|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
13 ـ الآغا وشيخ الشباب كان عارف يضيء الشمعة الثالثة عشر بينما يقول: الذي قدم الحماية الفعلية لراشد هو شيخ الشباب الذي توسط لـه عند الآغا. تتساءل سيدة الفنتازيا: ومن هو شيخ الشباب هذا، ومن هو الآغا؟ ولماذا لم يحم رويدة من القتل، ويمنع زواج زينب الجائر من شيخ يكبرها بأربعين سنة؟ يتناول عارف الألبوم من على المكتبة، ويفتح صفحة مخصوصة ويقول: إليك صورته.. لكن انتظري قبل أن تقرئي وصفه لابد لي من أن أشعل الشمعة الثالثة عشرة... إننا بعيدون يوماً واحداً عن اكتمال الدورة، والاستدارة الكاملة للقمر. يتناول الكبريت. يستخرج منها عوداً ويتأكد من موضع الشمعة ويشعلها قائلاً: هذه هي صورة أبي فارس شيخ الشباب، وهذه صورة زكريا وهذه صورة أبو هشام، وهذا أبو سعدو، وهذا أبو راشد، وهذي هي صورة الآغا. هل تتكرمين أيتها السيدة أن تقرئي لنا الوصف المثبت في أسفل صورة الآغا؟ فقالت سيدة الفنتازيا: الآغا الذي استنجد به راشد؟! تفضل أنت يا عارف. فيتخذ عارف مجلس الراوي ويقول: كلمة الآغا لا تصير اثنتين. يأمر الناس فيطيعون، ويطلب منهم فيلبون. بيته أبداً مفتوح للضيف، آراؤه حاسمة، وإرادته نافذة. يعين المخاتير ومن ثم تنتخبهم الرجال، وقوائم الانتخابات تنم برأيه، يدخل فيها من رضي عنه، ويخرج منها من لا يحوز رضاه. مربوع القامة، لـه كرش وجاهة، وهي سمنة تصيب المحظوظين اجتماعياً والذين ينالون أكثر من غذائهم المستحق. عيناه تنمان عن فكر فطن وحزم، وإن كانتا نصف مغمضتين في أغلب الأحيان. تحت الطربوش القصير الذي يلبسه رأسه يعرف جلائل الأمور فيوفر عزائمه لما تستحقه. والحي ينقسم إلى حارات، وكل عشيرة في حارة ولكل عشيرة عقيد لا يخالف أمر الآغا في شيء، ولا يستغني عن مشورته في الحياة والموت، والسلم والحرب. الذين يستحقون الموت تهر ورقتهم أول ما تهر من شجرة في صحن داره. وتقدر ديات القتلى بمعرفته، وهي درجات حسب القيمة الاجتماعية، ومكانة القتيل وعشيرته، أو قدرة أهله على الأخذ بالثأر أو العجز. لم يكن الغنى الفاحش من أسباب قوته مع أن لـه إقطاعات بسيطة في منطقة الحولة بالجولان، وكثيراً ما تناظر الشباب حول شخصيته وقوته من أين لـه هذه الزعامة وهي ليست بالوراثة، فالحي أو رؤساء العشائر يجمعون عليه فيتبوأ مكانه. هناك أغوات أكثر منه مالاً وأملاكاً في الحي، وشخصيات أخرى لها مكانة مهمة في سلك الدرك تزين النجوم أكتافها والنياشين صدورها. وهناك موظفون كبار في الدولة، إلا أن الحل والربط بيد الآغا. المنصفون يقولون إنه أهل للزعامة حازها بمزاياه وقوته والمرجفون يقولون إنها فرنسا، وكما قال نابليون: "فتش عن المرأة" أليست فرنسا مؤنثة؟! إذا ضمنت الآغا ضمنت الحي كله. ولا يكلفها شيئاً غير أن تقتطعه من أراضي الدولة في قرى الجولان، أو تحسب لـه حساباً وحصة من وظائف الحكومة من أدنى السلم إلى أعلاه، طالما أن المحسوبية هي المعيار لا الكفاءة والقدرة. والآغا يفهم ذلك كله، ويعمل بمقتضاه. إلا أنه لا يكشف عن وجهه كشفاً كاملاً. ولا يتقنع على الناس كلياً يستشير رؤساء العشائر في الأمور الجلل ويحزم أمره. القوى الوطنية تخطب وده، لأنهم يعرفون أن قوى الانتداب تهابه، وتحاول أن تؤلف قلبه بالامتيازات والرشوة. قد يساوم على أمر ما خارج الحي كالتغاضي عن القبض على بعض الثوار ممن يقلقون قوة الانتداب. ولكن إذا كان الأمر يطال واحداً من رعاياه. فيتخذ سياسة المماطلة والمداورة أو المداراة حتى ينجو من تكون السلطة في إثره فينبهه إلى الخطر الذي سيقع عليه فيفلت. عيونه وحرسه أبداً من حوله، وأبناؤه الشباب عن يمينه وشماله، وعشيرته دائماً تحت طلبه. ومشايخ الحي: الشيخ أحمد، والشيخ علي، والشيخ جزو وخدام ضريح خالد النقشبندي وآخرون لا يزعجون خططه، إنهم يفقهون الناس في الدين، ويتركون لـه صنع القرار. هم يزهدون بالدنيا وهو يقبض عليها من العنق، ومريدوهم لا يعيقون مشاريعه. أما الأحزاب السياسية فالمسلمون والشيوعيون والقوميون أغلب أعضائهم من طلبة المدارس الذين ما يزالون يتعلمون على المقاعد الخشبية، ويملأون أدمغتهم بالنظريات والعقائد وتقتصر فعالياتهم على الإضراب والاحتجاج أما الأفعال فهي لحكمة الآغا وتدبيره. والآغا مرن غاية المرونة مع جيل العقائد الجديد، على عكس ما يتوقع منه كمحتكر للسلطة. وكان هذا من أسباب قوته ومنعته. في اجتماع لتشكيل قائمة الحي الانتخابية تسلل قسم من هؤلاء إليه. وطالب كل اتجاه بأن يدرج اسم مرشحه في القائمة. فأقنع الآغا رؤساء العشائر بقبول ذلك، على أن تضع الأحزاب المعنية أسماء مرشحي الحي في قوائمها وهكذا كان. نجح مرشحو الحي.. أما مرشحو الأحزاب فقد وافق بعضهم النجاح، وبعضهم الآخر لم يحصل على نسبة الأصوات الكافية.. أما وفود الأحياء والحارات الأخرى في المدينة، فقد كانت أسماء مرشحيها تدرج في قائمة الحي أيضاً بتزكية من الآغا، على أن تدرج أسماء مرشحيه في قوائمها.. هي الديمقراطية شطارة وتجارة ومقايضة ومبادلة ومرونة ونجاح وفشل ومساومات. والحكماء يقولون إن هذا أفضل من أين يفرض المرشح من فوق لسلطة مركزية تصب كل المصالح في خانتها وتتفرع منها كالأنظمة المركزية. والآغا لا يعادي فرنسا، ولا يمالئها. إلا أنه لا يصادر رغبة الناس في الاحتجاج والإضراب وحتى المقاومة المسلحة، على أن لا تلزمه ما لا يلزم. فيظل اسمه نقياً وسجله نظيفاً على الطرفين السلطة المنتدبة والحركة الوطنية. أما زكريا خلف فكان ضابطاً في جيش الملك فيصل. وهو حلو المعشر خفيف الدم، يأخذ الحياة أخذاً ليناً، ويضحك كثيراً. إلا أنه يحب الحوار والمؤانسة، ولا سيما أنه كان رجلاً قعيداً أصابته في موقعة ميسلون شظية قنبلة، فأحاطت برجله إلى العنق. ربما أصابته الأصلية لم تكن خطرة إلى حد يخسر فيها كل ساقه وقدمه، إلا أن الخدمات الطبية والمواصلات التي توفرت للجيش العربي الذي قاتل في ميسلون كانت معدومة، وحين أصيب زكريا، نزف دمه ونقل نقلاً بدائياً على عربة طنبر إلى المستشفى الأميرية في المزة بدمشق. وحين وصل إليها لم يكن أمام الأطباء إلا أن يبتروا ساقه حفاظاً على بقية جسمه من الغرغرينا. وزكريا هو الذي نقل خبرية استشهاد أبي موسى في معركة ميسلون. كان يقف إلى جانبه في مطب القنبلة التي سقطت على مجموعته فأودت بحياته وأعطلت زكريا من الساق. وربما هذا ما قوى روح زكريا إلى المداعبة والسخرية والحوار حتى يغطي هذه الذكرى الأليمة، ولينسى أنه بلا ساق. راتب تقاعده كان ضئيلاً ولم يكن يكفيه، فاقتطع غرفة من بيته على الجادة العامة وفتحها دكاناً ليبيع القماش، من جهة يكسب ما يشد أزره، ومن جهة أخرى تكون الدكان ملتقى للأصحاب والأصدقاء، يتحادثون فيها عن شؤون الساعة وتطورات الحالة من أخبار الاحتلال إلى معارك الحرب الكونية الثانية، والهجرة الصهيونية إلى فلسطين وما سببته من ثورات ومعارك بين العرب والصهاينة. وكان زكريا طويل البال يتسع صدره لكل الأصحاب. ودكانه مفتوحة للجميع. أما أبو سعدو فكإبنه يسرق الكحل من العين. لا يهنأ لـه نوم إذا لم يتسلط على أحد أو يفتري عليه. فكان سعدو أحياناً يرافق أباه إلى حوران أو ربما إلى الجولان. وأبو سعدو يقرض البدو والفلاحين مقدماً قبل وقت الغلة، وحصاد المواسم. ويشتري منهم محاصيلهم قبل أن تغل الأرض، ويساومهم على حليب قطعان أغنامهم قبل أن تدر ضروعها. لم يكن لـه حرفة ولكنه كان يملك المال ويعرف كيف يقرضه قرضاً غير حسن، يعود عليه بأضعاف أضعافه، وضحاياه من صغار الفلاحين طبعاً يعودون غالباً إلى المصيدة نفسها أملاً بأن يتخلصوا منه في الموسم القادم. أبو سعدو لم يكن ذا شأن على الإطلاق ويحقد على الآخرين هيبتهم الاجتماعية وحظوظهم التي لم ينل شيئاً منها. أما زكريا خلف فهو كفء للمهام الاجتماعية، ولكنه عندما طرحت مسألة انتخاب شيخ الشباب انسحب قائلاً: إذا كانت همتي تساعدني لكي أكون شيخاً للشباب فإن جسدي لا يطاوعني، ومن جهتي أتنازل لأبي فارس ولن أوفر فرصة لدعمه بالعمل والمشورة. أما أبو هشام فقال: وأنا أثني على رأي زكريا، وتبعه أبو راشد في التثنية. فرسا الاختيار على أبي فارس الذي تقبل الأمر بجدية دون أية إمارة على وجهه تنم عن سرور أو فرح. إنه تكليف بالمسؤولية لا تشريف، وسيتطلب الأمر منه أن يوقف الشيء الكثير من وقته لكي يقوم بهذه الفعالية. فسر الآغا بالنتيجة وهنأ أبا فارس كما هنأ الآخرين على تعاونهم وانسجامهم وطلب منه أن يجد مخبأ لأصلان الذي طلبته السلطات حياً أو ميتاً. كونه شيخاً للشباب عليه أن يحمي شباب الحارة، فقال أبو فارس: من عيوني. تسأله سيدة الفنتازيا: وما علاقة شيخ الشباب بالآغا، والآغا بشيخ الشباب. فيبادر عارف إلى القول: لم يكن انتخاب شيخ الشباب انتخاباً بالتصويت المفرد، ولم يكن تعييناً. إنه أشبه شيء بالتزكية، فالإجماع على شخص بعينه، أن يزكيه وجوه الجماعة، فتجمع عليه، فيمثل تلك الفعالية باسمها، وفي حال التردد أو الاختلاف الحاد كان دعم زعيم المحلة أو الحارة أو صوته هو الذي يحسم الأمر. وكان منوطاً بشيخ الشباب أن يتعهد بحل مشاكلهم ونزاعاتهم، ويمثلهم في المناسبات الخاصة والعامة، ويتكلم باسمهم في الاجتماعات وأحوال الفرح والحزن مما تطلبه من موجبات التهاني والتعازي، وله تسمية القادرين على الدفاع عن الجماعة في الأحوال الطارئة إذا اقتضى الأمر القتال. ومرتبة شيخ الشباب لم تكن وظيفة ولا تكريماً، بل فعالية اجتماعية تحافظ على وحدة الجماعة وقوتها ووحدة كلمتها على أسس الشورى من قاعدتها إلى قمتها. ومثل شيخ الشباب، شيخ الكار، وشيخ الصاغة، وشيخ الأرض، وشيخ الحدادين، وغيرها من المهن، إن هي إلا تنظيمات نقابية للسهر على مصالح الفئات الاجتماعية وصيانة حقوقها في إطار اجتماعي متناسق متناغم دمرته مساعي التحديث التي تبنتها الحكومات، وأحلت محله تنظيمات فوقية تنتمي إلى أنظمة اجتماعية واقتصادية غربية، وتتصل بمضمون حياتها وتجاربها وفكرها، وشكل النظام ينبثق دائماً من روحه، فإذا فرضنا شكلاً نظامياً على روح ومحتوى حضاري مختلف لم نحدث التقدم بقدر ما نحدث تشويش البنية الحضارية وجوهرها وإخضاعها لأقنعة غريبة لا تثمر ولا تسمن. والآغا بعد أن استمع إلى آراء رؤساء الأحياء واستمزج شرائح الشباب المتنوعة ووجوه القوم. كان لابد لـه من أن يعتبر لمركز شيخ الشباب أربعة أشخاص: أبو فارس، وأبو هشام، وأبو راشد، وزكريا خلف، وفي المؤخرة أبو سعدو الذي لم يكسب أي تعاطف من أية فئة كانت. ومع ذلك كان مدفوعاً بروح الغيرة والحسد وينظر إلى نفسه بغير العين التي ينظر إليها الآخرون. دعاهم كلهم الآغا لحسم المسألة واختيار شيخ الشباب منهم. التأم جمعهم جميعاً في مجلس الآغا فقال: اليوم يومكم. الأجدر أن تجمعوا فيما بينكم على واحد منكم. فقال أبو هشام: الخيرة فيما اختاره الله. أبو فارس شيخ الشباب: قامة كالألف، ووجه كوجوه القديسين، بعينين تقدحان شراراً، وفم صارم لا ينطق الكلام إلا في حينه، يلبس كوفية وعقالاً وسروالاً وسترة.... لا يتلفت يمنة ولا يسرة، يصغي إلى محدثه بكل جوارحه، ويعطيه أجوبة حاسمة، لا يراوغ ولا يتذبذب، يحوز على إعجاب الشباب واحترام الشيوخ. يعود المرضى، ويعين الشيوخ والنساء، يوقف الشرير عند حده، ويرده إلى طريق الرشاد. ذلك هو أبو فارس الذي انتخبه الحي بطل حاراته شيخاً للشباب، وهو تقليد انطوت صفحته منذ نهاية الحرب الكونية الأولى، وحين اختير شيخاً للشباب، بارك ذلك كهول الحي وصفوته، وقامت الاحتفالات وغنى المغنون ورقص الشباب الدبكة حتى طلوع الفجر. وذات صباح، فوجئ الناس بقوى التحري والبوليس تترصد مداخل ومخارج الحي ومعهم ثلة من الضباط الفرنسيين وآليات ومصفحات سدت المنافذ إلى الحارات، تستعرض الداخلين والخارجين، وتفتشهم وتتفحص أوراقهم هوياتهم. ضابط فرنسي رفيع الرتبة يهد الأرض بخطواته الموزونة، وبيده كرباج صغير يضربه على جزمته اللماعة مرة، وعلى كف يده مرة أخرى. دخل إلى مضافة الآغا وهو يبربر بالفرنسية وبصحبته ترجمان ينقل لـه مرئياته عن الحي وردود فعل السكان. يهرع الآغا بخطى حثيثة، ولكنها واثقة وهو يقول: ـ أهلاً وسهلاً بالقومندان بيير أهلاً وسهلاً، خير إنشاء الله. ـ فبادله القومندان التحية و هو يقول: هدا مش معقول أبداً، أمن الدولة يتهدد وأنتم لا تصنعون شيئاً؟! أنتم تتفرجون وأصابعنا في النار!! ـ خير خير. ـ أصلان يسطو على مرافق الدولة ومصالحها. ـ كيف حصل هذا؟ ـ هناك قائمة طويلة بالجرائم، لا أريد أن أصدع رأسك بها. الجنرال غضبان جداً ـ طيب طيب. ـ يريد منكم أن تسلموا أصلان وفي الحال.. تسمع تبادل إطلاق النار في الخارج. ـ أرى أنكم فتحتم المعركة قبل أن تأتوا إلي، كيف أدخل بين الفريقين وأفصل بينهما؟ ـ أرسل من يقول لهذا المجنون أن العين لا تقاوم المخرز.. لا يستطيع أن يقاوم فرنسا. لقد سطا على القطار في طريق وادي بردى، واستولى على صناديق أسلحة وأغذية كانت مرسلة إلى قوة مرابطة في الغوطة، وإن لم يستسلم بأربع وعشرين ساعة. سوف أهدم الحي على رأس من فيه. ـ مخابراتكم يا سيدي تخلط بين أصلان وحمو جمو. هذا ناطور وذاك ثائر. الصبر الصبر يا مسيو بيير حتى أقدر على المساعدة وإلا فإنك تحرض الأهالي على الثورة. ـ الثورة..؟ أنا المسؤول عن الاستقرار والنظام، أما الثورة فأنتم أدرى برجالها؟! ـ أريد منك أن تسحب قواتك وتعطيني وقتاً كي أتلافى الأمر!! ـ أعتبرك مسؤولاً شخصياً عما يحدث!!! بينما كان القومندان يفاوض الآغا على تسليم أصلان نفسه، كان أصلان يشاغل القوة المحاصرة لبيته الطيني الذي يتصل بالدرب المؤدية على سفح الجبل من جهته الشمالية.. يطلق النار مرة، ويحفر بخنجره الحائط الطيني. يطلق ويحفر، يطلق ويحفر حتى وسع ثغرة استطاع أن ينفذ منها إلى الجبل سالماً دون أن تقع عليه أيدي المحاصرين.. خرج الآغا من بيته يصحبه القومندان وركب معه المصفحة. ووصل بعد مسافة على الطريق العمومية إلى الزقاق الذي يقود إلى بيت أصلان. أمر القومندان القوة المحاصرة أن توقف إطلاق النار ليتسنى للآغا كي يفاوض أصلان على تسليم نفسه. وحين نزل من المصفحة اقترب منه أبو صياح وقال لـه "عباءة" كلمة السر التي تعني أن أصلان نجا إلى السلامة، فتنفس الآغا الصعداء وتظاهر بالمضي إلى دار أصلان، وقرع الباب، يا أصلان.. وما من مجيب، يا أصلان أنا الآغا.. افتح الباب.. وما من رد.. أنا أضمن لك الأمان.. سلم نفسك.. سلم تسلم. بينما أم أصلان وأخوه محمود ينظرون بوجه الفرح لنجاته من الكبسة العسكرية. وحين خاب تخطيط القومندان بالقبض على أصلان وقبل أن يترك الحي، جاء إليه أبو غانم ووشوشه عدة كلمات. على إثرها استدعى القومندان ضابطاً من ضباطه وطلب منه القبض على أبي فارس رهينة حتى يسلم أصلان نفسه. لقد حماه أبو فارس وألجأه. لكن عارف هو الذي أخطر أصلان بمجيء القوة، وهذه هي المعلومات التي نقلها أبو غانم للقومندان. طلب القومندان من العسكر أن يفتشوا عن عارف. لكنه توارى في الجبال تحسباً وخوفاً. أو في بعض قرى الغوطة التي كانت دائماً معقلاً للثوار وأبناء الحياة والحرية. نجا عارف من الاعتقال.. واحتجب عن الأنظار. كان حريصاً أن لا يعرف به أبو غانم أو سعدو لأنهما فيما يعتقد عميلان بالواسطة خفيان. أما فتحي أفندي فلم يخف عمالته ضد الآخرين ويعتذر بقوله: أريد أن أعيش. وتوارى عارف في الجبل أعطاه فرصة للتأمل. لقد أنضجته التجارب وقوت عضده ومكنت فيه العصامية وروح الاعتماد على النفس. ربما كان يبحث عن ذاته فوجدها في الآخرين. فسألت سيدة الفنتازيا: لكن كيف تسنى لـه وعي ذلك؟! فأجابت المجذوبة: يا ويلي جوعوه واضطهدوه وكسروا قلبه، تآمرت عليه قوة مختلفة فأصبح طريداً في الجبل!! لقد عرفه هذا الجبل طفلاً طرياً وهاهو يعرفه الآن فتى مناضلاً؟! فقالت سيدة الفنتازيا: كيف يتحمل فتى مثل عارف كل ذلك وفي سن غضة؟! فقال عارف: قبل أن أجيبك على ذلك.. فتح الشباك وأخذ شمعة وأضاءها وقال: لقد وصلنا إلى الدورة الكاملة.. هاهي الشمعة الرابعة عشر "شمعة الجبل" تعلن الاستدارة الكاملة للقمر. بلي الجسد القديم، وتكون جسد عارف الجديد، وأخذ يشكل الحجارة تكويناً ينم عن الجسد الجديد وشرع يقول: |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |