أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

14 ـ أصلان والجبل

مخيلة عارف تمتلئ ببريق البنادق وسنكاتها التي تطعن الهواء... كيف يفر مئات الأشخاص أمام طلقة واحدة من بندقية؟! كيف يصير الإنسان عبداً للآلة التي يخترعها؟ كيف تصير القوة، بل القوة الغاشمة هي العيار، هي الميزان الذي يزان به الحق والباطل، الخطأ والصواب، العزيز والذليل، العبد والحر، الحياة والموت؟!‏

أيمكن أن يكون حراً بدون قوة؟! هل هؤلاء العساكر الذين جندوا من المستعمرات الأفريقية والذين يركضون وراء صفوف المتظاهرين الممزقة أحراراً؟!‏

أليست البنادق بأيديهم؟ فكيف إذن لا يكونون أحراراً؟ أليسوا عبيداً يتحكم بهم من يتخذ من البنادق وسيلة للسيطرة على شعب أعزل؟‏

البندقية وحدها لا تقرر حرية الحر، وعبودية العبد. لابد من وعي يحركها، هذا الوعي هو الذي يحدد الحرية. هذا الوعي هو الذي يحدد العبودية.‏

حرية الأنا وعبودية الآخر بالبندقية يمكن أن تعني حقيقة عبودية الأنا بالقوة الغاشمة وحرية الآخر بالحق.‏

لكن ما يجري على الأرض ليس بهذا الوضوح. السوريون أحرار بوعيهم لكنهم مستعبدون لأنهم ضعفاء!! لو توفر لهذا الوعي سلاح كاف لما انتقصت حريتهم.‏

لا سلاح للسوريين، لأن هذا السلاح يمكنهم بأن يصيروا أحراراً لا بالوعي فحسب بل بالفعل!! والفعل هو ما يتصدى لـه أصحاب الهيمنة والقوة.‏

غنِّ الوطن ما شئت كمخدر!! على أن لا يحرك الغناء وعيك الحر!!‏

غنِّ. ولا تفعل. تغنّ بتاريخك وأمجاده، أما حاضرك فليبق خارج دائرة الفعل التي تحقق حريتك. الحرية بالوعي لا تكتمل بغير الحرية بالفعل!!‏

لقد اشترك عارف بمظاهرات كثيرة، لكنه لم يقبض عليه مرة واحدة لمجرد اشتراكه. لقد هتف وغنى ونادى بالشعارات التي أحس معها بالارتياح والنشوة ولكنه ما عتم أن عاد إلى شعور الخيبة والإحباط. حين خرج من الصفوف المتراصة التي كونها رفاقه.. كانوا يتنفسون كصدر واحد. ويهتفون بصوت واحد. آه لو أنهم يستطيعون الضرب على أيدي المعتدي بيد واحدة!!‏

وتذكر كيف قبض عليه للمرة الأولى، كان رفاقه في المظاهرة يرفعونه على أكتافهم لينشد الشعارات ويرددونها من بعده. لكنه يتقنها على شاكلة العراضة الشعبية. هذه النبرة التي كان يحبها المتظاهرون الذين يخرج معهم، الخروج من النشيد الرسمي إلى النشيد الشعبي هو أكثر حرارة وتعبيراً عما يغلي من حماسة في الدم!!‏

إن هلهلت هلهلنالك‏

طبينا البارود شمالك‏

وإن هلهلت يا سورية‏

واحد منا بيقتل مية!!‏

وإن هلهلت يا حسنا‏

صوت الطوب يونسنا!!‏

هذه الأهزوجة التي ولدت أول ما ولدت بأفواه الثوار.. العظمة وهنانو والقاوقجي والقسام والعاص الذين عرفوا أن الفعل وحده هو الذي يحقق الحرية ولو بأدوات متواضعة بالنسبة للآخر المدجج بالمعرفة والتقنية والطيارات والدبابات وأخيراً سفن الفضاء والأقمار الصناعية. هذا الآخر الذي فقد حريته باستعبادك، وتريد أنت أن تحرره من عبودية ضياع حريته أن تصير حراً فيسترد حريته معك!!‏

أن تحرره من الطمع وترده إلى فكر الحرية، فالطمع وحده هو الذي يسدل حجاباً كثيفاً بينه وبينها. ويجعل منه عبداً لشهوات ومكاسب هي فارق القيمة التي تنفيه من حياة النضال والأحرار إلى ترف الاستكانة في أحضان المتعة وخدر الضمير.‏

هل يمكن أن يكون هناك فرنسا حرة في عالم من العبودية. إذن كيف يمكن لفرنسا أن تخلق من عبودية سورية هامشاً للحرية؟!‏

الحق مع يوسف العظمة وإبراهيم هنانو وصالح العلي وسلطان باشا الأطرش وعز الدين القسام وسعيد العاص هؤلاء يعرفون طريقة واحدة للحق وهي أن تنتزعه بالقوة المؤيدة بالوعي، وبالوعي المؤيد بالقوة ولو بأسلحة محدودة.‏

لأن أسلحتك المحدودة تتسع معك في ميدان النضال وتكبر، ووعيك يبتكر لك أسلحة جديدة يمكنك من استخدام حريتك لمزيد من النمو والحيوية والإنجاز. إنه يدرك ذلك كدرس من دروس التاريخ بل كتجربة وجودية حية.‏

أول مرة قبض عليه البوليس كانت يوم أن صنع أسهماً برؤوس من تنك معدني حاد. طرقها حتى أصبح لها قدرة النفاذ في الخشب، صنع هذه الأسهم، وجربها بنفسه. كان يقذفها بواسطة حلقة من المطاط. يشد السهم عليها وهي بين إبهامه وسبابته ويقذفها إلى الهدف فتصيبه، إنها لا تقتل لكنها تجرح وتعطل المعتدي الذي يمد في وجهه البنادق المروعة والسنكات التي تلتمع بالموت.‏

لقد شكل هذا الاختراع البدائي لقوس ونشاب يدوي ضمانة وأمناً مما كان يملأ مخيلته من الملاحقات التي لا حصر لها لعساكر ينشبون بنادقهم وسنكاتهم في ظهور الطلاب!!‏

وأزمع أن يستخدم هذا السلاح إذا ما هو هدد بالخطر. كانت المظاهرات الطلابية لا تهدأ. ولن تعوزه فرصة لاستخدام هذه الآلة..‏

لكن حينما تيسرت لـه فرصة استخدامها، وخرج من الهتاف إلى الفعل، ومن الشعار إلى العمل. ألقي القبض عليه وأودع في السجن.‏

يهجم العسكر على المظاهرة فيطلق ثلاثة أسهم صوب المهاجمين بمطاطته المحدودة القذف فيصيب واحد من الأسهم عسكرياً في خده. تجرحه جرحاً ينز بالدم وإن لم يكن خطراً.‏

وحين ألقي القبض عليه لم يكن لديه ما يدل على أنه هو الذي قذف السهم!! لقد تخلص من الأسهم بقذفها، والمطاطة رماها وليست سلاحاً.‏

ألقي القبض عليه على الظن والتكهن، لم يكن المصاب متأكداً من أن عارفاً غريمه، ومع ذلك فقد اقتيد عارف إلى السجن!! ورمي في قبو من أقباء السلطة يرشح بالرطوبة والعفونة ويدعم استقرار الأجنبي ونظامه، وكانت هذه أول تجربة له، خرج فيها من التغني بالقوة إلى الوعي بها واستخدامها من أجل الحق!!!!‏

يدرك عارف أنه ليس للموت رهبة عليه، لا يدري لماذا؟! ربما لأن طفولته كانت حافلة بالقبور والموت بحكم سكناه في دار مجاورة وملاصقة للمقابر.‏

يموت أبوه، فلا يملأ رأسه غير عبارة واحدة "إن الموت حق" ولكنه أحس أنه مجوف ومفرغ.‏

الحياة لا شك زائلة، وتعتريه نوبة من الزهد ممتزجة بعاطفة حزن صامتة عميقة. توفيت أخته سميحة عن عشر سنين ولم ينطفئ قنديل الحزن الشاحب في قلبه عليها منذئذ ورثاها بقصيدة عشر شموع إشارة إلى سنيها العشر. ويتوفى والده فيهيم مذهولاً، وبعد الدفن أخذ يطوف في المدينة على وجهه بقمباز أحمر لا يملك غيره وقبقاب.. وحين وصل إلى مدخل سينما "أمبير" يقطع تذكرة ويدخل إلى عالم العتمة والصورة. يتذكر ذلك أبداً لكنه لا يذكر اسماً للفيلم الذي رآه والأغلب أنه كان أجنبياً من النوع الرخيص "أبطال وحرامية" ليخلص نفسه الضعيفة من الكآبة الطاغية والموت "العالم سينما".‏

ويذكر أن الامتحانات الشفهية للشهادة الابتدائية لم تجر في المدرسة التي كان يتلقى فيها التعليم، بل كانت في مدرسة أخرى لا يذكر اسمها على كتف سوق الهال في نهاية سوق ساروجا.‏

دخل إلى قاعة امتحانات اللغة الفرنسية التي تلقاها فقط منذ الصف الرابع والخامس الابتدائي، وكان الأساتذة الممتحنون ثلاثة، فسأله أحدهم بالفرنسية ما اسمك. فأجابه عن اسمه عارف. ثم سأله آخر عن مهنة أبيه. فكر قليلاً ثم أجاب il est MORT‏

ولم يكن بعد قد مات، وما يدري لماذا أجاب بما أجاب، إلا أنه لم يستطع أن يخبر السادة الممتحنين باللغة الفرنسية عن شراكة أبيه في مكتب عقاري لبيع الأراضي واستئجار وأجار الدور. فكان الموت هو المخرج!!‏

أم عارف على أحر من التنور لاعتقال ابنها. طرقت باب قريب لها برتبة عالية في الشرطة لكنه اعتذر لعدم استطاعته التدخل في مسألة تخص أمن الانتداب.‏

لم يغمض لها جفن، وقررت أخيراً أن تلجأ إلى الآغا. فذهبت إليه، فرطب خاطرها وهدأ قلقها وقال لها: اذهبي إلى بيتك وغداً صباحاً يكون عارف عندك إن شاء الله.‏

وانتهز الآغا حاجة القومندان إليه، ورغبته في التعاون معه في استتباب الأمن.. فطالبه بعارف. وبعد أن حققوا معه لم يثبت عليه شيء فأطلقوا سراحه.‏

حين زغردت أمه في الحارة، تيقن الجميع من إخلاء سبيله وذهبوا يهنئوها على ذلك وهي تقول الله يطول عمر الآغا ويحميه.‏

وبينما كان عارف يتأمل ويتذكر في شعاب الجبل، عادت أم عارف تتوسل الوسائط من جديد من أجله وهو متوار في الجبل مع أصلان.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: ألم يسلم عارف نفسه؟!‏

فقال عارف: تلك كانت الإشاعة حتى يثبطوا عزائم المخبرين الذين جدوا في طلبه.‏

وقالت المجذوبة: لكن أصلان ترك وراءه قصصاً كثيرة يعرفها حتى أطفال الحارة.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: لماذا لا تروين شيئاً منها؟! فركزت المجذوبة جلستها وأخذت تقول:‏

أصلان مشهود لـه بالرجولة، في المخاطر لا يرف لـه جفن، أسمر الوجه بعينين مكحلتين وشوارب سوداء معقوفة وابتسامة كتكشيرة الثعلب تنفرج عن أسنان بيضاء يتوسطها سن ذهبي. يلبس ثياباً عربية، سروالاً وصدرية وسترة وغطرة وعقالاً.‏

يعمل ناطوراً في الحقول، ويتقاضى خوة سنوية من أصحابها. لكن أصحابها بإعلانهم عن أصلان ناطوراً على أرزاقهم يضمنون مواسمهم فلا تمتد يد إليها ولا ينتقص منها شيء.‏

لم يكن يضيع وقتاً في عمل النطارة، إن هيبته واسمه كافيان لكي يحس الملاكون بالأمان، واللصوص بالخشية والخوف. فلا تسول لهم أنفسهم أن يخدشوا هيبة أصلان. إنهم لا يسرقون أصحاب الأراضي بقدر ما يهينون أصلان شخصياً ويلصقون به العار، فيصبح شارباه مسبلين غير معقوفين وتضيع هيبته.‏

أصلان يلوذ بالآغا ولا يرد لـه طلباً. ويتزنر دائماً بمسدسه المائي من ماركة "برابللو" وهو سريع الغضب إذا ما لحقت به إهانة قد لا يغسلها غير الدم.‏

لأبي غانم قريب يملك فرناً في مدخل الحي وهو من القبضايات المعروفين في منطقة الصالحية هو وأخوه. يزودون المنطقة بالخبز يومياً ولهم صولة وهيبة.‏

يأنفون أن تؤخذ منهم خوة أو يتسطى عليهم أحد. وهذا يندرج على أصحابهم الذين يلوذون بهم وأقربائهم الذين يملكون حقولاً وبساتين في حرم أصلان الذي لا يعرف استثناء للخوة التي يتقاضاها من ملاكها وأصحابها.‏

وقد حرض أبو غانم أقرباء هؤلاء على عدم دفع الخوة وضمن لهم الحماية.. وحين جاء وقت الدفع سنوياً بعد المواسم تلكؤوا عن الدفع وماطلوا.. وبعد أن تحرى أصلان الأمر علم من أصحابه القريبين من هؤلاء أن أبو غانم وراء ذلك.‏

كان على أصلان أن يلجأ للآغا، لكنه في فورة الغضب لم يفكر إلا بغسل الإهانة، وأن يحق حقه بيده، فلو انتشر خبر عدم دفع الخوة عند الملاكة الآخرين لأصبحت حياته مهددة بالفقر وانقطع رزقه.‏

تردد وفكر قبل أن يقوم بما كانت تهجس به نفسه، لو لجأ للآغا لأخذت المسألة وقتاً طويلاً، وهو لا يملك هذا الوقت، رزقه متوقف على هيبته، وقد ثلمت هذه الهيبة. فماذا ينتظر؟!‏

استشار أخاه محموداً الذي كان يكبره بسنين ويتدبر أموره بالحكمة، وكم عيرته أمه بطبعه الحاد، ومزاجه الناري. وطلبت منه أن يقتدي بأخيه وتعقله، إلى حد أنها كانت بدلاً من أن توقظ ضميره ووعيه أثارت غروره وغيرته، ولا سيما أن أخاه الكبير عاطل عن العمل، وهو الذي يجلب خبز البيت ولحمه، إنهم جميعاً عالة عليه.‏

قال محمود: إذا كنت رجلاً مهيباً هنا في حيك، فكل ديك على مزبلته صياح. أبو غانم ليس أقل منك في الصالحية. فلست تملك شيئاً لا يملكه.‏

الرجولة والسلاح والسمعة والهيبة. إلا أنه يكسب رزقه بعرق جبينه، ويأبى أن ينمر عليه الآخرون بالخوة كائناً من كانوا.. ليس لديك إلا اللجوء إلى الآغا.‏

قالت أمه: اذهب إلى الآغا وارفع لـه أمرك، اسمع لأخيك.‏

أصلان لم يقتنع بنصيحة أخيه لميل أمه له. ربما استمع ما قاله أخوه ولكن نبرة أمه ذكرته بإيثارها لـه فأصمته الغيرة عن سماع النصيحة.‏

في أحوال كهذه قالت لـه نفسه: الآغا يلجأ إليه ليفرض هيبته على من تسوله نفسه بالعصيان، وعدم الطاعة، فلماذا لا يلجأ إليه في مسألة عاجلة كهذه.‏

بيت المسألة. لكنه لم ينم طيلة الليل، يتقلب في فراشه تتهدده هواجس أفول نجمه وانقطاع رزقه، وليس لديه أمل آخر أو حرفة أو عمل يلجأ إليه.. طول عمره ناطور. جرب مرة أن يعمل في "العبارة" وهي مصنع صغير لأنوال النسيج اليدوية فلم يفلح.‏

الآغا ينعم عليه بين كل فترة وأخرى إذا ما أسدى لـه خدمة.. لكنه إنعام رمزي، تنكة سمن، خروف في العيد، كيس قمح، أو ما شابه. لا يمكنه أن يعتمد على ذلك. مرة واحدة أعطاه مبلغاً جيداً من المال إعجاباً بفروسيته ورجولته.‏

مخبرون في المخابرات الفرنسية كتبوا ضد الآغا تقارير للإدارة العامة... وفسدوا عليه.. قالوا إنه يخفي غير ما يتظاهر به من دعم لسلطات الانتداب.. إنه يتعاون مع الثوار، ويهرب لهم الغذاء والماء والسلاح.‏

طلب الآغا من أصلان أن يكفيه هؤلاء.. وأعلمه أنهم يسهرون في نهاية الأسبوع في قهوة قصر البلور في القصاع. يسكرون ويخمرون هناك فيما يرتبون الوشايات ويلفقون التهم.‏

ترصدهم أصلان ودرس حركاتهم وسكناتهم، أراد أن يرعبهم ويرهبهم لا أن يقتل ويؤذي. هكذا طلب منه الآغا وأوصاه، لأن هؤلاء قبل كل شيء جزء من السلطة، والسلطة لا تسكت على ضيم وإن تظاهرت بذلك.‏

في أمسية يوم الأحد، يهبط أصلان إلى قصر البلور بالسكينة والرهبة كالصقر. يدخل وهو يطلق النار من فوق رؤوس الجالسين، ولاسيما طاولة المخبرين، وأبو غانم معهم. ينبطح كل من كان في قصر البلور على الأرض ويلطون تحت الطاولات والكراسي ويصيبهم ما يصيبهم من تناثر البلور المحطم من جراء إطلاق الرصاص. لم يمكنهم أصلان من النظر إلى فوق... ويقول: هذه المرة مرت على خير.. وبتوجيه من الآغا.. أما المرة الثانية فسوف أقوم أنا نفسي بالواجب..‏

خف إلى الحارات الملاصقة للمقهى، ومنها إلى البساتين المجاورة.. إلى حيث يعرف الأرض معرفة تامة، مداخلها ومخارجها، مصحوباً بالسلامة والأمان.‏

ومن يومها انقطعت تقارير المخبرين عن الآغا.. إلا أن اسم أصلان أدرج في قائمة المطلوبين، لكن من أين للسلطات أن تضع يدها على أصلان؟! فهو إما في الجبل مع الحجل، أو في الحقول مع الطبيعة الحرة.‏

أصلان يتذكر ذلك كله. ويتقلب في فراشه دون أن ينام. وخطر لـه خاطر. لو أنه لجأ إلى الآغا وعلى المكشوف لأخرجه من المأزق، ولاسيما أن السلطات جادة في طلبه وزودت أبا غانم بمسدس وشيء من المال وكلفته بمراقبة أصلان.‏

في الصباح ينهض ويرتدي ثيابه دون أن يغسل وجهه يمسح عينيه بشيء من الماء. ويتزنر بفرده البارابللو ويذهب متخفياً إلى الآغا. لكنه لم يجده آنذاك لذهابه إلى الجولان من أجل المواسم.‏

يعود إلى بيته ويشرب فنجاناً من القهوة مع أمه وأخيه، وبعدها يذهب إلى الحقول ويقضي نهاره هناك. وفي المساء.. يسرع إلى الفرن للتزود بشيء من الخبز قبل أن يغلق.‏

بعد نهار كد طويل يلمح أبو غانم يتابعه كظله فيترصده متخفياً، وأخذ أصلان خبزه قبل إغلاق الفرن. يتبعه أبو غانم في الطريق العام إلى حي الشيخ محيي الدين، يفاجئ أصلان أبو غانم فيشهر عليه الفرد البارابللو ولكن أبا غانم لم يؤخذ بالمفاجأة ويشهر هو الآخر فرده البارابللو. كلاهما يعرف لعبته جيداً.. أصلان يريد استمرار الخوة، وأبو غانم يريد أن يرضي السلطة ويحمي أقرباءه.‏

ولم يسمع منهما غير:‏

ـ قوس إذا كنت رجال!!‏

وأيقن كلاهما أنه وقع في فخ الآخر لا خروج منه.‏

ـ قوس.‏

ـ قوس أنت.‏

ـ قوس... قوّس أنت.‏

وأدرك كل منهما أنه مقتول لا محالة، فلم يضغط على زناد مسدسه مردداً:‏

ـ قوس.‏

ـ قوّس أنت.‏

يتدخل كبار الحارة: زكريا وأبو هشام وأبو راشد بينهما، فلم يعد ممكناً لهما أن يصفيا حسابهما على هذه الحالة.‏

يتوسط رجال الخير. كل يمسك بواحد منهما ويحجبه عن الآخر.. وهم يقبلون شواربهم قائلين:‏

ـ اخزوا الشيطان.‏

ـ اقصروا الشر.‏

وبعد وهلة يدرك كل منهما أنه نفد من الورطة فيرد مسدسه إلى خصره ويفترقان على أن يلتقيا.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: ماذا حدث لأصلان في نهاية الشوط، وأبو فارس.‏

فقال عارف: أبو راشد يقول استشهد في معركة مع الفرنسيين على جسر تورا.. وأفرج عن أبي فارس... بعد أن تجمهر شباب الحي وطلبوا من الآغا أن يتوسط لـه ليطلق سراحه.‏

المجذوبة تضيف: إنه انتحر لأنه اكتشف أن أخاه محمود الذي كانت أمه تؤثره عليه كان يتعاون مع أبي غانم في الخفاء.‏

يطلق أصلان النار على أخيه من مسدسه البارابللو فيقتله ومن بعدها يطلق النار على رأسه فيهوي قتيلاً.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: يا بؤس أمه. ثكلت أصلان ومحمود في يوم واحد.‏

فتقول المجذوبة: يا دل أمه.. ما أكثر ما تتحمله الأمهات. أم أصلان كانت كأم عارف فيها شيء من صلابة قاسيون.‏

فقال عارف: شهدت مأزق أصلان مع أبي غانم بأم العين، أعنف إثارة شهدتها في حياتي، كنت أتوقع أن ينطلق الرصاص في وقت واحد من المسدسين فيسقط الرجلان معاً على الأرض.‏

يا لجرأة كبار الحي، كيف دخلوا بينهما، وفصلوا المسدس عن المسدس، والنار تقدح من عيون الرجلين والموت يقطب جبينهما.‏

كنت دائماً أعجب برجولة أصلان وشهامته، وعينيه المكحلتين وشفتيه اللتين تبتسمان عن سن ذهبية كثعلب يتأهب لكي ينقض على فريسته.‏

رحمة الله عليه. لقد حزنت حزناً كبيراً حينما خبرت بقتله الذي ما تزال الروايات تحاك حوله حتى اليوم في ما يشبه الأسطورة.‏

يكره الخيانة، كانت الحياة عنده وجهاً واحداً، يرفق بالقوارير جرياً على السنة وليس من البعيد أن يغضب على أبي غانم لا لأنه مخبر فحسب وشرطي أبو شرطوطة، بل استجابة لدموع أم رويدة التي كانت تمشي في الشارع وتقول الله لا يقشعك الخير يا أبا غانم يا قاتل رويدة!!‏

فقالت المجذوبة: يا ما رويدات قتلن.‏

أما أبو غانم فيستفيق أهل بيته ذات صباح فيجدونه مقتولاً بطعنات عديدة في ظهره وفي صدره، ووجهه مدهون بالشحار.‏

وبعد أن تحقق الشرطة في مقتله، وتفيض في التحقيق باعتباره شرطياً أبا شرطوطة ومخبراً سابقاً، لم تصل إلى نتيجة. فلا الخنجر الذي طعنه موجود، وما من أثر يدل و يقود إلى من قام بقتله.‏

بعضهم يقول: خرج راشد في الليل وانتقم لقتل رويدة.‏

وبعضهم يقول: شبح رويدة هو الذي غافله من الظهر فطعنه، فسقط على الأرض وثنى عليه بطعنات الصدر. وساعدها شبح أصلان على تحقيق ذلك.‏

آخرون يقولون: إنه اغتيل انتقاماً لسلمان ابن أخيه الذي ضاع دمه بين الحجارة يوم الرجم. لكن زكريا خلف يؤكد أن أصلان هو الذي خلص العباد من شره. إلا أن أهل الحي يستنتجون من هذا الاغتيال الغامض لأبي غانم نتيجة طبيعية لحياة ملأى بالأذى والشر وإزهاق أرواح الناس بالباطل.‏

ويتكهن آخرون بأن بعض الطلاب أو أهاليهم الذين تسبب أبو غانم باعتقالاتهم إما بالفساد أو الإفساد على هؤلاء وتسليمهم للسلطات الجائرة وبقاء بعضهم في السجن مدداً طويلة بدون حق.‏

وحين قام أهله بشعائر الدفن غسلوه وجاؤوا بشيخ لقراءة القرآن على روحه وخرجوه بجنازة لم يخرج فيها غير سعدو أما أبوه فكان في عمله في الجولان.‏

وهكذا أسدل الستار على أبي غانم قتال القتلى كما كانت تقول جدة عارف.‏

حين انتهت المجذوبة من سردها لحكاية أصلان صب لها عارف كأساً من الماء فكرعته كله وقالت: هانحن وصلنا إلى نهاية المطاف. فقالت سيدة الفنتازيا: المخطوطة لم تعد مخطوطة، لقد صارت في معظمها منطوقة. شكراً لكما على سرد قسم كبير من فصولها، نعم قد قرأت أنا منها فصولاً لكن فيما رويتما على مسامعي من فصول متعة أخرى. اشتركنا جميعاً في تركيب الرواية فصارت الأوراق المتفرقة شجرة باسقة ذات جذور وجذع وفروع متشابكة ومنتشرة. فقال عارف: في وجهك فرح ومتعة لكن هناك قلقاً ما يزال يتوارى في عينيك. فقالت طبعاً حصلت على أجوبة كثيرة لكنها أفضت في الوقت نفسه إلى أسئلة أخرى، وأردفت سيدة الفنتازيا تقول:‏

ـ هل جفف القتل النبع في داخلك يا عارف؟‏

فرحت تستدعيه بطقس استكمال الضوء والتخلص من العتمة باستدارة البدر؟‍‏

ـ أتتكلمين عن عشتار القمرية التي تكتمل دورة خصبها في أربعة عشر يوماَ؟‍‏

ـ المجذوبة تعرف ذلك فلماذا تستكثره على سيده الفنتازيا؟!‏

ـ لا أستكثر بل أستوضح!!‏

ـ هل القمر عندك قمران:‏

قمر «الأيام الأولى» وقمر «النمر والبئر» وتستدير قمراً في النمر والبئر، ومارست طقس إشعال الشموع شمعة موقدة لكل هلال مضيء في الأيام الأولى، ولماذا أشركتني في إشعالها؟‏

ـ ألستِ وجهاً آخر من وجوه عشتار الكونية؟!‏

ـ بلى أنا هي وكذلك المجذوبة. هي بالجذب وأنا بالحدس واللمح.. ألسنا قمريك اللذين يستديران في ليلك الذي لا ينتهي؟!‏

ـ أنتما قمر واحد.‏

ـ وأوراق عارف الدمشقي قمر واحد أم قمران.‏

ـ إنهما قمر واحد بوجهين. في "النمر والبئر" يتجلى الوجه المضيء، وفي الأيام الأولى يتمثل الوجه الخفي.‏

ـ إذن وجهك الواعي أنت يتألق كالنار في الذاكرة، واللاوعي يرقد في الأيام الأولى.‏

ـ أليس قمر السماء بوجهين، واحد ظاهر مضيء وآخر خفي معتم؟!‏

ـ هكذا إذن هي أوراقك جولات الظاهر ومعاركه في أربعة عشر فصلاً من "النمر والبئر" وما يماثلها في الحروف الأولى. فصلان متوازيان كافيان لتشكل قمرين.‏

ـ ما يبدو من الحروف الأولى يتألق في العين كلمع الطباشير على اللوح الأسود. وما خفي منها بعيد في عتمة أغوار النفس هو الوجه الآخر.‏

ـ يبدو أنك مشدود إلى زمن الطفولة والحلم أيام الحارات والبساتين الطيبة من «خبز الموتى» إلى أصلان والجبل.‏

ـ إنها الاكتشافات الأولى التي تتلعثم اللغة في حضرتها وها أنت هجأت الظاهر والباطن.‏

فقالت سيدة الفنتازيا وهي تبتسم: لكننا لم نتعرف على دورة الرجل البكر. لم تلتقط الحجر التاسع ولم تطفئ الشمعة التاسعة. تذكر أنك لم تشعلها.‏

فقال: تظنين أني أهبل؟!‏

فقالت: ينطبق عليك القول: أن تضيء شمعة خير من أن تسب الظلام!!‏

فقال: أنت التي أضأت تلك الشمعة التاسعة، أما أنا فحسبت أني نجوت ببكارتي مقنعاً بالخجل، لكنني لم أفلح. أنتما سيدتان. روح واحدة بتجربتين مختلفتين. حين تكون المسألة فهم خفايا الجنس الخشن فأنتما وحدة لا تنفصم.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: والأوراق المنزوعة من دورة الرجل البكر، وطرف الأوراق المحروقة. أين هي تلك الأوراق؟ رجاءً لا تحرقها.‏

فقال: لماذا؟!‏

فقالت: ألم تكتشف بعد أني أتشكل كما يتشكل إلهامك مع دورة القمر؟! دورة الجسد هي دورة القمر عندي أيضاً. ألست أنا سيدة الفنتازيا، وهكذا تدعوني المجذوبة ذات الوجه الواحد والقلب الذي لا يتحول ولا يتغير. أليس كذلك؟!‏

ـ نعم.‏

ـ لكن في العمق أنا زينب وأنا سعاد وأنا رويدة!!‏

فقال: وأنت المجذوبة؟ فأجابت: لا أنا وجه حاضر للأم الغائبة عشتار الكونية. ألم تقل لي أنتِ والمجذوبة وجهان لامرأة واحدة؟!‏

ـ بلى.‏

ـ نأمل منك ألا تحرق هذه الأوراق ليكن لديك الجرأة على القيامة من تابوت آخر. ليعلن جسدك عن نفسه كما تشكل. لماذا تضيء الفكر وتضيء الذات وتترك الجسد تحت سقف التابوت؟!‏

ـ فأجاب: إنها أوراق حميمة وسرية للغاية، وما أحسب إطلاعك عليها سيفيدك.‏

ـ هل هي عن زينب، أم سعاد، أم رويدة.‏

ـ لقد عرفت حكاية زينب ورويدة؟!‏

ـ لكن ما حكاية سعاد؟! وما حقيقة عاصم الإنجليزي الذي وصفته بأنه لا يشبع من النسوان، وكيف اكتشف الرجل البكر نضارة الجسد ووردته؟؟‏

استمرت المجذوبة تدعي بأنها تفهم عارف وهي مصممة على أن تأخذ بيده من الجحيم الذي هبط إليه إلى عالمها المدوزن بالجذب والانسجام.‏

أما سيدة الفانتازيا فكانت ترى فيه شريكاً لإرث ثقافي حديث حملته معها من الغرب.‏

وأنه هبط أدراج المعرفة إلى الهاوية. ويحاول أن يتسلق المعراج إلى فوق بالرغم من أزمته والصدمة التي استشعرها بعد العودة من أمريكا.‏

عبرت أوراق عارف عن الحنين إلى ملاعب الطفولة وبراءتها هل كان عارف يحرق أوراقه فعلاً أم أنه كالعنقاء يدخل إلى النار من أجل ولادة جديدة؟‏

وليتجنب عارف مزيداً من الأسئلة المحرجة يتركهما ويخرج.‏

فتشعران بمزيد من الحرية. إلا أن الحوار لا يحلو بغير عارف.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244