|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:24 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الشيخ جزو وقتيل الجبل يجيء وفد من حيّ الشاغور لزيارة الشيخ "علي". يريدون بركته وتأييده في دعم حملة للتبرعات من أجل أبناء الشهداء الذين خلفتهم ثورة عز الدين القسام في فلسطين. على رأس الوفد مسلم الخال وهو من عائلة متنفذة ولها صلات بالمنظمات الوطنية، ومسلم الخال تحت مجهر المخابرات الفرنسية يريد أن يضلل عملاءها. هدفه الحقيقي هو أن يجتمع "بأبي نمر" ليقود جماعة من المتطوعين إلى مدينة القدس التي أصبحت هدفاً للمستوطنين الصهاينة. واجتمع الوفد بالشيخ علي أما أبو نمر فكان حذراً وتجنب الذهاب معهم مما اضطر عارف ورفاقه إلى ترتيب نزهة إلى رأس جبل قاسيون يلتقي فيها وفد الشاغور بأبي نمر. ولم يعرفوا نقل خبر هذا الترتيب إلى جماعة المخابرات الذين أرادوا أن يعطلوا مهمة وفد الشاغور ويلقوا القبض على أبو نمر. عند الشيخ جزو بدأت خيوط حادثة غريبة يتصل بعضها ببعض لم تتكشف لهم أسرارها وحقائقها آنئذ. يجتمع حميد وراشد وعارف وفارس في سفح الجبل ويتشاورون. كيف يمكن أن يسهلوا مهمة وفد الشاغور والاجتماع بأبي نمر ويستقر الرأي على الخروج في نزهة عادية في صحبة الوفد على أمل أن يلتحق بهم أبو نمر في وقت مختلف منفرداً درءاً لأعين الرقباء. إلا أنهم اختلفوا على تمويل النزهة وتوزيع المهام. وتحضير الأيسر والأسهل والأكثر غذاء وبركة ووجاهة. وماذا يطبخون في رأس الجبل بين الصخور بعيداً عن أسواق المدينة. أهل الشهداء، بحاجة إلى المال، كما أنهم هم بحاجة إلى الغذاء. والجهد من أجل القدس يحتاج إلى بذل المال والروح.. إلا أنهم لم يقلقوا حول هذا الأمر وتركوه لأبي نمر والوفد. فقال فارس: يا شباب خلونا في المهم. نحن مسؤولون عن توفيق القلوب على درب واحدة. والجهاد على بطن جائع خرافة لا يمكن تصديقها فماذا تقترحون. فقال فارس: ـ ما رأيكم بأن نطبخ رزاً بفول؟ ـ على سفح الجبل تكون الشهية قوية. ـ نحتاج إلى حلة رز لا طنجرة صغيرة. ـ ولم لا؟! ـ أكل الرجال على قد فعالها. ـ ومن سيؤمن آلة هذه الطبخة. ـ أنت تجلب بابوراً لغاز. ـ وحميد الطنجرة، والباقي نتوزعه نحن. ـ راشد يشتري كيلو لحم غنم, وأنا أحضر الرز والسمن. ـ ومن الذي يتولى الطبخة. ـ سنشترك جميعاً في العمل. ـ إذا كثرت الأيدي احترق الطعام. ـ يجب أن نوزع المسؤوليات. فقال سعدو: ـ أنا أتولى الطبخ. وأنتم تقومون بالواجبات الأخرى. قال عارف: ـ إذا كان طباخنا جعيص أكلنا وشبعنا. ـ والله لتأكل أصابعك من وراها. ـ هذا إذا ما أكلت أصابعي قدامها؟! وتركوا الجمع على أن يلتقوا اليوم التالي. كل يحضر ما طلب منه ليصعدوا إلى الجبل. على عارف أن يحضر بابور الغاز. لكن لو أخبر أمه بذلك وطلب منها بابور الغاز لتجهم وجهها بوجهه وامتنعت عليه. فأخذ يقلب أفكاره. ـ هل استأذن منها بأخذ البابور. ـ أم آخذه خلسة دون استئذان. وقر رأيه على البديل الثاني، لكنه مساء في السهرة عند بيت أبي نمر ذكر ذلك لدرية فحلت المشكلة. قالت: عندي بابور إضافي يمكن أن أعيرك إياه على أن ترده مليئاً بالغاز. فوافق ونام ليلتئذ مرتاح البال يفكر بالنزهة على سفح الجبل والرز بالفول والهواء المنعش والشمس الساطعة. وفي اليوم التالي وهم يصعدون الجبل في قافلة يحملون متاعهم وأغراضهم، ينشدون الأغاني الشعبية بأصوات لا يساعدها الأداء مع الحركة الصاعدة فيقول سعدو: ما رأيكم أن نتبرك بالشيخ جزّو، ونحن في طريقنا إلى سفح الجبل، إن بيته على دربنا. ولن يكلفنا عناء أو مشقة، فقال عارف: هلق محل الزيارات، أصحابنا من الشاغور يتشوقون إلى سفح قاسيون وزيارة مقام الأربعين. فأجاب راشد: هل يمكن أن تزور الشاغور دون أن تعرج على مقام "السروجي" فيها أبداً.. ونحن هنا على مقربة من الشيخ جزّو والحي أفضل من الميت ما رأيكم؟! يا شباب. فأجاب موسى وحميد وفارس مسايرة: لا بأس. فهم لا يعرفون الشيخ جزّو ومقامه عند أهل الحي فقال سعدو: ببركة يده يزيل الحمى!! وأنامله أكثر تطرية للعضلات المتصلبة من المرهم المعطر!! يضيف راشد: ها نحن على بابه لا تضيعوا الفرصة لقد أتينا معنا بعلبة شاي سيلاني من أجل السيران والنزهة. لكن الشيخ جزو يمكن أنه يعطينا عشرة أسماء لأعشاب وأزهار تنبت في تربة هذا الجبل. وكل منها شفاء للجسم الواهن وقوة للروح. ماذا تقولون؟! قال موسى: على أن لا نمكث طويلاً. ـ حسناً. ـ هيا نطرق الباب. طرقنا الباب وصاح راشد يا شيخنا! يا الله! فلم يجبنا أحد. ثم كرر الطرق يا شيخ جزو قوّاك الله هل أنت في الدار؟! وإذا بصوت خافت لا يكاد يصل إلينا من حيث نطق ـ الباب مفتوح ـ تفضلوا أهلاً وسهلاً بكم.. دخلنا فإذا بالشيخ على طراحه فوق حصير يتكئ على مخدة, وبطنه محزوم بحزام جلدي والحزام مربوط بحبل معقود بجسر السقف الخشبي؟! ـ السلام عليكم. ـ عليكم السلام ورحمة الله. ـ راشد: هؤلاء ضيوفنا يا شيخ من الشاغور!! ـ "الدار داركم يا مرحباً بكم".. يقول الشيخ بصوت خافت. سأل موسى لماذا يربط بطنه بالسقف بالحبل. فأجابه راشد: إن الشيخ يكبح شهوة الجسد إلى الطعام، ولا يتزود منه إلا بما يقيم الأود. أكثر غذائه الماء. أكل العلماء خبز وماء. وفي إماتة الجسد حياة للروح. أو قل هيمنتها لا تأتي إلا بالتحكم بحاجات الماء والغذاء والجنس. وأضاف فارس: الشيخ جزو، يتبرك به الناس، وله طريقة متميزة في معالجة المرضى.. تعتمد على الأعشاب والحمية كلياً كما تعتمد على التدليك والتمسيد مصحوباً بالدعاء والصلاة أحياناً.. والمريض الذي يدخل عليه أو يستنجد ببركته لا يرتد مخذولاً. البابونج والمريمية وتم السمكة والسماق وبعض الجذور التي تنبت في البر وأوراق النارنج والرمان والليمون والمليسا كل لها فعل البلسم وله فائدته وميزته. لا يلبس إلا ثوباً صوفياً خشناً العام كله، ومع أنه خسر جزءاً كبيراً من شعره ولم يعد فيه إلا الشيء القليل، فإن ذقنه البيضاء تملأ صدره. قال الشيخ جزو: تقصدون مقام الأربعين. قلنا: نعم. قال اليوم صاح ومشرق، لكن حاذروا كدر النفس!! ـ فابتسم بعضنا بينما بعضنا الآخر تغضن جبينه مفكراً بما الذي يعنيه الشيخ ونحن في طريقنا إلى سفح الجبل للبركة وللترويح عن النفس وجمع أبي نمر بالوفد. وقبل أن نخرج من عند الشيخ بادر عارف الإنشاد: كنت في الأمس مصطفى وأنا اليوم عارف أحرقتني تلهفاً في العروج المواقف يا لهيباً إذا هفا أوجعتني المعارف فبه القلب قد صفا ومن الوحي طائف قم من الموت واقفاً واعتنق من يخالف ذهب الحق واختفى ضيعته الزخارف واستوى الوجه والقفا حين عز المخالف قد جفاك الذي جفا واختفى من يلاطف فابتكر منك أحرفا رددتها المعازف خصها الحب واصطفى نبضها وهو راعف أيهذا الذي غفا طرفه وهو طارف هلل الأفق واحتفى ونستنا المخاوف إذ وصلنا إلى شفا لهب منك نازف السرى لم يعد سرى زينته المطارف وزها الفجر واشتفى من دجى لا يحالف يا ولاداتنا كفى الردى منك خائف فأجاب الشيخ جزو بوجه راض: يا ولاداتنا كفى أوجعتنا المواقف الردى كف واكتفى وهو في الأفق خائف كيفما سلّ مدنفاً ما روته المراشف ضرج الحب والوفا قلبه فهو واجف كلما ضم مصحفا أذبلته المصاحف كيف يصحو إذا غفا في نعيم يلاطف طائر الموت رفرفا ودم الوجد نازف ما شفاه إذا شفا الوصال المناكف وكوى قلبه الجفا وبرته العواطف فإذا مات واختفى ولدته المعارف ودعنا الشيخ ويممنا صوب سفح الجبل ونزلنا قريباً من مغارة هناك, حضر الشباب الطعام وجلسنا نأكل.. تلذذنا بالأكل والهواء الطلق. نهض مسلم وقال عامر: يا شباب ـ صحتين. ومضى ليغسل يده ومضى يسكب على يديه الماء.. وهو بعد أن غسل يديه ومضمض فمه قال: ـ من يطبخ مثل هذا الرز بالفول يصلح أن يكون زوجة مثالية!! فضحك الجميع، وانفضوا عن السفرة واحداً فواحداً وقال راشد: الآن حان وقت الشاي أكرك عجم!!! يا الله يا.. علق الشاي، كان إبريق الشاي يفور فورته. بينما كان أمين يلقم الإبريق.. وإذا بأربعة أشخاص مسلحين يظهرون على الجمع من السفح وجوجو يمسك بيديه مسدسين أبو طاحون وهو يطلق النار ولكن من فوق الرؤوس كما في الأفلام: ارفعوا أيديكم، ارفعوا أيديكم. الأرجح أنهم دورية مخابرات علمت باجتماع وفد الشاغور بأبي نمر، فليس لدينا ما يطمع في السطو. أيكون أن هؤلاء لاحظوا ونحن نصعد إلى السفح بأننا نحمل أشياء ثمينة كجفت الصيد وغيره فطمعوا على ما يبدو بها؟.. أو أنهم أغروا وليس واضحاً من الذي أغراهم بأن لدى المتنزهين جزادين محشوة بالنقود. أكثر الحاضرين لم يرفعوا أيديهم.. وما من مخرج أو مهرب من الرصاص الذي كان يلعلع فوق رؤوس الحاضرين. فالانبطاح على الأرض أسلم والطلقات تئز في السمع كالدبابير التي تدافع عن أعشاشها بعد أن حركها أطفال مشاغبون. وأن المهاجمين كانوا يظهرون من علٍ علينا وقد انتهينا من طعامنا. لكن مسلم لم يفوت اللحظة فانتزع مسدساً من خصر محمد نمرة, أبو نقطة حمرة طلياني وزحف إلى يسار المجلس واختفى خلف الصخور حيث لا يكشفه المهاجمون وأخذ يسدد رصاصه على جوجو أبو الفردين غير أن هذا كان عصبي الحركة قلقاً لا يستقر على موقف. أطلق مسلم أربع رصاصات إلا أن واحدة منهن أصابت "معمي" فسقط على الأرض قدام سفرة الطعام وطق إبريق الشاي فأطفأ وابور الغاز.. وتوقف الماء عن الفوران.. ومعمي مسجى على الأرض لا يتحرك ونقطة واحدة من الدم على جبينه أشبه بالثقب ولا تظهر كذلك إلا إذا حدقت فيها. أخذ أبو الفردين الجفت واكتشف فجأة أن معمي ملقح على الأرض، لكن عينه لم تخطئ جبهته ونقطة الدم فظن أن معمى تعثر وسقط على الأرض فقال معمي انهض. لكنه لم ينبس ببنت شفة، معمى قوم.. لم يجب. مسح بإصبعه نقطة الدم التي على جبينه وقال: ـ لا تسود وجهنا. انهض. كلها نقطة دم.. لكن.. أخذ يهزه من الكتف دون أي استجابة. فوضع أذنيه على صدره يستمع إلى خفقات قلبه، فلم يسمع شيئاً. لكن جوجو لم يفقد الأمل قوم معمي قوم.. فأجابه رفيقه.. ـ معمي مر لو ويعني بالكردية معمي قد مات. لهول المفاجأة تفرق أكثر الجمع وانسل الضيوف لا سيما أن القاتل كان منهم ونزلوا من سفح قاسيون إلى جهة المهاجرين ليتجنبوا الدخول في حي الأكراد أو ما يجاوره فيتعرضوا للثأر. وبقي المهاجمون الذين استنجدوا بالشرطة فجاءت الدورية ودرست الوضع ونظمت الضبط أما أمين فهو الذي بقي يلم شتات ما تفرق من أغراض السيران. وقد قص أمين على الشرطة ما حصل وأحيلت القضية إلى القضاء. كان أخو أمين ذا نفوذ فاتصل بأقرباء المهاجمين واسترد الجفت. أما القضاء فاتخذ مجراه في جريمة القتل التي حدثت والسؤال تمحور هل كان قتل عمد أم دفاع عن النفس؟! صحيح أن المهاجمين كانوا يطلقون النار عشوائياً لكنهم لم يجرحوا أحداً من الذين هاجموهم، وعلى هذا فهل يمكن للدفاع عن النفس أن يقفز إلى القتل مرة واحدة؟! أما كان من الممكن أن يجرح المهاجم أو يعطله دون أن يقتله؟! فلماذا القتل إذن؟! قد يكون الرد دفاعاً عن النفس، إلا أن هذا الأخير درجات تتناسب مع نوعية الهجوم والضحايا التي يسببها مثل هذا الهجوم. ما من جريح واحد على كثرة الذين أطلق النار عليهم. فكيف إذن حدث القتل وما هي دوافعه. بينما كان مسلم الخال ينحدر من الجبل والشمس شارفت على المغيب أبصر راعياً يسوق قطيعاً من الماعز أمامه فاقترب منه بحذر وسلم عليه فرد عليه السلام وطلب منه جرعة ماء فأعطاه الراعي مطرة فأخذ يزرنق منها الماء بنشوة وشكره على ذلك وسأله إلى أين يؤدي درب الجبل الذي يسلكه فأجابه إلى سفوح المهاجرين. فساورت الطمأنينة قلبه وأيقن أنه تجنب الخطر فيما إذا أراد أحد أن يلحق به من آل القتيل أو أصحابه من أجل الثأر. وحين ابتعد عن الراعي ولم يرَ من قطيعه سوى نقطة سوداء تعربش على الصخر. مر بكهف صغير فلجأ إليه وجلس ليستريح من عناء السير. وأخذ يتأمل ما حدث له.. إنه لم يقتل ذبابة في حياته، فكيف حصل ما حصل؟! المسدس ليس مسدسه ولم يكن يحمل معه سكيناً ومع ذلك فقد أزهق روحاً لكنها روح غير بريئة، وروح شريرة وإلا كيف هجم هؤلاء على نفر آمنين بالرصاص الحي وبالنار؟ لكن المفارقة أن الذي كان يطلق النار من المهاجمين بمسدسين يغذيان النار لم يصبه شيء والرصاصات التي أطلقها الخال أصابت واحدة منها هذا البائس. طبعاً لم تتمكن السلطات من إلقاء القبض على القاتل المدافع، كما لم يسلم نفسه من نفسه إليها وتوارى عن الأنظار في الغوطة المجاورة لحي الشاغور كما أشار عليه أخوته الذين كان نفوذهم في الدولة والحزب الحاكم قوياً في مرحلة كان فيها قبضايات الأحياء مفاتيح السلطة الانتخابية فهم الذين يوصلون النائب إلى البرلمان والنواب بدورهم ينتخبون الرئيس ويصادقون على تأليف الحكومة وتركيبها، ويحاسبونها. وأخوة الخال بثيابهم الشعبية الزاهية وشواربهم المعقوفة وخصورهم المنتفخة من الأطراف ليسوا غير مظهر من مظاهر القوة لتلك المرحلة. كان كلامهم قليلاً ولكن أفعالهم كبيرة وهادفة. كان القتل آخر ما يفكرون به، ولم يكونوا من أصحاب الثروات, إلا أنهم كانوا يحكمون بالهيبة، الهيبة التي توارثوها من انخراطهم في الحركات الوطنية ومقاومة الاحتلال الأجنبي والثورات السورية المتتابعة، كانوا يشكلون مقاومة شعبية حقيقية ولمعت منهم أسماء وأبطال أمثال حسن الخراط وغيره. لكن الجيوش الأجنبية تتحكم بسوريا والحكم الوطني يتعثر. وهناك توازنات في المدينة والأحياء لا بد من مراعاتها كائناً من كان الحاكم. والقتل هو القتل، أما الدفاع عن النفس فهو أمر آخر. لكن لا بد من إثبات ذلك بشهود عدول.. وهذا ما يسعى إليه أخوة الخال حتى ينقذوا أخاهم من هذه الورطة التي تورط فيها إلى حد القتل. وفي حال كهذا لا بد من سلطة تنفيذية تغض الطرف فلا تلاحق المطلوب ملاحقة فعلية ولا بد أيضاً من سلطات قضائية متعاطفة تخرج القتل كعملية دفاع عن النفس وتحضير الشهود واستنطاقهم في هذا الإطار قبل الوصول إلى قاعة المحكمة وإصدار الحكم ثم لا بد من أن تلعب في صحة ذلك كله لعبة الحق العام والحق الخاص. فإذا أسقط ذوو القتيل حقهم أصبحت المسألة روتينياً قضائياً والحكم رمزياً اللهم إذا اقتنع أهل القتيل بواقعة الدفاع عن النفس لا القتل المتعمد. وهنا يلعب الوسطاء والمحامون الدور الأساسي فيوفقون بين المواقف المتباعدة ويجرون الحبل إلى جهة من لـه النفوذ والسطوة والمال والكلمة المسموعة. ـ معمي قد مات برصاصة طائشة في رأسه. ـ الخال يقول أنه لم يقصد القتل كان يحاول أن يهرب ويتجنب زخات الرصاص من الجهة المهاجمة. وحدث ما حدث. ـ الشهود كلهم، من الطرف المهاجم (بفتح الجيم) أكدوا ذلك لمستنطق وقد تطابقت الشهادات بما يؤكد عدم نية القتل والدفاع عن النفس. أما الطرف المهاجم فأغلب أطرافه فروا من وجه الشرطة والسلطات لأنه تأكد لديهم هجومهم على المعتدى عليهم بالأسلحة النارية وقد تثبت ذلك بالوساطة الشعبية لرد الجفت وبعض الأغراض الأخرى الزهيدة التي وضع عليها المهاجمون أيديهم. وبيضة القبان في ميل الميزان إلى مصلحة الخال لم يكن الشهود الذين دعموه مئة بالمئة وأكدوا دعواه التي أدلى بها أصالة حين سلم نفسه فيما بعد وبالوكالة من خلال الشهود المتعاطفين معه، بل الدية التي دفعها ذوو الخال لذوي القتيل الذين لا يفيدهم أن يقضي الخال سنوات عدة في السجن بقدر ما يفيدهم الذهب الذي دفع لهم ليسقطوا حقهم في القضية، وهكذا كان. فسلم الخال نفسه وكانت القضية مضمونة. حكم عليه بالسجن ستة أشهر قضاها في سجن القلعة وخرج بعدها ملتحياً وتقياً!! فيقول عارف: هكذا شاهدت أول قتل في حياتي، واستدعيت للقضاء، واستنطقت مع من استنطق، في إطار مسرحي مرجعيته الاعتبارات التي وصفتها فيما سلف. هل هنالك ثمن لدم الإنسان؟! هل الدية كافية لتبرئة القاتل من القتل. وهل الشهادات بريئة مما يقع بها القتلة أم أن الشهداء مسؤولون أمام الله وضميرهم عن جريمة خرجها المحامون وسلطات قضائية متواطئة وشهود متعاطفون بحق الدفاع عن النفس. وحين توقفت سيدة الجذب عن قص الحادثة تعلق سيدة الفانتازيا: قد تكون الحادثة كلها صدفة فما الذي يربطها بأبي نمر؟! سيدة الجذب.. أبو نمر لم يصعد إلى الجبل، بقي في المدينة.. هناك من أخطره بالحذر. وأن خبر الاجتماع مع وفد الشاغور تنامى إلى أسماع المخابرات، وأن المهاجمين كانوا مفاجأة في المكان والزمان. ومن يدري ربما كان الحدث مكيدة وأنهم من صنائع الانتداب. سيدة الفانتازيا.. ربما كان الهجوم مدبراً وربما لا. الأمر غير مقنع. سيدة الجذب.. معك حق.. لكن عندما عجزت السلطات عن القبض على مسلم الخال.. اتهمت أبو نمر بجريمة القتل مفترضين أنه كان حاضراً مع الشباب في سفح الجبل، لذلك توارى عن الأعين وأخذ يحسب لخطواته وتحركاته ألف حساب. كان أبو نمر يقاتل عدواً واضحاً هو الصهيوني، أما أن يتهم بجريمة من هذا النوع فهو أمر ملتبس، يحاول أن يشوه كفاحه وشرفه، لذلك سارع مسلم الخال بتسليم نفسه حتى يحمي "أبو نمر" ويوفر الجهد لمجاهدة العدو الرئيسي. القصة طويلة.. عليك بالمذكرات خذيها واقرئيها بنفسك. أخذت سيدة الفانتازيا المخطوطة وشرعت تقلب الصفحات، لكنها بدت مشغولة البال. فردت المخطوطة إلى المجذوبة واعتذرت بأن لديها موعداً في الجامعة وانصرفت وهي تهمس كلاهما في البئر. فلنخرج إلى الشمس واحداً منهما على الأقل. وتقصد، بكليهما، عارفاً وأبا نمر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |