|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 01:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
يسمع صوت تقاسيم على العود،
ثم دخول في معزوفة الروزنا، ثم تسمع دقة المسرح الأولى. ترفع ستارة المسرح الأولى
وتكشف عن ستارة زهرية أو بيضاء من الغربول الشفاف، وخلفها تحت مسقط ضوء تجلس
فتاتان، في ثياب وتسريحة شعر وحركة تكوين متماثلة تماماً، وهما مستندان ظهراً لظهر
في وضع جانبي وتغنيان معاً، وخلفهما وعلى بعد قريب منهما في شبه الظل يجلس أحد
الممثلين وظهره للجمهور، وهو يحتضن العود ويعزف:
تسمع دقة المسرح الثانية،
والفتاتان مستمرتان في الغناء.
تبدأ ستارة المسرح الشفافة
بالانزياح والفتاتان مستمرتان في الغناء
يستكمل رفع الستارة الشفافة،
تنظران معاً إلى الصالة، تفاجأان وتندهشان بوجود جمهور، تصلحان من ثوبيهما المرتفعين
قليلاً فوق الركبة، ثم تندفعان في اتجاهين متعاكسين، ويتبعهما الممثل، ويغيب
الجميع في ظلمة المسرح. إضاءة عامة على المكان وهو
خشبة مسرح تجري عليها الفرقة تدريباتها عروضها. يندفع الممثلون جميعاً في ترتيب
الأشياء المبعثرة هنا وهناك وقد فوجئوا بفتح الستارة. يعلق بعضهم أقنعة مرمية
وعرائس وثياباً وأشياء أخرى في أمكنتها. أبو علي الملقن يرفع الغطاء عن بعض
المقاعد وينفض الغبار. وردة تعدل من وضع تمثال أبولون المنكب على الأرض على وجهه.
تندفع نورا وتنزع من على حبلٍ معلق في طرف المسرح بعض قطع ثيابها التي أصابها البلل
بفعل المطر، وتتأكد من أنها قد جفَّت، وتتناول حذاءها، ثم تلتفت إلى الجمهور. نورا:
لا تؤاخذونا، لا علاقة لي بالأمر، كان الشباب في استراحة وفجأة رفع الستار، والله
أنا خجلانة. سلمان:
ما هذا.. ألا تستحين؟ نورا:
وماذا فعلت؟ داهمني المطر فتبللت ثيابي وجففتها. سلمان:
ملعون من وظفك في المسرح. وردة:
هذه ليست موظفة بعد في المسرح. نورا صديقتي أحضرتها معي. سلمان:
هيا، لمّي أغراضك واخرجي بسرعة لا تنقصنا فضائح هذه الليلة. (صائحاً بعصبية على
غرفة المراقبة) هيه.. أنت.. يا سعيد لماذا رفعت الستارة، موعد العرض بعد أسبوع
وليس الليلة.. ألا تفهم؟ نورا:
لا تعصِّب، ستنفجر عروق رقبتك، ويهرب الجمهور (يهددها فتكف عن لبس حذائها وتحمله
بيدها وتخرج) أبو
علي: سعيد لا ذنب لـه (مشيراً إلى بكري الذي يحمل
القائم الخشبي الذي يدق فيه على أرضية المسرح) سمع الدق فرفع الستار. سلمان:
إذن، أنت السبب، لماذا فعلت ذلك؟ بكري:
(ضاحكاً) كان هناك مسمار في أرضية الخشبة فدققته، ألم تسمع صباح وهي تغني: (يغني
بدعابة ومرح) دق الباب افتحللو، أهلا وسهلا قلتللو، صار يغمزني.. ها ها.. ها
(مشيراً إلى المخرج) هو الذي غمزني. وردة: (وهي تختار
مكاناً لأبولون) لو كان أبولون يعلم أن مثل هذه الفوضى ستكون في المسرح لاستقال من
وظيفته رباً للفنون. (أحمد مخرج الفرقة في ركن
المسرح خارج الستارة يجلس على مقعد صغير وأمامه طاولة بسيطة عليها بعض الكتب
والأوراق، وبجانبه كتبية صغيرة، يرى طوال المشهد وهو يراقب العمل ويبتسم راضياً) سلمان:
(لبكري) معقول! أحمد سيف المخرج المعروف يوقعنا في هذه الورطة. لا.. هذا من فعلك
وغبائك، تفضل سيد بكري، يا حضرة الممثل العظيم، هاهو الجمهور أمامك، دفع ثمن بطاقة
ويريد أن يرى مسرحية. هيا ومثّل وحدك، اقفز، اصرخ، غنّ.. أنا لن أشترك في هذه
المهزلة، سآخذ زوجتي وأذهب.. هيا يا وردة. وردة:
لحظة حبيبي (تفتح محفظتها) أوه أين وضعت الروج؟ (تتناوله وتتزين) سلمان لماذا أنت
زعلان..؟ شاشة وانفتح، ما عاد في اليد حيلة. أبو
علي: صحيح شاشة وانفتحت لماذا لا نمثل؟ مضت عشرون
سنة وأنا أعمل مستخدماً ثم ملقناً في هذا المسرح ولم يحدث معي مثل ما حدث هذه
الليلة. سلمان:
ولهذا لم يعد لي صبر على هذه الفوضى. هيا يا وردة (لبكري) وأنت لي حساب معك. بكري:
يا صديقي حسابك مع المخرج. اعقل قليلاً، هل تعتقد أنني أنا الذي دعوت الجمهور
أيضاً. سلمان:
آ.. صحيح.. يا لي من غبي.. (يخطو نحو أحمد). وردة:
(لبكري) لو كنت أخرت فتح الستارة قليلاً، كان عندي كلام خاص أريد أن أقوله للمخرج.
(بكري يشير أنه مأمور). سلمان:
(بعصبية) ماذا.. هل قلت: كلام خاص. وردة:
(تأخذه جانباً مهدئة غضبه) لا يا حبيبي، ليس كلاماً خاصاً، إنه بخصوص الشغل، أرجوك
لا تغضب (بدلال) قل لي، حلو الظل على عيوني؟ بكري: (يغني مداعباً
ومناكداً)
سلمان:
اخرس أنت (يتجه نحو أحمد باحترام) أستاذ أحمد أنا لا أشك في إبداعك وقدراتك، ولكن
ما حدث أمر غريب، نحن في ورطة، هل حقاً أنت الذي دبرت كل ذلك؟ أحمد:
هذا صحيح. سلمان:
وأنت دعوت الجمهور للحضور من غير أن نعلم؟ أحمد:
نعم، أنظر ألا يعجبك هذا الجمهور؟ سلمان:
نحن في ورطة حقيقية. بكري:
مخرجنا لا يتورط أبداً، إنه دقيق في حساباته وتفكيره، لاشك أن المسرحية جاهزة
لديه، هات وزع الأدوار علينا. أحمد:
أية أدوار؟ ليس لدي مسرحية جاهزة حتى يكون لكم أدوار؟ بكري:
وهل ترانا أغبياء، نحن نعرف تجريبك وإبداعك في المسرح، منذ شهر وأنت تفكر، لا يمكن
أن تفتح الستارة عبثاً. هات وزع الأدوار بسرعة. وردة:
(قلقة) أرجوك انتظر، لي طلب خاص بشأن الدور. أحمد:
لا.. لن أنتظر يا وردة. تفضلوا استلموا أدواركم (يوزع أوراقاً بيضاء) الجميع:
(بدهشة) ها.. أوراق بيضاء أبو
علي: رائع، هذا سيعفيني من مهمة التلقين. (يخرج) سلمان:
سمعت عن التجريب في المسرح، أما مثل هذا فلم أسمع.. نحن في مشكلة. أحمد:
ليس هنالك من مشكلة، أتعلمون ما فعل طارق بن زياد حين دخل الأندلس؟ بكري:
(ساخراً) هل سنمثل مسرحية عن فتح الأندلس والعواصم العربية اليوم تسقط الواحدة تلو
الأخرى!؟ أحمد:
(متجاهلاً التعليق) أحرق طارق سفنه وقال لجيشه: البحر من ورائكم والعدو أمامكم. سلمان: (يحك رأسه) ماذا تقصد؟ أحمد:
أنتم الآن في الموقف نفسه، الجمهور أمامكم، والستارة مفتوحة، وليس لكم إلا موهبتكم
وإبداعكم لتقدموا شيئاً للجمهور. سلمان:
تعني مسرح الحدث التلقائي.. تقليداً للأمريكان.. وأنت الذي تدعو إلى الأصالة!؟ أحمد:
بل هو شيء من ليالي السامر العربية، نحن جميعاً سنفكر، نكتب القصة ونخلق الأحداث
ونبني المسرحية لبنة لبنة بشكل تلقائي ونحن نمثل. (للجمهور) ويمكن لكم أيضاً أن
تشتركوا معنا في الحوار وصنع الأحداث. طيب:
(من بين الجمهور) إذا كان ذلك مسموحاً فلي كلمة مع سلمان، هل تسمح؟ أحمد:
بالتأكيد.. تفضل. (وردة تقترب من سلمان ويتهامسان) طيب:
(يصعد إلى الخشبة) أنا ابن عمك يا سلمان، هل نسيتني؟ سلمان:
كيف أنساك أو أنسى نصائحك، هذا حرام، وهذا حلال، حتى جعلتني أطفش من القرية. لماذا
لحقتني إلى هنا؟ طيب:
جئت أبحث عن عمل في المدينة. الأرض ما عادت منتجة، ونحن بين مطرقة التجار وسندان
الاستيراد فلّسنا. (مشيراً إلى وردة) هذه زوجتك؟ أحمد:
نعم طيب:
وابنة عمك في القرية، لماذا تركتها تنتظرك حتى الآن. سلمان:
تزوَّجها أنت.. أف.. ما زلت تتدخل في خصوصياتي. أحمد:
(جانباً) هذا ما يلزمني في الدراما، الصراع يجب أن يبدأ بين الممثلين أنفسهم
(لسلمان) يا سلمان، بما أنه ابن عمك، ويبحث عن عمل، وإكراماً لك، سيعمل معنا من
الآن. سلمان:
ألا تكرمني بغير هذا؟ طيب:
عيب عليك يا سلمان، أنا ابن عمك، من لحمك ودمك. ولدي مواهب فنية مثل ما لديك، ألم
نكن نشترك معاً في المسرحيات المدرسية؟ بكري:
هل نقضي السهرة مع سلمان وابن عمه، الناس في الصالة ينتظرون. سيدي المخرج قل لنا
ماذا نفعل؟ أحمد:
حسن.. اتركوني وحدي، دعوني أفكر. سلمان:
كلمة أستاذ أحمد. أحمد: تفضل، لكن بسرعة. (يحادثه بهمس، وطيب وراءه.
وردة تأخذ بيد بكري وينتحيان جانباً) وردة:
بكري يا صديقي، أريد أن أقول شيئاً للمخرج ولكنني خجلة. بكري:
(مبتسماً) أعرف ما تريدين (بفتح كفها) أقرأ ذلك في كفك، بل أستطيع أن أحكي كل ما
في قلبك. وردة:
يا شيطان، وتقرأ الكف أيضاً. احكِ.. ماذا ترى؟ مغامرات عاطفية، طريق سفر، معطف
فرو.. مارسيدس (سلمان ينظر إليهما في قلق). بكري:
أمامك طريق مظلم، وهناك رجل في حياتك قروي، جلف، عصبي، ينغص عليك حياتك. وردة:
(تسحب بيدها) أف.. سخيف. لا تنس أنه شاعر أيضاً ويحبني. بكري:
(يتناول يدها ثانية) اسمعي (يستغل انشغال سلمان بالحديث) السما صافية.. كوني حذرة،
هناك ديك فوقك يحاول أن ينقرك. أسفي على هاتين اليدين الناعمتين. وردة:
أنت جبان، لو كنت خطبتني قبله. بكري: نصيب.. كان
يلاحقك بقصائده السخيفة أما أنا فظللت أفكر وأفكر حتى وقع الفأس في الرأس.. بعد
فوات الأوان تعلمت أنه في الحب يجب أن يكف المرء عن التفكير. (طيب ينبه سلمان إلى ما يجري) سلمان:
(لبكري) أبعد يدك عن زوجتي. بكري:
اهدأ يا رجل، نحن في مسرح، وشغلنا التمثيل. سلمان:
تمثل عليّ؟ أخي أنا ريفي وعقلي صعب. طيب:
لو كنت تزوجت بنت عمك أما كان أفضل؟ انظر ما تفعل بنت المدينة. سلمان:
أنت، اخرس. أحمد:
يا بكري، سلمان عريس جديد، غيور وشكاك. خفف قليلاً. بكري:
(يضحك) الغيرة قلة عقل، والشك قلة حب. وسلمان يجمع الأمرين. سلمان:
(يجذب بكري من يده) وهل تنقصني حِكَم؟ ابتعد عن زوجتي. وردة:
(بحزم) سلمان، اترك بكري، لقد جعلتنا سخرية، يا جماعة ممنوع على
أحد أن يلمسني.. مفهوم؟ (يتباعدون قليلاً) أحمد:
(يخبط على الطاولة) كفى .. كفى.. مسرح
وعصبية وخلافات شخصية لا تنفع.. هيا إلى غرفكم. سلمان:
(مهدئاً نفسه) لحظة يا سيدي، كما ترى، أنا
انفعالي، وهذا ليس بيدي، أرجو أن يكون دوري هادئاً. أحمد:
(مبتسماً) وكيف تريد دورك؟ سلمان:
بدون عواطف ولا انفعالات.. أريد أن أكون
مواطناً طيباً، يمشي الحيط الحيط ويقول يا رب السترة، يزرع سبانخ وسلق، وفي حديقته
زهور وكناري، يكتب الشعر وينجب أطفالاً، بصراحة لا أريد مشاكل ولا انفعالات. أحمد:
ولكنك إنسان عاطفي وتصلح لهذه الأدوار.
في السنة الماضية أعطيتك دور قيس ونجحت. سلمان:
دور قيس مرَّضني، يلعن الحب، الحب مذلة
وجنون، طوال المسرحية وأنا سايح في البراري أطوف حول خيمة ليلى و أنادي (يمثل دور
قيس) ليلى.. ليلى. وما إن خرجت ليلى من الخيمة وقالت: وردة:
(تمثل دور ليلى وهي تتغنج فرحة) قيس
ابن عمي عندنا، يا مرحباً. يا ميت هلا. سليمان:
وفجأة خرج أبوها من الخيمة وصاح: بكري:
(في دور والدها، يجرها من شعرها
ويدفعها إلى الخلف) ادخلي يا فاسقة(يتفحص في الظلام) من الهاتف الداعي.. أقيس
أرى.. ماذا وقوفك والفتيان قد ساروا؟ سليمان:
جئت أطلب ناراً. بكري:
يا فاسق، أجئت تطلب ناراً أم جئت تشعل
البيت نارا؟ سلمان:
(للمخرج) والله يا سيدي، لولا ليلى وحبي لها
لملأت فم والدها دماً. طيب:
بصراحة، أبوها معه حق، الشرف
غال. أحمد:
لا بأس، سأفكر في الأمر.. هيا.
(ينصرف) وردة:
(للمخرج) اسمح لي أستاذ. كلمتين على
انفراد. طيب:
(ساخراً) على انفراد..! سلمان:
(يعترضها ويمسك يدها بقوة) على انفراد!.. ما
هاتان الكلمتان، أنا رجل ولم أحدثه على انفراد. وردة:
آي.. سلمان.. أوجعتني. سلمان:
(يترك يدها ويتمالك نفسه) أنا آسف حبيبتي،
تعلمين أني أغار، ليتها يدي ولا يدك (يقبل لها يدها) بكري:
(ساخراً) يا عيني على هذا الحب، مثل
محبة الضبع لإبنو، إجا ليبوسو عضلو إدنو! أحمد:
كفى، قلت كفى، غير معقول: صياح وغيرة
وغضب وجو مكهرب. اخرجوا جميعاً (يخرجون) بكري:
(يمد رأسه من بين الكواليس) أستاذ..
كان الله في عونك مع هذا المتخلف. أحمد:
قص لسناك وادخل غرفتك. بكري:
حاضر.. لكن ، يا خسارة، وردة وتزوجت
شوكة. (يختفي) أحمد:
أف.. هدأ الجو. (يتناول العود ويعزف
لحن أغنية طلعت يا محلا نورها، أو أية أغنية شائعة أخرى، تدخل وردة متلصصة، تقف
وراءه وتغني بصوت خفيض) وردة:
(يتوقف، وينظر إليها) أحمد:
نعم.. ماذا تريدين؟ وردة:
(متجاهلة) عزف رائع أحمد:
هل جئت لتقولي ذلك؟ أنا أعرفك..
قولي.. ماذا تريدين وبدون لف ولا دوران؟ وردة:
أنا.. أنا خجلة. أحمد:
الخجول لا يصلح أن يكون ممثلاً. وردة:
حسن.. هل يجتمع الوهم والحقيقة؟ أحمد:
لا وردة:
وفي التمثيل؟ أحمد:
يجتمعان، الممثل يعيش الخيال وكأنه حقيقة. وردة:
أنا وفية لزوجي.. ولكن.. أحمد:
ولكن ماذا؟ وردة:
أريد أن أعيش حياة أخرى أكثر حرية..
في التمثيل طبعاً. أحمد:
لماذا تزوجته؟ وردة:
كنت أظن أنه سيكون شاعراً مشهوراً
أرافقه في الندوات والمهرجانات وأعيش معه حياة فاخرة، حبي لـه كان مصحوباً بهذا
الحلم. مع هذا فأنا لا أكرهه. أحمد:
ها.. فهمت، تردين أن تحققي في التمثيل
أحلامك المحبطة. وردة: بل أريد أن أعيش في وهم
التمثيل الحقيقة التي أريد.. أريد دوراً في المسرحية أعيش فيه حياة حرة عريضة.
سيارات، ثياب فاخرة، رحلات، حفلات كوكتيل، غراميات مع كبار الشخصيات، مليونيرية
يكتبون لي الشيكات، تجار يكتبون باسمي عمارات، صحفيون ينشرون صورتي على غلاف
المجلات وتحتها بالخط العريض: حوار مع فاتنة الرجال وفنانة الأجيال.. هذا يمنحني
التوازن في داخلي بين الحلم وبين الحفاظ على حياتي الزوجية. (طيب من وراء الكواليس يتنصت،
ثم يجذب سلمان ليسمع ثم يختفيان) أحمد:
وردة.. القضية ليست مجرد تمثيل، أنت
تريدين ذلك حقيقة. وردة:
أحمد لا تسئ الظن بي، أنا مخلصة
لزوجي، لكن في داخلي نيراناً تشتعل. أحمد: مسكينة يا وردة، أنت
بنت هذا العصر، عصر الفضائيات والفيديو كليبات، عصر ملعون قائم على الوهم والزيف. (يندفع سلمان غاضباً لكنه
يضبط أعصابه) سلمان:
لا شيء.. لا شيء.. خذا حريتكما، نسيت
شيئاً.. (يبحث بعصبية هنا وهناك فيصطدم بالأغراض، من الواضح أنه لم ينس شيئاً،
يلتقط الورقة البيضاء التي كان المخرج قد وزعها علي) نسيت الورقة التي فيها دوري (قبل أن يخرج يمزقها ويرميها
باتجاههما) وردة:
(تكاد تبكي) أرأيت كيف دخل؟ أحمد:
خايفة؟ وردة:
لا .. ولكنني أيضاً أشفق عليه. أحمد: اطمئني، سلمان يثور
بسرعة ويهدأ بكلمة لطيفة، غيور لكنه طيب ويحبك.. لا.. لا تبك (ينظر في ساعته) أوه،
مر الوقت بسرعة، هيا يا وردة، ولا أريد من أحد أن يدخل عليّ. (تنصرف، يخاطب
الجمهور) سيداتي سادتي، أرجو المعذرة. (جانباً) والآن صفا الجو وجاء وقت العمل
(يتناول بعض الكتب من الكتبية الصغيرة بجانبه ويتصفحها ويكدسها على الطاولة) الملك لير لشكسبير. شهر في
القرية لتورجينيف. سلطان الظلام لجول رومان. فاوست لجوته. لا.. هذه موضوعات
وشخصيات غريبة علينا، لا بد أن نقدم شيئاً من تاريخنا وواقعنا.. (للجمهور) لو
سألتكم من يعرف فاوست.. ربما لا أحد. (يتناول كتاباً آخر ويفتحه) كتاب الأغاني
لأبي الفرج الأصفهاني، هذا ليس كتاباً مسرحياً (يتركه على الطاولة مفتوحاً) أبو علي:
(يندفع داخلاً، قميصه ممزق) الحقني يا سيدي. أنزل
الستارة أرجوك. أحمد:
ماذا حدث؟ لا زلنا في الفصل الأول. أبو علي:
الناس. عندما علموا أنك تبحث عن موضوع لمسرحيتك
هجموا عليّ ولحقوني إلى المسرح وهم يصرخون في وجهي. (يندفع إلى الصالة بعض
الأشخاص فيثيرون ضجة واضطراباً) شخص1: (من
الصالة) قدموا لنا شيئاً عن أحوالنا ومعاناتنا، عن لصوص النهار الذين يبيعوننا
مثاليات ووطنيات. شخص2: (من
الصالة) الرشاوي بلاوي، والوظائف بالفلوس والمحسوبية، والبطالة عمت البلد.
والأسعار مثل النار. شخص3: اكتبوا
لنا عن الحرية والديمقراطية، عن السجون والمعتقلات والعسكر القديم. والوطاويط
الجدد الذين مصوا دم الشعب ووضعوا الوطن في كروشهم. شخص 4: قدموا
لنا مسرحية عن بغداد وأفغانستان والشيشان والحروب الصليبية الجديدة، والكراسي
الملعونة التي فتحت البلاد للأمريكان والصهاينة. فتاة:
أين مسرحكم من الواقع،
اكتبوا لنا شيئاً مشرفاً عن المقاومة والأطفال الذين يقتلون، والبيوت التي تهدَّم
ويشرد أصحابها، وقمم الحكي والزعبرة والخذلان. أبو علي:
سامع سيدي؟ الشعب يأخذ دوري كملقن، نحن في ورطة حقيقية. أحمد:
بالعكس، لسنا في ورطة، هذا ما أريده،
مشاركة تلقائية وسامر عربي (للجمهور) حسن، أيها الناس، يا أعزائي أنتم تشاركون
الآن فعلاً في هذه المسرحية، هذا جزء من المسرحية، اجلسوا واهدؤوا، وإذا لم
تتمتعوا بالعرض تستطيعون أن تتدخلوا لبث همومكم وصنع الأحداث لكن المسرح في
النهاية ليس سياسة فقط،أو شكاوى وصياحاً (تهدأ الصالة) بكري:
(يدخل) عفواً، لقد سمعت الحديث وما
دار في الصالة، أخشى أن يصعد الغوغاء إلى المنصة فيصيحون ويزمجرون ويرتجلون فتصير
المسرحية هيصة. أحمد:
أولاً هؤلاء ليسوا غوغاء، ثانياً أنت
تشك في دوري، أنا مايستور العرض، ولن أسمح بأن ينحدر مستوى العرض إلى الشارع
والتجاري الهابط، المسرح لعب وخيال وفن، أحدهم يأتي إلى المسرح ويشتري بطاقة ليرحل
إلى عالم ثان، مزيج من الواقع والخيال، يتخفف قليلاً من حياته اليومية، ونحن لا بد
أن نقدم لـه مع الفكر شيئاً من التسلية والفرح.. هل فهمت؟ بكري:
آ... فهمت، المسرح إذن مخدر للجماهير.
أبو علي:
(لبكري) والله لا فهمت ولن تفهم، هيا ولنترك المخرج وحده
يفكر ويعمل، أنا متأكد أن لديه ما يقوله. (يخرجان) أحمد: أوف.. ما أحلى الهدوء..
(يسمع صوت زخ المطر) إنها تمطر، أحب السير تحت المطر، ورائحة الأرض بعد المطر،
لعله من الأفضل أن أنزل الستارة وأتمشى قليلاً في الحديقة وأفكر. أفضل مسرحياتي
كتبتها تحت المطر (يرتدي المعطف ويتناول مظلة ويفتحها، يخاطب الجمهور) اطمئنوا إذا
بقيت المسرحية ناقصة ولم نستطع تقديم الفصل الثاني سأعيد لكم نصف ثمن البطاقة،
(مشيراً إلى الممثلين وراء الكواليس) ماذا أفعل؟ هؤلاء بهرجهم وصراعاتهم لن يتيحوا
لي وقتاً للتفكير (يتجه للخروج) أنزل الستارة يا سعيد. (تدخل نورا بلباس ضيق يظهر
مفاتنها، وحذاء في كعب عال يحدث طقطقة على أرضية المسرح، أحمد ينصت ثم يلتفت) (ساخراً) أهلاً وسهلاً، وزاد
في الطنبور نغماً، من أنت وكيف دخلت؟ نورا:
أنا نورا الغندورة، رأيت الباب الخلفي المؤدي إلى الكواليس مفتوحاً فدخلت. لماذا
تنظر إلي هكذا، ألا تعرفني؟ أنا صديقة وردة. أحمد
ولكن هذا لا يسمح لك بالدخول من
هذا الباب، ادخلي من باب الصالة، هذا باب مسرح وليس باب خان. نورا:
أعرف، ولهذا دخلت من هذا الباب،
أريد أن تعطيني دوراً في مسرحيتك، لماذا تنظر إلي باستخفاف، أنا عندي إمكانيات
بارزة (تقف وقفات تصوير). أحمد:
واضح.. واضح جداً. نورا:
وأنا أرقص وأغني أيضاً، أنا خوجة في الأعراس. أحمد:
(يغلق المظلة) لكن المسرحية ليس فيها
رقص ولا غناء. نورا:
معقول!؟ كل الأفلام العربية
تبدأ بالحب وتنتهي بالعرس ورقصة شرقية. أحمد:
ولكننا نقدم مسرحية وليس فيلماً. نورا: سيان، ستكون
مسرحيتك شعبية وجمهورك أكبر حين أكون فيها، اسأل الناس (جمهور) هل تحبون أن أقدم
لكم فقرة خفيفة.. حاضر. (ترقص وتغني)
أحمد:
كفى.. كفى.. يا نورا.. لا شك لديك
إمكانيات، ولكن لا يلزمني عناصر نسائية. نورا:
لكن أنتم كتبتم في الإعلان:
يلزمنا عناصر نسائية مع إمكانية توظيفهن. أحمد:
(مبتسماً) داهية.. حسن من الممكن أن
أعطيك حالياً دوراً ثانوياً. نورا:
موافقة.. لقد زهقت أعراس النسا،
إنهن لا يتذوقن الغناء. أحمد:
والآن.. مع السلامة (تتجه للخروج)
نورا.. (تلتفت) لا تأت بهذا الموديل، سينسى الممثلون أدوارهم عندما يرونك هكذا. نورا:
(بدلع وهي تضحك) إلى اللقاء. أحمد: (للجمهور) آسف.. أنا
جداً آسف، أنتم ترون ما يحصل معي، سيداتي سادتي طابت ليلتكم (يشير بيده إلى غرفة
المراقبة لإنزال الستارة) إلى اللقاء في الفصل الثاني. (تخبو أنوار المسرح إلا من بقعتي
ضوء إحداها على المخرج والثانية في عمق المسرح على ديك الجن الحمصي يتجسد في
شخصيتين متماثلتين "1و2" يقف الثاني خلف الأول فلا يبرز إلا رأسه. الأول
أشقر، أزرق العينين، يصبغ حاجبيه بالزنجار، وذقنه بالحناء فيبدو مثل الديك بعرفه
الأحمر، متمنطق بالسيف يرتدي ثوباً أحمر. والثاني مثله إلا أن لونه حنطي ويرتدي
ثوباً أبيض. ويمكن استخدام قناعين بالمكياج على الطريقة الصينية، الأول قاس شرس
بألوانه وملامحه، والثاني هادئ وناعم). ديك الجن (الصوت الأول)
(مخاطباً المخرج) إلى أين
تذهب أيها الألعبان؟ ديك الجن (الصوت الثاني)
ألعبان. أحمد:
أعوذ بالله، ألن تنقضي هذه الليلة على
خير، من أين طلعت علي؟ ديك الجن1: من
التاريخ، من بنات أفكارك، قفزت من كتاب مفتوح على الذاكرة. ديك الجن2: من أساطير
الأولين. أحمد:
من أنت؟ وماذا تريد؟ ديك الجن1: أنا الشاعر
المعروف بديك الجن الحمصي، وقلبي مفعم بالانتقام. ديك الجن2: اسمي عبد
السلام بن رغبان. وقلبي مفعم بالحب والسلام. ديك الجن1: عليك أن
تقدمني هذه الليلة.. (مهدداً بالسيف) وإلاّ.. أحمد:
مهلاً يا رجل. (للجمهور) ماذا أفعل،
هذا الشبح جاءني يسحب وراءه ظلّه.. ما العمل؟ ديك الجن2: لست ظلاً..
أنا الحقيقة. ديك الجن1: بل أنا
الحقيقة. أحمد:
كيف تريدني أن أقدمك وأنا لا أعرف
قصتك؟ أريد الحقيقة. ديك الجن1: قصتي لو
كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر أيها الألعبان. أحمد:
أرجوك.. أنا لست بألعبان، أنا فنان واسمي أحمد. ديك الجن1: هذه
الأسماء لا نعرفها في زماننا، إنما نعرف الألعبان. اعلم يا أحمد أنني من شعراء
الدولة العباسية، عشت في حمص. ديك الجن2: أنا سلموني
من مدينة السلمية كنت أتردد على حمص. ديك الجن1: لم
أمدح ملكاً ولا وزيراً، أحببت جارية رومية اسمها ورد، ورغبت بي فأسلمت وتزوجتها،
وكان عندي غلام أحبه اسمه بكر، وكانت فلسفتي في الحياة: الخضرة والماء والوجه
الحسن، مع قليل أو كثير من الخمرة والمجون، الحياة فانية والصراط خطر ضيق ولا نعلم
أين نكون، وكان ابن عمي أبو الطيب يتظاهر بالتقوى والورع ويعظني وينهاني ويلح.
وذات يوم أنفقت جميع ما معي وضاقت بي الحال فسافرت إلى السلمية قاصداً أحمد بن علي
الهاشمي وأطلت البقاء عنده، فأخبرني ابن عمي أن ورداً تخونني مع بكر، فعدت مسرعاً
(يتقدم خطوات) وعندما سمعت بكراً يناديها في حاجة من وراء الباب، فار الدم في رأسي
وقتلتها (يصرخ ويغرز سيفه في الأرض) ثم فتحت الباب (يمثل فتح الباب) وألحقت بها
بكراً (صمت) ثم تبين لي أنها مؤامرة، وأن زوجتي وحبيبتي كانت بريئة (صمت، يعود إلى
مكانه) أحرقتها وصنعت من رمادها كأساً رحت أشرب بها الخمرة وأبكيها (ينشد في تأثر
بالغ)
أحمد:
إذن قتلتها.. هكذا وبدم بارد.. بدعوى
الشرف، تماماً مثل الأمريكان اليوم، بدعوى الديمقراطية يقتلون بدم بارد. ديك الجن2: أنا لم
أقتل أحداً، هذه مجرد أسطورة عربية قديمة ركبت عليُّ. صنع منها عمر الخيام كوزه
وراح يحتسي به الخمرة، وكتب شكسبير بعد ثمانمائة سنة عطيله المغربي. أحمد:
والشعر في هذه القصة؟ ديك الجن2: لا علاقة
لي به، إنه خيال شاعر يبحث عن الخلود. أحمد:
وورد ألم تكن حقيقة؟ ديك الجن2
لكل شاعر معشوقة، وورد كانت معشوقتي، ما تؤمن به وإن كان متخيلاً هو الحقيقة.
عالمكم هو الوهم لأنه عالم المحسوسات الكتيم، أما عالم المعقولات فهو الحقيقة، إنه
عالم شفاف، وليس في عالم المعقولات أضداد ولا حروب ولا دماء ولا كراهية، لا شيء
سوى السعادة والحب. ورد حبيبتي وحقيقتي، كيف أقتلها وهي قمري الذي لا يغيب وأنا
القائل فيها:
ديك الجن1: أقول لك
الحق أيها الألعبان، ما أذكره أنها كانت وشاية كاذبة ومؤامرة، ولكن عندما كنت في
جهنم بحثت عن ورد فلم أجدها، ذهبت إلى دائرة النفوس وكان عليّ أن أدفع رشوة كبيرة
إلى الموظف لأعلم أمرها، وضع نظارته على عينيه وبحث في سجل ضخم بين يديه وقال: الموظف:
(يظهر وجهه من فتحة مزججة في الجدار) ورد.. ورد.. ها..
هاهو اسمها. آسف يا سيدي.. مسكينة.. إنها في الجنة مع الشهداء. لا شك أنها تعيش
حياة مملة بلا نهاية. آسف لا أستطيع أن أساعدك أكثر من ذلك. ديك الجن1: خرجت من
عنده إلى حانة قذرة في جهنم أشرب الخمرة في جمجمة ملك طاغية قديم وأبكي محبوبتي.
وفجأة دخل إلى الحانة رجل ثرثار اسمه أبو الفرج الإصفهاني، ومعه كتاب الأغاني،
فتحه وقال: الأصفهاني:
لقد سجلت أخبارك في هذا الكتاب يا ديك الجن، يجب أن تشكرني،
وسأكشف لك عن شيء. أنت لم تقتل ورداً لأنها خانتك فقد كنت تعلم أنها بريئة، ولكنك
قتلتها غيرة وخوفاً من أن تتزوج غيرك بعد موتك ودليلي على ذلك قولك فيها:
أحمد:
كتاب الأغاني عندي. أين هو (يبحث) آه.. تركته على الطاولة. الجزء الرابع عشر.
أخبار ديك الجن الحمصي.. كيف فاتني ذلك؟ مأساة إنسانية رائعة. ديك الجن2: أساطير
الغواسق، يروى عن السليك بن مُجمَع أنه قتل محبوبته قبل موته، إنها مجرد أسطورة
قديمة نحلني إياها الرواة ليشوهوا سمعتي. الحقيقة أن الجمال في عالم الكمال مبذول
للجميع. كانت ورد وردة البستان لجميع النازهين، وكنت فخوراً بذلك. اللعنة على
الأدباء والشعراء الذين خضبوا بدمائها العطرة دفاترهم القذرة. (تزول بقعة الضوء من على ديك
الجن1 و 2 ويختفي) أحمد:
قتلها أم لم يقتلها؟ ذلك هو السؤال..
(يتقدم نحو الجمهور) سيداتي آنساتي سادتي لا تنصرفوا، لقد وجدنا موضوعاً رائعاً
لمسرحيتنا الليلة. موضوعاً يتعلق بالحب والخيانة والغيرة والشرف، كثير منا يمارس
فعل القتل باسم الحب والوطن والثورة ثم يقول إنه النضال والدفاع عن الشرف، وآخرون
يُتهمون بالخيانة والعنف والقتل وهم بريئون فيُقتلون أو تجف أجسادهم في السجون.
وفي النهاية يبقى السؤال على هوامش الزمن الميت: هل كانت ثمة خيانة أم لا؟ هل
قتلها، قتلوكم، قتلونا، قتلوا الحب.. أم لا؟ (إلى ديك الجن الذي يكون قد ظهر تحت
بقعة الضوء واحداً على كتفيه عباءة رمادية، يمثل الصوت الثالث) مرحباً بقدومك أيها
الشاعر العظيم. (يخطب بعبارات متكلفة ساخرة) يا صاحب السيادة، يا شاعر الشباب
والنضال القومي، الشعب اليوم يرحب بقدومكم ويقدر نضالكم العظيم من أجل شرف
العائلة، لقد أرسيتم دعائم حياة فاضلة، وسيرتكم هي خطة الطريق اليوم لملوكنا في
الدفاع عن شرف شعوبها المستباح. ديك الجن: & | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||