أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مدخل

تسألني سيّدة الفنتازيا: لماذا لا تكتب سيرتك الذاتيّة؟ فأجيب: إن روايتي "الشيخ ومغارة الدّم" هي سيرة ذاتيّة أو جزء منها في رواية جرت أحداثها من الألف إلى الياء شخصيّاتها كلّها حقيقيّة.‏

لي أنا التركيب الدّرامي، وأسلوب القص وربط الحبكتين اقتحام المغارة وتقلّب المريضة الملبوسة بين الحمّى والشفاء. ولي الحوار وصياغة اللغة. والرواية الأخرى "النمر والبئر" تكمل ما بدأته في رواية "الشيخ ومغارة الدّم".‏

فقالت: أقصد سيرة ذاتيّة محضة لا رواية، فالسيرة أدخل في التاريخ والحقيقة منها في المخيّلة.‏

فقلت: لا أدري.. يتوقّف ذلك على همّة الكتابة. قالت لابدّ أنك تملك أوراقاً خاصّةً ورسائل ووثائق. قلت: بعضها.‏

قالت: إن سيرتك تبدو عادية لك، ولكنها للآخر خارقة.. تلك قناعتي، لكنني ما أزال أحس بأنني في عزّ الحياة وكتابة السيرة لا تجري إلاَّ في أواخر العمر لأنها تصرح بحقائق قد تؤذي الكاتب وتؤذي معه من يمت إليه بصلة.‏

وأحس أيضاً أن الحياة التي عشتها حياة أسطورية مادتها وعناصرها وشخصياتها ومراحلها.‏

سأحاول يا سيدتي أن أقصّها عليكِ لأنها رواية وسيرة في آن. أستجمعها من الذاكرة. وأقوم بما قمت به من رواية الشّيخ ومغارة الدّم ورواية "النمر والبئر" أركبها تركيباً درامياً. وأهتم بالحبكة ورسم الشخصية والخلفيات والحوار والصياغة، لأنها من هذه الناحية حقيقية.‏

فقالت: لكن استرجاع هذه الحقيقة ليس سهلاً على القلم، وإن كنت في هذه المرحلة من العمر شاعراً تمرّس بكتابة القصيدة بكل أشكالها ودرامياً كتب المسرحية الشعرية النثرية والدراسة النقدية والمقالة والمحاضرة. فلماذا لا تدون هذه السيرة المليئة بالخبرة والمتعة والمغامرة؟. فقلت: هي لك هكذا يا أختي كما كانت لي. على الرغم من أنني اهتممت بخبرات الوجود الأساسية بين الولادة والموت في الحب والطفولة، إلا أنني أميل إلى تسليط الضوء على الخبرات في أطرها وسياقاتها الاجتماعية والإنسانية.‏

وأتشبث بما جرى لي من أحداث فيما أروي وأخرج من قالب الخبر في كثير من الأحيان إلى السرد والحكاية بل الخرافة والأسطورة. وإن كان في مجمله مستمداً من حقائق الحياة وتجاربها التي عانيتها في سحابة العمر.‏

فقالت السيدة: وما هي الحياة إن لم تكن جماع خبرات الأفراد والأجيال والسيرة، كما يقول المؤرخ الفيلسوف أرنولد توينبي، أدخل في التاريخ منها في الأدب.‏

فالسيرة تروي لنا الحقيقة فيما إذا راعت شروط الأمانة والدقة وندرك أنها شيء حصل ووقع، بينما الرواية هي من فعل المخيلة، إنها يمكن أن تقع.‏

لكن السيرة تصبح أكثر جاذبية وشدّاً للقارئ إذا توسلت أدوات الرواية، وتقنياتها دون أن نخطر شروط السيرة اللازمة. عندئذٍ تصير متعة القراءة بأهمية الحقيقة.‏

ما أرويه لك أيتها السيدة قد يمتعك ويثير فضولك. ويثير أسئلتك وشكوكك.. إلا أنه حدث ذات مرّة في هذا الزمان.‏

عند كتابة روايتي "الشيخ ومغارة الدّم" كنت أفكر بالرواية وأنا أكتب السيرة. أما الآن فأفكر بالسيرة حين أكتب الرواية. أما في "النمر والبئر" فقد تقاسمتني الرواية والسيرة.‏

وتطعيم الأجناس الأدبية لم يكن بعيداً عن مطامحي. في الشعر والمسرحية فيهما من ذلك شيء وافر.. قد يكون ما أكتبه الآن سرواية يدمج الرواية بالسيرة ويطعم النسيج الروائي بالحكاية.‏

فأجابت: ليس غريباً أن تطعم الرواية بالسيرة، والسيرة بالرواية. فتخرج بجنس آخر.‏

فقلت: "سيرة في رواية في سيرة"، منتهى الجاذبية. إلا أن السيدة قاطعتني بقولها: الإبداع، الكتابة هي المرجعية العميقة. أما الجنس أو الأجناس الأدبية فهي أطر ظاهرة ومرجعيات برانية لما يجري في العمق من صراع بين الخبرة الإنسانية والقلم، بين اختلاج القلم والنفس ونبض الحرف.‏

فقلت: أعرفك على نفسي يا سيدتي. أنا المؤلف والرواية والبطل في آن معاً. أنا الرواية، أروي لك في سفر هذه الرحلة من أوراق حياة البطل "عارف" وكل ما يتصل بها.‏

والحقيقة التي ستخرجين بها بعد أن تقرئي هذه الرواية هي أن "عارف" هو الرواية وأنا البطل!!‏

فبالرغم من أنني أحس بالراحة حين أتكلم عنه وأروي أحداثه بالضمير الغائب إلا أنني حين شرعت في كتابة هذه السيرة الرواية، أو الرواية السيرة كنت أرويها بالضمير المتكلم.‏

ومن بعد تبين لي أن الذي يروى يتميز عمن يروي عنه أو حوله فالتفت من الضمير المتكلم إلى الضمير الغائب. واتضحت لي ثنائية الراوي والبطل، ومن ورائهما المؤلف.‏

ثم حين أوغلت في الرواية تبين لي أن الراوي والبطل يتبادلان المواقع. فيصبح الراوي بطلاً، والبطل راوية.‏

والتميز الفذّ الذي يتميز به الراوي بداءة، هو أنه يتسع لكل الشخصيات الأخرى وينوي عليها، فـ "عارف" بالرغم من حلوله محل الراوي أحياناً، إلا أنه يعيش في الذاكرة وغياهب الماضي، لكنه يتوسّل الراوية ليولد في الحاضر. ويصير احتمال وجوده في المستقبل ممكناً.‏

أمّا الراوي فهو ابن الآن والحاضر يتشبث بـ "عارف" والآخرين ويتقمصهم.‏

فقالت السيدة: تعني أن عارفاً كالأسد الذي هو في الحقيقة مجموعة خراف مهضومة كما يقول الشاعر الفرنسي بول فاليري.‏

لذلك لا تعجبي إن تناوبت الضمائر في هذا العمل أو تداخلت. الأنا تتكلم عن الهو، والنحن. وكثيراً ما تقفز من محطاتها هذه الضمائر لتحتل مكان الضمير الآخر وهويته من تفاعل الذاكرة والوجدان الحي الذي يعيدها صيرورة تطمح أن توحد الزمن الماضي والحاضر والمستقبل في تيار واحد في الولادة المتجددة التي لا تتأثر بقانون التعاقب. فالزمن بفعل التجربة الإنسانية يصبح وحدة نفسية لا تباعد بين حاضره وماضيه، ولا تفرق اليوم عن الغد أوراق التقويم وتعدادها.‏

فأسرعت السيدة تقول: حين تصبح الذاكرة وجداناً حياً تأخذ مكان الدليل من خلال المعاناة الإنسانية التي تصبح ملكاً للبشرية في كل زمن.‏

ـ كنت منذ البدء أزمع أن اكتب رواية تستجمع أطراف سيرتي الذاتية من مجمل أطرافها.‏

فتقول: لكنك التصقت بالرواية في السطح، أما في العمق فتعبر عن سيرتك الذاتية. فتقنعت أحياناً بالراوي، لكنك كثيراً ما خلعت الأقنعة.‏

فقلت: وخرجت إلى السيرة الذاتية الصريحة. فما أرويه هو في العمق سيرة ذاتية.‏

فقالت: لكنها رواية حقاً بكل ما تعنيه الكلمة!.‏

فقلت: ولم لا فلتكن رواية وكل من أجزاء هذه الرواية يمكن في التلقي أن يستقل عن الآخر، ولكنه متصّل به غير منفصل. ويمكن أن يكون كل منها الأول ويتراتب الجزءان الآخران معه في السياق. وحين كنت أنا المؤلف صاحب المعاناة والمخيلة واللغة، فليس للراوي ما لي أنا المؤلف من ميزات، فبالرغم من أنه يقف بيني وبين البطل إلا أنهما والأبطال جميعاً تناسلوا من شق قصبتي وخرجوا من ثوبي وأخذوا يملئون الورق بنبر الكلام، برئة تتنفس في جسد من لحم ودم. كانوا فصاروا. فتدخّلت السيدة: وسيصيرون في الغد حينما توقظهم من سبات الورق عيوناً نهمة. وأضافت سيدة الفتنازيا: من هو أبو نمر حقيقة، ولماذا يخبئونه في بئر رطبة حتى الموت؟! في بئر لا يشربون منها كأنما هي للصدأ والعفن لا للخصب واجتراح المواسم.‏

ومن هو النمر يا "عارف"؟ هل أنت هو؟! لكن البئر التي تقبع فيها هي غير البئر التي يقبع فيها أبوك.‏

إنها من حَفْرِكَ. حفرتها أنت ووقعت فيها. أخرج منها يا "عارف" وتذكر المصطفى الذي كنت. اصعد إلى الجبل مرة أخرى واشرب من بئر الحياة لا من بئر الموت.‏

في "الشيخ ومغارة الدّم" لم تشعل شموعاً ولم ترسم أهلة تهدرت كالسيل. فلماذا ترسم الأهلة في "الأيام الأولى" و"النمر والبئر" وتخرج كما الهلال الوديع من ظلمة المحاق يكبر وينمو حتى يصير بدراً كاملاً بعد أربع عشرة دورة. هل هو طقس الكتابة أم فناء الجسد ليخرج منه جسد آخر. الموضوع استغرقك في "النمر والبئر" فلماذا لا تتوغل في الذات أيها العارف الذي خرج من ثوب المصطفى؟.‏

ـ إذن يا سيدتي بدلاً من أن تحلليني وتشرحيني دون أن يكون لديك البلسم الذي يحتاجه جرحي. دعيني أضيء لك أربع عشرة شمعة تشكل جسدي الجديد، فإذا تشكل هذا الجسد كان ممكناً أن ينبت جسد من جسد. وتفرخ ذاكرة جديدة من ذاكرة قديمة. وقديماً قالت الحكمة الشعبية "لا ينمو جسد إلا إذا بلي جسد آخر". أليست هي الشموع عدة إلهامي؟! أليست رموزاً لتحولات الأهلة من المحاق إلى البدر التمام؟! أليست الأجنة التي تصير طفلاً؟! ناوليني الكبريت أيتها السيدة ودعيني أضيء الشمعة الأولى.‏

ألم تقل إن زواجك من المجذوبة كان بمثابة الولادة الثانية.‏

ـ بلى.‏

فقالت: إن العودة إلى الطفولة والرجوع إلى الرحم هو بمثابة ولادة أخرى.‏

فقلت: كم مرة علي أن أموت وأحيا في هذا العمر؟!‏

فأجابت: ما دمت حياً فإن الموت يترصدك، وإذا مت فقمت فأنت أبداً حي. استمر في رسم الأهلة وإيقاد الشموع حتى تكشح الظلمة، أبحر إلى العالم الذي خرجت منه فإنك لابدّ واجد معناك وعارف نفسك.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244