أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الدرج المختوم

7استيقظ عارف مبكراً. فغلى لنفسه فنجان قهوة. وجلس في مكتبة يتفقد بعض أوراقه ومخطوطاته. وأغراه الدرج المختوم:‏

افتحني.. افتحني.. منذ زمن وأنت تهرب مني أنا مستودع أسرارك خبأت في أعلى تجربة في حياتك فلماذا تخفيها عن الآخر هل تخجل منها حقاً وإن لم تفعل فلماذا يحمر وجهك كلما ألحت عليك سيدة الفانتازيا أن تكشف لها سرك.‏

لم يكن عارف متأكداً من أن صوتاً ينبعث من الدرج المختوم يوجه إليه الرسالة أم أنه صوت من الداخل يمثل الكائن الآخر في شخصيته. إنه لا يخجل من الحقيقة وقد وضع بين يدي المجذوبة وسيدة الفانتازيا مخطوطة ذكرياته وأيامه لكنه انتزع منها فصلاً كاملاً وجده خطراً عليه، يعريه ويسلبه الأمان.‏

هذه حقائق طفولته أصبحت معروفة لدى السيدتين وتلك حقائق فتوته وتجاربه في النضال أصبحت لديهما. فلماذا لا يشعرن بالخطر من ذلك وهل تجربة الجنس واكتشافه الجسد تستأهل كل هذا الحذر وهذا الانكماش؟! فليفتح الصندوق ويشرع الدرج المختوم وينشر أوراق الفصل الأحمر من حياته فالسيدتان هذه زوجته وتلك صديقتهما المقربة الحميمة. فلماذا الخوف ولماذا الخشية؟؟‏

وقف قليلاً وأخذ يتذكر مخبأ مفتاح الدرج فوجده، فتناوله وتقدم نحو الدرج ووضع المفتاح في ثقب الغال وتوقف برهة لكنه عاد وسحب المفتاح وأرجعه إلى مخبأه. وفكر أن: سيدة الفانتازيا نعم هي سيدة في التحليل النفسي ويمكن أن تتعاطف معه إذا ما تعرى وكشف أوراقه أمامها، لكن المجذوبة ماذا يمكن أن يصيبها عندما يقف أمامها عارياً فتراه كما هو دون زخرف أو ثوب.‏

كلتاهما، تحدث لنفسه، يتآمر عليه بدافع الفضول النسوي.‏

المجذوبة كزوجة تريد أن تعرف عنه كل شيء لتزيد من تحكمها به وأمانها بينها وبين نفسها. وسيدة الفانتازيا صحيح أنها مختصة بالتحليل النفسي وتحتكم لمعايير المعرفة العلمية لكن فضول المرآة عن حياة الرجل ليس غريباً عليها، ولماذا يتجرد ويتعرى لهذه وتلك إنه غير مدين لأحد والأكثر أماناً بالنسبة إليه أن يبقى السر مكتوماً والدرج مختوماً فالصندوق الذي سيفتحه فيما إذا فتحه ستهف منه روائح لا يمكن لـه أن يتحكم في أثرها ومفعولها عليه وعلى المجذوبة وسيدة الفانتازيا.‏

لكنه عاد وفكر ربما يشعر بحرية تامة إذا فتح الدرج وكشف السر. وربما يكون ذلك سبيله إلى التحرر من هذا الضغط الذي في رأسه والضيق في صدره، يطلعهما على ما لديه ويرتاح.‏

ليس عليه من حرج أو عار من الشروط الاجتماعية التي مرت به من مسكن ومأكل وملبس من فقر وغنى وما إلى ذلك. فلماذا يحسب هذا الحساب الكبير لأسرار الجسد وخبايا الجنس. إنه كالطعام والخبز، هذا غذاء وهذا غذاء وقد واجهت ذلك الشرائع كلها والفلسفات مجملها فأين تحرره الذي يفاخر به وأين اعتزازه بمعرفته وتجاربه.‏

لماذا تقصر هنا في الشرط الوجودي وتتطاول هناك في الشروط الخارجية.‏

إنه يعتز طبعاً بتجاربه الوجودية في الجنس وغير الجنس كما يعتز بتجاربه الفكرية الاجتماعية ولكنه ليس جاهزاً للمكاشفة. لا يزال شطر كبير من نفسه ملك القيم التي تربى عليها، وما قرأه من السير الذاتية الغربية التي يتعرى فيها الشخص تماماً كثيراً ما بدت لـه مغالية أو مبالغة. إنها تجعل من الحبة قبة لأسباب غير المكاشفة.‏

ربما هو السلوك النفعي أو الحس التجاري لا التحرر النفسي الذي يؤدي إليه تعري الذات وانكشافها أمام الآخر انكشافاً تاماً لا ستر له.‏

ثم إنه يتردد لأن سيدة الفانتازيا تتصرف لا بدافع الفضول، وأن المعرفة السيكولوجية هدفها الرئيسي لكنها في تعصبها لعشتار الكونية ومساندتها للمجذوبة متى كانت المسألة الحرب الجنسية بين الأنثى والذكر تقلقه وتفتح ثغرة كبيرة في فكرة التحرر بالبوح وتعري الذات أمام الآخر عبادة الذات لها حرمتها.‏

لكنه عاد وفكر أن هذه الهواجس تدل على اهتزازه من الداخل ولا علاقة لها بالمجذوبة أو بسيدة الفانتازيا. ولو كان قوياً لرفع غطاء التابوت وخرج منه كما كان يفعل أيام الطفولة في ملحق الجامع، أن يختبأ إلى حين عن الآخر تكتيك لكن الحرية هي استراتيجيتة الأكيدة والخروج من التابوت هو بدون ريب حريته المطلقة عندئذ. عاد إلى مخبأ المفتاح واستخراجه مرة أخرى ووضع في سكرة الغال وطق المفتاح وانفتح الدرج المختوم واستخرج منه مجموعة من الأوراق تعادل ملزمتين بحجم الصفحة الكاملة لكن طرفها عليه آثار الاحتراق وهو الجزء الذي أنقذه عارف من أيام حينما أتى اللهيب على جزء من مخطوطته.‏

أخذ ظرفاً كبيراً ووضع فيه الأوراق وكتب على ظهر الظرف: المكرمة سيدة الفانتازيا كلية الآداب الجامعة. وختم الظرف وجلس على كرسيه الكبير شاعراً بالانفراج والراحة.‏

إنه في طريقه إلى التحرر وتعري الذات قوة لا ضعف فلماذا يتلكأ ويناور ويكشف ما لا يحرج كشفه من سيرته ويعرض خصوصيته للخطر.‏

استيقظت المجذوبة مع شمسها العالية وسمع ضجة في المطبخ ونادته وهي تتثاءب يا عارف هل تود الترويقة هنا في المطبخ أم آتي بها على الصينية إليك في المكتب؟!‏

تذكر عارف طقوسية إشعال الشموع وخصوصيته الغالية في ممارسة الكتابة. كما تذكر حينما سمع كلمة الصينية صينية عشتار أو الزهرة التي أهدته إياها سيدة الفانتازيا ومرت بذهنه فكرة "لا ينمو جسد حتى يبلى جسد آخر" لكنه شعر برعدة تتناوب كل أطراف جسده فنهض وتناول الظرف الذي وضع فيه الفصل المحروق الأطراف واستخرج الأوراق منه وأرجعها إلى الدرج وأغلقه بالمفتاح ثم تأكد من إغلاقه وعاد وجلس مخاطباً المجذوبة سآتي إليك هناك وخرج من المكتب في يده كأس الحكمة وعلى شفتيه ابتسامة متحفظة.‏

كان عارف قد ركن سيارته في ساحة المسكن الجامعي وهو يعود أدراجه مشياً على الأقدام مساء إلى بيته. وحين وصل إلى مدخل العمارة صادف سيدة الفانتازيا عائدة من التدريس في الجامعة فقال لها: نهار آخر من العمل الشاق فابتسمت وقالت ما هو بشاق أكثر من العيادة فقال لكن جس المفصل ليس كجس العقول الطرية فقالت كله شغل وإن اختلفت الوسائل والأدوات وتنوع التوتر والتوجه.‏

لماذا لا ترتاحين عندنا قليلاً وتشربين فنجاناً من القهوة. فقالت لـه سأفعل لأنني جئت إليك بهدية متواضعة سأضع حقيبتي في الشقة واغسل يدي ووجهي وآتي إليك.‏

تركها ودخل شقته وتوجهت هي إلى شقتها.‏

كانت المجذوبة في انتظاره فاستقبلته بالترحاب وجلسا في خلوته المفضلة في المكتب، وحدثها عن سيدة الفانتازيا وهديتها فابتسمت وقالت لماذا لا تهديني أنا وتهديك أنت؟! فضحك وقال يكفيك هداياي إليك لقد امتلأ ذراعاك بالذهب.‏

وبينما هما على هذه الحال رن جرس الباب فخرجت المجذوبة وفتحت الباب وجاءت بها إلى مكتب عارف وفي يدها صرة ملفوفة بأوراق ملونة كأنها من هدايا عيد الميلاد مصرورة بعناية ومربوطة بخيوط ملونة وعليها وردة حمراء.‏

أخذتها المجذوبة وقالت ما شاء الله ما شاء الله هدية والله أعلم إلى ماذا تومئ الهدية ومعها وردة كمان. فضحكت سيدة الفانتازيا وقالت وزعينك إنها لعارف وليست لك لكن المجذوبة أخذتها منها وبدأت تفك رباطها ولا تنتظر لكي تحسر عنها الأوراق الملونة فتمزقها وترمي بخيطانها جزافاً ولكنها تحتفظ بالوردة وتعطيها لعارف.‏

كان عارف يمد عنقه إلى جهة المجذوبة ليستطلع ما تخبأ في صرة الهدية فإذا بالمجذوبة تخرج كيساً وكيساً آخر الأول فيه شموع ملونة أربع عشر منها كما في طقس عارف للكتابة. والكيس الآخر فيه قطع من البخور الغالي الثمن. فقال عارف فهمنا الشموع من أجل طقس الكتابة، ولكن البخور لماذا فقالت سيدة الفانتازيا هذه الأمسية سوف نستحضر كافة شياطينك على ضوء هذه الشموع ونغريها برائحة البخور لكي تلازم المكان، هات يا مجذوبة المجمرة، ولنبدأ الجلسة. ذهبت المجذوبة وأحضرت مجمرة البخور وأخذتها منها سيدة الفانتازيا ووضعت عليها قطع البخور الغالي، بينما كان عارف يشعل شمعة. وضعت سيدة الفانتازيا المجمرة في زاوية المكتب وأخذت باقي الشموع وأخذت توقدها واحدة فواحدة وتضعها في مواضع مختلفة من المكتب ولكنها وضعت عدداً وافراً منها على صينية الزهرة التي كانت موجودة على طاولة المكتب وتخلص عارف من آخر أحجارها في آخر جلسة لتكون جسده الجديد حسبما تشير إليه طقوس عشتار القمرية.‏

فقال عارف تريدين أن تحرقي المراحل كنت قد أشعلت أربع عشر شمعة في أربعة عشر يوماً والآن أنت توقديها في نقلة واحدة وجلسة فريدة ماذا ترمين إليه.‏

فقالت سيدة الفانتازيا: إنها جلسة الجلسات أريد أن أنتزع منك السر مرة واحدة وأنا مستعينة بالشموع والبخور. فقال عارف: كأنما تريدين أن تنوميني تنويماً مغناطيسياً.. وددت لو أفعل ذلك لكنه لا يتم بدون رغبة المنوم فابتسم عارف وقال: أخشى إن نمت ألا أستفيق وأدخل في زمن آخر كأفلام الفضاء ولا أعود إليكما أنت والمجذوبة.‏

فقالت المجذوبة: يا دلي. لا أريد هذا التنويم وأنا مع مزيد من اليقظة. اجلسوا إذن، ولنبدأ الطقس. وكم كانت دهشة سيدة الفانتازيا كبيرة عندما ظل عارف صامتاً واستلمت المجذوبة زمام الكلام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244