أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

11 ـ أبو حسان والبرنيطة

الحرب الكونية في عزها ونحن لا نعرف منها إلا وجوه العسكر من كل شكل ولون. وهتلر الدهان بسلّمه وصورته وفرشاته التي يتقمصها شارلي شابلن في دور السينما الرخيصة في دمشق.‏

وأبو حسان معلم عارف يحب هتلر ويتمنى الخلاص من الفرنسيين، رغم أنه يقدم لبعضهم خدمة جليلة أثناء الصيف. يدور في أهم شوارع المدينة الحديثة بطنبر البوظ ويزود البرجوازية المدنية وبيوت بعض الضباط ودكاكين اللحامين والعرقسوساتية بألواح البوظ أثناء الصيف الحار.‏

لا يذكر منه غير ذقنه البيضاء وأسنانه الصفراء وعيونه الزرقاء اللتين ورثهما عنه حسّان ابنه الذي كان يرافقه في عمله بعض الأحيان.‏

أبو حسان مهيب الشكل ربما لشيبه ولقلة كلامه. يرمقه عارف بإعجاب لبراعته في قيادة طنبر البوظ، ولعبه بالسوط الذي ينزل على ظهر البغلة التي تقود الطنبر، وطوق الأجراس يحيط بعنقها، فيجعل لمسير الطنبر موسيقى ورنيناً محبباً. كما يعجب لقوته حين يسحب ألواح البوظ الكبيرة حسب الطلب من صندوق الطنبر الذي يحمي الألواح من أن تذوب في حرارة الصيف المحرقة. يفتح بابي صندوق الطنبر الذين يسكرهما بسكرة صغيرة كافية، ويسحب لوح الثلج في ضباب من بخار البرودة بذراع من الحديد مسنن في طرفه الأسفل، وله دَبَسَة على الطرف الآخر تذكّر عارف بمحجانة جده.‏

يتزود أبو حسان بالبوظ من معمل جابر على طريق العمارة، ولم يكن يملك الطنبر فهو في المساء يعود إلى المعمل ويركن الطنبر في المكان المخصص لـه هناك. ويسلم للسائس البغل فيقودها إلى الإسطبل لينظفها ويطعمها. حمراء اللون بعينين وديعتين تبرقان من تحت حلتها الجلدية وعليها حلة مرشحة وسرج ولجام ورسن بالإضافة إلى طوق الأجراس. تأخذ شكلها المحبب عندما تنصب أذنيها الصغيرتين للأصوات المنبعثة من السوق. وأبو حسان يطلق عليها أسماء ويخاطبها كأنثى عاقلة. "روحي يا عيشة" "تعالي يا فطمة" مع طعقة الكرباج. أو يخاطبها غناءً، بأغنية شعبية يجيدها محولاً إياها من مؤنث إلى مذكر. فالكرباج يطعق على ظهر البغلة وأبو حسّان يغني:‏

روح الله لا يسامحك‏

ولا يسمح عنك‏

يكفي عذابي يكفي مراري‏

اللي ذقته منك!‏

دي يا عيشة دي (أي استأنفي سيرك).‏

ومهابة أبي حسان ليست في ذقنه البيضاء وسوطه، وهو يقود الطنبر، بل أيضاً في ثيابه الشعبية المؤلفة من سروال وصدرية وسترة وغطرة على رأسه، وصرماية حمراء بتاع زمان.‏

وقد حفظ عارف أغنية أبي حسان هذه المفضلة التي كانت شائعة أيامه، والتي تسجل احتجاج الناس على تغير الأحوال من أمان السيادة الوطنية إلى قلق الصدمة الجديدة بمدنية الغرب، والأغنية كانت وما تزال من أهم الوسائل التي تعبر عن نفسيات الشعوب، ولاسيما الاجتماعية منها، كما أنها تعبر عن ذلك برسم صورة، أو برمز دالٍ على نمط من الأنماط. أبو حسان يطعق كرباجه في الهواء، وهو يسوق الطنبر وصوته الأبح يشارك إيقاع الطنبر بدواليبه الخشبية المصفحة بالحديد وهي تكرج في الشارع، ورنين أجراس طوق البغلة في عز الظهيرة والناس في راحة القيلولة يزودهم بالبوظ وبغنائه المعبر:‏

قبل بعشر سنين‏

كنا فلاحين‏

كنا مبسوطين‏

يا عيني قبل البرنيطة‏

* * *‏

ما بدها شيطة‏

ولا بدها عيطة‏

كنا مبسوطين‏

يا سيدي قبل البرنيطة‏

لو عاش أبو حسان ليومنا هذا لشكّل الأغنية تشكيلاً آخر، فالبرنيطة لم تسلبنا العقال والغطرة فحسب بل إنها سلبت كل شيء وأعطتنا القليل الذي لا يغني.‏

لا يدري عارف من الذي هداه إلى أبي حسان وكيف، لكنه كثير المغامرات في الصيف عندما تعطل المدارس يتمتع بالحرية لثلاثة أشهر طوال وبعد أن يوفر قليلاً من المال يعود إلى المدرسة ليشتري بها كتباً وورقاً وأقلاماً وحبراً.‏

وأبو حسان يحرص على أن ينقل مهاراته إليه ما خلا قيادة الطنبر أي أنه يسوقه، فالقيادة من اختصاصه، وسن عارف لا تسمح لـه أن يقوم بالقيادة، ولكن في الشوارع الخلفية التي تنعدم فيها حركة المرور تقريباً، يختال فيها أبو حسان على طنبره كديك مغرد على مزبلة في طرف الحقول فيصيح ما أسعفه الصياح. عندئذ لا يجد أبو حسان ضيراً أن يسلمه مقاليد البغلة عيشة، وأن يجلس على سطح الطنبر حتى لا يختل توازنه فيسقط من الطنبر من مركز قيادته.‏

لكن المهارات الأخرى التي يحرص عليها أبو حسان أكثر، هي المهارات التي يستطيع عارف أن يتقنها على صغر سنه، ويسقط عن معلمه شيئاً من الكلفة والمشقة. وهو في تعليمه هذه المهارات لا يطمح أن يستلم طنبراً آخر حتى في الغد البعيد، فهذه الشغلة كانت موسمية لفصل الصيف، وربما لجزء من الربيع والخريف.‏

لقد علمه أبو حسان كيف يسحب ألواح البوظ من الصندوق بذراع الحديد ذي الأسنان التي تتشبث بالألواح فتنزلق من عتمة الصندوق إلى ذراعيه ليرفعها إلى كتفه ويصعد بها طابقاً أو طابقين أو ثلاثة ليسلمها إلى الزبائن، أو يمشي مسافة معتبرة متى كان الزبون مؤسسة عامة كمستشفى الغرباء (مستشفى الغرباء هو المستشفى الوطني في دمشق)، أو محلاً لصنع البوظة أو الليمونادة. فألواح الثلج من ضرورات الصنع لها.‏

يضع أبو حسان قطعة من الخيش على كتفي عارف أو ذراعيه حتى يتحمل برودة ألواح البوظ فلا تسقط منه وتتحطم، فيدفع هو بدوره ثمنها لإدارة المعمل التي تعد عليه الألواح وتتلقى الطلبات وتطلب منه أن يسلمها للزبائن. كل ما يفكر به أبو حسان هو أن يسقط عن كاهليه بعضاً من الحركة والمشقة. أما عارف فالمسألة بالنسبة إليه مغامرة تتحدى قامته الصغيرة التي كانت تصل إلى ارتفاع الطبقة الأولى من صندوق الطنبر، أما الطبقة الثانية فتظل أعلى منه ويشرف عليها عندما يفتح باب الصندوق على مصراعيه، فيحاذي نهاية الطبقة الأولى من صندوق الطنبر بشكل لا يهدده. ومنظر ألواح البوظ حين ينفتح مصراعا الباب منظر عجيب، فالألواح الثلجية المصفوفة بعناية على صفين أو ثلاثة حسب حجم الطابق. تبدو وكأنها أسنان تلمع لوحش خرافي. فيتخذ عارف من ذراع الحديد ذي الأسنان الحادة البارزة إلى فوق وسيلة لردع هذا الغول. فيسحب الألواح الثلجية وينقلها إلى العمارة أو المستشفيات أو المحلات العامة.‏

يتقن عارف هذه المهمة فيظل أبو حسان وراء البغلة وفي مقعد القيادة، أما هو فيقفز كالأرنب من القاعدة الخلفية ويفتح باب الطنبر ويتناول الذراع الحديدي ويسحب الألواح حسب الطلب، وينقلها إلى الزبائن دون أن يتحرك أبو حسّان من قاعدته الأمامية.‏

يشعر عارف بأنه كبر بهذه المهمة. ولم لا فمن من الفتيان في سنه يتقن سحب لوح البوظ بذراع الحديد برأسه المخرم، ونقله على كتفه، لمحلات الزبائن مسافات أو أدراجاً. لم يعد طفلاً كباقي الأطفال فهو يقوم بما يقوم به الرجال، بما يقوم به أبو حسان الرجل الناضج، ويتحمل برودة الألواح الثلجية كما يتحمل ثقلها كابن العشرين وينهض بحملها مسافات طويلة لكن الرياح تجري أحياناً بما لا تشتهي السفن. وطنبر البوظ الذي يعمل عليه صيفاً كاملاً يعلمه معلمه مهارات لا ينكرها، ويحفظ عنه بعض الزجل الذي كان يؤديه بشكل احتجاجي أحياناً أو بشكل ساخر أحياناً أخرى.‏

أبو حسان ينزل من موقع قيادته أحياناً متى كان الطلب لوحاً ضخماً من ألواح البوظ، أو أن الطلبية كانت تقتضي نصف لوح، فكان يقسم لـه اللوح بساطوره الفولاذي الحاد وما كان يتطلبه من التقسيم من اتزان الضربات على منتصف اللوح وقوتها لم يكن لدى عارف. وقد فات أبا حسان أن سحب الألواح من الطابق العلوي للصندوق، يقتضي أيضاً درجة من المهارة والقوة لم تكن لدى عارف بالإضافة إلى أن علو الصندوق أعلى من قامة عارف، مما يستدعي انزلاق اللوح بسرعة عندما يسحبه بالذراع الحديدي، ينجح عارف غالباً بشيء من الجهد، إلا أنه ذات مرة لم يستطع أن يمسك باللوح بعد سحبه فسقط على قدميه سقطة لا يزال يقول (آخ) منها. وماذا يفعل وقوع لوح الثلج الصلب على لحم قدم صغيرة كقدمه، لقد هرستها وورمتها. وهوّن أبو حسان المسألة فلم يأخذه إلى طبيب، ولم يربطها وتركها كما هي. وحتى لا يخسر عارف أجره، استدعى أخاه الصغير الذي لم يكن أنهى العاشرة من عمره ليساعده بحمل ألواح البوظ إلى زبائنها. وما يزال أخوه يذكره بذلك حتى اليوم ويقول:‏

روح الله لا يسامحك‏

ولا يسمح عنك‏

يكفي عذابي يكفي مراري‏

اللي ذقته منك‏

مستخدماً الغناء الذي كان يؤديه أبو حسان في سياقة الطنبر. لم يكن أبو حسان يستغل عارف فهو وإياه في زورق واحد. يدفع لـه أجره يومياً، ويطلب منه بوجه باش أن يقوم بعمله. وعارف سعيد بما يقوم به لأنه يضع في جيبه بعض القروش التي تسد رمقه، ولم يكن الأجر كافياً، لكي يوفر بعضه للسنة الدراسية، غير أن البخشيش كان جيداً وكثيراً ما كان أبو حسان يأخذه إلى بيته في حكر السرايا قرب العمارة، يدخل هذا الحي الضيق، ويقطف بعض عناقيد العنب البلدي التي كانت تسقف بعضاً من سماء ذلك الحي من على سقف الطنبر ولاسيما عناقيد تطالها يداه. ويلتقي أحياناً بابنه حسان فيستأنس به أو بأهله الذين يتحفونه أحياناً ببعض الطعام. والطعام مسألة أولى بالنسبة إليه، إذ لم يكن متوفراً أثناء الحرب بشكل قياسي ومستمر، ولم يجد الغذاء الكافي الذي يشد أوده ويصلب حيله وقامته.‏

ولا يزال يذكر حتى اليوم في سن متقدمة طعم الخبز الفرنسي اليابس. وكثيراً ما يشتري هذا النوع من الخبز اليوم ويدع قسماً منه ييبس ويأكله، وهو رجل ناضج، فذاكرة الطعوم كذاكرة الروائح تنقل الإنسان بخطورة واحدة إلى أزمنته الأولى أزمنة الطفولة التي تطلع صورة الذاكرة لفتى يتعلق على قاعدة طنبر البوظ، وأبو حسان في المقدمة يسوقه على جسر فكتوريا من مدينة دمشق إلى ضاحية قريبة من الجسر، صوب بيت ذاك الضابط الفرنسي. يقف الطنبر، وينزل الفتى ويفتح باب الصندوق، ويسحب منه نصف لوح من الثلج، ويشق طريقه إلى فيلا تظللها الأشجار يرن الجرس. فيفتح لـه عسكري زنجي من السنغال، وهو خادم للضابط الفرنسي. فيدخل الصبي إلى الفيلا، ويزلق البوظ في براده كانت تستخدم أيامئذ لحفظ الشراب والطعام قبل اختراع الفريزر. وعندما ينتهي الفتى من المهمة، يخاطب العسكري السنغالي بالفرنسية فقد تعلم بعضها منذ الرابع والخامس الابتدائي.‏

"هل عندك خبز" Avez - vous du pain‏

فيجيب العسكري وشفتاه السوداوان تنفرجان عن أسنانه العاجية:‏

"انتظر" Attend‏

يتناول سلة الخبز عن طاولة الطعام. وينتقي ما يبس من خبزه الفرنسي ويعطيه إليه، فيحمله ويسرع عائداً إلى طنبر البوظ، ويعتلي سطح الطنبر وهو يقرمش الخبز الفرنسي ذا الطعم المميز، هذا الطعم الذي يعلق إلى اليوم بذاكرته. هذا الطعم الذي ينقله بلقمة واحدة إلى زمن الطفولة زمن المهارات المكتسبة واكتشاف العالم.‏

أبو حسان يدفع لـه أجراً يومياً لا يزيد عما كان يدفعه الآخرون. لم تكن بحد ذاتها مهمة بقدر ما كانت المغامرة والعمل. كان طفلاً أو بالأحرى فتى يبحث في الحياة عن معنى. المدرسة كانت تشغله في فصول السنة الأخرى، أما الصيف فكان للعمل والمغامرة.‏

يعرف فتياناً أهلهم يشرفون على انتقاء أعمالهم خلال الصيف، غير أنه لم يتزود بمثل هذا الإشراف، فهو حر في انتقاء العمل الذي يريده أو اختياره، ولذا تقلب على كثير من الأعمال: في سوق الهال وسوق الحميدية وسوق البزورية. وأكثرها خدمات وليست مهناً. اشتغل بفرد دفوف القمردين في سوق الهال، وعمل لحساب بائع صبارة، بائع فول، بائع فواكه، عنب وتفاح وتين وخيار وقثاء، بائع معروك في رمضان وهو خبز يحضر بكيفية مخصوصة، كما عمل عند حمصاني في سوق ساروجا، وسمان وعرقسوساتي. أما المهن، فقد جرب حظه عند أبي راشد خياط نسائي، وقبله عمل في معمل كرتون في جوبر، ومشحماً للسيارات، وكوّى شعر. حتى حصل على شهادة الكفاءة، فمنذئذ عمل "وكيل معلم" كما هو مقرر في نظام وزارة المعارف، وافتتح صفحة جديدة في حياته، وأول راتب قبضه من تلك الوظيفة، صرف معظمه على شراء "كاميرا" كوداك ما تزال عنده، كما اشترى كتباً منها "هكذا تكلم زارادشت" ترجمة فيليكس فارس لفردريك نيتشه الذي عرفه صديقه راشد على فكره.‏

الأعمال والمهن التي غامر فيها لم يكسب منها مالاً إلا أنها ساعدته على البقاء واستمرار الكفاح وزودته بخبرات الاعتماد على النفس وقداسة العمل ومعرفة الناس ومكنت لـه قوة الإرادة.‏

لقد تحمل ورم قدمه وشفي من آلامه تقريباً. والصيف في أواخر أيامه، لم يكن قد أخبر أمه أو والده بهذه الشغلة التي اشتغلها، لأنه لو فعل لما سمحا لـه بأن يشتغل أجيراً لبائع البوظ. ولم يخطر بباله أنه سوف يكتشف يوماً ما.‏

لكن في ذات يوم مر طنبر البوظ من شارع فيه مكتب أبيه فرآه في دهشة وخيبة معلقاً بمؤخرة الطنبر واقفاً على الحافة الخشبية حافياً. وبقنباز مقلم وقبقابه على سطح الطنبر. لم يتكلم أبوه أبداً لكن وجهه تحول وتقلص وعيناه تقدحان الشرر، وشفتاه مزمومتان كخاتم أسود، وأصابعه مضمومة إلى أعلى تهديداً بما تعنيه الإشارة "أنا بورجيك" أي سأريك عقابك في البيت لهذا العار الذي جلبته عليك وعلي وعلى أسرتك.‏

فطارت من رأس عارف فكرة العمل المقدس، كما طارت أفكار المهارة واكتشاف العالم، واستقال من هذه المهمة الشاقة مع حزن أبي حسان على فراق الأجير الوفي.‏

وفي اليوم التالي ينهض باكراً من فراشه ويقصد حميد، ويذهبان معاً إلى الحقول ويقضيان سحابة اليوم. ولحق بهما حوالي الظهر فارس وموسى وسعدو، ويجتمع بهم راشد المعلم ويقرأ عليهم نصوصاً لنيتشه. هنا تتوقف المجذوبة عن السّرد.‏

وبينما يضيء عارف الشمعة الثانية عشرة أخذ يبوح:‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244