جثة في المقهى ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

ثلاث مسرحيات ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 01:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل الثاني

الممثلون في هذا الفصل يأخذون أسماء شخصيات القصة.

ترفع الستارة. ثمة حركة في المسرح لتهيئة مشهد في الحديقة. ديك الجن يرتدي ملابسه ويضع المكياج. بكر وورد يتهامسان في ركن الحديقة، أحمد يتابع تركيز عملية إضاءة المشهد، ويسجل بعض الملاحظات في أوراق أمامه.

أحمد:          (إلى غرفة المراقبة) أعطني بقعة ضوء هنا على ورد وبكر.. جيد.. وبقعة هنا على ديك الجن وأبي الطيب.. جيد..

أبو علي:    (يدخل وهو يحمل بعض قطع الديكور ويضعها في مكانها ويغني)

عالصالحية يا صالحة

 

 

لحمص العدية أنا رايحة

حاكيتو شي

لا والله

زعلتو شي

لا والله

 (للجمهور) كان الله في عون من يغضب أحداً في هذه المسرحية .. تش .. تش (يقوم بإشارة قطع العنق)

أحمد:        كف عن الغناء يا أبا علي (إلى ديك الجن) زد لي الزنجار على حواجبك، والأحمر على شفاهك حتى تبدو مثل عرف الديك، أريد وجهاً يعبر عن الشر والانتقام.

أبو الطيب:   (من وراء ديك الجن يهمس) ولا تنس القرون، قرون صفراء طويلة.. انظر ما يجري هناك وراء ظهرك.. (يشير إلى الانسجام بين ورد وبكر)

ديك الجن:   (للمخرج) أستاذ، أعط الدور لأخر غيري، قلت لك أريد دوراً ليس فيه انفعالات.

أحمد:        ولماذا أنت غاضب؟ ألا ترى أن الستارة قد رفعت.

ديك الجن:   إلى جهنم العرض والستارة، أنت من أجل مسرحك لا يهمك أن تدمر الآخرين، ألا تراهما؟

أحمد:        (ضاحكاً وبأعصاب باردة) من؟

ديك الجن:   زوجتي وهذا السخيف، يظن نفسه دون جوان.

أحمد:        هذا بكر وورد يتدربان على الدور ويمثلان.

ديك الجن:   يمثلان أم يتغازلان، ألا تسمع؟

    ***

    (بقعة ضوء على مشهد بكر وورد)

بكر:         يداك دافئتان كشمس الربيع، ناعمتان كحرير الصين.

ورد:         بكر لا تمسك يدي، ربما يرانا عاذل.

بكر:         العاذل هو زوجك فقط، هذا الديك المنتوف الريش بعد أن أفلس. ورد أنا حزين من أجلك، الشباب يذبل مع من لا نحب، ويتفتح مع الحبيب.

    ***

ديك الجن:   يذبل مع من لا نحب أيها الزبالة.. قسماً لأخنقنَّك. يتأهب (للهجوم)

أحمد:        (بصرامة) اهدأ. هذه هو الدور في المسرحية.

ديك الجن    (منفرداً ويضبط أعصابه) هل أصدقك وأكذب أذني؟

    ***

    (بقعة ضوء لمتابعة المشهد)

بكر:         مذ رأيت وجهك الجميل يا ورد أصبح كل ما أراه جميلاً.

ورد:         أنت شاعر من غير أن تقول شعراً.

بكر:         ما حاجتي إلى الشعر وأنت القصيدة التي يطمح إليها كل شاعر فتعجزه القوافي والكلمات. ورد.. أيتها الشمس المشرقة، يخيل إليَّ أنني التقيت بك من قبل.

ورد:         كيف؟ وأنا ابنة نبيل رومي سبيت في معركة واشتراني ديك الجن.

بكر:         أما أنا فمن السند، باعني أبي لأنه بعد غِنىً لم يعد لديه ما يطعمنا، كنا عشرة أبناء. قال أبي: هذا زائد عن الحاجة يمكن أن أبيعه لأطعم الباقين.

ورد:         مأساتنا وغربتنا واحدة.

بكر:         وكل غريب للغريب حبيب.

ورد:         اقتصد في عواطفك، لا تنسى أنني متزوجة.

بكر:         من ذلك البدوي الجلف!؟ هل يعلم ديكك المنتوف أن الأرض تزهر زنبقاً وبنفسجاً كلما خطوت عليها؟ أنا متأكد أنه لا يرى غير كاسه وشعره وخلاّن مجونه.

ورد:         احترس يا بكر، قد يدخل فجأة ويرانا.

بكر:         أقسم إذا جاء لأنتفنَّ ريشه، وأقص عُرفه وأصرخ بأعلى صوتي: أحبك يا وردة.

    ***

أبو الطيب:   لن تنتهي هذه المسرحية حتى تكون قرونك قد وصلت إلى السقف يا ابن العم.

ديك الجن:   لا.. لم أعد أحتمل، (لبكر) اترك يدها يا حقير (يبحث عن السيف)أين سيفي؟

أحمد:        استخدام السيف ممنوع.. دع الانفعالات تنعكس في الوجه واليدين.

ديك الجن:   ألا ترى كيف يمسك بيديها؟

أحمد:        اهدأ ولا تقطع المشهد.

ديك الجن:   اللعنة على هذا الدور، ألا ترى؟ إنه يخلط بين ورد ووردة ويركِّب لي قروناً (أحمد يبتسم ويشير إليه بأن يصمت)

    ***

    (بقعة ضوء لمتابعة المشهد)

ورد:         لا.. لقد تماديت، أيمكن أن يكون هذا الحوار في الدور، أنت تخلط بين ورد ووردة.

بكر:         الاسم غير مهم يا حبيبتي مادام عبق الورد يملأ قلبي، وعيناي تستطلعان شفتيك المعسّلتين، وعينيك الجميلتين كعيون المها، وخديك المضرجين بحمرة التفاح، وصدراً كأنه جنائن الرمان.

ورد:         (تضحك) حبيبي، هل أنت عاشق أم جائع؟ أحسب أنك ستأكلني.

ديك الجن:   (يرمي عمامته أرضاً في غضب) اخرس يا كلب.

أبو الطيب:   (يغني ساخراً)

يا وردة في خيالي

 

 

راعيتها بفؤادي

ديك الجن:   وأنت اخرس أيضاً.

أحمد:        (يكتب) عظيم.. شيء رائع.. هذا ما كنت أنتظره.

ورد:         (تهرع إلى ديك الجن) حبيبي ماذا حدث لك؟

ديك الجن:   وتتكلمين!؟ لقد سمعت كل شيء.

ورد:         ولكن.. هذا دوري، نحن نمثل، فلم الغضب؟

نور:         (ساخرة) فعلاً، سيدتي ورد كانت تؤدي دورها، فلماذا أنت غاضب؟.

ديك الجن:   أنت اخرسي (يشير إلى بكر) لكن المهرج ذاك لم يكن يمثل، انظري إنه يلتهمها بعينيه.. تفاحتك المشتهاة يا فاسق!

بكر:         (منفجراً) هذا دوري، وتعلم أن الأدوار كلها تقوم على الارتجال، رجاء لا تزعجنا. أف.. يا.. كما يقول المثل: تزوج الأهبل وصار يحلف بالطلاق.

ديك الجن:   أنا أهبل يا مخنَّث؟

نور:         (لديك الجن، مازحة) سيدي طلقها وأنا جاهزة، لا أدري ما الذي يعجبك منها.

بكر:         لا أدري لماذا تغار. زوجتك بالنسبة لي مجرد زميلة في المسرحية، وعليَّ أن ألعب دوري فأمسك يدها، وأتنهد عندما أراها. لا أريد أن أفشل في الدور ولا يعنيني أنك تغار عليها ومجنون بحبها، لذلك أرجوك لا تقاطعني ثانية.

أحمد:        (وهو يسجل الملاحظات)أحسنت.. أحسنت يا بكر.

أبو الطيب:   بين أحسنت وأحسنت ستخترق قرونك الستارة وتصل إلى الجمهور. أقترح أن تخصي بكراً هذا ما دام غلامك.

أحمد:        ارتجال رائع، أحسنت يا أبا الطيب.

ديك الجن:    اللعنة على الرجال والارتجال، وعلى هذه المهنة، أنا أعاني وسيادتك تصرخ: أحسنت (يقترب) أريد أن أفهم ماذا تكتب؟

أحمد:        لا شيء.. هيّا واستعد للدور. ورد، ساعدي زوجك في ارتداء ملابسه. (تبتعد ورد وديك الجن) أبا الطيب تعال (يقترب، ويعطيه رسالة) خذ هذه الرسالة، يجب أن تصل إليه بطريقة شيطانية.

أبو الطيب:   الآن؟

أحمد:        ليس الآن، وإنما فيما بعد. أما الآن فيجب أن تزرع في نفسه الشك والغيرة ليكون مفعول الرسالة أقوى.

أبو الطيب:   ولكن ماذا في هذه الرسالة (يفتحها) خط من هذا..؟ إنه ليس خطك.. هذا خط نسوي. آه.. بيدرك يحترق يا ديك  الجن.

أحمد:        (يمنعه من متابعة القراءة ويغلق لـه فمه) لا تصرخ، سيسمعك. ضع الرسالة في جيبك إلى أن يحين وقتها.

أبو الطيب:   اعفني من هذه المهمة يا سيدي، ابن عمي وأعرفه، إنه عصبي جداً ويمكن أن يرتكب حماقة.

أحمد:        ولكنه يحب زوجته. الرسالة ضرورية، سيقلق ويتألم قليلاً، ولكن ما المانع؟

أبو الطيب:   حرام عليك يا رجل، انظر ألا تراهما كحمامتين عاشقتين؟ (نورا تحتضن العود وتعزف لحناً شجياً)

ورد:         (تساعد زوجها في ارتداء ملابسه) حبيبي أرجو أن تثق بي، وتأكد بأنني أحبك؟

ديك الجن:   (يتنهد بحزن) قسماً بالله.. أوه.. لا أستطيع أن أتخيلك في المشهد أنت وإياه. الدم يغلي في عروقي.

ورد:         ما يغلي في عروقك هو الغيرة والحب، احذف الغيرة مثلي وأبق على الحب تصبح سعيداً.

ديك الجن:   قلبي يدعوني أن أحيط خصرك بساعدي وأعود بك إلى البيت، هذه المسرحية ستدمر حياتنا.

ورد:         (تضحك بسعادة) يجب أن لا تشك بي لحظة واحدة. لا تفسد عاطفة الحب النبيلة وهذه الطيبة والرقة بالشك. (تتوقف نورا عن العزف)

أحمد:        (لأبي الطيب) أترى هذه العاطفة؟ إنها المادة الخام التي سأصنع منها فناً. وكل ما أريده منك أن تضرم الشك في نفسه، فأنت أبو الطيب الذي ما عرف الطيبة أبداً (يتصنع الغضب) ورد تعالي إلى هنا، كفاكما غزلاً، الناس يرونكما (يجذبها من يدها ويسر لها شيئاً فتضحك وتشير لـه أنها فهمت) هيا وتابعي المشهد مع بكر. (لأبي الطيب وديك الجن) وأنتما ابدأا المشهد.

    ***

    (بقعة ضوء لمتابعة المشهد)

(تستأنف نورا العزف وكأنها تعزف لبكر وورد اللذين ينتحيان وراء شجرة ظليلة ويتهامسان ويتضاحكان ويتماسكان بالأكف، ويقومان بحركة راقصة سريعة ورشيقة)

(بقعة ضوء على ديك الجن وأبي الطيب وهما ينتحيان جانباً آخر، والمخرج يشير إليهما ببدء المشهد)

أبو الطيب:   (يبدأ في الإلقاء) شائعات كثيرة تسري في أحياء حمص يا عبد السلام (بخبث) ولكن احترس من الغيرة فإنها وحش فتاك.

(تسقط صورة ظليلة لديك الجن 2 على شاشة في عمق المسرح)

ديك الجن:   هذه الإشاعات لن تفلح في بث الشك في نفسي. أنا أعلم أن زوجتي جميلة وتحب الحياة، وهذا حقها، ولن أسمح لأحد أن يلوك سمعتها من غير دليل. أما بكر فهو غلامي ربيته على العفة والصدق، وحبي لـه لا يقل عن حبي لزوجتي ورد.

أبو الطيب:   معك حق، ولكن المرأة تحب الحياة المرفهة والإنفاق، إنها تنظر إلى جيب الرجل أكثر مما تنظر إلى وجهه، وأنت افتقرت بعد غنى، ودب الشيب في رأسك، فما الذي يبقي المرأة على المودة إذا فقد المرء هذين السببين السحريين: الشباب والمال. كما أنك لا تستطيع أن تكمَّ أفواه الناس، والمثل يقول: لا دخان بلا نار. (يشير باستفزاز نحو بكر وورد. تختفي الصورة الظليلة لديك الجن 2 ويظهر بدلاً منها ديك الجن1)

ديك الجن:   اسمع يا أبا الطيب، أنت تلعب بالنار، سيكون غضبي صاعقاً إذا لم تقدم لي الدليل، (بجنون) أيها المفسد الكذاب، تدعي التقوى ثم تأكل لحمي. أثبت لي أن زوجتي تخونني، أريد دليلاً ملموساً وإلا سأقضي عليك.

(يمسك بخناقه فيئن ويتلوى ويشارف على الاختناق)

    ***

ورد:         (تندفع مذعورة) سيخنقه،.. فليخلصه أحدكم (تحاول أن تخلصه)، يكفي، هل جننت، ستخنقه.

ديك الجن:   (يدفعها جانبا) ابتعدي عني.

نور:         (يكاد يغمى عليها) أوه.. أنا لا أستطيع أن أتحمل مثل هذه المشاهد.

أحمد:        رائع.. رائع.. استمروا جميعاً (لنور) إذا كنت لا تستطيعين تحمل المشهد فاخرجي، استنشقي الهواء واغسلي وجهك بالماء (تخرج. بحزم إلى المشتركين في المشهد) هيا.. كل في مكانه وتابعوا المشهد.

    ***

    (ضوء على متابعة المشهد بقسميه)

أبو الطيب:   (يتحسس عنقه) إلى هذا الدرك انحدرت يا ديك الجن؟

ديك الجن:   بل إلى أبعد من ذلك. اسمع ما قلته فيك:

يا عجباً من أبي الخبيث ومن

 

 

سروحه في البقائر الدَّثِرة

يحمل رأساً تنبو المعاول عن

 

 

صفحته والجلامد الوعرة

سبحان من يمسك السماء على

 

 

الأرض وفيها أخلاقك القذرة

أبو الطيب:   رأسي تنبو المعاول عنه، ولكنه رأس شريف لا تنبت فيه القرون.

ديك الجن:   اخرس يا كلب، إن كنت تتجنى على زوجتي فلا تلومن إلا نفسك، لقد استبد بي الغضب.

أبو الطيب:   كان الأحرى أن تغضب لشرفك المطعون، لا أن تغضب مني، هكذا يفعل العقلاء، فالشرف شيء رائع.

    (تظهر الصورة الظليلة لديك الجن2)

ديك الجن:   أحبها وقلبي يحدثني بأنها بريئة وليست كما تدعي، قلب المحب لا يخطئ. أنا أطالب بالأدلة،..آه.. لو أمكن يا إلهي ، أقطع الشك باليقين.

أبو الطيب:   الحب يملأ قلبك، كم أنا نادم على أنني السبب، ولكنها الحقيقة، لابد أنك تريد أن تقطع الشك باليقين، فأي دليل تريد؟

ديك الجن:   أريد أن أرى الخيانة ساعة ارتكابها.

    (بكر يسر في أذن ورد شيئاً فينطلقان في ضحكة سعيدة مدوية)

    ***

ديك الجن:   (يرمي عمامته على الأرض غاضباً) يلعن أبو هالمسرحية. عمّ كانا يتحدثان ويضحكان.

أحمد:        لا شيء، إنه دورهما، وأنت تمثل دورك بشكل ممتاز. تابع.

ديك الجن:   دور الزوج الغبي (للمخرج وقد لاحظ أنه مستمر في الكتابة) أريد أن أفهم ما الذي تكتبه. كفى، نحن لسنا دمىً تحركها بأصابعك.

أحمد:        اهدأ يا رجل. دورك صعب وعليك أن تصبر. (ينادي) يا أبا علي.

أبو علي:    حاضر يا سيدي

أحمد:        كأس ليمون لديك الجن إن سمحت. (يخرج أبو علي)

أبو الطيب:   سامحني، أنا والله أشفق عليك، لكن الدور يفرض علي ذلك، تعال ودعنا نتابع التمثيل، (في إثارة مقصودة) وبعد العرض هناك شيء يخصك أريد أن أقوله لك.

ديك الجن:   يخصني؟ قل لي ما هو؟

أبو الطيب:   ليس الآن.. أمام الناس.

ديك الجن:   (يلوي لـه ذراعه) بل الآن.. ما هو؟

أبو الطيب:   لا شيء، ولكن يجب أن تكون حذراً.. على مهلك ستكسر يدي.

ديك الجن:   أنتم أناس انعدمت الرحمة في قلوبكم، ستقتلونني.

أبو علي:    (يدخل بالليمون) الليمون يصحّي الرأس ويهدئ الأعصاب، تفضل.

ديك الجن:   (يقذف بالكأس تجاه المخرج) اشربه أنت، تقتل القتيل وتمشي في جنازته!

(المخرج يبتسم، ورد تندفع نحو ديك الجن)

ورد:         حبيبي، ما جرى لك؟ تتهجم على المخرج!

ديك الجن:   يا رب لمن أشكو همي. لا أحد يفهمني هنا.

ورد:         حتى زوجتك! (تمسك كفيه)

ديك الجن:   آه.. أكاد أختنق يا ورد. أحبك ولكني أحس كأن يداً تضغط على عنقي، تخنقني.

أحمد:        رائع.. هذا ما أريد، ربط الماضي بالحاضر، والخيال بالواقع، استمرا وادخلا في  الدور فوراً. (لأبي علي) يا أبا علي ناد نورا ولتحضِّر نفسها لدور الجارية.

أبو علي:    حاضر أستاذ. (يخرج)

    ****

    (بقعة ضوء على المشهد. تظهر الصور الظليلة لديك الجن2)

ديك الجن:   (وحده) آه. أكاد أختنق، كأن يداً تضغط على عنقي، تخنقني. هل تحبه فعلاً؟ هل تلتقيه كما يدّعي أبو الخبيث؟

بكر وورد كلاهما عزيز على قلبي. إذا كانت تحبه فلماذا أغضب وأغار والقلب نبض كوني لا يملك صاحبه التحكم فيه.

ولكن أين العقل؟ العقل الذي يضبط العواطف والمشاعر..

آه.. كأنني أعيش قصة أسطورية.

هل الشجاعة في القتال، والعطاء بمنح المال فحسب؟ أليست الشجاعة الحقيقية في اتخاذ القرار الحاسم الذي تحترم فيه حب الآخرين ومشاعرهم، وتشعر بالسعادة لسعادتهم؟

نور:         هل طلبتني يا سيدي؟

ديك الجن:   أجل. هل سمعت بشاعر اسمه المقنع؟

نور:         كلا لم أسمع به.

ديك الجن:   كان شاعراً يوسفيّ الوجه أمره عمر بن الخطاب أن يضع قناعاً على وجه لئلا يفتن النساء.

نور:         أكان جميلاً إلى هذا الحد؟

ديك الجن:   نعم، وقد رحل إلى الكوفة وراء امرأة متزوجة أحبها ومرض في حبها حتى أشرف على الموت.

نور:         أكانت جميلة؟

ديك الجن:   لا أدري، ولكن الحب نبض الكون، وللمحب مقاييسه الخاصة.

نور:         ماذا بعد؟

ديك الجن:   أمر الزوج زوجته أن تزور العاشق المريض ساعة كل يوم من غير دنس أو ريبة. وظلت تفعل ذلك حتى وافاه الأجل.

نور:         هذه قصة مدهشة وغريبة.

ديك الجن:   بل الغريب ألا يشعر الإنسان بقداسة هذه الروح التي هي من صقع الألوهية، وألا يسمع نبض الكون في القلب. الغريب أن يمتطي الإنسان وحش الغيرة فيغير على قلوب الآخرين.

نور:         سيدي، أخال أنني أفهمك أحياناً، وأحياناً لا أفهمك، فما الذي تريده مني؟

ديك الجن:   افعلي ما أنت معتادة عليه.

نور:         ماذا أفعل؟

ديك الجن:   دعي العاشقين في خلوتهما.

نور:         أي عاشقين؟

ديك الجن:   لا تتجاهلي وأنت الأمينة على أسرار سيدتك. كل ما أريده منك أن تنبهيهما إذا رأيت أحداً قادماً. اسعلي أو اعطسي لتنبهيهما.

نور:         هل أنت جاد يا سيدي فيما تقول!؟

ديك الجن:   كل الجد. هيا إلى عملك. وقولي لسيدتك أن تأتي إلىّ فمزاجي رائق، وفي قلبي نبض غريب.

نور:         أمر سيدي (تخرج مندهشة)

ديك الجن:   (ينشد)

تسقيك كأس مدامة من كفها

 

 

وردية ومدامة من ثغرها

 (يفكر) ترى هل تسقي غيري أيضاً؟

(صمت مشوب بالقلق. موسيقي تعبر عن عودة مشاعر الشك، يتخللها صدى ضحكات بكر وورد. تتبدل الصورة الظلِّية ويظهر ديك الدجن1)

ديك الجن:   كأنني أستفيق من حلم، أي حديث قلته لها؟ إذا استمر الحلم غدوت مفرداً مجنوناً. الحلم جميل ولكنه مجرد وهم. والحقيقة هي الحياة. الحياة بأثقالها وقوانينها عباءة لا يستطيع المرء أن يخلعها. كيف لي أن أخلع عن نفسي ثلاثة أمور: الحب والشك ولغط الناس.

لابد أن أقطع الشك باليقين.

ورد:         (تدخل) تريدني يا عبد السلام.

ديك الجن:   تعالي يا ورد، اقتربي مني.

ورد:         (تقترب) ماذا تريد مني يا عزيزي؟

ديك الجن:   أريد أن أنظر في عينيك. انظري إليّ. في العينين تختزن الأسرار.

ورد:         أية أسرار بين الزوج وزوجته؟

ديك الجن:   بين الزوج وزوجته جدار كتيم وألسنة وأفواه لا ترحم.

ورد:         هاأنذا أمامك، لم كل هذا الشك؟

ديك الجن:   أجل.. يفترسني الشك.. كيف لا ..و .. آه.. وبكر.. ما تقولين في بكر؟ هل تحبينه؟ وما علاقتك به؟

ورد:         أحب عالَم ديك الجن كله، هذا العالم الذي وضعني فيه في مركز الدائرة، فأنا أحب كل ما احتوى هذا العالم. لقد أحببت الكأس التي تشرب بها، والسجادة التي تصلي عليها، والعباءة التي تلبسها.

وبكر نقطة على محيط هذه الدائرة، ولأنه جزء من عالمك. ولأنك تحبه فأنا أحبه كما تحبه.

ديك الجن:   (ينظر في عينيها بإمعان) بالله عليك من أنت؟

ورد:         ومن أكون؟ أنا زوجتك المحبة الوفية.

ديك الجن:   اقسمي على ذلك.

ورد:         الله يعلم أنني لم أخنك سراً أو علانية.

ديك الجن:   رمية من غير رام. ما الذي أجرى على لسانك كلمة الخيانة؟ إذن أنت تكذبين. (صارخاً) أنت تكذبين.

ورد:         وعلى من أكذب.. على زوجي وحبيبي. أنت الذي أنضرت جمالي بحبك، وغذيت روحي بكلماتك، وخلقتني بقصائدك، فكيف أقابل جميلك بالكذب والخيانة.

ديك الجن:   (خارجاً عن طوره) لا .. لا تذكري هذه الكلمة مرة أخرى.

(متألماً) أواه.. يا ورد، لا أستطيع أن أستمر، دعينا نرحل. (يبكي بكاء حقيقياً)

    ***

أحمد :       (لأبي الطيب) مشهد ممتاز. وعندما يقرأ الرسالة ستراه كيف يبكي.

أبو الطيب:   أخشى أن يفعل أكثر من البكاء، أخشى أن يرتكب جريمة ما. أنا أعرف ابن عمي.

أبو علي:    (يدخل ويعبر نحو المخرج مباشرة ويسر إليه) يا أستاذ، كنت أراقب المشهد أخشى أن تقضي عليه. إنه لا يفصل بين عواطفه في الدور وعواطفه في الواقع.

ديك الجن:   بماذا تتهامسون وتتآمرون عليّ؟

بكر:         أستاذ أحمد ألم يحن مشهدي مع ورد؟

ديك الجن:   مشهدك مع ورد يا حقير! لغاية خبيثة أنت متعجِّل للدور.

أحمد:        (يقلب بعض الأوراق) نستطيع أن نقدم هذا المشهد الآن.

ديك الجن:   (تهم ورد بالاتجاه نحو بكر فيجذبها بعنف) إلى أين؟ لن تمثلي معه أبداً.

أحمد:        ماذا. هل جننت، أتركها.

ديك الجن:   هذه زوجتي، ولا أحد يدس أنفه في شؤوننا العائلية.

أبو علي:    (ملطفاً الجو) نحترم مشاعرك يا صديق، ولكن المسرحية تتطلب ذلك، انظر هاهي أوراق المخرج.

ديك الجن:   وهل تظنني غبياً يا أبا علي، هذا كتاب الأغاني. فصل أخبار ديك الجن ونسبه، ولا يوجد فيه ما تقوله.

أحمد:        (ببرود) نحن لا نمثل ديك الجن القديم.

أبو الطيب:   (ساخراً) ديكنا يا ابن عمي ديك معاصر.

أحمد:        صحيح، هو مزيج من التاريخ والواقع.

ديك الجن:   (للمخرج متضايقاً وشارداً) هذا الرجل سيقتلني. ورد.

ورد:         ماذا تريد حبيبي؟

ديك الجن:   أنا أتألم، دعينا نترك المسرح ونذهب، لا أتحمل أن أراك مع غيري في أدوار عاطفية. في المرة الماضية مثّلتِ دور جوليت وكدت أجن.

أحمد:        جميل ما تقوله ولكن لا تخرج عن الموضوع

ديك الجن:   لست أنت الذي تعلمني ما هو الموضوع

أحمد:        (بحزم) لقد تماديت كثيراً (لورد) هيا ادخلي في الدور انحني وقولي بقوة:

سيدي يجب أن لا تشك بي، أنا زوجتك المحبة الشريفة.

ورد:         (إلقاء) سيدي يجب ألا تشك بي أنا

ديك الجن:   لا .. لا تقولي شيئاً، ولا تذكري هذه الكلمة أبداً.. أواه.. ليت هذا القلب لم ينبض بحبك.

أحمد:        (مصفقاً) أحسنت.. أحسنت، تلك هي الإثارة التي أريدها.

ديك الجن:   ألا تخجل من نفسك، أليس لديك مشاعر إنسانية، تريدنا ديوكاً نتصارع، ولا يهمك ما يصيب نفوسنا من أذىً.

أبو علي:    اهدأ يا ابن أخي.. دع المسرحية تمر بخير.

ديك الجن:   (للمخرج) كلا.. لن تمر بخير. سأفسد عليك كل شيء: الرواية والمسرح والإيرادات وتصفيق الجماهير.

أحمد:        (يربت على كتفه) فات الأوان، أنت مقيد إلى هذه الأوراق التي بين يدي.

ديك الجن:   (يمزق بعض أوراق المخرج ويرميها على الأرض) لست مقيداً إلى أحد.

أحمد:        (يضحك) ولكن الأوراق هنا (يشير إلى رأسه)

ديك الجن:   سأخلع نفسي وزوجتي من رأسك، هيا يا ورد (يخلع ثياب التمثيل) اخلعي ثياب التمثيل (يجبرها على ذلك) نحن ذاهبان. أكملوا المسرحية وحدكم.

ورد:         حبيبي، أنت لا تريد أن نموت جوعاً، أية فرقة ستقبلنا إذا كنا نخلط بين الرواية وبين مشكلاتنا العائلية.

ديك الجن:   سأسافر، سأبحث عن عمل آخر.

ورد:         وهل تجيد غير صنعة الشعر، وما هذه بصنعة في هذه الأيام، (المخرج يضحك)

ديك الجن:   (مغتاظاً) انظري يا ورد، إنه يضحك. (للمخرج) هل هذا مكتوب أيضاً في أوراقك.

أحمد:        بالتأكيد.. ألا تلاحظ أنك ما زلت تخاطب زوجتك بـ "ورد"

ديك الجن:   أنا ذاهب، وليجرف الطوفان هذه المسرحية اللعينة (يمضي ثم يلتفت فجأة يتقدم من أبي الطيب) تذكرت ما الذي كنت تريد أن تقوله لي؟

أبو الطيب:   (ضاحكاً) لا شيء.. كنت أمزح فحسب.

ديك الجن:   سخيف (يبتعد خطوات)

أحمد:        (لأبي الطيب) جاء دور الرسالة، يجب أن تصل إليه بطريقة خبيثة.

أبو الطيب:   اطمئن.

ديك الجن:   (يتوقف قبل الخروج ـ للمخرج) نحن ذاهبان. اشتغل وحدك، مّثل كل الأدوار مثل الخليلاتي. أنا مسافر فلا تحاول الاتصال بي (يجر ورداً من يدها) هل هذا المشهد في مسرحيتك؟

أحمد:        طبعاً.. (يقرأ في الأغاني) ويسافر ديك الجن إلى مدينة السلمية ويترك ورداً في الدار مع غلامه بكر (ديك الجن يجذب يد ورد بعنف ويخرج. أحمد يغرق في الضحك، ثم يلتفت إلى باقي الشخصيات ويخاطبها) لا خلاص لكم وإن تمرَّدتم، أنا قدركم.

(يخاطب الجمهور) أيها السادة، الأمور تسير كما ينبغي، لحظات ونكون معكم.

    (إظلام)

(يسمع عزف على العود خلال الإظلام، وعندما ترتفع أنوار المسرح تدريجياً نرى أحمد في ركنه وهو يكتب في استغراق ويضع الأوراق التي أنجزتها جانباً. أبو علي يرتب سرير ورد وغرفة نومها. ونور جالسة وهي تعزف وتغني اللحن الفيروزي المؤثر.

نور:         حاجة تعاتبني، يئست من العتاب

من كتر ما حملتني هالجسم داب

حاجة تعاتبني، إذا بدك تروح

روح وأنا قلبي تعوّد عالعذاب

أبو علي:    هذه الأغنية يا نور تعيد لي ذكريات قديمة.

نور:         أكنت تحب؟

أبو علي:    وهل هنالك أحلى من الحب وذكريات الحب؟ (يتذكر) كانت أم علي طيرة، صبية، مثل عود النعنع البري، وكنت شاباً أعمل في ورشة للنجارة.

نور:         وما الذي جاء بك إلى المسرح؟

أبو علي:    حبي للفن، لو لم أكن فناناً ما أحببت فاطمة.. أم علي.. لو ترينها وهي بنت العشرين، أجمل من فطوم المغربية.

نور:         وكيف تعرفت عليها؟

أبو علي:    على سطح الدار، كانت تنشر الغسيل، وكنت أطير الحمام.

نور:         وطار عقلك مع الحمام وحط على سطح بيتها.

أبو علي:    بل طار عقلها هي وحط على سطح بيتي. ولما طلبت يدها قالت أمها: أنا لا أزوج ابنتي من حميماتي واشترطت أن أقلع عن تطيير الحمام.. جاهلة.. تصوري يا نور ما أروع أن تكون السماء مسرح لعبك، وفيها تتعلمين أزلية العلاقة بين الأنثى والذكر.

نور:         ما دخل هذا بذاك، أبا علي هل تخرِّف أم تتفلسف أم أنك تغازلني؟

أبو علي:    أغازلك؟ أنت مثل ابنتي! سامحك الله. ولكن كان إذا شرد طير من الكشة في السماء وخفت أن يهرب، ألوح لـه بالطيرة فيلوي عنقه ويعود صاغراً.

نور:         (تضحك) وعرفت حماتك كيف تلوي عنقك فاستبدلْتَ هواية الحمام بالمسرح.. ولكن كيف وصلت إلى هنا؟

أبو علي:    في البدء جئت نجاراً للديكور، فمستخدماً فملقناً، أحب المسرح وأشعر بالفخر والسعادة حين أخدم فنانيه، وما زلت أطمع في دور رئيسي في إحدى المسرحيات.

نور:         قل لي يا أبا علي، أنت تزوجت بالطيرة التي أحببت وعشتما بسبات ونبات وجاء كما صبيان وبنات كما تقول الحتوتة دائماً، ولكن ألم تكن في حياتكما شك وغيرة كما في هذه المسرحية.

أبو علي:    يا نور، نحن الفقراء من الطبقة الشعبية نعيش على البساطة والنقاء في الحياة وفي العواطف. والمرأة عندنا ترى، كما يقول المثل، الزوج نعمة حتى وإن كان أسود فحمة. (ينهي ترتيب السرير ويهم بالخروج)

نور:         (تدندن على العود) أبو علي، أنت فنان حقيقي من دون تعقيدات، ذات يوم سأعلمك العزف على العود (مازحة) ومن يدري ربما أصحبك معي إلى الأعراس (يبتسم ويخرج وتتابع الدندنة على العود، أحمد ينهض ويدس بعض الأوراق في مصنف أمامه، ويسير جيئة وذهاباً من غير أن ينتبه إلى نور)

أحمد:        (يحدث نفسه) لا أدري إن كان أبو الطيب سيوفق في دوره، المشكلة أن شخصيته ليست كشخصية جده أبي الطيب القديم الذي حمل من عناصر الشر والمؤامرة ما جعله يخلق حدثاً كبيراً في حياة ديك الجن. أخشى طيبنا هذا أن يضعف ويعقد المسألة.

نور:         احم.. احم.. نحن هنا.

أحمد:        نور!

نور:         أما سمعتني وأنا أعزف وأغني.

أحمد:        عندما أكون غارقاً في التفكير فأنا لا أسمع ولا أرى. لقد وصلنا الآن يا نور إلى الصعب، إلى الذروة، أريد أن ألهب عواطف ديك الجن، أريد أن يحترق احتراقاً ذاتياً وليس نابعاً من تمثيله لسيرة ديك الجن كما جاءت في التاريخ.

نور:         تريد أن تصنع منه بركاناً من النار واللهب يقذف الحمم.

أحمد:        بالضبط، وتلك هي الروح الإنسانية في أوج اشتعالها الذاتي.

نور:         وورد كيف تريدها؟

أحمد:        ورد أتصورها حمامة وديعة تفيض براءة وطهراً ودلالاً ورقة.

نور:         وأنا؟

أحمد:        أنت.. (صمت قصير) أنت نصّيَ القادم.

(أبو الطيب يدخل كالزوبعة)

أبو الطيب:   أستاذ أحمد أرجوك، اللعبة خطرة جداً، وهذا الرجل سيُجن أو يرتكب جريمة. أرجو أن تشفق عليه.

أحمد:        لا تتدخل في شؤوني، هل سلمته الرسالة؟

أبو الطيب:   نعم، واختلط الأمر عليه، أهي من ورد أم وردة، أهي موجهة إلى بكر أم بكري. اختلط الواقع بالمسرح، والمسرح بالواقع في رأسه فأصبح مجنوناً.

أحمد:        وهذا ما أريد، والرسالة حقيقية وبخط زوجته.

أبو الطيب:   وكيف رضيت أن تكتبها؟

أحمد:        قلت لها لقد طلبت مني دوراً فيه مغامرات عاطفية فاكتبي هذا الخطاب وحددي موعداً للقاء الحبيب فكتبته. وبالنسبة لي هذه الرسالة هي من ضرورات المسرحية. إنها فنانة حقيقية.

أبو الطيب:   ولكنها رسالة مدمرّة. يراودني أحياناً ميل إلى أن أكون طيباً، اسماً على مسمّىً، فإذا رأيت ديك الجن وعذاباته أربت على كتفه وأقول: (إلقاء) يا عبد السلام، يا ابن عمي، لا تحزن، كل ما قلته لك كذب في كذب، غلامك بكر بريء وزوجتك ملاك طاهرة، أما المجرم فهو أنا.

نور:         ليتك تفعل ذلك، فأنا لا أحب عذابات الناس وخراب البيوت.

أحمد:        (يضحك ساخراً) يا سلام، ومسرحنا يغلق أبوابه، الناس يا جماعة يأتون إلى المسرح ليروا دراما، أي عواطف وشخصيات وأفكاراً متصارعة. والآن قل لي هل سلمته الرسالة وماذا كان رد فعله؟

أبو الطيب:   عندما قرأها كاد يغمى عليه من الصدمة، رجلاه ما عادتا تحملانه، وعندما قرأ السطر الأخير: "حبيبي، سأكون في انتظارك الساعة الثانية بعد منتصف الليل" انتفض كحيوان جريح وراح يصرخ من الغضب والألم.

أحمد:        وهربت من أمامه! كان عليك أن تتبعه لترى إن كان قد عاد إلى البيت أم لا.

أبو الطيب:   لم يعد إلى البيت، كان يدور في الشوارع طيلة الليل، سألت زوجته فقالت إنه لم يبت في الدار، وكانت قلقة وخائفة، أرجو أن يغفر الله لي ما فعلت.

أحمد:        الفن مهنة شاقة، وأنت نسخة ضعيفة لأبي الطيب القديم.

نور:         (لأحمد) إنك تدفعه إلى أن يشك في زوجته ليكون أداؤه على المسرح بعواطف حقيقية، اعذرني هذا فن تدميري للإنسان يقوم على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، والفن أنبل من ذلك.

أحمد:        ولكل مخرج أدواته، وإذا بقيت على هذه الأفكار يا نور فلن تكوني سوى مطربة أعراس فحسب.. اذهبي ونادي ورداً.

نور:         حاضر.. أحمد الله أنك لم تعطني دور ورد.

أحمد:        (ضاحكاً) بعد أن تتزوجي سأبحث لك عن دور فيه حب وغيرة وانتقام.

نور:         إذن. (تذبِّل عينيها) تنتقم من نفسك.. ياي.. قلبك قاس (تخرج)

أبو الطيب:   قلبك قاس فعلاً.

أحمد:        ليس أرحم من قلبي، ولكن على فني فحسب، وكل مخرج يحتفظ بسر عمله حتى ينجح.

أبو الطيب:   وما هو هذا السر؟

أحمد:        إذا قلته ما عاد سراً.

(تدخل ورد خائرة القوى وتلقى نفسها على السرير)

ورد:         (كأنها تلقي إلقاء) يا إلهي، طلع الفجر ولم يأت إلى البيت، انتظرته على الشرفة حتى الصباح وأنا أرقب المارة في الشارع.. أنا خائفة عليه.

أحمد:        أداؤك جميل، لكن السهر والبكاء أثرا في عينيك ووجهك، أصلحي زينتك.

ورد:         يا أستاذ ارحمني أرجوك.. أنا لا أمثل.

أحمد:        أنت التي طلبت مني دوراً فيه مغامرات عاطفية. الفنان يشتعل، يحترق، ولكنه لا يموت، إنه دائماً كطائر الفينيق ينبعث من رماده.

ورد:         (تصلح زينتها) معك حق، يبدو أنني أخذت الأمور بشكل مأساوي.

(يدخل ديك الجن في خطوات متثاقلة، شاحب الوجه وهو يسعل. يبدأ بارتداء ملابس الدور صامتاً. ينظرون إليه في دهشة. المخرج يسجل الملاحظات).

ديك الجن:   دعونا نبدأ، هل أنتم مستعدون؟

ورد:         (تلمسه بحنان) حبيبي أين كنت طوال الليل (يسعل) هل أصبت بالبرد؟

ديك الجن:   (يبعد يدها بخشونة) لا تلمسيني.. البسي ثيابك.. وجهزي نفسك.

(ورد ترتدي ملابس الدور)

أبو الطيب:   (لديك الجن) عيب.. يجب أن تخجل من نفسك.. ما هكذا تتصرف مع زوجتك أمام الناس.

ديك الجن:   اخرس أنت.. (للمخرج) أنا جاهز. (يخرج الرسالة خفية من جيبه ثم يعيدها بسرعة) هذا هو الدليل..آه.. لا أستطيع أن أتصور..

ورد:         (للمخرج وهي تبكي) أنا خائفة.

أحمد:        (وهو مستغرق في تسجيل الملاحظات) لا تخافي.. اذهبي إليه. (تبتعد)

أبو الطيب:   (للمخرج) دعنا نوقف العرض. أرى الشر في عيونه.

ورد:         (لديك الجن) أنا جاهزة يا سيدي.

ديك الجن:   (يدفعها فوق السرير بقسوة ينزع شعرها المستعار ويرميه أرضاً) نامي على السرير ولا تمثلي دور ورد. ورد كانت شريفة وطاهرة. (لغرفة المراقبة) خفف الأضواء. (تنام مغمضة عينيها)

أحمد:        (منزعجاً)غير معقول، أنا الذي أعطي الأوامر وليس أنت. ولماذا تصرخ، أد دورك بهدوء، كل كلمة تقولها يجب أن تكون قنبلة من غير أن تنفجر، هذا هو الفن.

ديك الجن:   لا أريد أن يعلّمني أحد. ولا أسمح لأحد أن يقف في طريقي.

أبو الطيب:   أستاذ اتركه على راحته، ألا ترى جسمه كله يرتجف.

(تنعكس على الشاشة صورتان متقابلتان لديك الجن1 و 2)

أحمد:        والآن مشهد القتل.

ديك الجن:   (مقشعراً) مشهد القتل..

    ***

    (بقعة ضوء على مشهد السرير. يمعن النظر في ورد هي نائمة لا.. لا أستطيع أن أتصورها أنها.. يا رب السموات.. كيف ألحق الأذى بهذا الجمال النائم.

انظر إلى شمس القصور وبدرها

 

 

وإلى خزاماها وبهجة زهرها

ا.. لا أريد أن أسفح دمها الطاهر.. (يتراجع، يمد يده إلى جيبه ويخرج الرسالة) ولكن هذا هو الدليل (يعيدها. يضع يده على مقبض السيف) يجب أن تموت قبل أن تخدع رجالاً آخرين. (يسحب السيف إلى منتصفه ثم يعيد إغماده، يستنشق) أي عطر هذا الذي يملأ صدري،.. يا إلهي.. ما ذنب الوردة إذا كان عطرها فوّاحاً، وما ذنب الغانية إذا كان جمالها يأسر القلوب (ينحني عليها) أوه.. يا لهذه الأنفاس العطرة (يقبلها من عنقها) ما من قبلة في الدنيا أعذب ولا أدمى للقلب من هذه القبلة.. آه.. هذا الحب يؤلمني ويبكيني. (ينشد)

أيها القلب لا تعد

 

 

لهوى الغيد ثانية

 (يبكي بكاء حقيقياً)

    ***

أحمد:        كفى بكاء، هذا يسئ للمسرحية.

ديك الجن:   أية مسرحية، وهل تظنني أمثل؟ أنا لست ديك الجن الذي في رأسك، أنا إنسان يتعذب، وعندي أدلة أن زوجتي تخوني (يلاحظ أن المخرج يكتب) لا تكتب، أقول لك لا تكتب شيئاً (يخطف الأوراق ويسحقها بقدمه) سادي، تتلذذ بعذابات الآخرين.

أحمد:        أحسنت.. أحسنت.. هذا ما أريده بالضبط.

ورد:         (تجلس من رقدتها) حبيبي.. ماذا حدث لك؟

يدك الجن:   لا تقومي.. المشهد لم ينته بعد. (ورد تنتحب بصمت، وديك الجن يتأثر وينظر إلى المخرج بشراسة) لن أستمر في التمثيل.. لا أريد أن أقتل.. كفانا قتلاً للأنفس.. لا أريد أن أقتلها، لا أريد (يدور في المسرح ويلقي قطع الديكور أرضاً) إلى الجحيم أنت ومسرحك وشباك التذاكر (إلى الجمهور) هيا إلى بيوتكم، سكرنا المسرح، ساديون، يجب أن تخجلوا من أنفسكم. تتلذذون بالفرجة على عذابات الناس ودموعهم وآلامهم.. أسفي عليكم.. البلاد تحترق ولا تهتز شعرة في أجسادكم أو تنزل من أعينكم دمعة واحدة، فهل ستأسون لدموع ممثل يحترق على خشبة المسرح؟

يا إلهي.. أكاد أختنق.

    ***

أبو الطيب:   سيدي أرجوك.. ارحمه.. إنه ينتحر.

أحمد:        ليس في الفن رحمة.

ديك الجن:   هيا يا ورد.. انهضي.. علينا أن نغادر هذا المكان.

أبو الطيب:   لحظة، سنذهب معاً، انتهت اللعبة، حتى أنا ما عدت احتمل.

(يتجهون للخروج، تدخل نور)

نور:         إلى أين؟

ديك الجن:   استقلنا من التمثيل في هذه المسرحية.

أبو الطيب:   تركنا المسرح للأستاذ. امش معنا يا نور.

نور:         وهل أنا بدأت حتى أهجر التمثيل؟

(يتابعون السير، وينفجر أحمد في الضحك)

ديك الجن:   لماذا تضحك؟

أحمد:        لأن كل ما تفعلونه مكتوب عندي هنا.. يا مساكين لقد وقعتم في المصيدة.

أبو الطيب:   حتى أنا؟

أحمد:        وأنت أيضاً. (يتناول صفحة مكتوبة) انظر ما هو مكتوب عندي. ستمسك يد ديك الجن وتقول لـه: اغفر لي يا أخي. كل ما قتله عن زوجتك غير صحيح.

أبو الطيب:   ولكني لن أفعل، ولن نكون تحت سيطرتك.

أحمد:        حسن، إن استطعتم فافعلوا.. ولن تستطيعوا، وهاأنذا خارج فافعلوا ما يحلو لكم، وكل ما تفعلونه هو إرادتي. أنا قدركم.. (لنور) هيا يا نور.

نور:         لا بأس، أنا في الأصل لا عمل لي. (تتبع المخرج ثم تلتفت إلى ديك الجن مداعبة) سيدي هل تحب أن أسعل أم أعطس كي أنبه العاشقين إذا رأيت أحداً قادماً.

ديك الجن:   اخرجي عليك اللعنة. (يخرج أحمد ونور)

أبو الطيب:   والآن وقد أصبحنا وحدنا سأشرح لكما كل شيء.

ديك الجن:   تكلم من غير مقدمات ولا مجاملات.

أبو الطيب:   اغفر لي يا أخي، كل ما قتله عن زوجتك غير صحيح، كله كذب في كذب، هو الذي كان يطلب مني أن أثيرك، وكان يطلب من بكر أن يفعل ذلك أيضاً كي يثير فيك الشك والغيرة، فهذا هو أسلوبه في الإخراج كما يدعي.

ديك الجن:   (يخرج الرسالة ويضعها في وجه أبي الطيب) وهذه؟ أهي كذب أيضاً؟ (لورد) أليس هذا هو خطك؟

ورد:         نعم خطي.. ولكن..

ديك الجن:   ولكن ماذا؟

أبو الطيب:   احكي يا ورد.. قولي الحقيقة.

ورد:         لقد طلبت من المخرج دوراً فيه حب ومغامرات وحياة حارة وفاخرة.

ديك الجن:   ولماذا طلبت ذلك؟

ورد:         كل امرأة تحلم بذلك، وبما أنني أحبك ومخلصة لك وراضية بالعيش معك فقد أردت أن أعيش أحلامي في دور أمثله.

أبو الطيب:   هل فهمت الآن كل شيء؟

ديك الجن:   أتمنى أن يكون ما تقولانه صحيحاً.

ورد:         أقسم إنه صحيح.

أبو الطيب:   والآن فلنذهب ولننس كل شيء (يعانقه)

ديك الجن:   لم يحن الوقت بعد. (ضحكة مرعبة) هل تظنونني أحمق حتى أصدق ذلك، هذه اللعبة تنطلي على ديك الجن القديم أما أنا (منذراً بالشر) دعونا ننته من الأمر.

أبو الطيب:   اهربي يا ورد.. في عيونه الشر.

ورد:         كلا لن أهرب، أحبه ولن أبتعد عنه (تلتصق بديك الجن)

أبو الطيب:   سيقتلك.

ورد:         فليفعل (يدخل المخرج)

أبو الطيب:   (مشيراً إلى المخرج) هذا هو قدرنا. يبدو لا أحد سينجو من أصابعه؟

أحمد:        (يبدو كمروض وحوش وفي يده القلم كعصا) أيها السادة انتهت الاستراحة، والآن مشهد القتل. هيا يا ورد إلى السرير (ترقد على السرير) ديك الجن ارتد ثيابك واستعد (يرتدي ثياب الدور)

أبو الطيب:   (قاصداً ديك الجن) غبيّ.. (منفرداً) ستكون هنا جريمة قتل.

أحمد:        (لأبي الطيب) اسكت أنت. انتهى دورك. ومن الأفضل أن تذهب

أبو الطيب:   أنا ذاهب. تحمل المسؤولية وحدك. (يخرج)

أحمد:        (إلى ديك الجن) أسرع يا ديك الجن.. هذا مشهد الذروة.. لا خلاص لأحد. وصلنا في المشهد إلى: آه.. هذا الحب يؤلمني ويبكيني ثم تنشد بيت الشعر. (بقوة وحزم) هيا.. استعداد ابدأ.

    ***

    (إضاءة على المشهد)

ديك الجن:   (ينحني ويقبل ورد من عنقها) آه.. هذا الحب يؤلمني ويبكيني (ينشد)

لك نفس مواتية