك أن تعتذر عما سببته من أذى. هل تريد شاهداً على ما فعلتم. (لأليسا) استدع يا أليسا والدة القتيل.‏

(تتناول أليسا من حقيبتها أحمر شفاه وتتزين، ينظر المحقق في استغراب).‏

أليسا: حبيبي، يجب أن تهدأ أولاً، الغضب يضر بصحتك وبالعدالة أيضاً. (تتناول جهاز تحكم صغير وتضغط عليه. فيسقط على شاشة في الجدار ظل امرأة مسنة محنية الظهر تمشي بعكاز، تتوقف وتتحدث).‏

ظل الأم: كان ابني عاملاً في مطبعة الجريدة الوحيدة في المدينة، ينضد المقالات على الكومبيوتر، وكان يعود في منتصف الليل وعيناه محمرتان من فَكِّ الخطوط الرديئة. يقولون الخط صورة لنفسية صاحبه. وكان من عادته أن يصلي أوقات النهار في الليل لأنه يخشى على نفسه صاحب قلم فاسد الضمير، لكن لـه عادة سيئة وهي أن يصلي الصبح في الجامع القريب من الدار، وكلما نصحته قال: ومن الذي يراني في الفجر، الحامي هو الله.‏

(تعبر الشاشة من شقٍ في منتصفها وتبرز أمامها ثم تقف خلف الجثة)‏

الأم: ذات يوم عاد في منتصف الليل خائفاً مضطرباً، لم ينم تلك الليلة (يظهر على الشاشة ظل ابنها) راح يقبل أولاده الثلاثة النائمين وكأنه كان يودعهم، ثم قبل زوجته من جبينها وبكى (يمسح ظل الابن دموعه)‏

الأم: (تلتفت نحو الظل) مالك يا ولدي، لم أنت خائف تبكي؟.‏

ظل الابن: لقد انتهيت. انتهيت يا أمي.‏

الأم: ما هذا الذي تقوله؟ أنت ليس لك أعداء، ولا تتعاطي السياسة، فما الذي فعلت حتى تقول انتهيت؟‏

ظل الابن: صدرت الجريدة اليوم وتبين أني قد أخطأت في تنضيد حرف واحد.‏

الأم: حرف واحد فقط! وهل هو بهذه الأهمية.‏

ظل الابن: هذا الحرف غيّر معنى الكلمة فصارت كلمة نابية لا معنى لها، وهذه الكلمة صفة لمسؤول كبير.‏

الأم: ولم أنت خائف؟ الإنسان يغلط في القرآن، يغلط مع ربه، ثم يسامحه.‏

ظل الابن: نعم الإنسان يغلط مع ربه الرحمن، ولكنه لا يغلط مع السلطان وفي مقالة كتبها سليمان، أنت لا تعرفين من هو سليمان.‏

الأم: في الفجر ذهب إلى الصلاة في الجامع ولم يعد، وبعد يومين أخذوا زوجته، اغتصبوها أمامه كي يعترف.. يعترف بماذا؟ تضرع إليهم وقال لهم:‏

ظل الابن: اكتبوا الاعتراف الذي تريدون وأنا أوقع عليه ولكن لا تفعلوها.‏

الأم: في المساء أعادوا زوجة ولدي إلى البيت جثة هامدة مع شهادة وفاة بأنها ماتت المسكينة بالسكتة القلبية. وبعد أيام طرق الزبال باب الدار وقال: يا خالة ابنك في حاوية القمامة ميت، خذيه حتى أستطيع تنظيف الحاوية.‏

المحقق: أيتها العجوز، اكشفي الغطاء وانظري أهذه جثة ولدك.‏

الأم: أنا امرأة فقدت من الحزن بصرها، ولا أدري إن كان هذه جثة ولدي أم جثة زوجته، أم جثة هذا البلد المنكوب.‏

المحقق: حسن، ألا تجيبين على بعض الأسئلة؟‏

الأم: (تمضي وراء الشاشة) دعني من الأسئلة فأنا امرأة عجوز عمياء، تغسل الأدراج لتعيل أحفادها الصغار.‏

المحقق: معك حق. لابد من إزالة هذه الحثالة التي تلوث النقاء الحضاري.‏

(يظهر ظلها على الشاشة وهي تتابع سيرها يتبعها ظلال ثلاثة أطفال. ثم تعتم الشاشة، يسمع من بعيد صوت جرّافة وهدم أبنية، الصوت يشتد ثم يتوقف).‏

المحقق: (ينفجر في ضحك فجائي وقح) أليسا.. أليسا‏

أليسا: ماذا تريد يا سيدي؟‏

المحقق: (مستمراً في الضحك) أعطني ذيل ثوبك لأمسح دموعي.‏

أليسا: (ترفع لـه بيدها ذيل ثوبها) الضحك يؤذيك يا حبيبي، قلبك مريض، وكثيرون ماتوا من الضحك.‏

المحقق: تعلمين أني أحب المرح، وأحب الغناء على معزوفتي المفضلة (يرتفع صوت الجرافة) لابد من الإخراب كي يبدأ الإعمار (يشتد صوت الجرافة) لابد من الموت كي تولد الحياة من جديد.. مشروعنا ينهض كشجرة سرو سامقة، إنه نهاية المشروعات والتاريخ.. لا بأس ثمة وقت ضائع يمكن أن نملأه بطوابير الجثث؛ إذ لابد من القبضة القوية التي تستبق بضرباتها الأحداث لحماية الثقافة الجديدة وحماية الحضارة..‏

المندوبة: كيف يمكن تبرير الفعل الثقافي بالفعل الهمجي يا حضرة المحقق؟‏

المحقق: أوه تعجبني مداخلتك أيتها الشابة، لاشك أنك مثقفة وجريئة، ألا ترون؟ نحن في حوار ديموقراطي، وللشباب رأيهم، ربما تنقصهم التجربة والمعرفة الواسعة والرؤية البعيدة المدى، ولكن يجب أن نستمع إليهم وإلى كل من يريد أن يتحدث، ثم نفعل ما يجب أن يحقق مشروعنا.‏

أيتها الشابة، أنت تعلمين أن العطر النقي هو أفضل العطور، ولابد للحصول عليه من إجراءات عمليات تنقية معقدة، ومثل هذا تماماً الوصول إلى النقاء الحضاري. إن للضرورة أحكاماً مدروسة، بمعنى أن قيام الحضارة بممارسة القبضة النارية، على نحو مقنّن وواع ومحسوب، أمر مرغوب فيه للحفاظ على النقاء الحضاري، وما هذا بفعل همجي كما تتصورين. ترى هل أقنعتك أيتها الشابة؟‏

المندوبة: الثقافة والعنف نسيجان متناقضات، قد تكون للعنف ثقافته أما أن يكون للثقافة قبضة نارية تحرق النفوس فهذا أمر من شأنه أن يفتح أبواب هذه الثقافة على همجية مظلمة انتحارية وعدمية.‏

المحقق: مهما يكن، ليس من الضروري أن نقنع الآخرين، ولكن من الضروري أيها السادة أن نستمر في مشروعنا في الوصول إلى النقاء الحضاري والحفاظ عليه، عندما نحقق ذلك فليس من تاريخ بعد هذا التاريخ (يتوقف صوت الجرافة. يتناول ذيل ثوب أليسا ذي اللون الناري) واللون الناري هو اللون الحضاريُّ الأنقى، وهو اللون الذي أحب، إنه لون الشهوة، ومن الشهوة انبثق العالم، إنه نهاية الألوان، وهو لوني المفضل. (يغني):‏

أليسا‏

يا شجرة السرو الرائعة الهندام‏

أية رائحة مثيرة‏

في أذيال ثوبك الناري؟‏

أليسا: (تبتسم) إنها رائحة الغابة.‏

المحقق: أوه.. فلنعد إذن إلى الغابة (يرفع ذيل ثوبها ليمسح دموعه) أوه.. يا للروعة‍‏

ساقاك غابتا نخيل ساعة السحَر‏

أو شرفتان فيهما يغفو ويطلع القمر‏

الشاب: (للفتاة) رائع، لم أكن أعلم أن هذا المحقق شاعر.‏

الفتاة: شاعر وحصان أيضاً. انظر إلى معشوقته، هذه فتاة لن تهرم أبداً ما دامت طاقة الحياة بجانبها.‏

الشاب: لعلك تريدين أن تجعلي مني مقعداً كي يتجدد شبابك دائماً.‏

أليسا: (تجذب ذيل ثوبها) أنت تفضحني بين الغرباء يا حبيبي.‏

سعيد: (يضرب بقبضته على الطاولة) كفى، ما هذه المهزلة. (ينهض ويخطو نحوه في لهجة اتهام) تضحك لآلام الناس، ثم تشوه أبياتاً من تراثنا الشعري!‏

المحقق: (يندفع نحو سعيد ويبدأ الدوران حوله) أهلاً.. أهلاً بك يا صاحب الإصبع المقطوع. تغضب لبيت من الشعر منتهك، ولا تغضب لإنسان منتهك. تتاجر بإصبع مقطوع في حادثة مخزية ثم تدعي أنهم قطعوها لأنك كاتب حر! عبثاً تبرر انجرافك المخزي وراء الشهوة والسلطة.‏

(يعود إلى مكانه ويقلّب في الملف) هذه هو ملفّك..‏

أيها القرادة التي تعيش على الدماء، يوم كنت صغيراً كنت تخطف الألعاب من أيدي الأطفال في الحارة وتهرب، وفي المدرسة كنت تغش في الامتحان وتكتب التقارير الأمنية ضد زملائك وأساتذتك.. ثم صرت شاعراً تصطاد بتافه شعرك أو بما ينظم لك ما بين الكركي والثعلب، تمدح هذا وذاك وتتسلق، وهكذا درجت ووصلت وصارت لك قصور وأملاك وأفلاك تدور فيها حتى صرت مديراً عاماً لأكبر مؤسسة إعلامية. اكتنزت وانتفخت بالرشـوات والسرقات والتجارة باسم إلهك الذي لا تؤمن به إلا بقدر ما تحقق لنفسك من مكاسب، كان هذا سبيلك إلى الوصول.‏

(لأليسا) أليسا.. أليسا أين أنت؟‏

أليسا: أنا هنا يا سيدي (تميل إليه) أنصحك بعدم الانفعال فأنت مريض بالسكر وضغط الدم، يجب أن تتناول دواءك.‏

المحقق: فعلاً، هاتي يدك، ثلاث حبات أليس كذلك، (يقبل يدها من عدة أجزاء، ويعود إليه مرحه) ها قد تناولت حبوبي، بقي الشراب. هاتي شفتيك.‏

أليس: أوه.. ليس أمام الناس.‏

المحقق: وهل هؤلاء ناس؟ أهذا الحيوان الذي أمامك من البشر؟ اعرضي علينا واحدة من خطبه الداعرة يا أليسا.‏

(أليسا تضغط على جهاز التحكم فتضاء شاشة خيال الظل ويرى ظل سعيد وهو يخطب وراء ميكرفون أمام حشد متخيل).‏

ظل سعيد: يا سيدي.. يا سيد الوجود والعدم‏

أيها الخالد الذي لا يموت‏

أيها الأب المقدس العظيم‏

لم يبق لنا إلا أنت، فأنت الأول والآخر، وأنت نور الأشياء والأكوان.‏

الوطن هو أنت، والحب أنت، والعالم أنت، وفي أنتيتك تذوب كل الأنيّات‏

أنت الذي ملك الفؤاد وقادنا ‏

في النائبات إلى شواطئ آمنة‏

أنت المكلل بالفخار وبالتقى ‏

كل الصفات لنبل ذاتك راهنة‏

في النصر ما حطين ما جالوت ما.. ‏

كل المعارك دون بحرك آسنة‏

(تعتم شاشة الخيال)‏

المحقق: كنت تعبد صنماً من ملح قذرٍ أمطره الموت فذاب، فلمن تعتذر اليوم يا ذا الإصبع المقطوع؟ هلاّ رفعت الغطاء قليلاً عن هذه الجثة وتعرفتها، (بصوت قوي) افعل ما آمرك به.‏

سعيد: (يرفع الغطاء قليلاً ثم يعيده) أظنها جثة امرأة.‏

المحقق: بل جثة فتاة، لعل في فمها لا يزال إصبعك المقطوع. كنت تأمر مرافقيك فيحضرون لك الفتاة التي تشير إليها بإصبعك من الشارع، من المدارس، من حفلاتك الداعرة، فتغتصبها ثم ترميها في قارعة الطريق أو تختفي عن الأعين تماماً. أما هذه فقد قاومتك وعضت إصبعك الدنس حتى قطَعته فرميتها من الطابق العلوي إلى الأرض جثة هامدة. (إلى الشيخ ساكت) تكلم يا شيخ ساكت. لعلها أختك.. وأنت يا ماسح الأحذية تكلم، لعلها أمك أو خالتك.. (للجمهور) وأنتم لعلها واحدة من بناتكم. (صمت. يسمع حركة من وراءه فيرى نور الدين مقبلاً نحوه حاملاً صندوق البويا) لعلك تريد أن تتكلم.‏

نور الدين: كلا يا سيدي، فأنا مقطوع من شجرة، ولم يبق لي من أقربائي في هذه الدنيا سوى هذا الصندوق، إنما جئت أمسح حذائك كما أمرني مدير المقهى (يجلس أمامه ويبدأ بتنظيف حذائه. يعود سعيد إلى مكانه).‏

المحقق: (يقهقه فجأة ثم يرفسه) انهض، ألا ترى أن حذائي ضخم جداً، إنه بمساحات القارات الخمس، ولابد من أن تشترك شعوب كثيرة في خدمة هذا الحذاء. (يعود نور الدين إلى مكانه).‏

أبو الجود: هذا كلام مخالف للقانون، جئت محاوراً فصرت طاغية.. بالله عليك من أنت؟‏

المحقق: أنا النار السوداء الكامنة في داخلكم بل في قلب العالم، جاء يحاسبكم.‏

أليسا: (تميل إليه) اضبط أعصابك وكلماتك يا سيدي (لأبي الجود) يقصد هو النور الكامن في قلب العالم جاء يحاوركم.‏

أبو الجود: وأي نور؟‏

أليسا: نور الحرية والعدالة والديمقراطية.‏

أبو الجود: ما بال الجميع يتحدثون عن النور اليوم.. ما يجري هنا مهزلة. أي قدر رماني اليوم في هذا المقهى اللعين؟ ما لي وللحوار والعدالة والأخلاق، أنا امرؤ عابر أوطان وديار، لا أستمع من الأخبار إلا إلى النشرات الاقتصادية.‏

المحقق: صدقت في التعريف بنفسك. أنت امرؤ وطنك الدينار، ومذهبك الدولار. تعجبني حقاً.‏

أبو الجود: إذن دعني أذهب فعليّ أن أسافر.‏

المحقق: يؤسفني أنك لا تستطيع الخروج، لابد من التعرف على الجثة وقاتلها، وأنت متهم بقتل والدك.‏

(يدور حول الجثة ويشير خلال الحديث إليها كأنها جثة الوالد) كان والدك عاملاً في البلدية، يعمل في ورشات الطرق، عشش برد الشتاءات القاسية في مفاصله، وتفتت عظم وركه، وتقوّس ظهره، فصار هو مقعداً وصرت أنت فقيهاً وقانونياً. شهاداتك العلمية التي تتاجر بها مكتوبة بمشاشة من عظم ساقه المفتت ودمه. لهذا فأنت متهم بقتل والدك.‏

أبو الجود: هراء (يندفع نحو الجثة) هذا ليس... (يرفع الغطاء عن وجه الجثة فيسكت فجأة ويعيد الغطاء) غير معقول.. (للمحقق الذي يضحك بشدة) اسمع أنا رجل دين وقانون، وهذه شعوذة، أنت لست محققاً، أنت مشعوذ.‏

المحقق: (يضحك) سأتغاضى عن هذه الإهانة لصالح التحقيق. إن شئت أحضرت والدك للشهادة.. (ينادي) أليسا. (أليسا تمشط شعرها).‏

أليسا: حاضر.. لحظات وأكون جاهزة.‏

المحقق: ماذا تفعلين؟‏

أليسا: أتهيّأ لك وأتزين.‏

المحقق: لم يحن وقت نومنا بعد. أنت تهدرين وقت العدالة، سأضطر إلى معاقبتك وأجعلك تنامين وحدك.‏

أليسا: سيدي أنا أعتذر، لا تكن قاسياً، ومرني بما تريد.‏

المحقق: أحضري لي والد هذا الدكتور المحترم للشهادة.‏

(أليسا تضغط على جهاز التحكم فتضاء شاشة في انتظار أن يظهر عليها الظل).‏

ألسيا: لابد من الانتظار قليلاً فالوالد مقعد يسير بالاتكاء على كرسي من حديد، وحركته بطيئة جداً.‏

المحقق: رحم الله من اخترع ظل الخيال، هذه الشاشة أحملها معي في جميع مسرحياتي.‏

(يظهر في يمين الشاشة كرسي من حديد على شكل مربع مفتوح من جهة البدن، ويظهر ذراعا الأب فقط وهما يمسكان الكرسي من جانبيه. يندفع أبو الجود نحو الجهاز، يخطفه، ويغلق إنارة الشاشة ثم يرمي بالجهاز على الأرض).‏

أليسا: (تلتقط الجهاز) متوحش.‏

المحقق: (يقهقه ويصفق بكفيه ساخراً) عظيم يا بطل.. (بقسوة وتهديد) تستطيع الآن أن تطفئ هذه الصورة من الشاشة، ولكن لا تستطيع أن تطفئها في ذاكرتك.‏

أبو الجود: (في خذلان) للبيوت أسرار، وأنت لا تحترم هذه الأسرار.‏

المحقق: ما دخل البيوت وأسرارها، إنما هو سرك القذر الذي لا تريد أن تفوح رائحته. هيا.. عد إلى مكانك وإلا أحضرت والدتك أيضاً. (يعود أبو الجود إلى مكانه) أوه.. ثمة أمر يا دكتور.. رائحة فمك كريهة جداً (للمندوبة) أليس لديك يا مندوبة العطورة مَبخرة للأفواه الأنيقة القذرة؟ (يطلق ضحكة مدوية) اضحكي يا أليسا.. لماذا لا تضحكين؟‏

أليسا: (في ابتسامة خفيفة) لا أستطيع، فأنا لم أنظف أسناني هذا الصباح.‏

المحقق: أوه.. تصلحين معلمة للسلوك. (يتناول الدفتر) حسن، لنعد إلى العمل (يصمت ثم يقلب أوراق الدفتر) كثيرة هي الصفحات القذرة، ودواخلكم تثير القرف، وحتى ضعفكم وآلامكم وظلاماتكم قذرة، فلماذا تستنكرون أن يكون التحقيق قذراً أيضاً؟‏

الشفقة، الرحمة، المحبة.. هي ضعف البشرية، ولابد أن يولد الإنسان القوي الخالي من هذه الشوائب. (يصمت ويصيخ السمع).‏

لماذا توقف صوت الجرافات؟ (يتجه المحقق بكرسيه المتحرك ويطل على الساحة من خلال الحائط الزجاجي) هذا عصر التفكيك والسقوط، لابد من الهدم كي يستمر البناء، لابد من الموت كي تستمر الحياة؛ فالعالم لعبة الفوضى التي ما تكاد تنتظم حتى تبدأ اللعبة من جديد. (باتجاه الجمهور) الحروب الكونية وملايين القتلى مجرد أرقام منسية في ذاكرة خاملة. الأطفال على الشاطئ يبنون قصوراً وأهراماتٍ من الرمال ثم يرفسونها بأرجلهم فتنهار ليبنوا من جديد عالماً آخر، وتستمر اللعبة، ويغوص كل شيء في ذاكرة بليدة خاملة. تعجبني هذه اللعبة، وسواء أعجبتكم أم لم تعجبكم فإنها لعبة الحياة.‏

الحياة لعبة يلعبها القوي، ولا يحق للضعفاء أن يلعبوا. هذا مبدأ الحوار، ألم أقل لكم أنني أحب الحوار، وقد جئت إلى هنا لنتحاور، والإنسان كالقمر لـه وجهان، وجه مظلم ووجه مضيء، والحوار بينهما قائم في أعماقه باستمرار. أنا أحد الوجهين في أعماقكم والذي يحاور فيكم الوجه الآخر، (في ابتسامة ساخرة) الحق أقول.. أنا لست غريباً عنكم.‏

النادل: (يدخل) سيدي المحقق، برقية عاجلة لكم.‏

المحقق: أقرئي البرقية يا أليسا.‏

أليسا: (تتناول البرقية وتقرأ) لضرورات أمنية يطلب إليكم السفر على الفور إلي.. (للمحقق) هل أقرأ اسم البلد؟‏

المحقق: كلا.. بالطبع‏

أليسا: (تتابع القراءة) يطلب إليكم السفر على الفور للتحقيق في قضية أخرى، فقد ظهرت جثة ثانية في مقهى آخر، وسنزودكم بجميع المعلومات الاستخبارية اللازمة للتحقيق.‏

المحقق: إذن.. هيا يا أليسا، لمسة لهذا الكرسي بيديك الناعمتين ونكون هناك لتحقيق العدالة (تمسك الكرسي المتحرك، ويعود صوت الجرافات متقطعاً) ها قد عاد صوت الجرافات. أسافر وأنا مطمئن الآن. (لمن حولـه) أنتم استدعيتموني فجئت، وإذا جاءت العدالة فإنها لا تبقى ولا تذر، وستأتي على الأخضر واليابس. (تدفع أليسا العربة ثم تتوقف قبل الخروج، يشتد صوت الهدم ثم يتوقف. المحقق يخاطب الجمهور) هذه مجرد مسرحية رضيتم أن تكونوا متفرجين فيها فوصل الهدم إلى مقاعدكم. أنتم ممثلين ومتفرجين لن تستطيعوا الخروج، وهذا المكان سينهار فوق رؤوسكم. (يخرجان).‏

(ظلام تام يسود الخشبة وصمت، ثم يسمع طنين ذبابة زرقاء وهي تدور في الفضاء. فجأة يعلو ويشتد صوت الجرافات والهدم، يسمع صوت انفجار تتلوه عدة انفجارات والتماعات ضوئية ودخان حرائق. رواد المقهى يسيرون بالحركة البطيئة في مختلف الاتجاهات ثم يقفون أمام الحائط الزجاجي يراقبون ما يحدث ويشاهدون نصب الشهداء وهو ينهار ويسقط على الأرض، يتلو ذلك انفجار هائل يهز أركان المسرح ثم يسود الصمت وتلف المسرح ظلمة خفيفة، ينفصل الشيخ ساكت عن المجموعة ويتقدم ببطء باتجاه الجمهور ويؤدي موالاً بإيقاع حزين على صوت الناي).‏

الشيخ ساكت: يا عَبرتي دون زيدي بالبكا عيني‏

لفراق الأحباب جسمي من ضنا عيني‏

قولوا لولفي عديل الروح يا عيني‏

وبشرع قاضي النوى يا خلّتي ناديت‏

مثلي فلا ناحت الخنسا ولا ناديت‏

لما المهيمن حكم بهلاكنا ناديت‏

يا حسرتي غاب أهلي عن ضيا عيني(1)‏

(يتوارى الشيخ ساكت في الظلام التام، ويستمر صوت الناي. تتغير الإضاءة فتصبح عامة خافتة رمادية. وينقطع صوت الناي. تدخل فجأة إلى المقهى فرقة موسيقية تعزف لحناً فرحاً صاخباً بآلاتها الإيقاعية "طبل صغير" والنفخية والنحاسية، والفرقة مؤلفة من أربعة أشخاص: رجلان وامرأتان فيهم الأبيض والأسود والأصفر والأحمر، وهم يلبسون ثياباً لافتة للنظر بألوانها وتفصيلتها بحيث يبدون وكأنهم قادمون من كوكب آخر أو من زمن آخر. يغادر رواد المقهى أماكنهم ويتحلقون حولهم. تنهي الفرقة عزفها بضربة موسيقية قوية).‏

فتاة2: عزفكم رائع، ولكننا لا نعرف في هذه المدينة فرقة موسيقية بهذا الشكل، ليتني أحصل على تسجيل لمعزوفاتكم.‏

الشاب: يبدو أنهم موسيقيون جوّالون.. فرقة من التروبادور الحديث(2)..‏

سليمان: من أنتم؟ وكيف دخلتم؟ تعودنا أن يكون هذا المقهى للثرثرة وليس للموسيقى.‏

المندوبة: كنا نتوقع موسيقى جنائزية، لا موسيقى مرحة، أنتم تعزفون فوق آلامنا.‏

أبو الجود: أرجو ألاَّ يكون مدير المقهى قد أرسلكم ليضيف إلى التسعيرة ثمن الموسيقى.‏

الشاب: ملابسكم غريبة، كأنكم قادمون من كوكب آخر.‏

نور الدين: وليس لديكم أحذية تعرّفنا بكم.‏

الشاب: ولهذا فإن فتاتي لا تستطيع أن تعجب بكم أو تدرس شخصيتكم.‏

سعيد: (لرواد المقهى) كفاكم ثرثرة (للفرقة) من أنتم، ومن أين جئتم؟‏

موسيقي1: إذن أنتم لم تعرفونا.‏

سعيد: كلا.. لم نتشرف بمعرفتكم.‏

موسيقي1: نحن أحفادكم.‏

رواد المقهى: أحفادنا!‏

سليمان: قولوا نكتة غير هذه.‏

موسيقي 2: نؤكد لكم أننا أحفادكم، جئنا من جهات العالم الأربع نزوركم.‏

موسيقية1: جئنا عبر الزمن.‏

موسيقية 2: يفصلنا عنكم خمسة آلاف عام أو يزيد.‏

سليمان: خمسة آلاف عام.‏

موسيقي1: وما خمسة آلاف عام في عمر البشرية؟‏

نور الدين: هذه القصة تروق لي، أنا أفهمكم وأصدّقكم، جدي نور الدين محمود بن زنكي يحضرني بسيفه ورمحه وقصعته ويجالسني ويؤاكلني كل ليلة، وبيني وبينه ألف سنة تقريباً، هو يحضر من الماضي وأنتم تحضرون من المستقبل، فلماذا لا أصدق حكايتكم.‏

فتاة2: موسيقاكم مرحة، يبدو أنكم سعيدون جداً، وتعيشون بلا هموم أو مشاكل، فأي مجتمع أنتم.‏

موسيقية 1: ما عجزتم عنه فعلناه نحن، نحن شعوب وقبائل متعارفة، تعيش بلا حروب ولا خوف ولا جوع، قوام حياتها الحب والخير والصداقة والعمل الطيب والموسيقى والتأمل في ملكوت السماء.‏

موسيقي1: عندما فرغنا من اكتشاف الفضاء، وحطت مركباتنا فوق الكواكب والنجوم، رأينا أنه كان من الأجدى أن نرسل مركباتنا إلى أعماق النفوس فنكتشف الإنسان، ونعرف الأسرار التي تجعله سعيداً.‏

موسيقية2: في السماء خلق الله جنة للإنسان، لكن حوّاء كانت تبحث مع آدم عن جنة يصنعانها بأيديهما، فأهبطهما الله إلى الأرض ليصنع الإنسان جنته بنفسه، لكنه ضلّ وطغى وفقد السعادة.‏

موسيقي 2: نحن لم نخترع هذه الحياة، كانت موجودة في البدء، ثم غيبتها النزوات وانحراف البشر، فأحييناها من جديد. عودوا إلى التاريخ يا أجدادنا واقرؤوا.‏

المندوبة: قرأت في التاريخ عن السعادة الضائعة والفردوس المفقود في رقيم سومري يقول: (كأنها توجه كلامها إلى الثلاثي سليمان وسعيد وأبي الجود) في قديم الزمان لم يكن في الأرض ذئب، لم يكن في الأرض ثعلب، لا ولا أفعى تلدغ الناس، لم يكن هناك خوف ولا إرهاب، وبلاد سومر المتعددة الألسن، وبلاد أوري وبلاد مارتو(3)، كانت آمنة مطمئنة تعيش في هناء وسعادة، وكل ما في الكون وجميع البشر في وحدة وألفة يمجدون الله بلسان واحد.‏

سليمان: نحن لا نعرف عنكم شيئاً، فماذا تعرفون عنّا؟‏

موسيقي1: نعرف كل شيء عن الأجداد، قرأنا عنكم في كتبنا الكوكبية.‏

سليمان: كوكبية؟‏

موسيقي1: أجل، تلك مرحلة من التطور والتقدم العلمي تجاوزت الكتابات الخطية والمطبعية والضوئية والرقمية. إنها كتابة نبضية مستمدة من الطاقة الكونية.‏

أنتم بددتم طاقة الكون، وانتهكتم عذرية الأرض بطغيانكم وحروبكم وظلمكم واستكباركم، فكان علينا أن نبذر الأرض خلقاً جديداً يعيد إليها السعادة المفقودة، ونفرشها بالنور الأسمى، ونعيد صلتها بالسماء من جديد.‏

سعيد: (ساخراً) وهل ستمكثون هنا طويلاً؟‏

سليمان: سوف تتهمون بالمعارضة والترويج للمجتمع المدني، ربما تتهمون بالإرهاب أيضاً.‏

موسيقية1: كلا، فنحن راحلون.‏

المندوبة: ألا تستطيعون مساعدتنا؟‏

موسيقية1: كلا.. إذا لم تستطيعوا مساعدة أنفسكم فنحن لا نستطيع مساعدتكم، نحن الأحفاد مجرد نبض كوني.‏

المندوبة: هذا أمر يدعو إلى الأسى.. ستستمر الأحزان.‏

موسيقي1: سنظل نعزف من أجلكم أيها الأجداد التعساء، الإنسان هو العاشق والمعشوق، وإذا استطعتم أن تسمعوا نبض العشق في قلوبكم، وموسيقى الأفلاك في جوارحكم فإنكم ستضعون أقدامكم على أول الطريق إلى الفردوس المفقود.‏

(يشير إلى الفرقة ببدء العزف فيعزفون كما دخلوا ويخرجون من المقهى، إلى أن يتلاشى الصوت وتعود الإضاءة بالتدريج إلى ما كانت عليه، يتفرق رواد المقهى، ويعود صوت الناي من جديد، ثم تخالطه أصوات زقزقة عصافير تدل على طلوع صباح، ينفذ نور الصباح من النافذة ويصبح السرير تحت بقعة ضوء شديدة التركيز. تبرز أربع أيد من تحت الغطاء وتكشفانه قليلاً).‏

شروق: غروب، هل استيقظت؟ لقد طلعت أنوار الصباح.‏

غروب: أيقظتني أنفاسكَ قبل أن توقظني أشعة الشمس.‏

(يعتدل جالساً من النوم توأم مؤلف من الفتى شروق وهو شديد السمرة، والفتاة غروب وهي بيضاء جميلة، وهما ملتصقا الرأسين من جانبي الجبين، ويشبهان المانيكانين اللذين رأيناهما).‏

شروق: كان حلماً غريباً، مقهى ونادل ويوسف التمثال، وجدار زجاجي تعبر أرواح الراحلين منه إلى المقهى المطل على الساحة.‏

غروب: شروق، أمر غريب، هل هو الحلم ذاته الذي حلمت به؟ كان من روّاد المقهى سليمان وسعيد وأبو الجود، مازالت رائحة أرواحهم النتنة في أنفي.‏

شروق: والشيخ ساكت، هل رأيته في الحلم.‏

غروب: رأيته، وكنت أحس بأنه يختزن أحزان العالم وآلامه. (ينهضان من السرير).‏

شروق: (يشير بيده إلى جانب المسرح) كان هناك فتاة وفتى يرقصان على الموسيقى.‏

غروب: ليتنا نستطيع الرقص يا شروق. (تحاول الرقص) أوه لا أستطيع.. يجب أن ننفصل.‏

شروق: يجب ألا نفكر في الرقص. أخشى إن انفصلنا أن نفترق إلى الأبد. (يسيران نحو مقدمة المسرح) أرأيت أيضاً ذلك المحقق الداهية وسكرتيرته؟‏

غروب: أليسا.. إنها جميلة فعلاً.. هل أعجَبتك؟‏

شروق: ليست أجمل منك (بحزن) ليتني أستطيع أن أرى وجهك.‏

غروب: لا تحزن، ألا يكفي أن نحلم معاً يا شروق.‏

شروق: نعم، كان حلماً مشتركاً. أحلام التوأم تكون مشتركة.‏

غروب: ليس دائماً تكون مشتركة.‏

شروق: وأبوانا.. ألم تريهما أيضاً؟‏

غروب: أبونا مات قبل أن نولد، وأمنا ماتت أثناء الولادة. الولادة بتوأم ملتصق مميتة. كم هو عظيم هذا الذي تبنانا بعد الولادة، وتلك المرأة زوجته كم هي رائعة.‏

شروق: أنا لم أقصد هذا ولا ذاك.. أوه.. (متذكراً) كانا حزينين ومعلقين في الفضاء (يتحسس وجهها بكفه) كأنك هي.. أمنا حواء.‏

غروب: (تلمس يده بحب ثم تتحسس وجهه) وأنت أيضاً، كأنك هو، تشبهه تماماً أبانا آدم، نفس التقاطيع.‏

شروق: ولدت حواء من ضلع آدم، وولد الغرب من ضلع الشرق.. البشرية توأم يجب ألا ينفصل.‏

غروب: (تنظر في ساعتها) أوه.. شروق.. يجب أن نكون في المستشفى الآن، هذا موعد إجراء العملية، سنصبح كائنين منفصلين، ونستطيع الرقص معاً وكلاً على حدة.‏

شروق: لا.. يا غروب، العملية خطيرة، وسننتهي إلى الموت معاً إن انفصلنا، ثمة شرايين وأعصاب مشتركة لا يمكن فصلها، ألم تنظري إلى الصور الشعاعية؟‏

غروب: لابد أن نغامر.‏

شروق: لن نغامر بحياتنا. أوه ما أروع أن ننام معاً وأستيقظ كل يوم على عطر أنفاسك.‏

غروب: لست بأكثر حباً لهذا مني، ولكن الأطباء أعطوا للعملية نسبة نجاح، قد تكون ضئيلة جداً، ولكنها نسبة نعقد عليها الأمل.‏

شروق: الأطباء لا يرون الروح. لنا يا غروب روح واحدة لا يمكن أن تنفصل. إذا انفصلت هلكنا، وسنفقد أحلامنا المشتركة. (يخطوان في واجهة الجمهور).‏

غروب: ماذا نفعل إذن؟‏

شروق: ما المسافة الفاصلة بين الحلم والحقيقة؟ لماذا لا يكون الحلم المشترك الذي رأيناه حقيقة؟ لماذا لا يكون المقهى حقيقة ونعمل معاً على تنظيفه وإعماره بحياة سعيدة جديدة؟‏

غروب: أنت أخي وحبيبي، ويلذ لي أن أحاورك، ولكن كيف يصير الحلم حقيقة، والحقيقة حلماً؟‏

شروق: لقد حلمنا ونحن نيام، فلماذا لا نحلم ونحن أيقاظ؟ دعينا نلق نظرة على المقهى. ولنسمه مقهى السعادة.‏

غروب: وهل أستطيع أن أرقص فيه؟‏

شروق: عندما تجيء السعاة يجيء معها الرقص. سنرقص ونحن متصلان، وسنرقص ونحن منفصلان، فالسعادة ليست اتصالاً ولا انفصالاً.‏

(يديران ظهريهما إلى الجمهور، ترتفع ببطء الأنوار في خشبة المسرح، نرى في أوضاع تثبيت متعددة شخصيات مختارة من المسرحية هي:‏

/النادل. يوسف التمثال. الشيخ ساكت. زبيدة. الطفلة. مختار. أبو قصي. الشيخ عبد الرزاق. الأم. نور الدين، المندوبة/ يبدأ شروق وغروب الرقص التعبيري مع موسيقى ناعمة وهما متصلان، ثم ينفصلان ويتابعان الرقص وهما متشابكا الأيدي ويمران بين شخوص المسرحية وتغدو الرقصة أكثر مرحاً وسرعة ورشاقة، وهما يطلقان بعض الأصوات الإيقاعية اللطيفة في سعادة غامرة).‏

ـ ستار النهاية ـ‏

1/2/2005‏

(1) الموال للشاعر الشعبي أبو عبيد المشهداني الحلبي.‏

(2) التروبادور: شعراء مغنون جوّالون كانوا ينتقلون في جبال البروفانس بين فرنسا وإسبانيا.‏

(3) السومريون سكنوا في جنوب العراق. ومارتو هم العموريون وبلادهم سورية الشمالية وكانت حلب وماري وإيبلا من أهم عواصمهم، تغلغلوا في بلاد سومر وآكاد وأنشئوا الدولة البابلية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244