|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
10 ـ عاصم الإنجليزي يحير عارفاً عاصم هذا في مكتب معمل الثلج /البوظ/ إنه يدير العمل، يأمر وينهي، لكنه بشوش الوجه، لا تفارق الابتسامة شفتيه. يختلف عن الباقين بلون بشرته، ليس بأسمر ولا أبيض، بل زنجي الملامح، بشرة وعينين وغلاظة شفتين. يسأل عارف أبا حسن: من يكون عاصم هذا ليتربع خلف هذا المكتب الأنيق في المعمل. فيقول: إنه عاصم الإنجليزي، وهو ابن المعلم صاحب المعمل. كيف يكون ابن المعلم، وهذا شيخ وجهه يطفح احمراراً، بالرغم من ذقنه البيضاء وبعينين أميل إلى زرقة البحر منها إلى سواد الغابة؟! ولماذا عاصم الإنجليزي؟! ربما كان أبو حسن يتفكه أو يسخر من عارف على الجهتين، كنية ونسبة. ولا يدري هل تسرّى الشيخ جابر صاحب المعمل بأمةٍ سوداء، أو بنى بها، فأتته بهذه الثمرة السوداء التي تفتر عن ابتسامة دائمة، أم أن معلمه أبا حسن كان يداعبه بقوله ابن المعلم. كما كان يداعبه بنسبته إلى الإنجليزي. بل هكذا يلقبه القوم حول الإدارة وفي المعمل. ألم يتسر شداد بزبيبة التي أثمر رحمها بطل العرب؟! فلماذا لا يكون عاصم ثمرة رحم مشابهة؟ ليس عاصم هذا ببعيد عن القلب. فالشغيلة يتحلقون حوله في الإدارة على مزاج يعلو من جنباته الضحك. وعارف لا يلتقط من هذا المزاج طرفاً. فكثير منه كان عن الجنس وبالكنايات الشعبية "أبو نادر طلقته زوجته لأنه يغمس اللقمة برات الصحن". "أبو سعيد وقع بمشاكل مع بيت عمه، بياكل الرغيف عَ الوجهين". إلا أن عارف يحب عصاماً هذا، لأنه لا يثقل عليه كما كان يفعل أبوه. فحين كان يصل إلى المعمل في فرصة الظهيرة وهو على معدة فارغة منذ الصباح أو ربما تذوق شيئاً من الخبز اليابس، وهو بحاجة إلى الراحة، بعد أن تكون ألواح الثلج قد علّمت على كتفه من ثقلها، أو حزت علامتها على ساعديه وبطنه. يفاجئه الشيخ جابر في كثير من الأحيان، ويطلب منه أن يذهب إلى منزله ليحضر لـه غداءه ساخناً من هناك. لم يكن جابر معلمه مباشرة، كان معلم معلمه، ولم يكن يستطيع أن يرفض لـه طلباً. إنه كبير مهيب مطاع، إنه صاحب المعمل، فكيف لا يحضر لـه غداءه؟! جائعاً كان عارف أم غير جائع، محتاج إلى الراحة أم غير محتاج. إنه يتمتع بسلطة الكبار عليه وحين يطلب منه أن يذهب إلى بيته يحضر لـه غداءه بالسفرطاس ساخناً وقد خرج تواً من المطبخ. لابدّ لـه من أن ينفّذ لا قوة للاعتراض لديه. وبيت المعلم جابر يبعد مسافة طويلة، أربعون دقيقة سيراً على الأقدام من المعمل. وعليه أن يقطعها في عز الظهيرة. ويأتي بالطعام للسيد المعلم. والطريق من المعمل إلى مدخل حي العمارة مشمس فعليه أن يتحمل حر الشمس في تموز أو آب حتى يصل إلى مدخل العمارة وزقاقها الرطب المظلل والمحاط بمحلات متنوعة. لكن المطاعم هي التي تجذب انتباهه وتثير شهيته التي لا تحتاج إلى إثارة فيتحلب ريقه. بينما تتجول عيونه على واجهات هذه المطاعم التي يتفنن أصحابها بعرض أكلاتهم، ولاسيما رأس النيفا والقشة المحشوة بالرز وألوان الخضار من بصل وفجل وبقدونس وبعض الليمون وما شابه. إنه يقطع المسافة، وعيونه على الأطعمة، حتى يقطع حي العمارة، ويدخل إلى منطقة القيمرية، فيدخل زقاقاً آخر معتماً مظللاً رطباً ويصل إلى بيت المعلم، يقرع الباب فيفتح ويدخل إلى دهليز مبلط ببلاط رخامي. وبعد ضيق الدهليز تنفرج باحة الدار المزنرة بأحواض الورد والنارنج والياسمين والفل وعرائش العنب البلدي تظلل الباحة التي تطل عليها شبابيك ذات زجاج معشق وملون محمية بشباك من الحديد، والدار قسم تحتاني وقسم فوقاني بمشارق مظللة بعرائش العنب تعطي غرفه رطوبة ورونقاً. لم يكن يسمح لعارف بأن يتجاوز الدهليز. فيجلس هناك أو يضطجع على رطوبة البلاط. يسترق السمع إلى ضجة المطبخ الذي يسمع منه إصدار أوامر سيدة البيت ولا يراها، لم يكن يرى من ذلك المنزل غير وجه الجارية أو الخادمة التي تفتح لـه الباب، إلا أنه يسمع وهو في الدهليز أصواتاً وضحكاً مثيراً، يختلط بأصوات دق جرن الكبة وأواني المطبخ. بينما يستمتع أثناءها بمرأى أشجار الباحة ووردها من النفق الممتد، ويستكين إلى بلاطه الرطب في حر الصيف. بعد مدة ليست بالقصيرة، تعطيه الجارية السفرطاس المثقل بما لذّ وطاب من الطعام الساخن، الكبة أو الشاكرية أو الكوسى المحشي، تملأ رائحته انف عارف الجائع. ولا تحظى معدته بشيء منه؟! ألم يحضر الطعام للمعلم سخرة؟! ألم يفكر أهل البيت بهذا الفتى الذي ينتظر في الدهليز طعاماً هو أحوج إليه من المعلم نفسه؟! عارف ليس موجوداً بالنسبة إليهم، فهو ساعي طعام بين البيت والمعلم. ساعي من جنس الملائكة. لا يجوع ولا يعطش. وظيفته فقط أن ينقل الطعام إلى بطن المعلم المترف. والأنكى من ذلك كله، كان الشيخ المعلم يفك السفرطاس، ويفرد أجزاءه على طاولة المكتب فتتصاعد الأرواح الزكية من جديد وعارف يتلقى شهوة في الخارج. يأكل المعلم وعاصم الإنجليزي وأيما شخص حضر من أبناء المعلم وأسرته، وعارف يستمع من خارج المكتب إلى هذه المأدبة المرتجلة التي كثيراً ما كانت تتكرر دون أن يصيبه من غناها شيء ولو البقايا. فالسفرطاس النحاسي الأصفر لا تستوعب طبقاته الثلاث أو الأربع طعاماً يكفي أكثر من أربعة أشخاص في الحد البعيد. إلا أنه هو الذي أحضر الطعام وتحمل حر الطريق وامتلأت ذاكرته بالروائح الطيبة ولم يحصل على لقمة واحدة. فليعد إلى الخبز اليابس أو ما تبقى من فتاته ليسد الرمق!!! وحين يقبض أجره في المساء يقطع الطريق من المعمل إلى ساحة المرجة، ودكاكين الحدادين، ومخازن الحواصل تنتشر على جانبي الطريق. والعمال والفعلة يزدحمون على بائعي البيض والفلافل، على فروشهم المزينة بالبصل والبقدونس والفجل والليمون. يقبضون بكلتا أيديهم على عرائس محشوة بالفلافل أو البيض مع قطع البندورة والخضار. وأفواههم ممتلئة متحركة بسعادة قصوى دون أن يكون هناك مجال للكلام أو فسحة لتجاذب أطراف الحديث. ويجذبه من بائعي الطعام بائع السجقات المحشوة بالرز غليظها ورقيقها، وحفاتي القشة المكورة التي تسبح في مرق الحلة الأميل إلى بياض حليبي من كثرة الدسم. فيغامر ويطلب زبدية صغيرة فيها قطعة من السجقات صغيرة بقروش معدودة يملأ بها معدته. ويعدو بعدها سعيداً إلى ساحة المرجة إلى طريق عين الكرش فسفح قاسيون إلى بيته. فتقول سيدة الفنتازيا: ليس عارف هو الطفل الوحيد الذي يجوع في العالم. فلماذا لا يوحد إحساسه بالجوع بإحساس الآخرين ويحس بهذا الاختناق وهذه العزلة؟! فقالت المجذوبة: لم يشعر عارف يوماً أن جوعه معزول عن جوع الآخرين. عمل مرة أجيراً عند كواية شعر، لكن صلاح صديقه ظل بلا عمل. ولم يوفق بإيجاد ما يشعله ذلك الصيف، فطلب من الست رينيه كواية الشعر أن يشتغل صلاح معه، فأجابت رينيه: أنا أحتاج إلى أجير واحد فقط، وما لي حاجة بصلاح. فقال عارف: دعيه يعمل معي وقسمي أجري عليّ وعليه مناصفة. فابتسمت رينيه وساقتهما معاً إلى غرفة تفكيك ملاقط الشعر الرصاصية المحماة بالكهرباء كي تستخدمها من جديد في كوي شعر زبونة أخرى. فقالت المجذوبة: كل واحد يأكل رزقه في هذا العالم، والطمع ضرّ ما نفع. وأضافت سيدة الفنتازيا: كل ما سمعناه منك الآن يدور حول معمل الثلج وعاصم الإنجليزي وهواجسه الجنسية وتضاحكت هي والمجذوبة مما أثار ريبة عارف. لكننا لم نسمع شيئاً عن "طنبر الثلج" ولا عن هواجسك أنت "ناظرة إلى المجذوبة نظرة ذات معنى". ـ لحكاية عاصم نهاية.. كان لا يشبع من النسوان، ستعرفانها فيما بعد. ـ وما علاقة ذلك بعارف؟! ـ سيأتي دور ذلك، لكن دعيني الآن أشعل شمعة أبي حسان وطنبر الثلج، فلعاصم الإنجليزي صلة بي وبأبي حسان. أخذ الكبريت وأعطاه للمجذوبة وهو يقول: لماذا لا تضيئين الشمعة الحادية عشرة أنت هذه المرة؟! أضاءت المجذوبة الشمعة، وعلى ضوئها أخذ صوت الراوي يرتعش بالصوت. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |