أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

12 ـ رويدة وأبو غانم

هين على عارف أن يترك العمل على طنبر الثلج، فهو يستطيع أن يعوض أجره من أي عمل آخر.‏

لكنه كيف يستطيع أن يعوض صلته بسعاد؟‏

فقالت سيدة الفنتازيا: ومن هي سعاد؟!‏

إنها ابنة أبي حسان، التي حلت محل زينب واستأثرت بلبه، وتطورت بينه ويبنها عاطفة حميمة لكنه لا يجرؤ أن يسميها حباً!!‏

فقالت المجذوبة: هل هو حب الرجل البكر؟!‏

وضحكتا معاً متذكرتين ما قرأتاه عن هذا في غفلة منه.. ويظن أنه حجزهما عن هذا الفصل.. لكنه أخذ يرتاب الآن بكلتيهما؟! فقال:‏

سعاد هي زينب أخرى تعلق بها حقيقة لا خيالاً.. فجاء القدر بصورة أبي التوت وأخذها منه!! أما سعاد وعارف فللقدر أو للزمن معهما قصة أخرى!!‏

لم يكن يتصور أو لا يستطيع أن يتخيل زينب وأبو التوت في سرير واحد. إنها لصورة مؤذية!!‏

لكن أبو التوت الآن زوج لزينب، تلك المخلوقة المرهفة كجناح فراشة. عود لدنة، ووجه مشرق وشعر منسدل على الكتفين، وفم بريء لا يكاد ينطق.‏

زينب هي بطلة الروايات المسرحية المرتجلة التي يلفقها وأترابه في تنور الحي المشترك. فحين ينتهي الناس من خبزهم، يتجمع الأولاد في قاعة التنور ويرتجلون مسرحاً لهم.. هم فيه المؤلفون والممثلون والمخرجون ومبدعو الديكور والمكياج.. يسدون فوهة التنور بلوح من الخشب أو الصاج (صينية كبيرة من المعدن) فيصبح مصطبة كمسرح..‏

الرماد أو ما تبقى منه في التنور والشحار كالكحل وأصابع الحمرة المسروقة من البيت أدوات كافية للمكياج.‏

وزينب دائماً "الحبيبة" التي يتنازع عليها الأتراب، والذي يأخذ دور البطل زينب تكون حبيبته التي يدافع عنها حين يأسرها الحرامية وتكون المكافأة في النهاية عناق خاطف وقبلة خجولة على الخد أو الرأس بعد أن يحرر البطل الحبيبة من الأسر.‏

لكن من يحرر زينب الآن من الأسر؟!‏

كيف يغتصبها الزمان والمجتمع ويسلمها لأبي التوت حلالاً طيعاً؟!‏

بقي عارف قلقاً وعصفور الريبة ظل ينقر باله بحثاً عن جواب لسؤال لم يفارق ذهنه. كيف يتعايش جسدان لا تكافؤ بينهما، وشخصان.. شيخ وطفلة في بيت واحد. بل في مخدع وفراش واحد؟!‏

يسبح عارف في الاتجاه المعاكس للنهر مقترباً من بيت أبي التوت لعله يكتشف حقيقة الوضع من خلال باب النهر الصغير أو شبابيك البيت المطلة عليه. ولكن دون جدوى.. فأبو التوت حريص على أن لا يكشف محارمه لعيون الغرباء.‏

وعلى جماعة مسرح التنور وعارف وأترابه الفنانين الصغار أن يبحثوا عن بطلة جديدة لمسرحياتهم الطفولية، بعد زواج زينب من أبي التوت. على عارف أن يفتش عن حبيبة أخرى.‏

رويدة أكبر منه بسنتين، ولم يتجرأ قلبه أن ينبض لها.. فهي وراشد مثل قيس وليلى.. والحكاية تنتقل بالهمس من فم لفم.. حتى صارت فضيحة ـ الحلال والحرام غطى زينب بأبي التوت، وغطى سعاد بعاصم الإنجليزي. أما رويدة فتركت في العراء تنتظر السياف.‏

فقالت المجذوبة: ما أزال أذكر قصة رويدة.. كانت أمي تقصها علي وتعيدها كأنما تندب ذاتها وتندب حظ المرأة في مجتمع قاس يفصل رويدة كما يفصل الجزار بالساطور اللحم عن العظم.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: أضعتماني أنتما الاثنان. من هو راشد ومن هي رويدة؟!.‏

فقال عارف مخاطباً المجذوبة: أنت تعرفين قصة رويدة خطيبة غانم فلماذا لا تبدئين بمقدماتها بينما أشعل أنا الشمعة الثانية عشرة، قربت دورة القمر أن تكتمل، فاغزلي خيوطك الضوئية كي يستدير وجهه في العتمة.‏

أخذ الكبريتة وأشعل الشمعة، وأخذت المجذوبة تقول:‏

شتان بين أبي غانم، وأبي راشد. هذا يتمتع بسلطة البزة الرسمية التي يرتديها، ولكنه متواضع لا يشعرك بأنه يملك عليك حق الاستعلاء. وهذا لا بزة لـه ولا سلطة، لكنه يلف على ذراعه علامة شرطي أبو شرطوطة وهي وظيفة مؤقتة ابتدعتها السلطة المنتدبة لتشق العرب عربين. وتقاوم الأهلين بأشخاص منهم.‏

أبو غانم يتمختر في الحي، ويتقصد أن يرى الآخرين علامته المميزة.. إذا مشى في الحارة أو تبضع من دكاكينها يمارس على الناس عجرفة ظاهرة ومكانة موهومة.‏

أما أبو راشد فتحس وهو يعتلي صهوة جواده أنه قريب إلى قلبك من الطريقة التي يحيي بها الناس، وبشاشة وجهه الذي ينم عن رجولة وإنسانية في آن، يحسده عليها أبو غانم، ويحقد عليه، ويتظاهر بالمعرفة ولا يملكها، والقوة التي ليست لـه منها سوى شرطوطة يعلقها على ذراعه منّ الأجنبي عليه بها. وهي أدعى إلى السخرية منها إلى الاعتبار والقيمة، ومع ذلك يتعاظم على الناس كأنه الجنرال ديغول.‏

أم رويدة تقول: الله يهد جبرك يا أبا غانم، ويجعلك خاسراً إلى يوم القيامة. ويتجاوزها دون أن ينم وجهه عن معنى.‏

ويغمم إذا مر راشد، لأنه يعلم أنه يحب رويدة، ويقف عثرة أمام أمنيته بأن يتزوج ابنه غانم رويدة لا لينشئ عائلة ويؤسس حياة سعيدة بل ليغنم ما لأبيها من ثروة وعقار.‏

وراشد يمقت فيه استخذاءه وتعاونه الذليل مع المحتل وتعاليه وتشوفه بشرطوطة هي أدعى إلى مهانته وذله.‏

أبو غانم وأبو راشد نموذجان بشريان من نماذج الحي الذي يعيش فيها عارف، وتعامل هذا مع الناس ينقصه تعامل ذاك كأنما جبل أحدهما من عجينة الخير، والآخر من عجينة الشر.‏

يقتطع أبو غانم من الأرض المشاع الملحقة بالمقبرة مقسماً مستطيلاً يزيد عن المئتي متر، ويحصل على رخصة عمار بالرشوة من البلدية، كما يتحايل على مديرية الأوقاف فيبني ويعلي الدار. يبني أثناء الليل ويقف في النهار، وما أحس مفتشو الأوقاف بالأمر حتى كانوا في حضرة دار عامرة كاملة مسكونة لا يمكن هدمها على من يسكنها.‏

وأبو غانم هو عم سعدو، وديع في مظهره، قليل الكلام، أميل إلى الصمت والسكون منه إلى النطق والحركة. لكن عينيه تلمعان كعيني ثعلب في العتمة على فريسة متاحة، وكأنما تركزت على كل شخصيته بعينيه. وكأن سعدو فرخ استل منه أو قل أبو غانم كان مستقبل سعدو الذي ينتظره في موقف الزمن.‏

وكان أبو خاطر صديقاً لأبي غانم، رقيق الحاشية، خفيف القوام بعيني حمل وابتسامة وديعة. ورويدة ابنته صبية جميلة يطمح أبو غانم أن يزوجها لابنه غانم، ويود أن يقتطع من دار ابن أخيه سلمان بيتاً يكفي غانم ورويدة كما في حلمه. إلا أن سلمان ذا العائلة الكبيرة والأطفال الكثيرة قال: أبوه أولى به، والدار التي اقتطعها من مشاع الأرض تتسع لغانم وأبي غانم.‏

ذات مساء.. كنت ماراً أمام بيت سلمان. فإذا بأبي غانم يتجادل معه، ومن حوله أولاده الثلاثة وسعدو. يتجادلون حول الدار. لكن سلمان لم يطق الجدل، فدخل الدار وأطبق الباب دون أن يرد على صراخ أبي غانم. فما كان من أبي غانم إلا أن أخذ يرجم صحن الدار من فوق الجدار بالحجارة ويحرض أبناءه كما يحرض سعدو على الرجم.‏

الأحجار تنهمر كزخ المطر من فوق الجدار. وسلمان على ما يبدو يقف في صحن الدار بينما فاجأه هذا الزخ، ووقف حائراً..! هل يفتح الباب أم يتلطى من هذا البلاء الذي يسقط عليه من السماء والحجارة تنهمر، وتزداد انهماراً حين استجاب أولاد أبي غانم الثلاثة وسعدو إلى تحريض أبي غانم على الرجم.‏

كان حجم الحجارة كبيراً وعددها كثيراً، وسلمان خلف الباب لا يستطيع الحركة والهرب منها إلى الغرف. وما هي إلا وهلة انفجر صوت الولاويل من الدار. وينفتح الباب وإذا بسلمان على الأرض لا يتحرك ولا يتنفس.‏

الظاهر أن حجراً كبيراً سقط على أم رأسه فكانت القاضية، تفحصه أبو غانم متشفياً ومضى كل إلى داره.‏

وحين جاءت الشرطة واستجوبتهم جميعاً، لم يتبين من القاتل، واعتبرت الحادثة قضاءً وقدراً.‏

استغل أبو غانم تعاونه مع سلطة الاحتلال ليس منصبه بكبير، لكنه كمخبر أدى خدمات جليلة لها.‏

التحقيق قصير وشكلي. التعليمات كانت كذلك.‏

ووسّط أبو غانم أغوات الحي. وتدخل المتنفذون من أصحابه فأخلي سبيل الذين اشتركوا في الرجم جميعاً، ولا سيما أن القاتل والمقتول والذين رجموا جميعاً من عائلة واحدة، فضاع دم سلمان.‏

كانت جدتي تقول: أبو غانم هذا قتال قتلى، ولم أكن لأصدقها لمظهره الناعم ولوجهه الباش، ولكنه لا يخلو من صفرة اللؤم.‏

أن يتسبب أبو غانم بقتل ابن عمه ومن أجل خصومة على دار، يبدو ممكناً ولو أنه غير معقول، لكن أن يشترك أبو غانم في عملية قتل أخرى لا ناقة لـه فيها ولا جمل، أمر أقرب إلى الوحوش منه إلى فعل الإنسان.‏

غانم يرغب برويدة بمباركة أبيه وتزكيته، غير أن رويدة لم يكن لها الخيار مع أنها تكن لراشد حباً لا يتزعزع، ولم يكن يدري بها أحد، لكنها الآن أصبحت مهددة، والحب عار بل حرام عند كثير من الشرائح الاجتماعية التقليدية.‏

ورويدة لا ترغب بغانم، ولو أنها كانت مستعدة لأن ترضخ لإرادة أبيها وتتزوج غانم خوفاً من العار، فيكون راشد هو الضحية ورويدة الفريسة التي تنصاع لصياد القدر. وما حصل من تطورات فيما بعد رجح كفة الشر.‏

رويدة ذاتُ حور كغزال، وشعر أسود كالليل مسبل على صباح وجهها المورد البريء. والغزال حين يحس بخطر الصياد لا يستطيع أن يرواغه بل يهرب منه.‏

وهكذا كانت تفعل رويدة، إلا أنها أخطأت طريق الهرب.. وحاولت أن تستنجد براشد، لكن صداقة أبيها المتينة مع أبي غانم كانت تنبئ بمصيرها المحتم.‏

انتظرت راشد يوماً وهو عائد في الطريق من المدرسة إلى البيت، كغريق يتعلق بقشة. و إلى هنا والأمر مأمون. إلا أن أبو غانم يلمح رويدة وراشداً متوترين، يتحاوران في منعطف الحي بحماس وتهرباً من مدى رؤيته. ولكنه تيقن من رؤيتهما معاً. فنفرت النار من عينيه الثعلبيتين كأنما دمر شرفه. ألم تكن حلم ابنه غانم أنه يلمح لأبي خاطر برغبة غانم من الزواج منها، إنها إذن بحكم المخطوبة، والخطبة شريعة، أما الحب فعار. من يدفع إذن؟ ثمن هذا العار؟! غانم ابنه... أبداً، لابدّ للطرف الأضعف أن يدفع هذا الثمن، لا سيما أن رويدة ترفض الزواج بغانم رفضاً قاطعاً.‏

بينما كان أبو غانم وأبو خاطر في المقهى يلعبان الطاولة.. همّا بالخروج معاً، فوشى أبو غانم برويدة وراشد مع كثير من البهارات إلى الأب الذي كان مذهولاً لما يسمع. صديقه الحميم والراغب بمصاهرته يرميه بعار لا يصدق؟!‏

بقي أبو خاطر مدة يقلب الأمر. كان بيته على طرف النهر وقد بنى ليواناً ومصطبة على ضفته، تقضي الأسرة عليها أوقات الصفاء، هنا كان يلعب مع رويدة الطفلة، والآن هي بسن الزواج.‏

جلس أبو خاطر على كرسي خشبي وهو يتفرس الماء، وطلب من رويدة أن تأتيه بفنجان قهوة. فقالت: من عيوني يا أبتاه.‏

كان يحبها حباً كبيراً. وكان عطوفاً عليها، إلا أنه يرضخ لصديقه أبي غانم في أمر زواجها. ولم يكن يعلم بحقيقة مشاعرها نحو غانم، وظن أنها لا تمانع في الزواج منه.‏

لكن الآن بعد أن خبره أبو غانم عن راشد، لابد لـه من أن يتحقق من الأمر.. نعم لقد رآهما أبو غانم أو لمحهما يتحاوران في منعطف الحي، لكنه كان يمكن أن يتلافى الأمر. وأخذ يتلكأ عن الاستجابة إلى تحريض أبي غانم. يريد منه أن يمحو العار عن جبينه، أن يمحو اللطخة التي سببتها رويدة في حياته!!‏

أبو خاطر لم يكن مستعداً للقتل، ومن يقتل فلذة كبده. ولماذا ؟! لأن أبا غانم لمحها تتكلم مع راشد، يا للعار!!‏

حاول أبو خاطر بعد أن تحقق من الأمر أن يبقى حبل خطوبة رويدة لغانم موصولاً.. لكن أبو غانم أخذ يصعد كلامه عن رويدة، وعن الشرف الذي دنسته بالحب، هل الدنيا فالتة؟ ومن يرضى بالزواج من صبية داشرة، حبلها على الغارب؟! ترفض أن تتزوج غانم.‏

أبو خاطر كان في مأزق لا خروج منه. إلا أنه إنسان ويقدر الشعور الإنساني!! فأخذ يماطل بل حاول أن يتجنب أبا غانم الذي لا يتحول عن موقفه المتعنت. يجب على رويدة أن تدفع الثمن، إنها العار لأبيها وأسرتها وخطيبها المزعوم!!‏

لم يصغ أبو خاطر لهذا الكلام المهوش. فقال أبو غانم له: إنك تظن أني أضخم المسألة وأبالغ فيها. الحارة كلها مطبولة بقصة العار!! بحب رويدة لراشد وهي تقريباً مخطوبة لغانم!! إنها الفضيحة.‏

لم يصدق أبو خاطر هذا التهويش، وأبو غانم يلوي ذراعه ويضغط عليه.‏

يستيقظ أبو خاطر ذات صباح ويفتح باب الدار ليخرج إلى السوق، يشتم رائحة خراء، يسد أنفه ويتفحص الأمر، فإذا بباب داره مطلي بالخراء.. وهو علامة العار والفضيحة.. وما من غطاء.‏

يلتقي مع أبي غانم ويشكو لـه الأمر. فيجيب: تظن أني وحدي أهول عليك، الناس لا يستحملون الناقصة، إنهم يبلغونك رسالة. وأسقط في يد الأب يتوجه إلى الدار بصحبة أبي غانم.. يدخلان الدار ورويدة تقرأ دروسها على المصطبة المشرفة على النهر. فجلسا إلى جانبها، ويطلب منها أبوها أن تحضر القهوة. وحين تذهب إلى المطبخ من أجل القهوة، يستل أبو غانم خنجراً من خصره ويضعه في يد أبي خاطر، ويقول: الآن فرصتك لكي تمحو العار عن جبينك.. لابد من دفع الثمن. الموت ولا العار، الموت ولا العار. هل تفهم أم تريد أن تبقى حياتك كلها مذموماً مكبلاً بالعيب.‏

وحين تعود رويدة بصينية القهوة تضع الدولة على الطبلية وتجلس لتصب القهوة. فينهال عليها أبوها بطعنة طائشة ـ ربما كان يتمثل كأب للاوعيه ـ تصيبها في ذراعها ولم تجرحها. تطير صينية القهوة والفناجين من يدها. لكنه يجبن ويتوقف، فأخذ أبو غانم من يده الخنجر وأخذ يطعن رويدة في الصدر طعنة وطعنة وطعنة.. حتى يمتزج دمها السائل بماء النهر وأزهق روحها....‏

الحب عار، الحب عار. أما القتل فشرع مقدس!!‏

وحين جاءت الشرطة تحقق في الأمر، أفاد أبو خاطر أنه هو الذي قتل ابنته لما ألحقته به من عار، ونجا أبو غانم في المرة الثانية كما نجا في المرة الأولى.‏

لقد قتل سلمان ومسح يديه بقميصه، وقتل رويدة ومسح يديه بذقن أبيها وصدره... وراشد على الطريق.. أحس بالخطر الذي يتهدده، فلجأ أبوه إلى الآغا زعيم الحي يطلب منه الحماية. وما ندري ضحايا أبو غانم الأخرى. إنه قاتل بالفطرة.. ولا تعوزه الأسباب.‏

أصرت أم رويدة على براءة ابنتها أثناء التحقيق.. وكشف الطبيب الشرعي على رويدة فتبين أنها عذراء.‏

قالت سيدة الفنتازيا: لكن السؤال يبقى من الذي دهن باب أبي خاطر بالخراء علامة العار في الليل ليدير الحوادث دورتها صوب القتل...!‏

فقالت المجذوبة: إنه سعدو الذي قبض من عمه رشوة ثمناً لذلك!! وظن أبو خاطر أنها من فعل أهل الحارة يخطرونه بالفضيحة!!‏

استقوى أبو غانم على سلمان ابن أخيه ورويدة ابنة أبي خاطر. لكنه في الواقع أجبن من أرنب. وفي عمله شرطي أبو شرطوطة كان لا يتجرأ على مواجهة المتظاهرين أو التصدي لهم. لم يستطع التخلي عن نفسية المخبر حتى إنه حدث لـه اصطدام بسبب خشيته الزائدة على نفسه، ومن مبالغته في التلطي خلف العربات المصفحة أو الدبابات التي كانت تتقدم قوى البوليس المقاومة للمتظاهرين.‏

ففي إحدى المرات تراجعت الدبابة إلى الخلف، وعلقت قدمه أو طرفها تحت جنزير الدبابة، وكاد الجنزير يشطب قدمه كاملة. إلا أن زملاءه استطاعوا أن يوقفوا أو يخطروا السائق وأنقذوه من دهس الدبابة ومن انفصام رجله عن جسده. وحمل إلى المستشفى وعولج، إلا أنه خرج منها بعرج لم يفارقه حتى مات. وميتته كانت غريبة كشخصيته إلا أنها من النوادر التي تظل على الأفواه مدة طويلة.‏

كان الفضول يأكل قلب المجذوبة فبادرت سيدة الفنتازيا بالقول: استغرب كيف يحرق عارف بعض أوراقه التي تتضمن خبرته الجنسية. ويتكلم عنها أحياناً بلغة حالمة أو خجولة إن لم اقل مواربة.‏

سيدة الفنتازيا: عارف رغم تقلبه في الآفاق وخبرته الواسعة في الثقافة إلاَّ أنه حينما يستسلم إلى ذاكرة الجنس فهو ثمرة بيئته. الجنس كما تعلمين عندنا محرم أو مسكوت عنه إن لم أقل مقدس.‏

المجذوبة: أي والله مقدس. لكن النساء فيما بينهن كما الرجال لا يتركون منه شاردة ولا واردة ويفصحون عن أحاسيسهم الجنسية (قصص الجنس كقصص الأفاعي لا تنتهي) بل كثيراً ما يضخمونها لاسيما الرجال. وينقلونها إلى مستوى الخرافة.‏

الفنتازيا: قولي الأسطورة. وهذا واضح في بعض حكايا الموروث الشفهي الجنسي الذي ترسب في بعض في حكايا ألف ليلة وليلة. أو كتاب رجوع الشيخ إلى صباه.‏

تأكدت من ذلك في كتابات الغربيين عن الجنس والإسلام.‏

لو كان عارف كاتباً غربياً لما أحرق هذه الأوراق التي تفوح برائحة الجنس.‏

المجذوبة: ألا يخجل هؤلاء الغربيون من الكلام وكشف الستر عن خبايا الجنس.‏

الفنتازيا: بالعكس خبراتهم عن العالم السفلي كخبراتهم عن العالم العلوي مرغوبة ومطلوبة والاعترافات كما الروايات التي تتمحور حول هذه الخبرات هي الأكثر مبيعاً في السوق. أليست ألف ليلة وليلة وكتاب رجوع الشيخ إلى صباه الأكثر والأدوم بيعاً لأنها في جزء كبير منها من أدب تحت الأرض والخبرات الجنسية السرية.‏

المجذوبة: الجنس حلال مقدس في الشريعة وحرام مدنس خارجها لا جنس خارج دائرة الزواج. كانت أم منصور في حينا القديم مختصة بالكشف عن العذارى قبل الزواج أو في حالات الريب؟‏

الفنتازيا: حتى الحب يدخل عندنا في دائرة المحرم والمدنس. إذا وقع رجل أو امرأة في الحب فعليه الكتمان والصمت. وإلا يكون مصيره كمصير قيس. أخلاق القبيلة وقيمها لا تسمح للذات بالخروج إلى ضوء الشمس إلاَّ تحت غطاء الجماعة ومثلها.‏

المجذوبة: معك حق حب رويدة في حينا القديم شكل فضيحة لأسرتها. فكان نصيبها القتل. لكن تسمعين هنا وهناك عن نوادر تعبر عن خروج الذات إلى شمس الحب مع توقع الموت. كأنما الحب كان يمغنط رويدة وينومها فلم تحسب حساب الموت.‏

الفنتازيا: الجنس كالموت غامض. يبعث أسئلة كثيرة لا أجوبة شافية عليها الرغبة الجنسية عند فرويد تكمن في خلفيات الحلم والحب والسلطة والسفن ومعظم تجليات الفكر والنفس في دوامة الحياة.‏

المجذوبة: هذا أعلى من مستواي أرجوك. ظلي معي على الأرض. أتذكر مرويات ربما لو عرفها فريد أو فرويد الذي تؤمنين به لدونها في كتاب أحلامه.‏

الفنتازيا: .. أنت متواضعة أيتها المجذوبة هات ما عندك.‏

المجذوبة: تتذكرين زهرية التي كانت تقرأ كل أسبوع بواسطة الشيخ سيرة المولد، على قبر الشيخ محيي الدين ابن عربي طلباً للبركة والمغفرة.‏

الفنتازيا: أتذكرها. نعم.‏

المجذوبة: يروون أنها كانت أصلاً في المحل العمومي وتابت إلى ربها على يد رشوان صاحبها وأحبها إلى حد التوبة. وحين مات هجرت الخطيئة. وبيع الجسد. وخرجت إلى بيته وأهله. وباعت صيغتها وأخرجته في جنازة حافلة. وزعت الغذاء والكساء والمال على الفقراء. وبنت لـه قبراً في مقبرة الجوعية لـه شكل فني متطاول ورأس غريب.. وكانت تخرج يومياً إلى قبره تقرأ القرآن وتسبح اسم الرحمن.‏

الفنتازيا: ألا ترين، كيف اجتمع في قصتها الحب والجنس والموت؟!‏

المجذوبة: لذلك فرويد صاحبك. كان ليرى فيها نموذجاً للجنس المفجوع.‏

الفنتازيا: عنده الجنس المكبوت يتجلى في الحلم أو الرغبة أو اللوحة أو القصيدة أو النغمة وربما الفاجعة.‏

المجذوبة: لكن الجنس المفجوع عند زهرية تجلى في سلوكها وتوبتها. كما تجلى فنياً في شكل القبر. بعض الخبثاء كانوا يتغامزون على تطاول القبر وشاهدته الغريبة. وكيف كانت زهرية تزينه بالآس والورد كل يوم.‏

الفتنازيا: صرت منا يا مجذوبة.‏

المجذوبة: على مهلك لكن أصحاب الشريعة وأصحاب المقدس لهم أيضاً نوادرهم في هذا المجال مثل أخينا فرويد.‏

الفنتازيا: الدين. الجنس. الحب. الموت. الفن. هي مهد مشترك للبشرية منذ فجرها الأول. فما هي نوادر أصحاب الشريعة هؤلاء.‏

المجذوبة: يا ست أيام الاحتلال والاستعمار كان المحل العمومي الذي خرجت منه زهرية إلى التوبة. في نهاية شارع الدرويشية يلتصق بمدخل من مداخل حي الشاغور.‏

كان رشوان صاحب زهرية من قبضايات الحارة المشهود لهم بقوة الجسد ولطف المعشر.‏

الفنتازيا: إذن كان يجب على زهرية أن تجسد ذلك في صورة ضريحه الذي صار رمزاً عندها يختزل عاطفتها الجنسية والدينية.‏

المجذوبة: اسمعي واتركينا من تجليات فرويد. هناك تجلى اجتماعي آخر للجنس كان يعبر عنه الرجال في هيأة طقس لا أدري أصله وإن عرفت فصله.‏

الفنتازيا: حددي لي ماذا تعنين بالطقس.‏

المجذوبة: قبل أن تخرج زهرية إلى التوبة التامة على يد رشوان، كان رشوان على طريقة قبضايات الحارة يدعوهم إلى "الشكار".‏

الفنتازيا: وشو يعني الشكار؟!‏

المجذوبة: الطقس معروف لكن الكلمة غريبة كردية أو فارسية بمعنى صيد. غنيمة. لعب. لكن الشكار كما كان يمارسه قبضايات الحارة هو أن يدعو القبضاي شباب الحي البارزين إلى سهرة غناء وموسيقى ورقص. تقوم به صاحبته لترفه عن الشباب وتسليهم وتبسطهم ولكن في خاتمة السهرة تنفرد مع رجلها كأنها غنيمته وحده وصيده وفرحه. والشكار هو استعراض للحظوة الجنسية والقوة التي لا يمتلكها إلا النخبة والمختارون. ترقص زهرية وتغني فقط للحاضرين على ألحان البزق أو العود ونقر الدربكة إلا أنها في خاتمة المطاف تعانق رشوان وحده في سرير اللذة والحب.‏

الفنتازيا: رشوان يستحق ذلك الضريح في تقدير زهرية ردّ لزهرية اعتبارها الإنساني والجمالي وأخرجها إلى دائرة الحب.‏

وينك يا فرويد فسر لنا تجليات الجنس وتشوقه وتحولاته في قصة زهرية ورشوان.‏

المجذوبة: لا أريد أن أشط وأمط. لكن لابد لي من أن أخبرك عن بدر الدين الحسني وتجليات المدنس في المقدس والمقدس في المدنس.‏

الفنتازيا: الله.. الله وشو يعني هذا الكلام المنغم العجيب؟‏

المجذوبة: الشيخ بدر الدين الحسني هو أبو الشيخ تاج من رؤساء الجمهورية السورية الأول في عهد الاحتلال الفرنسي.‏

الفنتازيا: وشو علاقة الشيخ بدر الدين بزهرية ورشوان.‏

المجذوبة: لا.. لا.. ليس لـه علاقة بهما بل بالجنس والسياسة والدين.‏

الفنتازيا: الشيخ والجنس هذا ليس مستبعداً اختاره الفرنسيون ليستغلوا الدين في خدمة السياسة والسلطة.‏

المجذوبة: كان الشيخ بدر الدين يعطي في شهر رمضان أموال الزكاة لمومسات المحل العمومي لتوقفهن عن أعمال الخطيئة.‏

الفنتازيا: هل كان ذلك من قواعد الشريعة؟‏

المجذوبة: كلا بل ليشجعهن على التوبة.‏

الفنتازيا: أظن الخبرية كلها مفبركة لإعلاء شأن الشيخ. كيف يمكن للشيخ بدر الدين الحسني أن يعطي أموال الزكاة لمن تمارس الزنا في شهور السنة كلها. وتتوقف عنه في شهر رمضان.. هذا من مخيلة الزهاد والطهرانيين.‏

المجذوبة: أنت حرة. وصاحبك فرويد حر. لكن الرواية معروفة عند الناس.‏

سيدة الفنتازيا: فضولك عن الجنس ينبع من فضولك عن الجنس عند عارف. وشو بدك بفرويد واختصاصي بعلم النفس. راح أزعل منك!! عندي موعد في الجامعة أراك غداً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244