أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قادرية

عادت سيدة الفانتازيا من العيادة، وقبل أن تستقر أو ترتب شؤونها، وضعت حقيبتها كيفما اتفق، وهرعت إلى المجذوبة تطمئن عن أحوال عارف. توجست خيفة أن يعود إلى إحراق ما كان يحرق، كأنما يريد أن يتخلص من الذاكرة الموشومة. وبعد أن سمعت ما سمعت منه مترنحاً بين الموت والحلم, الحلم والموت، داعبها أمل أن تزحزح رغبته بالعدم إلى رغبة بالحلم. أن يتخلص بالبوح من ثقل ما يختزنه صدره. أن يتحرر بالعودة إلى الينابيع الأولى، لا بالنار والحرائق،بل بالماء.‏

برج المجذوبة برج السرطان الذي تحتاج إليه تربة العذراء وينتظره برجه من المجذوبة!!‏

وحين فتحت لها الباب عانقتها وقبلتها وجلستا بينما كان عارف يطالع في المكتب.‏

قالت لها: كيف حاله؟! فأجابتها: إنه الصمت الذي ينذر بالعاصفة!! لو عرفت شيئاً مفصلاً عن النهر؟؟ التفاصيل الصغيرة مفيدة جداً زيديني عن النهر.. إنه المفتاح الذي سيعيد عارف إلى أحضانك وصدرك.‏

ركزت المجذوبة جلستها وأخذت تقول: ساحة العسكرية متسع مستطيل من الأرض الترابية التي ترصع الأعشاب أطرافها القريبة من الماء، فهي أشبه بمستطيل متطاول على طرف نهر يزيد الذي يحدها من الشمال، ويليها من الجنوب بساتين متدرجة إلى قلب المدينة، فيها التين والرمان والمشمش والخوخ والدراق والتوت، وفي مساكبها تزرع الخضار المتنوعة من بندورة وخيار وبقدونس وبصل، وبرسيم الذي ترعاه بعض الأبقار القليلة التي يمتلكها صاحب البستان.‏

ويتوسط ساحة العسكرية ثلاث شجرات جوز لا يحيط بإحداها أربعة رجال، شجرات معمرة، تبسط ظلها على الساحة التي تحسبها لخرير المياه من السواقي التي تتفرع من النهر جوقة موسيقية. والبلابل ترقص على أفنانها بالتغريد الذي ينعش الروح.‏

فهي كما يدل عليها الوصف لا تمت الآن بصلة إلى العسكر العسكرية. فقالت سيدة الفانتازيا: من أين إذن جاء اسمها؟!‏

أجابتها المجذوبة: من تخييم بعض العسكر فيها قبل الحرب العالمية الأولى أو أثناءها، فلصق بها اسم ساحة العسكرية، غير عسكر الأمس.‏

كانت هذه الساحة توفر لهم الهدوء والخلوة والحرية. إذا جاعوا أكلوا من أشجار البساتين. وإذا عطشوا شربوا من ماء النهر. وإذا تعبوا من الحر تباروا إلى السباحة في نهر يزيد عند الساحة حيث يعمق النهر وتصبح أرضه رملية، يقفزون كالأرانب، ويطيرون كالعصافير، وكأن الدنيا نزهة أو ليلة عرس.‏

إلا أن الساحة ليس فرحاً كلها، كانوا يتعرون فيها من هموم الحياة، ويمتلئون بطراوة الأرض. تركت ساحة العسكرية في الذاكرة إلى جانب الظل الضوء وأفنان الأشجار التي تعربش على جدار النهر، وخيمة أشجار الجوز التي تنسل من خلالها أشعة الشمس.‏

تركت حكايات ينعشك سماعها، وهي حكايات حقيقية بكل ما فيها من قساوة وطفولة. جديرة بأن تكون جزءاً من سيرة ذاتية سمعت بعض أطرافها وهي أشبه بروايات الأفلام، وقصص الخيال، وحكايا أشكال وألوان. حكاية النهر والموت.. حكاية النهر والحب وقيامه هابيل من الموت بعد أن قتله قابيل ويبست دماؤه على صخر قاسيون على طرف النهر، و.. و.. و.. وكلها حكايات حقيقية ليس فيها إلا أن يكون عارف راوية لفصول إنسانية على أطراف هذا النهر العجيب الذي كان يغسل التعب والهم والفقر فيقضي عارف في خضنه ساعات طوالاً مع أترابه في هذه الساحة التي أصبحت الآن جزءاً من الذاكرة. وهنا يدخل عليهما عارف وتستمر المجذوبة:‏

اقتلعت أشجار الجوز، وغطت بلاطات الإسمنت المسلح وجه النهر. وانصبّت عليه مجاري المدينة، وجاء زمن آخر وعسكر آخرون فاختنق شريان الزمرد.‏

فإذا اقتربت منه الآن صدمتك رائحة جثته النتنة، بعد أن كان سرباً من الأطفال ونهراً من الحب.‏

فقالت سيدة الفنتازيا قاصدة أن يسمعها عارف: المدن تنمو في العالم نمواً سرطانياًن. المدينة تأكل الغابة، المدينة تدمر الحقول والبساتين وتزرع بدلاً منها أدغالاً من الحجر وتخلق الغربة، والمدينة في نهاية الأمر فيما تحمي الإنسان من العناصر تقتله ببرد الشتاء وقيظ الصيف.‏

الإنسان جيد لها ما دام مفيداً معطاء منتجاً، وحين تنضب حيويته وتجف قواه ترمي المدينة بالإنسان إلى المزبلة ويحل محله إنسان آخر، جزء آخر من النهر البشري الذي لا ينضب. لكن النهر هو غير النهر، فماؤه يتغير دائماً ويبقى مجراه. الماء الذي تراه الآن هو غير الماء الذي رأيته من قبل والذي سوف تراه من بعد، لكنه الماء لا ينقطع، يظل يجري ليشكل وجه النهر ومجراه.‏

تسارع عارف إلى القول وكأنما يحدث نفسه: نتوضأ في ماء النهر، ونصلّي في هيكل الطبيعة. نمحو آثامنا في جريان مائه، نغسل الجسد والروح، وفي زوايا جدرانه، تخلع الأفعى ثوبها وتتجدد، وتلطى لفراخ الطير عندما يضنيها الجوع فتشب، فإذا هي شدق يبتلع الريش والتغريد.‏

أيقظني والدي ذات صباح وقال لي: خذني يا عارف إلى حيث تسبح. فقلت في الساحة العسكرية. قال: لا بأس.‏

ذهبنا معاً في الصباح الباكر (ولم يكن لدينا حمّام نغتسل فيه في البيت. بل نقصد حمام الحي، حمّام الحاجب قرب سوق الجمعة أو أحد حمّامات المدينة) ذهبنا معاً إلى ساحة العسكرية، فخلع ثيابه، وغطس في ماء النهر ثلاث مرات وتشهّد، ثم خرج من الماء وتنشّف بمنديل وذهب إلى المسجد ليصلي.‏

فقالت سيدة الفنتازيا: هذه علامة طيبة يا عارف. لو قمنا بما قام به أبوك، أن نغسل الإثم في النهر ونتحرر منه!!!‏

فأجاب عارف: لكن النهر الآن كبله الإثم!! ومضى يسرد في الذاكرة تاريخاً كأنما هو يجري الآن.‏

هنا تستأنف المجذوبة الكلام فتقول: هكذا كانت قادرية نهراً من البركة لا ينقطع، يحمل من ماء روح الخضر المتحدرة في كل زمان ومكان هنالك في روح الإنسان ما هو أقوى من الموت، هكذا كانت قادرية فينيقاً ينهض من الرماد، وهكذا كان فرخها عارف.‏

لم تستسلم قادرية للقدرـ عزمت على الحفاظ على زوجها وتحملت مسؤوليتها بتربية بناته حتى تزوجن غير أنها لم تعرف كيف تتعامل مع زوج يشرب لتربيتها الدينية العميقة. إنها تكره رائحة الخمرة المنبعثة من فم زوجها.‏

إنها تقززها وتثير فيها العدوانية وعدم التسامح، فتتصرف بشكل منفعل لا يحقق التوازن ويزيد الطين بلة.‏

في البدء أخذت تستخدم القوة والعنف مع أدوات السكر فمنعت زوجها من الشرب في البيت وحين يحضر معه زجاجات ملونة كانت تنتظره حتى يفيق من سكره وتدلق الخمر في الشمشمة أي الخارج أمام ناظريه.‏

رآها تدلق مرة ثلاث زجاجات كل منها من حجم اللتر في بلوعة الخارج ويدها مرفوعة والخمر يتدفق كماء الصنبور لتر عرق ولتر نبيذ ولتر كونياك مرة واحدة اختلطت بالغائط والبول في دقائق.‏

وثارت ثائرة والده بينما كانت جدته تهدئه دفعاً للفضيحة، فالبيوت العربية مكشوفة وأدنى صوت يصل إلى الجيران والدور الأخرى ويصبح أصحابه مضغة في أفواه الناس.‏

تقول زلخو لابنتها: اتركيه يشرب لا حباً بالشرب بل لأنها تعتقد أن الخمر يهري المصارين ويعجل أجل الشارب.‏

وفايز بك بعقد هدنة في الأشهر الحرم يصلي ويصوم يقرأ القرآن وهو يحفظ الكثير منه ويتعبد الفروض والنوافل.‏

يأتي إلى البيت مبكراً وبعد العشاء يغلي الشاي ويلقمه بيده ويجلب السكر المقطع والكاسات المزوقة ويوزع الشاي بيده بما يشبه الطقس ثم يقسم السهرة إلى فريقين يتباريان في لعب البرجيس.‏

وحين يكون غالباً كان يسخر من المغلوبين ويحط على عيونهم أحجار البرجيس ويبرم رقعته القماشية على شكل لعب ويغني بصوتها بأغنيات تحرقص المغلوبين:‏

مساون سلن سبلن‏

تحتر وتحتر نكدي يا ويلي‏

والبكا رمدي‏

صاحب الفكر جل واحتكر‏

محبوبي انتصر نكدي يا ويلي!!!‏

أما حين يكون مغلوباً فيسرع إلى الخارج يفرغ مثانته ويصعد إلى غرفة النوم.‏

إلا أن قادرية لا تستطيع أن تمسك أعصابها وكأنها موكلة برسالة مقدسة للخلاص من أدوات الإثم.‏

والدنيا أمزجة وأفهام وعقول. تقول أم أنور لقادرية كان زوجي أسوأ من زوجك فاحتلت عليه أزوق لـه الصفرة والمازة وألبس زينتي التامة وأحضر العود أعزف لـه واغني وأرقص حتى لا يشرب خارج البيت. وهكذا احتفظت بماله لي ولأولاده.‏

أما أنت فخسرت كل شيء حتى البيت الذي تسكنون فيه ذهب أدراج الرياح.‏

وحين يتبين لقادرية أن طريقتها لم تكن ناجحة كان الوقت قد فات، لم تشأ أن تخسر زوجها ولم يشأ زوجها أن يخسرها فبقيا حتى النهاية ولكن مع مسلسل العذاب والأخذ والرد والصد.‏

إلا أنها كانت تقول حين يحضر وهو يترنح بالنشوة لا تزعجوه لكي "لا تفقس سكرته". أي تذهب النشوة ويطفو الغضب. وهكذا مرت الأيام حتى أنجبت قادرية منه خمسة أولاد.‏

تقول: إنها قسمته، طاسات معدودة لكنها تضيف أنها رفقة السوء "ولاد آدو" رفقته دمرت حياته وألصقت به عادة الشرب.‏

النهار للعمل ولله والليل للشيطان حتى نفدت ثروته. كان يصلي أوقاته كاملة وما إن يأتي الليل حتى يدخل في طقس الشراب وأتراب الليل.‏

عارف الطفل صلى معه في مساجد كثيرة السنجقدار الأموي، جامع دك الباب، الشهدا، الشيخ محيي الدين، جامع أبي النور ولكنه صحبه أيضاً إلى خمارة ميشيل بريمو في البرلمان وجلس معه على طاولة مع ندمائه وتذوق البيرا لأول مرة ابن اثنتي عشر عاماً وعلق الحاضرون، سيكون سبع مثل أبيه، وبيشرب حليب سباع.‏

صحبه مرة إلى ملهى "بسمار" حيث كانت تغني ماري جبران وجلسنا جميعاً نحن ونداماه على طاولة مستديرة ننصت لغناء السيدة جبران والأنخاب تتوالى كاسك فايز بك، صحتك، صحة هالشبل، صحة الرجال وهكذا.‏

وبينما هم على هذه الحال دخل الأمير الفاعور وهم من عرب البادية أصلهم من حائل من قبيلة شمر وكان دخولهم مهيباً بعبيهم الحريرية وعقالاتهم وغطراتهم فصمت جمهور الملهى كأن على رؤوسهم الطير، واحتل عرب الفاعور طاولات أمامية واحتفل بهم الكراسين أيما احتفال.. فما كان من والدي لكي يكسر رتابة الموقف إلا أن يصعدني على الطاولة واقفاً وصرخ قائلاً هيه يا عرب شايفين هذا الشبل سيكون وريثاً للبطل شهيد ميسلون.‏

وكان يشجعه دائماً لكي يدخل الكلية الحربية واستقر ذلك في أمل عارف إلا أنه مع الأيام أصغى لأمه التي كانت تفضل أن يلتحق بسلك التعليم طلباً للسلامة وقناعة بما قسمه الله.‏

وحين وصل إلى السنة الثانية في الجامعة ألمت به ضائقة مادية إذ لم يكن لـه مورد مالي ومدخول لا يكاد يكفي تكاليف المعيشة فمن أين يدفع الأقساط ويشتري الكتب ولوازم الدراسة الجامعية والمواصلات والثياب والـ ..والـ.. فقرر أن يلتحق بالكلية الحربية.‏

ولم يستطع الصمود حتى التخرج ليلتحق بالتعليم، وتقدم بطلب إلى الكلية الحربية وأجريت الفحوصات اللازمة وكلها جيدة ولكنه عندما أجريت الفحوص الطبية في مستشفى المزة.. كشف الطبيب عن ظهره وفحص التنفس والنبض وما شاكل ولكنه حين حدق ببطنه وجده محروقاً.. من البز الأيسر إلى كافة تكويرة البطن.. وسأله ما هذا؟!‏

قال: احترقت يوم كان لي من العمر أربعة أعوام وأنقذتني أختي بأن دلقت علي سطلاً من الماء.‏

اقتربت من بابور الكاز وكان عليه إبريق شاي فالتقط ثوبي ناره دون أن أعي فأخذت أصرخ وأبكي عندما أخذت النار تنفذ من ثوبي إلى جلدي.‏

قال الطبيب: البس ثيابك، وأفتى بعدم صلاحيته للخدمة فعاد عارف إلى الجامعة، لكنه لكي يحل المشكلة المالية حلاً عاجلاً ذهب إلى الريف أستاذاً مؤقتاً لمادة الأدب العربي في المشتى قرب صافيتا لمدة محدودة ثم رجع إلى الجامعة واستمر فيها حتى تخرج.‏

قادرية تقترب من سن التسعين، كافأها الله على كفاحها.. غزها على ماكينة التطريز لم يذهب سدى.‏

أبناؤها دكاترة في أعلى مراتب الاختصاص، كل يملك بيته ويضمن رزقه بحد جبينه!!‏

أولاد الكردية.. أصبحوا أعلاماً على البلد!!‏

استقرت روحها، استقر جسدها. لم تعد تنتقل بين بيوت الأجرة، إن أبناءها يملكون بيوتهم، أربعة بيوت بدل البيت الواحد، الأملاك التي أتلفها زوجها لم تكن حلالاً، بيوت أبنائها مال حلال، لقد باع زوجها كل شيء حتى أصبحوا على الحديدة.‏

أخذت حصتها من بيت أبيها، ثلث الملك جنينة فيها غرفة واحدة، وبيت الخلاء باعت كل ما تملك من صيغة وفرش وعمرت مخدعاً جديداً وبلطت البيت وأدخلت إليه الكهرباء والماء على الطريق.‏

ـ ما يخلصك من بيوت الأجرة، غير ذراعك، كانت تقول ضحكت ملء قلبها عندما غنى لها عارف الأغنية الشعبية على الفرندا.‏

ـ أنا أمهم بلمهم.‏

ـ أنا شوحة الخطافة.‏

لن تخطف الشوحة بعد الآن من أحضانها أي ولد. كلهم هنا فوق رأسها وتحت جناحها.‏

إنها تصلي لله دون قلق. عارف عاد من أمريكا، تطلب لـه السعادة والتوفيق لـه ولأسرته وأولاده على سرير المرض. كانت هذه أنفاسها. تلك المرأة المناضلة بجسدها النحيل الذي ينطوي على نفس طاهر.‏

ابنها الآخر قد الدنيا لا في نظرها فقط بل في عين العالم.‏

حجت ست مرات وما تزال تطمح إلى السابعة. زورها ابنها ألمانيا، اللوكسامبورغ، فرنسا، بلجيكا.. لكنما تقول: ولى على أوربا هيكلها ضعيف على السفر إلا أن روحها قوية.‏

حين كانوا يجتازون فردان على الطريق إلى باريز قالوا لها هنا المقبرة العسكرية الفرنسية وفيها كبار الجنرالات فلم تعبأ.‏

لكن حين ذكروا لها هنا يرقد "غورو" الجنرال الذي احتل دمشق بالمخاتلة رغم قوته العسكرية، وتعملق امام قبر صلاح الدين بقولته المشهورة: استوقفتهم وقالت قفوا! خذوني إلى قبر غورو؟!‏

فأخذوها إليها تتألق في وجهها معاني التاريخ الغامضة؟! وحين وقفت أمام قبر "غورو" ركلته بقدمها وقالت:‏

غورو قوم نحن هون. فأخذت أسراب من طائر الفينيق تطير من ركلة قدمها على القبر.‏

إنها ترد على الجنرال غورو قولته التي قالها أمام قبر صلاح الدين‏

(1920م) بعد أن دخل دمشق إنه جنرال الدبابات والطيارات والمدافع الرشاشة والقوى العظمى والإمكانات التي لا حصر لها. ينطق باسم التاريخ التعصب غير مصدق لحظته التاريخية..‏

وبعد ما يقارب السبعين سنة قادرية بنت الشيخ سيدة الكفاح والروح بجسدها النحيل الذي ينطوي على نفس إلهي ترد على "غورو".. قوم يا غورو قوم نحن هنا.‏

ويتساءل عارف هل ورثت عن أمي ا لزهد وحب الآخر والترفع عن رفاه الدنيا، ومحبة المعرفة والعلم أم أنني مثلها أضرب بقدمي قبر التاريخ، ومثلها أهتف: انهض أيها الموت فنحن هنا!!‏

فتجيب سيدة الفانتازيا: كلاكما يحمل روح النهر وكلاكما يعبر عن حيوية الخضر، قد يحجبها الرماد، ولكنها تنبثق فصولاً لا تنتهي، من نماء الأرض.‏

فأخذ عارف يتموج نداءات تصدر من الأعماق:‏

ماذا نتذكر منك يا قادرية. كيفما تلفتنا فأنت هناك فجر يضيء الذاكرة.‏

اشتريت دارك بعرق جبينك، علمت أبناءك بعرق جبينك، أحببت الآخر حبك لنفسك، وصنت كبرياءك بتواضع الزاهدين. نقلت معرفتك ومهاراتك إلى كثير من صبايا الحي تبرعاً، وبأجر للقادرين.‏

ظللت وفية لزوجك رغم غياب الانسجام والسعادة. ركزت كل عاطفتك على أبنائك، فعوضك الله بهم، ومت قريرة العين وهم من حولك.‏

أرفع إليك هنا إحساسي بالألم العميق، فأنا لم أدرك كم آلمتك، من منفى إلى منفى، ومن سجن إلى سجن، وأحكام كلها بهتان وزور أقلها أحكام الإعدام لأنني التزمت بقضية الأمة ومصالحها العليا.‏

ماذا يمكن لأم أن تتحمله من طغيان الحكام؟!‏

كم من هاتف تلقيت من الأوغاد: "قومي استلمي جثة عارف من المشرحة؟!!" أنا لم أقصد أن أغرز هذا الخنجر مرة ومرة ومرة في الصدر الذي أرضعني لبن الكفاح والحب.‏

كنت تركضين خلفي من بلد إلى بلد وربما أدى حنانك علي إلى اعتقادي لاسيما في المرة الأولى لأن الأوغاد كانوا يرصدون خطواتك، ويعرفون مدى عطفك وحبك لي وأنك لابد تقودينهم إلى حيث أختبئ، فاستغلوا أمومتك للإضرار بي.‏

إلا أن حنانك هذا هو الذي صيرني ما أنا عليه من كبرياء وكرامة وصيرورة تعصر حصرماً في أعين الأوغاد والحساد، ويتشكل في مسؤولية وحرية.‏

ومع كل هذا الألم ما أزال أضحك لإحساسك وتعبيرك الذي يصل الواقع بالخارق، والخارق بالواقع.‏

استجرت بالله والرسول لأعود من المنفى بعد أكثر من ربع قرن وقد استجاب الله دعواتك. كيف صورك وعباراتك ألم تقولي لزوجة أخي الكبير عندما وصلت بينكما إلى ما صنع الحداد:‏

فتحي عينك هالقد مشيرة بتدوير السبابة والباهم: "ليلة إلك وليلة إلي".‏

فهمنا ليلتها معه وهي زوجة، فكيف نفهم ليلتك مع ابنك بغير الخارق من الإحساس والنبض، ومع كل هذه الغربة والعذاب كانت قامتك تنتصب كقاسيون وصنين دون أن تنحني هل تذكرين..‏

بعد غياب سنوات طوالاً في الولايات المتحدة استطاع أخي الكبير أن يزيل صوري عن الحدود لتهم سياسية باطلة ولا زون لها.‏

عدت مع ابني الذي ولد في المنفى أركع أمامه وأقبل تراب الوطن وفي عينيه مزيج من الدمع والضوء والدهشة لماذا يركع أبوه الذي يراه دائماً شامخاً كصنين، على هذا التراب ولماذا يقبله؟! في أمريكا كل شيء محسوب بالمنطق ومقنن حتى العواطف نحو الوطن. إلا أن المضحك هنا ليس من شر البلية.‏

كنت تعانقينني بعد غيابي الطويل على الحدود وتمرين أمام شلة من الأوغاد وقبضتك تهدد في الهواء تقولين: "تعالوا هلق احبسوه" مطمئنة انهم يؤمنون أنني في حرم المناعة والبراءة. وما كانوا يقومون به في غياب القانون أصبح مستحيلاً عليهم بوجوده.‏

فلنضرب قبر غورو بأقدامنا ونضرب قبور الطغاة لأن العدل يبقى وهم يذهبون.‏

كما كانت ترتفع ذراعك بالزاوية القائمة لأبناء الحياة في غيابي لأن فيهم نفحة من رائحة ابنك.‏

حققت العدالة بصمودك. تهتفين ألا خروج من بيروت الحصار قبل عودة أصحاب الأرض إلى أرضهم وأنت على تراب الغربة.‏

هززت المحكمة إلى وعيها بسبحتك وصلاتك فاستجابت العدالة لك.‏

أضحك اليوم حينما أسمع في التلفاز أو أقرأ في الصحافة العالمية عن حوار الأديان وحوار الحضارات، لقد مارسته أنت منذ ما يقارب النصف قرن دون أن تنتصبي على منبر الوعظ مثلهم وتسرقي الكحل من العين والفائض من الوفر والنفط، المنافع والمصالح على حساب الآخر هي ما تحركهم. أما أنت فالله في قلبك والإيمان في صدرك تشاركين الآخر بذلك دون أن تنكري عليه حقه، تعلمت منك الكثير الذي لا يمكن أن أنساه, هل تذكرين عندما لحقت بي من دمشق إلى الكورة في لبنان، إنه ليوم مشهود في التاريخ جسدت فيه حواراً سامياً في الحضارة والدين. طوفان نهر "أبي علي" يجرف مدينة طرابلس، ويهدد المنطقة بأكملها، وكنت أنا معلماً للعربية في معهد الأب نادر هناك.‏

نذهب كلنا إلى دير البلمند الأمان في جيرة الله. وأنت تقفين في الدير جنباً إلى جنب مع البطريرك ألكسندر طحان أنت تصلين صلاة الإسلام وهو يصلي صلاة المسيح ليرأف الله بالناس. كنت تسجدين وهو يهز المبخرة برائحتها العطرة وصوته العذب الذي يحمل أصداء البركة "كيريا لايسون كيريا لايسون" يا رب ارحم يا رب ارحم.‏

ألا فليتعلم المبشرون بحوار الحضارات من هذا المشهد الجلل. ألا فليتعلم الوعاظ بحوار الأديان من وقوف قادرية بنت الشيخ داود إلى جانب البطريرك بصلاتين مختلفتين لإله واحد.‏

كنت تقولين الله واحد والعالم واحد والدين واحد وما أصدقه من قول.‏

ونحن نقول اليوم ما نحتاجه هو العلم والإيمان وهما اللذان كانا خلف ملاءتك.‏

لقد توزعتني القارات وتقسمني الماء والنار وفلذات كبدي هنا في الوطن وهناك في المنفى وهذا الكثير من أجلك قليل يا أرض الأنبياء والشهادات ويا مهد العلوم والفنون والمعارف.‏

وارتمى عارف على الصوفا بعينين غائمتين كأنما هو مغشي عليه فانعطفت عليه المجذوبة تفرك جبينه واستحضرت سيدة الفانتازيا طاسة ماء وأخذت ترشه على وجهه، فاستيقظ عارف ونهض وانضم ثلاثتهم في عناق واحد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244