جثة في المقهى ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

ثلاث مسرحيات ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 01:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ أم سعيد قارئة الفنجان

(شعاع خفيف من النور على أبي العز وهو جالس في ركن المقهى يحتسي فنجاناً من القهوة، يغني):‏

أبو العز:‏

أوف يابا.. يابا.. يابا‏

(يقلب الفنجان في الطبق على فمه كمن يفعل من يريد قراءة الفنجان. ينقطع شعاع النور، يشعل فانوساً، يحمله بيده وينهض ويتجول في أرجاء المكان وينشد الموال متابعاً)‏

عيني رمدها البكا عالنازحين بعاد‏

ويزيد جرح القلب عا لهالكين بعاد‏

اغفوا بمغاب الجدي ونوب الخطوب بعاد‏

يا اهل الظلام اسمعوا اش قال أبو تراب‏

الدهر دال الدول، والحق ثمود بعاد.. / يا.. يا باي(1)‏

(يعلق الفانوس على الشجرة يتجه نحو مكانه الأول حيث قلب الفنجان ويتناوله، تعلو الإضاءة قليلاً قليلاً).‏

أبو العز:‏

من يفتح لك الفنجان بعد اليوم يا أبا العز، في الأيام السابقة كنت تدخن وتشرب القهوة وتقلب الفنجان وتنتظر مرور أم سعيد لتقرأه لك (مخاطباً أم سعيد) أهلاً أم سعيد، كنت عم استناكي، أنت افتحي لي الفنجان وأنا بفرجي الولاد ببلاش عالأميرة ذات الهمة.‏

(يتابع الرواية) فإذا لم تمر كنت تحمل فنجانك إليها لتفتحه، تنبئك بمستقبلك وتقرأ لك ما في نفسك، أنت تحكي للناس حكايات الماضي وأم سعيد تحكي حكايات الآتي كانت تجلس مثل عرّافة قديمة وهي تدير الفنجان والكلام ينساب من فمها موسيقا كالجدول.‏

(يتناول من الصندوق لفافة ينشرها ويعلقها على جدار أم سعيد، عليها صورة أم سعيد وهي جالسة خارج الدار والفنجان في يدها، وأمامها أبو العز جالساً)‏

صوت أم سعيد:‏

(تسجيل صوتي) يا أبو العز، السما فوقك مليانه غيوم، وأنت ماشي في طريق مسدود، حامل على ظهرك هم الدنيا، قدامك ناس ووراك ناس روسهم روس الخرفان وأرجلهم مثل الإنسان.‏

يا أبو العز، في واحد جنبك حامل خنجر، يمكن أخوك يمكن ابن عمك، أكيد ما هو غريب، لأنو ماشي بحذاك وإيدو وراك، وأنت مأمن لو وعلى يمينك واحد عم يحكي معك ويحذرك لكن أنت ما عم تسمع لو. يا أبو العز فلوسك قليلة، وأحلامك كثيرة وقلبك طيب، وجابيك يوم ليلو طويل، ونهارو قصير، وقبل ما يجي هاليوم شايفة الفرات عم ينحسر عن جبل من ذهب والناس عم يتقاتلوا، وشايفة القمر عمر ينشق، والشمس عم تطلع من الغرب، وبير كفر سلام عم بجف، والناس عم يبيعوا الغالي بالرخيص ليشتروا نقطة ميّ.‏

يا أبو العز هادا فنجانك، وأصحا لشأنك، وما بيعرف الغيب إلا علام الغيوم. (ينهض أبو العز نحو صندوق الدنيا، يسمع صوت رعد وبرق، تسقط على الشاشة صورة أم سعيد ممددة مضرجة بالدم وفنجان القهوة مكسور وشظايا متناثرة، ويسمع صوت تحطم الفنجان على الأرض، ثم صمت)‏

أبو العز:‏

أم سعيد التي تقرأ الغيب في فنجان، تكهنت بمصائر كل الناس ولم تقرأ مصيرها ولا مصير أولادها (تختفي الصورة من الشاشة) لما خطبها فارس جاء إليها وقال:‏

ـ يا فاطمة أنا عامل فقير، عمرت نص بيوت كفر سلام وما عندي بيت أسكنه فهل ترضينني زوجاً.‏

ـ لا يا فارس، الفقير فقير القلب والروح، حط إيدك على قلبك وشوف إن كنت فقير وإلاّ غني.‏

ـ يا فاطمة يعلم الله.. من يوم ما وقعت من فوق السقالة(2) وأغمي علي، ولما فتحت عيني وشفتك عم تمسحي وجهي من التراب والدم.. من يومها قلبي ما عدت أضبط دقاته، وصرت شوفك أحلى من فطوم المغربية.‏

أبو العز:‏

(متابعاً الرواية) وفي يوم عرسها حملت فاطمة معها قطعة من العجين ولصقتها على باب الدار، وحملت مع جهازها صورة فطوم المغربية وعلقتها في غرفة النوم (يعلق أبو العز صورة فطوم المغربية) كانت هناك مشكلة، من يولد نساء كفر سلام وفاطمة تقضي شهر العسل؟‏

ـ يا فاطمة، علمي هالمهنة لغيرك واتركيها‏

ـ لا يا فارس، كلما ولّدت امرأة بحس كفر سلام تولد من جديد، ما في أحلى من الحياة وهي تسيل بين يديّ، بعدين من هالمهنة صار عندي قرشين منعيش منهن.‏

ـ لا يا فاطمة، أنا الرجّال، وأنا بصرف عالبيت، فلوسك بتحبي تخبيهن، أو بتحبي تشوفي لن وجه خير، أنت حرّة.‏

أبو العز:‏

(متابعاً الرواية) عندما جاء طفلها الأول سمته سعيداً وفي العام التالي ولدت لـه أختاً جميلة، ولم يسمع أبو سعيد صوت الزلاغيط، يقولون البنت لها كمده ونادى أبو سعيد أمه: ماما ليش ما غبتزلغطوا، أنا فرحتي بسعيدة ما بتقل عن سعيد وارتفع صوت أم فارس.‏

صوت أم فارس:‏

(تسجيل صوتي)‏

هاها الشمس طلعت ونورت حواليها‏

هاها تمها عسل وعيونها لآليها‏

هاها البنت في البيت طابه من ذهب‏

هاها زلغطوا يا حبايب وافرحوا يا أهاليها‏

لي لي ليش(3)‏

صورة النسوة:‏

أبو العز:‏

(متابعاً) وهزت أم سعيد أساور الذهب في يديها وقالت ما حاجتي إلى الذهب وعندي طابة من الذهب. الحب الذي جمعها مع فارس قررت أن توزعه على أطفال كفر سلام، وتحولت الأساور الذهبية إلى حجارة للبناء، وأبو سعيد يقف على السقالة، ويرفع عمارة المدرسة وذات مساء دقت أم سعيد الباب على نعيمة (تدق الباب، ينفرج الباب قليلاً مع صوت صرير)‏

صوت أم سعيد:‏

(تسجيل صوتي) يا نعيمة من بكرة راح نبدا التدريس في الميتم، الأولاد أمانة بين ايديكي هدول أيتام وفقرا، الأغنياء عندهم مدارس وفلوس لكن هالفقرا والأيتام ما لن غير الله ونحن.‏

أبو العز:‏

(يغلق الباب وبتجه نحو صندوق الدنيا ويدفعه نحو مقدمة المسرح).‏

منذ ذلك اليوم دأبت نعيمة على إرسال الأولاد إليّ لحضور عروض صندوق الدنيا، كانت تحدثهم عني وعن حكاياتي، وكنت أتنفس في وجوهم الربيع، وأشعر بفرح أسطوري ملون وأنا اسرد لهم الحكايا المزركشة بالبطولة والحب والخير.‏

(تسقط على الشاشة صورة أشلاء أطفال ومبنى متهدم، يندفع أبو العز ويخفي الشاشة بجسمه، ويصرخ بعامل الإضاءة) لا.. لا أوقف العرض، من يحتمل هذا المنظر؟‏

(يتجه نحو الجمهور متحدثاًَ بنغم مأساوي) انهار السد، واندفعت يأجوج ومأجوج، وبحر البقر صار بحراً من الدم. وبغداد صارت ملعباً لرعاة البقر، مدينة السلام، كفر سلام، عاد إليها التتار من جديد (بهدوء حزين يتذكر) كانوا صغاراً، رائحتهم عطرة كرائحة الأرض بعد المطر، يندفعون من الملجأ صائحين: عمي أبو العز بدنا نتفرج؟‏

أصوات أطفال:‏

(صوت الذكرى من بعيد) عمي أبو العز بدنا نتفرّج.‏

(تخبو أنوار المسرح)‏

(1) موال أربعاوي من التراث الغنائي الشعبي بتصرف‏

(2) السقالة: مرقى خشبي معلق بحبل على الجدار يستعمله عامل ا لبناء.‏

(3) هنهونة من التراث الشعبي الغنائي النسوي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244