أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ماكينة سنجر والدوائر المكسورة

أدركت سيدة الفنتازيا أن عارف لن يشبع رغبتها بالمزيد من أسراره الحميمة. هذا الدرج المغلق في مكتبة ينضح بالأسطورة. فقررت أن تغري السيدة المجذوبة بفتح هذا الدرج بالسر في معزل عن عارف.‏

تحينت فرصة غياب عارف عن البيت. فذهبت تزور المجذوبة. لكنها كانت تخفي رغبتها. رنت الجرس وانتظرت لحظات. فسمعتها تسأل من خلف الباب. مين؟ وتيقنت أنها وحدها وأن عارف قد خرج. أنا أنا افتحي. وبعد أن عرفتها من صوتها تفتحت الباب: أهلين وسهلين ومرحبتين. خير يا طير شو في من هالصبح؟ فنجان قهوة ع السريع. تكرم عينك تفضلي اسبقيني إلى المكتب خمس دقائق بس وبكون عندك.‏

فرحت السيدة باستقبالها في المكتب سيتيح لها ذلك الوصول إلى ما تريد دون حرج. دخلت إلى مكتب عارف وهي ملهوفة. تجولت عيناها بسرعة في أنحائه. فاستقرتا على ألبوم الصور والمذكرات. سحبت كرسياً وجلست وهي تلمظ شفتيها تناولت ألبوم الصور. وفيما كانت تقلب الألبوم دخلت المجذوبة وهي تقول: أحلى قهوة لأحلى دكتورة. جلست على كنبة ووضعت صينية القهوة على الطاولة أمامها. وأخذت تصب القهوة قائلة: شو رأيك بصرّ لك اليوم بالفنجان؟‏

وفيما هي تقلب ألبوم الصور وقعت على صورة لعارف الطفل يمسك بشلة خيطان وأمه على ماكينة التطريز، تلف الشلة على كركر أثبت على الماكينة.‏

تتأمل الصورة وتقول للمجذوبة وهي تدير الألبوم نحوها: صورة معبرة، أليس كذلك؟ بدي ياك تبصري لي بفنجان عارف. شوفي هالعيون وين صاروا.‏

فتجيبها: لكن الأوراق التي أرفقها بهذه الصورة، أما حركت فيك شعوراً غريباً؟ فترد سيدة الفانتازيا مستغربة: لا أرى أية أوراق معها. فتنهض المجذوبة ملهوفة وتسترد الألبوم منها. تفتش عن الأوراق في صفحات أخرى فلم تجدها. فردت إليها الألبوم تقول ربما هي في المذكرات. نسيت أو اختلط علي الأمر.‏

نهضت قلقة. خشيت أن تكون قد أضاعت الأوراق. من ينقذها من غضب عارف؟‏

أخذت تفتش في رفوف المكتبة. وتقلب دفاتر مختلفة.‏

انتبهت سيدة الفانتازيا إلى أكثر من صورة لعارف الطفل وأم عارف تحنو على الماكينة كطفلة مدللة.‏

ـ أليست هذه ماكينة التطريز إياها؟ فأجابت وهي تعثر على المذكرات ـ بلى إنها هي ـ انظري إليها في تلك الصورة وهي تصلي. الكلام أروع من الصورة . الجمال هو الوجه الآخر للعبادة وغالباًَ لا نرى إلا الحركات. إنها العودة إلى المطلق. كنهر يركض بفرح صوب البحر.‏

ترفع سيدة الفانتازيا رأسها عن الصور وتلتفت إلى الكلمات المكتوبة. فتسمع صوت عارف يرن كصوت المجذوبة، ويشع بطاقات دفينة..‏

كانت أمي عشية الأمس تتوضأ بغير الماء وهي عجوز تتجاوز الثمانين. في ذاكرتي منها اجمل صور الأمومة والإيمان بالحياة صار وضوؤها رمزاً، وصارت صلاتها رمزاً، الماء على خطوة منها، ولكنها لا تقدر عليه، وسجادة الصلاة وثيرة ناعمة ولكن ظهرها غير قادر على انحناء الركوع والسجود فالاستقامة.‏

لكنها لا تقطع بينها وبين الله العبادة ـ إنها ما تزال تصلي صلواتها الخمس بالومأ، ولكل من هذه الصلوات وضوؤها الرمزي، حتى لكأن قاعة الدار عندنا تنقلب إلى معبد تجري فيه طقوس الاتصال بالله في عالم من الرموز.‏

تجربتي في الحياة قادتني إلى أن أكون إنساناً يؤمن بالفكر والتقدم الإنسانيين، ويفضل أن يتحرك في الزمان والمكان لا في الطقوس والغيب. ويجتذبني من التجربة الدينية تراثها الصوفي، القائم على مباشرة الاتصال بين الخالق والمخلوق بالمحبة والصفاء ببساطة شوق الجزء إلى الكل في بحر الحياة الواحدة وملكوتها الفرد. والعبادات على احترامي لها، أجملها عندي الدعاء، والصلاة على الشهيد وصلاة الاستسقاء والغيث. إلا أن أمي في شيخوختها أعمق مني إيماناً بالحياة واكثر انسجاماً، إن الدائرة الواحدة عندها لم تنكسر، والصورة الكلية ما زالت تحتفظ بأجزائها. تتوضأ بغير الماء وتصلي إلى بارئها. غبار المخدة التي هي وسيلة النوم يصبح ماء ليديها ووجهها وشعرها وعنقها وأذنيها، واللفظة الشرعية لهذا الوضوء الرمزي الطقوسي هي التيمم، لكن أمي تقفز بهيكلها الشائخ الضعيف حاجز القاعدة الشرعية (متى وجد الماء بطل التيمم) وتتوضأ هذا الوضوء الرمزي تأهباً للصلاة والاتصال بالبارئ الأعلى.‏

وكذلك صلاتها فهي من طبيعة الوضوء الرمزي، يا الله ما أحلى هذه الصلاة بعينيها. إن عينيها تركعان. وما أحلاه من ركوع، وإن عينيها تسجدان كفعل التصاق الجبهة بالأرض، وما أروعه من سجود الإيمان يصير إيماء بالعينين. والصلاة رعشات في الهدب. وما أحلاها من عبادة. لقد شغلتنا وسائل الحياة عن الغاية. إذا كانت وحدة الحياة هي الغاية فلماذا تستهلكنا الطرق عن بلوغ المقاصد؟! يقول المأثور: (آمن بالحجر تشف) فكيف إذا كنت تؤمن بالله؟! وهل نربح معركة الحياة بغير الإيمان؟! حين يدخل اليأس إلى النفوس يدخلها الكفر، ويفتك بها الضعف، تصير هيكلاً بلا فقرات وجسداً رخواً بلا عظام.‏

نحن جيل الإيمان، لكن الإيمان الذي يسكن نفوسنا هو تحول الإيمان القديم المخبوء فينا، ننظر إلى الأرض والشعب نظرة تقديس وإجلال فلذا كانت الكوارث القومية تفعل في نفوسنا فعل التدمير للهيكل المقدس فنصبح بلا عبادة، نهيم في البرية متأملين لنجد من جديد إلهنا الذي ضاع.‏

إلا أن شجرة الحياة لا يمكن لها أن تستمر في الوجود إلا إذا انحنت أغصانها على جذورها لتصبح جذوراً جديدة، الجذر يصبح غصناً والغصن يصبح جذراً، دورة للحياة واحدة، لا تنكسر إلا إ ذا أردنا الكسر. نهوي عليها بفأس اليأس فتنكسر النفس كما تنكسر الشجرة أمام العاصفة العاتية.‏

هل رأيت كيف يخرج الإنسان من الرحم طفلاً مولوداً وكيف يعود إلى بذرة ونطفة لتصبح من جديد هيكلاً إنسانياً وبنية بشرية؟! كذلك الإيمان يدخله الإنسان نطفة ويخرج منه بشراً سوياً.‏

بعد أن انتهت سيدة الفانتازيا من القراءة رفعت رأسها وقالت:‏

عاد عارف من أمريكا ليتزوج أمه.‏

فانتفضت السيدة المجذوبة قائلة: أعود بالله من الشيطان الرجيم.. إنه الشيطان الذي أحضرته معك من أوربا.. وإلا أنك تخرفين في سن الشباب.‏

فضحكت سيدة الفنتازيا وقالت: فهمتني غلطاً طبعاً تزوجك أنت. لكن هناك من يقول إن الرجل ليقترن في الزواج بامرأة تشبه أمه!!‏

ـ نظرية ما شاء الله فرويد أم يونغ؟؟‏

ـ لا، لا.. لا هذا ولا ذاك.‏

ـ اسمعي أمه حنطة سمراء. وأنا شقراء ياسمينه.‏

وهي طرّازة.. وأنا خياطة، ولم أخيط ثياباً لغير صديقاتي.‏

ـ لكن أنت مجذوبة وهي من أصحاب الجذب أليست هي كما في صلاة الرمز.‏

ـ بلى.‏

ـ وأنت لا تغيبين فرضاً ولا نافلة. وكلاكما وجه لخصوبة الروح، وجه مضيء لعشتار الكونية التي تنطوي في سديم اللاوعي، وتسطع في الحركة والفعل، وتميز الشخصية الإنسانية.‏

ـ وأنت يا ست ما محلك من الإعراب في نحو عشتار؟!‏

ـ ألم تسمعيني عندما قلت لعارف إن لي تحولاتها فأنت أنا، وأنا أنت!!‏

وسعاد وزينب منا. ونحن منهما.‏

ـ وأم عارف؟!‏

ـ ليست سوى وجهك الآخر أو أنت وجهها في زمان الصبا!!‏

ـ أفهمك، الجذب، الحدس هما سلّمي إلى بارئ الكون. وأنت مدججة بفكر كأنه مدية.‏

ـ قولي لي يا ست الجذب كيف تفنين في الـ ـ هو في الآخر؟!‏

ـ الطريقة معروفة عند أهل الحقيقة.‏

ـ هل هم أهم من أهل الشريعة؟.‏

ـ أبداً عندهم لا حقيقة بلا شريعة ولا شريعة بلا حقيقة!! الشرك حجاب فحذار من الفخ.‏

ـ لم تقولي لي ما هي الطريقة.‏

ـ إنها مراتب توحدني بالآخر تفنين في الذات العليا بأربعة سبل.‏

1 ـ بلبس الخرقة ورفض العالم الشهوة والتعلق بالعالم الحق.‏

2 ـ أو أن تتبعي شيخاً صوفياً كالشيخ جزو فيكون واسطتك لتوحد الأنا بالـ هو.‏

3 ـ أو محاسبة النفس ومراقبتها والمجاهدة فيصفوا الجسد ويتوهج روحاً كله ويدخل النور في النور.‏

4 ـ أو أن يختصك الله بالنعمة.. نعمة الجذب، فلا تحتاجين لأي شيء مما سلف.‏

الشهداء مجذوبون إلى الكائن الكلي فيرحلون بعشق من أجسادهم إليه. يفنون فيه فيبقون، هكذا هو أبو نمر، هكذا هو أصلان.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: ليت لي صفاءك وقوة جذبك.. أن أكون أنا وأنت جزء من عشتار الكونية ليس غريباً.. إنها الروح التي تسعى إليها الطرق.‏

وأن يتزوج عارف عشتار الكونية عبرك ليس غريباً أيضاً.‏

فقالت سيدة الجذب: أحس بما ترمين إليه لكن العقل عندي مسلم للجذب. ما في الكون إلا هو. وهذا من النجاة من الشرك.. هذا هو الحقيقة.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: لقد فنيت أم عارف حتى يتكون عارف وأخوته، فنيت بالجذب تمتلئ فرحاً ونشوة في أجساد أخرى ـ ألم يقل لك عارف أنت جسدي الآخر أنت الولادة الثانية!!‏

ـ الآن وضعت إصبعك على الجرح.‏

تفني الأم الجزء في الكون الكل، لتبقى شجرة الحياة تفرع وتفرع. لا حجر على قارعة الوجود.‏

ـ خلبت عقلك شجرة الحياة هذه الأم الكونية. أما عارف فلحست عقلة التكتكة.‏

هو مجذوب آخر. يتكلم مع نفسه وبصوت عال أحياناً. تك تك تك تك تك يحاكي مكنة التطريز قائلاً:‏

نحن ثمرات هذه التكتكة. مكنة سنجر، لولاها ما كبرنا ولا تعلمنا.‏

ـ لماذا لا تحدثيني عن مكنة سنجر‏

إذا كانت شجرة الحياة أمنا الكونية فالعمل هو الذي يلقحها بالقوة.‏

ـ أنا طالعة روحي من الماكينات لماذا لا تقرئي المذكرات؟‏

ـ يا كحلا من تمك أحلى‏

تسمعان صوت المفتاح في قفل الباب فتقول المجذوبة جاء عارف تسطفلي أنت وإياه.‏

يدخل عارف هاتفاً: أهلاً أهلاً .. ويجلس ، وين صرنا في تحليلات فرويد النفسية؟!‏

فتجيب سيدة الفنتازيا:‏

تك تك تك تك..‏

فيبتسم عارف مداعباً: تك تك تك تك..‏

وتخطفه التكتكة إلى عالم آخر في ذهول متوهج.‏

النسوة يأتين بالشراشف البيض إلى دارهم.. وأغلبهن عرائس على أهبة الزواج.. أو زوجات يطمحن إلى تزيين بيوتهن وفرشهن بفنون مطرزة فالشراشف البيض التي يحضرنها تخرج من تحت يدي أمه لوحات مطرزة بشتى الورود والأغصان والطيور، ترسمها أمه أولاً على هذه الشراشف ثم تطرزها بالخيوط الملونة على مكنة سنجر.‏

أحياناً ترسم، وأحياناً تستخدم نماذج جاهزة تضعها تحت القماش الأبيض، وتضغط عليها بملعقة مؤكسدة فتنطبع هذه النماذج على بياض الشراشف لتطرزها أمه.. قدماها على الدوّاسة ويداها تحرك القماش بعد أن تنغرز الخيوط الملونة وبشك الإبرة في لحمة القماش الأبيض مشكلة صورها وأشكالها الجميلة.‏

فساتين العرس.. ثياب النوم يكفي أن تلمسها أمه فتستحيل قطعاً فنية. تتغاوى بها العرائس في ليلة الدخلة أو في شهر العسل.‏

تعلمت التطريز في مطلع هذا القرن واشترت مكنة سنجر. وعينتها وكالة سنجر معلمة للتطريز.. فكانت تتقاضى ليرات ذهباًَ على نقل خبرتها للنسوة اللواتي يرغبن بتعلم هذه الحرفة الفنية الشريفة.‏

ـ لقد علمت بين اللواتي علمتهن بنت رئيس الجمهورية علي بك العابد..‏

ومن الذهب الذي جمعته بيديها وعرق جبينها وذوقها الرفيع استطاع جده أن يكمل بناء داره.. التي لم يكن فيها غير غرفتين لا تكفيان الأسرة. فمد ذلك البيت سقفه عليهم هو وأخوته بالحنان والرحمة والكفاح مدة ربع قرن فخرجوا إلى الدنيا بعلم وفير ورأس مرفوع.‏

ما يزال عارف يسمع ضجة مكنة التطريز التي استحالت إلى إيقاعات موسيقية مع الوقت في أذنيه.‏

وكان كثيراً ما يمسك شلل الخيطان الملونة (البريم) هو وأخوه لكي تلفها أمه على الكراكر الصغيرة وتستخدمها في عملية التطريز.‏

فكانت تشتري هذه الشلل بالجملة وتوزعها بالمفرق على كركر فكركر فكركر لتستخدمها في التطريز وتوفر توفيراً جيداً في تكاليف الصنعة.‏

ومكنة التطريز هذه خرجت أسرة كاملة من المدارس الثانوية والجامعة.. وتيسر لـه ولأخيه الأكبر أن يكملا دراستهما العليا في أوربا وأمريكا.‏

سنجر هي من الكلمات الأجنبية الأولى التي تعرف عليها وهو صغير. كانت أمه منذ أن وعى الضوء، تملأ البيت بتكتكة مكنة سنجر. تجلس خلفها متلفحة بغطائها الأبيض يستر شعرها، تأمر المكنة فتطيعها، تمسحها، تزينها، تطرز عليها، تطعمهم منها خبزاً ولحماً. وحين كبر أخوه وتوظف تقاعدت المكنة، وتقاعدت أمه، ووهبت المكنة الأثيرة إلى درية بنت أبي نمر محولة إياها إلى طرازة مماثلة لتنشئ وتعيل أسرة أخرى بالعمل الشريف.‏

تك. تك. تك. تك.‏

أصداء مكنة سنجر تختلط بأصداء الدوشكا، الهوشكيس بالفرنسية، التي كانت تملأ المدينة في الحصار ومعركة البرلمان.‏

ودرية بنت أبي نمر وجه آخر من قادرية تأكل خبزها بعرق جبينها، وتخلد ذكرى الكفاح من أجل أن ينهض آدم من الموت.‏

تك تك تك تك مكنة سنجر.‏

تك تك تك أصداء الدوشكا في رشات متقطعة تصادر حركة المدينة وتغلق في وجهها دروب الحرية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244