جثة في المقهى ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

ثلاث مسرحيات ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 01:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

دسته ملوك يصبون القهوة

(ترتفع أنوار المسرح وأبو العز يكتب على لوح في زاوية المسرح هذه العبارة: "ويل للعرب من شر قد اقترب")‏

أبو العز:‏

كان شيخ الكتاب يكتب لنا هذا الحديث الشريف على اللوح ويتبسط في الحديث عن يأجوج ومأجوج فنمتلئ ونحن صغار رعباً من أقوام أقزام عيونهم في الطول، يخرجون من وراء سد الصين العظيم الذي بناه ذو القرنين، يقتلون العباد ويفسدون في البلاد. والدك يا سمير كان يجلس بجانبي في الرّحلة وكان حشريّا يخرج القرآن من كنّيره المعلق في رقبته على سورة الكهف ويقول:‏

ـ يا شيخي ما لنا وما للصين، احكي لنا عن الإنكليز والأمريكان، احكي لنا عن اليهود، هدول هنن حاجوج وماجوج، أكلوا أموالنا، وأخذوا أراضينا، وقتلوا أهالينا.‏

ـ اسكت يا ملعون، هؤلاء جيران وأهل ذمة، وما حدث بيننا وبينهم أمور تافهة تحدث في العائلة الواحدة، لابد أن نعيش في سلام معهم.‏

أبو العز:‏

ظل والدك يا سمير هكذا على رأيه حتى استشهد مع القسام، وفي تلك الليلة قال لي:‏

ـ أنا الليلة رايح لعند أبي، شفته في المنام يدعوني إليه، جدك يا سمير كان هكذا أيضاً، قال أنا ذاهب لأحارب يأجوج ومأجوج وذهب إلى جنق قلعة ولم يعد. وعندما كبرت ودخلت المدرسة كتب الأستاذ هذا الحديث (يشير إلى المكتوب على اللوح) وراح يحدثنا عن يأجوج ومأجوج. وقال: هم المغول والتتار الذين صنعوا من رؤوس القتلى تلالاً ومآذن. وعندما كبرت قررت أن أحمل هذا الصندوق وأتحدث عن يأجوج ومأجوج في داخلنا، وخارجنا، وعن التتار القدماء والجدد وعن الملوك الذين يحملون دلّة السلام ويصبون القهوة للئام.. وتعا تفرج يا سلام‏

(يدوّر محور العرض في الصندوق)‏

تعا تفرج عالتتار والمدابح في الأمصار‏

عجايب غرايب.. هذا نصير الدين الطوسي، العالم الصوفي، يصبح مستشاراً إعلامياً وثقافياً لهولاكو الوثني، الغارق في دم الشعوب حتى ركبتيه، بدعوى هدايته إلى السلام. وأي سقوط للأقلام؟‏

اقرأ يا سمير: (ن والقلم وما يسطرون(‏

عجايب غرايب.. الصليبيون في الغرب، والروم في الشمال، والتتار في الشرق، وكل يتربص بهذه الأمة الدوائر، وخلفية بغداد مستعصم بوزيره العلقمي، والعلقمي يبيع الخلافة والخليفة لهولاكو، ودجلة يعلن الحداد، وسلاطين بني أيوب مشغولون بصراعاتهم وتوسيع أملاكهم، هذا يحاصر مدينة ذاك وثالث يتحالف مع الصليبين، هنا الملك الأشرف، وهناك العزيز، وهنالك الظاهر والعادل والأفضل.. أما السلطان الكامل، يا عيني عالكامل، زاد في الطنبور نغماً، ها هو يسلم مدينة القدس إلى فريدريك الثاني إمبراطور جرمانيا بموجب معاهدة يافا 11 شباط 1229م هؤلاء ملوك الألقاب على أبواب الغياب وها هو ملك الشام الناصر يوسف يغزو مماليك مصر ويعود منهزماً فيجد رسالة هولاكو في انتظاره.‏

(تسقط على الشاشة صورة ضخمة لهولاكو بملابسة التترية)‏

صوت هولاكو:‏

(صوت تسجيلي) يعلم الملك الناصر أننا نزلنا بغداد وفتحناها، فلم نرحم من شكا ولم نرقّ لمن بكى، وقد أخربنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وتركنا في الأرض الفساد فعليكم بالهرب وعلينا بالطلب، وسارعوا بالجواب قبل أن يأتيكم العذاب.‏

(تسقط على الشاشة صورة قميئة للناصر في مواجهة هولاكو الضخم في وضعية بروفيل للملكين، ويمكن استخدام شاشة الخيال وشخوص أراكوزية من الورق المقوي، شاشة الخيال يمكن أن تكون جزءاً من صندوق الدنيا أيضاً، أو تستخدم الدمى الصقلّية)‏

صوت الناصر:‏

(تسجيلي بصوت أراكوزي وبرتم الروبوت) وصلنا كتابك، وفهمنا خطابك، فكان عندنا كصرير الباب أو كطنين الذباب، إنّا لا يصدع قلوبنا التهديد، فخيولنا عربية، وسهامنا يمنية، وسيوفنا مصرية، إن عصيناكم فتلك الطاعة، وإن قاتلناكم فنعم البضاعة، وإن قَتلنا أو قُتلنا فبيننا وبين الجنة ساعة.‏

أبو العز:‏

عجايب غرايب، صاحبنا مصرّ على سجع الكلام، ومدن الشام تصبح في خبر كان، قلوب متفرقة، وملوك يستجدون السلام ليحافظوا على عروشهم المنخورة، ملوك عرفوا كيف يتحاربون وما عرفوا كيف يتوحدون ليوقفوا ذلك التتري القادم من الشرق.‏

(متقمصاً شخصية ابن الزكي يصب القهوة ويقدمها لهولاكو) مولاي القائد الأعظم، كنا ننتظر قدومك بلهفة المشتاق فأنت الذي أرسيت دعائم السلام في فارس والعراق والشام (يصب لـه ثانية) بالهناء والشفاء، قهوة عربية يمنية، يا مولاي الملك بلا قضاء هباء، ومخدومك ابن الزكي إن وليته قضاء الشام ضمن لك تطبيع الناس على حبك وحب جدِّك جنكيز خان ناشر الأمن السلام.‏

أبو العز:‏

(يدور محور العرض) عجايب غرايب، والأزمنة شلة خيطان، رأى ملوكاً أمام حائط المبكى يصبون القهوة ويرقصون، وآخرون أمام طاقية الشيطان يسجدون، يهرولون من مغارب البحر إلى مشارق الخليج، وعن بتراء العز ينبترون ينحنون أمام حائط الوهم ويبكون، وأرى الملك الناصر يشاور صحبه في أن يذهب إلى ذلك التتري ويصب لـه القهوة فيسبقه بالدلّة مملوكه حسين كردي ويقدم رأس مولاه هديه مع فنجان القهوة.‏

صوت نعيمة:‏

(تسجيلي) كفى.. كفى عمي أبو العز، أما في صندوقك غير المخازي والهزائم، أما في صندوقك شيء من الأمل والفرح. ألم يقاتل الحلبيون التتار على الأسوار، والملك المعظم..‏

أبو العز:‏

الملك المعظم تورانشاه لم يكن غير نائب للناصر على حلب، وكان الناصر يهرب من مماليكه باحثاً عن ملجأ، ومدن الشام تقاتل فرادى بلا نظام. وكانت الملوك تقاتل خوفاً من أن تثور شعوبها عليها.. تلك هي الحال، وهذا هو الحال، والأزمنة شلة خيطان.. ولكن كرمى لعيونك يا نعيمة في صندوقي زخة مطر وحكاية لمن اعتبر.‏

(تخبو الأنوار قليلاً)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244