أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3 ـ راشد والحصان

اسمحي لي الآن أن أضيء الشمعة الثالثة التي يتجلى في ضوئها عارف الطفل وراشد الذي كان بمثابة العراف لي ولكثير من فتيان الحي.. كان معلماً عاشقاً القراءة كثيراً ما يفاجئنا ربما لأنه كان أنضج منا فكراً وعمراً.‏

أبوه دركي صديق أخي مروان. وكلاهما في السلك نفسه. عضو في حرس المجلس النيابي. إنهما من حراس البرلمان الوطني حراس الهيكل.‏

تدخلت المجذوبة هنا وقالت: أبو راشد ومروان يتحمسان للقضية الوطنية كأنما سيتحقق الاستقلال على أيديهما.‏

ولعل عملها حارسين لمبنى البرلمان أعطاهما الشعور بالكرامة وبأنهما يقومان بواجب مقدس.‏

فكانا أبداً ينظفان بندقيتيهما ويكويان ثيابهما الخاكي ذات الأزرار الصفر ويمسحان أبواطهما والغيتر كل يوم ويغسلان خيولهما في ماء النهر النقي فتلتمع جلودها الحمراء النبيذية، وتزهو سروجها المقصبة. وقد أوصى أبو راشد من حبه للنهر أن يغسل بمائه إذا استشهد. يود أن تتوحد روحه بالنهر.‏

يرجع عارف وراشد من البستان ذات يوم، وقد طلب منه أبوه أن يأخذ الحصان إلى الإسطبل، وبينه وبين البستان أكثر من نصف ساعة ركوباً على الخيل. يقول أبو راشد لابنه:‏

ـ غسل الحصان في النهر قبل العودة إلى البيت.‏

ـ أمرك يا والدي.‏

لكن راشد وقد اعتلى صهوة الحصان وأردف عارف من خلفه يجد الفرصة سانحة ليلهو قليلاً قبل العودة إلى البيت يقول:‏

فرصة والله جابها. تشبث بي. وطوق خصري بذراعيك جيداً حتى لا تنحرف عن صهوة الحصان إلى عجزه وتقع على الأرض.‏

وبعد أن تثبتا من صهوة الحصان يتجهان صوب النهر. يصلان إلى ضفته، ينزلان، ويتعريان ويغطسان في الماء، يشكّان مقصاً وهو تعبير يستخدمه الأطفال حين يغطسون في النهر. يقفزون إلى النهر ويغطسون في مائه بدءاً من الرأس ونزولاً بالجسم حتى القدمين.‏

يسبحان من دون أن يفطنا إلى مرور الوقت. يغسلان الحصان ويفرشيانه ويفركان جلده بشيء من الصابون فتلتمع عيناه، تنبئ عما أحسه من راحة من حرارة القيظ والتنعم ببرودة الماء، وأخذ يشنّف أذنيه لأدنى صوت ويصهل صهيلاً عذباً حلواً.‏

وانتبه راشد فجأة وقال: ضاع منا الوقت، أكيد والدي على الطريق إلى الدار، أو أنه قد بلغها قبلنا. وقال لعارف: اخرج من الماء. فخرج وأخذ يتنشف بقميصه. إلا أن راشد نهره وقال الآن وقت التنشيف؟! أسرع.. تريد أن تورطني.. أسرع.‏

لبس راشد ثيابه بسرعة وقفز على ظهر الحصان قفزة متقنة فاعتلى ظهره كأنه فارس مغوار. كان مدرباً على ذلك، إذ كثيراً ما كان يذهب مع أبيه في الصيف إلى الريف ويتعرف على طبيعة عمل الفلاحين. وغالباً ما يختال راكباً على الحصان نفسه ساعة يكون أبوه في مأذونيته في البيت ويطارد في الحارة المتطاولة الممتدة وهو يصيح "أيوب دوما" مقلداً زورو أبو الكرباج بطل رعاة البقر الذي يشاهدونه في دور السينما.‏

يركب الحصان وهو عار دون سرج ويطارد في الحارة جيئة وذهاباً دون أن يسقط. أما عارف فلم يعرف ركوب الحصان إلاَّ عن طريق راشد. ورغم غشمه يحركه الطموح إلى أن يقلد زورو أبو الكرباج، يشعر أن فروسيته ضائعة وربما سنحت فرصته عن طريق راشد كي يحقق أمنيته.‏

يقول لـه راشد: هيا اقفز وامتط الحصان ورائي إلا أن قامة عارف وساقيه وأقدامه لم تساعده على القفز لكي يصل إلى ظهر الحصان، فيستدرك راشد قائلاً: اعتل حائط البستان وسوره مما يعطيك علواً يمكن من الوصول إلى ظهر الحصان.‏

فصعد عارف إلى سور البستان ونظر إلى راشد على ظهر الحصان الذي أصبح أوطأ من الموقع الذي هو فيه. أخذ راشد يستعجل: هيا.. اقفز.. أسرع. أريد أن أبلغ الدار قبل أبي وإلا وقعت في علقة. هيا اقفز.‏

فقفز عارف، لكنه لم يقدّر مسافة القفز بين السور والحصان تقديراً مضبوطاً. وتجاوز الحصان إلى الأرض التي تلقاها بيديه والأرجح أن ثقله كله انصب على ذراعه اليمنى. فطق ساعده وانزاح عظمه ونفر الدم من عرق من عروقه وأخذ يصيح، وظن عارف أن يده قد انكسرت لأنها أخذت تتورم شيئاً فشيئاً وتصدم شعوره كله بألم صاعق بدءاً من الرأس ونزولاً إلى القدمين.‏

نزل راشد عن الحصان وساعده على النهوض وامتطاء الحصان ورجعا إلى الحارة.‏

راشد يبيت الحصان في البايكة، تسكنه الخشية خوفاً من أن يكتشف أبوه ترخصه من أن يلبي أمره ورغبته. بعد قليل يصل أبو راشد بعد أن ينصرف عارف وهو يحمل يده التي لم يدرِ أمفكوشة هي أم مكسورة؟! وشعر بخيبة عميقة لأن راشداً تخلى عنه لأنه كان مهموماً وانصرف إلى شيء آخر.‏

يصل عارف إلى داره. يقرع الباب. تفتحه أمه. فيخفي يده وراء ظهره بحركة لا شعورية دون أن تخفى على أمه، فتقول: كنت مع راشد بلا شك. يتحايل على نظراتها كي لا ترى يده ولكنه لا يفلح.‏

تبصر قطرات دم على كمه. فتمسك بمعصمه فيصرخ من الألم. تجفل أمه ولكنها تتمالك نفسها وتسأل:‏

ـ يخرب بيتك. شو عامل بحالك؟!‏

عارف لا ينبس ببنت شفة. إلا أن نظراتها الثاقبة تتفحصه مخترقة حجاب وجهه المرتعش كورقة خريف مصفرة. تأكله بنظراتها وتصرخ:‏

ـ كسرت إيدك؟!‏

لقد نزف دماً غزيراً على ما يبدو، عرق من عروق ساعده انقطع من عزم الصدمة بالأرض الصلبة وهو يثبت محاولاً أن يمتطي الحصان. لم يعد يقدر على المقاومة. انحلت منه الركب. يسقط على الأرض متمسكاً بفستان أمه.‏

تمسك به وتعينه على النهوض. يستند عليها فيما تدور الأرض من حوله. تحمله على ظهرها وتسرع به إلى طبيب الحارة. يفحصه، يتلمس يده وساعده، يجسهما برفق وعارف يتألم ويصرخ. يربط الطبيب ساعده من الكوع ويوقف نزيف الآلاّم قائلاً:‏

ـ ما من كسر. إن ذراعه مفكوشة. انزاح الكوع عن موضعه، يحتاج إلى مجبر عربي أو طبيب اختصاص بالعظام. فتهرع أمه إلى الحلاق أبو التوت.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: تعرفين كل هذا عن عارف ولا تخبريني عنه. آه منك يا مجذوبة.‏

فأجابتها: إن هي إلا بقايا أحلام الطفولة وأيامها، وهو الآن رجل كامل النضج فماذا يفيد أن نعود إلى أيامه الأولى.. إنه مصمم على إخفائها جميعاً.‏

فتقول السيدة: تحسبين أنه قادر أن يحبس نفسه في درج مختوم؟ الذاكرة تتخمر حلماً في الأعماق. وتنسكب ضوءاً في الوجدان. تنبثق إرادة كما ينبثق الفجر من الليل.‏

كان عارف في عالم آخر يتلمس بكفه اليمنى وسط زنده الأيسر ليتحسس ذلك الجرح الذي اندمل في الجلد. ولكنه لم يزل يبرق بالدم في عتمة الذاكرة، ويمر في باله حصان مجنح يسبح في نهر كوني لكنه يسقط عن صهوته, وما يزال حتى الساعة في سقوطه دون أن يبلغ القاع تنتفض هامته ليزيح هذه الرؤية عن عينيه ويفتش عن علبة الكبريت التي لم يتبينها بين الأوراق والكتب على الطاولة الممتلئة بالصحف والأقلام وأدوات الكتابة. تتناول المجذوبة علبة الكبريت وتعطيه إياها. فيقول اسمحي لي الآن أن أضيء الشمعة الرابعة، شمعة أبي التوت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244