|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:24 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
البئر المهجورة لم يهنأ لسيدة الفانتازيا بال فهناك أسئلة تلح عليها فيما يختص بعارف فهي لم تطلع على جميع أوراقه وما اطلعت عليه منها سواء ما سرده هو بصوته أو باحت به المجذوبة امرأة لامرأة. لم يتناول البنية النفسية العميقة لعارف واقتصر على البنية الظاهرة من انتماءاته الاجتماعية وعواطفه الوطنية لكنه ما يزال خافياً عليها. وعارف لا يريد أن يحرق أوراق حياته الظاهرة لأنها لا تتهدد أمنه. ولا تضعه في المأزق الصعب. يرغب أن يحرق الأوراق العميقة من حياته التي يظن أن البوح بها أو أن كشفها يعريه أمام أعين الآخرين. لذلك لا بد من الستر. تتوجه في اليوم التالي سيدة الفانتازيا إلى بيت عارف. تطرق الباب بعصبية. توقظ عارف من سباته، وتخرجه من ضفاف الطفولة. تفتح المجذوبة لها الباب، تتعانقان مع القبل. وينهض عارف إليها ويتصافحان. تحضر المجذوبة القهوة ويجلسون في الصالون يرتشفونها. فتقول سيدة الفانتازيا عرفتنا على الأشياء الخافية من حياتك لكنك لم تعرفنا على البئر العميقة. فتبسم عارف وركز جلسته على الصوفا. فقالت سيدة الفانتازيا كأنك شربت من الكأس التي شربت منها في رحلاتي إلى معبد دلفي. هل تذكر النبع الذي حدثتك عنه وملأت الكاس منه أشرب لأتزود بالحكمة. وأشرب نخبك لأتذكر هذا العالم الذي تنطوي عليه أسرارك. حرام أن تجعلها طعمة للنار أو لقمة للنسيان. فقال عارف: كما تمسكين بيدي وتقودينني إلى نبع الحكمة، اسمحي لي أن أدلك على البئر المهجورة، لأن الشرب من كليهما يؤدي إلى نفس النتيجة. فقالت: هيا إذن نقوم برحلة أخرى إلى أغوار الطفولة والينابيع الأولى التي نشرب منها الشربة الباقية إلى أبد الدهر. فأجابها عارف هيا معي أيتها السيدة إلى الجبل المقدس والمدينة الخالدة. جنود تنصب على أطراف المدينة وتقيم معسكراتها المؤقتة أو تحل في قشلات قديمة منذ زمن الأتراك وما ابتني منها في الزمن الفرنسي. عسكر من المغرب والجزائر وتونس، عسكر من السنغال ومستعمرات أفريقيا الفرنسية، عسكر من الهند الصينية قبل معركة "ديان بيان فون". عسكر من الفيلق الأجنبي ببزاتهم المتميزة، أضف إلى ذلك كله الفرنسيين الأقحاح. ثم عسكر تحت لواء الجيش الإنجليزي من أستراليا والهند وباكستان وعسكر إيرلندا واسكتلندا ومن أمم أخرى.. كلهم انصبوا على دمشق من شتى أطراف الدنيا والحليفان فرنسا الديغولية وإنجلترا يحاولان تصفية قوى فيشي الموالية لقوى المحور. إلا أن المدينة لم تفقد بساطتها وبهاءها كأنما كل هؤلاء كانوا نمشاً لا يعلق على وجهها الأصيل. فقالت المجذوبة وأنت ما هو دورك في إزالة النمش عن وجه المدينة ما هو دورك في استعادة وجهك ووجهها نقياً كوجه النهر؟! فأردفت سيدة الفانتازيا اتركيه يسبر ذاته ويضيء لنا مسارب الأمس، تريدين أن تورطيه من جديد؟! أما يكفي ما دفعه من ثمن باهظ. والتفتت إلى عارف وقالت: الحرب هي جنون الاقتصاد والشركات لاستعادة توازن الربح وتكويم الثروات والأموال.. ووقودها طفولة العالم طفولتك أنت وكل الأطفال وبراءة الفردوس الأول الذي ينقلب إلى جحيم. فقال عارف لكن العسكر بشر مثلي ومثلك يبتسمون وهم يذهبون إلى الموت. أصعد إلى جبل قاسيون مع أترابي إلى الموت، إلى مزار الأربعين. ونقود العسكر إلى المزارات لا سيما الهنود والباكستانيين إذ لم تكن الهند قد قسمت أثناء الحرب. وقد دخل الإنجليز دمشق (1943) فحل هؤلاء محل الجنود المغاربة الذين كان يعتمدهم الجيش الفرنسي أثناء الاحتلال لسوريا وفي أواخره في حكومة فيشي. أقود الجنود إلى جبل الكهف وهو مزار أشبه بكهف صغير، يزعم الشيخ الذي يخدم المزار. كما يزعم الناس أن حادثة أهل الكهف وقعت هنا لا في الرقيم أو البتراء أو أي مكان آخر. وأن قابيل قتل هابيل على سفح هذا الجبل وما تزال دماؤه عالقة على الصخر. لماذا عليّ أن ألعب دور هابيل دائماً وينجو قابيل بالقتل؟! فتهلل وجه سيدة الفانتازيا وتساءلت هل هي عقدة الاضطهاد؟! فالجملة خارج سياق السرد، إنها منبثقة من ينابيع سيرة عارف الذاتية رغم أنها مأخوذة من كتب التفسير؟! فقالت سيدة الفانتازيا: من هو قابيل هنا؟! قابيل السورة والتفسير والتاريخ أم قابيل النهر قابيل الآن؟! وتوهج في خيال عارف صورتان: تشرده في المفنى لأكثر من ثلاثة عقود. وتشرد أبي نمر لفترة مقاربة وقابيل يفتل كلا منهما ظلماً وعدواناً. لكنه انصرف عن هذا السياق لأنه يشعره بعدم الأمان، وعاد إلى السرد بضمير المتكلم. أقودهم إلى مزار الأربعين. استمع معهم إلى شيخه يقص على الزوار قصة القتل الأول في تاريخ البشرية إزاء قداسة المكان مسجد يضم أربعين محراباً على الجدار القبلي وتطل من كلس الجدار وجوّه وتعرجاته أنبياء وأولياء ينقطعون إلى العبادة والزهد في جبل قاسيون، الورعون يتخذون من مزار جبل الأربعين مكاناً يزورونه ويجتمعون فيه في الأعياد والمناسبات. ويقيمون الذكر والنوبات، ويحتشد الناس عليهم وهم يمارسون طقوسهم وعجائبهم، وهذا سر اشتهار هذين الموضعين جبل الكهف وجبل الأربعين عند هؤلاء العساكر الذين وفدوا إلى دمشق من الهند مع الجيش الإنجليزي الذي كان يستعمرها وينعم بخيراتها ويتحكم بشعبها. بعد أن فتحت المجذوبة شيئاً من المرطبات من البراد أردفت: هناك مواضع أخرى تجتذب العساكر الهنود فالحي الذي نعيش فيه في سفح قاسيون يسمى بحي المدارس. وكان فيه لا أقل من مئة مدرسة، وعارف نفسه درس الابتدائي في مدرسة "الصاحبة" التي اقترنت باسم خاتون أخت صلاح الدين. والتي نقش اسمها بالحروف النافرة على مدخل البوابة. فكان العسكر الهنود الذين يتحفونه بعض الدراهم ويعلمونه بعض كلمات اللغة الأردية، يطلبون منه أن يقودهم إلى مقام سيدنا خالد النقشبندي في تلة من التلال التي تحيط بالحي أو إلى بعض مقامات الأكراد الأيوبية. لا سيما مقام ولي صالح قضى حياته شهيداً في محاربة الصليبيين. وما تزال قدمه بارزة من الكفن خضراء طرية دلالة على منزلته في عين الحق. فقال عارف مبتسماً: كان أطفال الحي يتكهنون حول سر القدم. هل يجددها الشيخ كلما بليت أم أنها هي هي هناك، لكنها مصبرة محنطة لا تبلى ولا تفنى. وهل النهر مصبر محنط الآن ومتى يعود أخضر زمردياً. فقالت سيدة الفانتازيا: النبع الذي تبحث عنه يكمن فيك، لكن ما صلتك أنت بالجبل؟! فقالت المجذوبة: أمضى عارف سنوات في الجبل رافق فيها العناصر والحيوان وأكل من أعشاب الأرض وشرب من ماء المطر واتخذ من الكهف مأوى يلجأ إليه يقيه برد الليل وزئير الرياح فأوى إليه ساعات فراغه فصفت نفسه من كدر العيش وشفيت مما زرعه الخوف في نفسه وأخذ يفكر في المدينة. ويحن إلى أهله لا سيما أمه التي كانت تعرف أنه في الجبل, وتوسطت الشيخ وهاب شيخاً صوفياً منقطعاً عن الناس للعبادة والزهد في مقام الأربعين في الجبل. وكان عارف يتردد عليه أحياناً فيزوده بشيء من النصيحة والطعام والماء إذا جاء الجفاف وفصل الصيف، فالمقام مزود بمصنع كبير تتجمع فيه مياه الأمطار يستخدمه زوار المقام للوضوء والشرب. وكثيراً ما كان في فصول الشتاء القاسية يأوي إلى غرفة من غرف المقام الضيقة التي كانت مخصصة لطلبة العلم والمنقطعين عن ترف الدنيا إلى التأمل. وشيخ الأربعين يطمئن أم عارف ويهدئ خواطرها. فالورعون من المدينة يقصدونه في مناسبات مولد النبي والمعراج وليلة القدر يحيون الليل في التسبيح والأذكار حتى إذا ما طلع الفجر وجاء الصباح قفلوا راجعين إلى المدينة هم وعيالهم وأطفالهم. ولهذا المقام مكتبة متواضعة أكثر كتبها في الفقه والحديث والتفسير والتصوف والتاريخ والأدب كانت خير معوان لعارف إذا بلغ حد الإشباع من التوحد مع الطبيعة. فقالت سيدة الفانتازيا: وهل الشيخ جزو حقيقة أو صورة من الخيال؟ فأجاب عارف: لا يكاد الشيخ يختلف عن أي شيء آخر. يعتقد الناس أن النور ينقط من وجهه. ويطلع السبل حيث تخطو قدماه. إنه يختلف عن المشايخ الآخرين واحد يتخذ من العبادة وسيلة للتأثير على السذج والبسطاء وقنص المال، والآخر العبادة عنده سلم يصله بالسماء ورب الخلق ويوحده مع روح الكون. تتوهج روحه بطاعة الرحمن ويبلى جسده، فيصير هو الكون والكون هو. وليس ذلك كله غير مقامات تشرق في النفس إذا تصفت من شوائب الأرض. لا يصعد أحد إلى جبل قاسيون إلا ويشعر بنشوة الروح حين يحدثه شيخ الجبل. وتردف المجذوبة: هذا الجبل كان مسرح حياة ثرية لأناس عظام ومرقداً لكثير من الذين أدركوا أسرار الحياة والإنسان. ابن عربي محيي الدين، الشيخ عبد الغني النابلسي، خالد النقشبندي الذي انتشر أتباعه حتى وادي الفولغا في جوار موسكو. فيزيد عارف: لا تنسي الشيخ رسلان الذي قاتل الفرنجة، الذين احتلوا القدس وهددوا دمشق. شيخ رسلان يا شيخ رسلان يا حامي البر والشام. ما تزال نشيد العامة في أفراحهم وعراضاتهم. فقالت سيدة الفانتازيا: التاريخ قد يتلفح بالأسطورة أحياناً وبالخرافة أحياناً أخرى فنتلبس الحقيقة أشكالاً ويغمرها ركام من الأوهام. فيجيب عارف التاريخ لم يمت ما يزال يتنفس تحت الركام وبحاجة لمن يكتشفه من جديد. يحرره من التراب ويبعثه حياً. يميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ويستل الحقيقة من شبكة الأوهام السائدة، الحق ما تزال صورته تتوهج في ذاكرة الأرض كجمرة تحت الرماد. فأضافت سيدة الفانتازيا: فضفض يا عارف وحين تفضفض اكشف لنا عن خبايا الجمر في خبيئة نفسك، تصل إلى راحة ترفعك من الكبت والقهر. فقاطعتهما المجذوبة تقول: المهم أن نعطي أنفسنا للحق من الأعماق. لقد تبرع ابن عربي بخمسين ألف دينار منحه إياها السلطان المجاهدين، كذلك فعل الشيخ عبد القادر فقد أعطى أبو نمر ذهباً يكفي لشراء خمس بنادق أرسلها أبو نمر إلى المقاومين في القدس، ورسلان الدمشقي حمى المدينة وعباد الله. فقالت سيدة الفانتازيا: من أين إذن جاءت فكرة صنع الخوارق كأنما هي تعطيل للعقل؟ أما أن يوجد المرء في مكانين مختلفين في وقت واحد وأن يركب جداراً يسافر به من دمشق إلى بيروت فهي من الخرافات التي علقت بالتصوف في زمن الانحطاط، كذلك علقت هذه الخرافات بالعلوم الإنسانية الإسلامية جميعاً كالفقه والتفسير والتاريخ في الزمن إياه. وأضافت المجذوبة: الجذب إنما هو انخطاف العقل وشطحه إلى البارئ الذي منحه للإنسان. والحدس الذي أعطاه الله لنا هو الوجه الآخر للعقل. فقال عارف: العقل وحده دون الحدس يصبح وظيفة آلية تغرق في المجرد, وتلته المجذوبة: المحبة هي المعين الذي يحرك العشق الإلهي للإنسان والله. فقالت سيدة الفانتازيا: هكذا إذن تعشق المجذوبة!! فأجاب: وهل أنت خارج دائرة العشق؟ فانفرجت شفتاها عن ابتسامة عريضة. وأردف عارف حتى عقيدة الإنسان الكامل التي آمن بها الفكر الصوفي هي المثل الأعلى لكل الحضارات وفلسفاتها ونظمها، عمق الحياة الروحية للعقيدة ورفع الإيمان إلى مستوى الإنسان ككل واعتبر الأديان أسماء متعددة لجوهر واحد. فالله واحد والوحي واحد، والعالم واحد. فقالت سيدة الفانتازيا: إذن أنت من أهل المحبة والغربة؟ فأجاب: نعم الغربة ضرورة في زمننا هذا كما كانت في كل زمن لأنها تمنح النفس حدها فتقطع كالسيف، وهي تعمق الإنسان فيما تسطحه حاجاته المادية. فقالت سيدة الفانتازيا: والوصول يا عارف هل هو اندماج جسد بجسد كما في رعشة الجنس؟! كالوصول والمشاهدة يا سيدتي هي أن تسع العين الكون فيتسع لـه القلب ويقبض على السر، أن يمتلئ القلب بنور الحق فيشفى الجسد ويتحرر ليطير إلى البارئ الذي يميت ويحيي. ماذا نكسب إذا أقصينا الفلسفة وأبعدنا التصوف عن الحضارة وشطبنا المرأة والجسد والطفولة؟ فقالت السيدة: أنا معك لكننا بحاجة إلى العلم أيضاً. لا ريب في ذلك، لكن ألا ترين أن الفكر الصوفي في أوجه أصلاً أعطى مساحة من الحرية للإنسان قبالة قيود الفقه وعبودية القواعد؟! هذه هي المجذوبة كما تقولين وجهك الآخر. بالجذب أم بالعلم؟! أنت بالعقل المفكر، وهي بالحدس المصور. فيما حرص الفقه على جعل الإيمان قانوناً. حوّلـه المتصوفة إلى شعلة داخلية تنبع من الذات وتعبر عن خبرة جوانية، فردوا الحرية إلى الإنسان وعمقوا بعد الروح في العقيدة صدوراً عن تجربة الإنسان ومعاناته. أما المشعوذون فقد نفوا العقل وحذفوا الإنسان وفرضوا الطاعة العمياء على المريدين والأتباع. الحضارات الكبرى التي أعطتها البشرية قامت على احترام الإنسان والعقل والحرية. فإذا لم نرد الاعتبار للإنسان ومارسنا الحرية فكيف للعقل أن ينتج ويعطي؟! فأجابت سيدة الفانتازيا: عندما يكون القانون جائراً سواء كان مدنياً أو دينياً لا يعطل العقل فحسب بل يعطل أيضاً الذات الإنسانية فكيف يتحرك مجتمع العقل فيه مسدود والذات معطلة والحرية درب، مواربة بالقانون الجائر. فقال عارف: ما يهمني من الفكر الصوفي أنه أعاد الاعتبار للذات وحركها بعد أن عطلها الفقه ومارس حرية صادرها السلطان وحين تقف الذات عن ممارسة الحرية يتوقف العقل. فقالت سيدة الفانتازيا: من هنا جاءت نقمة رجال القواعد والقانون ونقمة السلطة على الصوفيين الأوائل. لأنهم استردوا حرية الذات قبالة حرفية الفقه. فأجاب عارف: اتهموا بالخروج على الشريعة واتهموا بالتفكير المخالف كفراً أو زندقة أو خروجاً على القانون فصلب الحلاج وقتل السهروردي, أما في الفقه فقد كان ابن تيمية نبع الفكر السلفي في تاريخ الفكر الإسلامي أودع في السجن لأنه فكر بشكل مختلف عن المتنفذين في المدينة وعن العقل العام الذي يفرضه السلطان. فقالت السيدة: إذا كنت في موقع القرار وبيدك أعنة القوة هذا لا يعني أن عقلك أفضل من العقل الآخر. وأردف عارف: قبل ابن تيمية أحمد بن حنبل أودع في السجن أيضاً لأنه فكر بشكل مختلف عن العقل السائد والمهيمن في السلطة. إذا لم يكن مكان للآخر في فكرك فإنك لست حراً. فمتى إذن نستعيد العقل والحرية؟ ونستعيد الإنسان ونفكر ونقبل أن يفكر الآخرون ونؤمن أن المحبة هي طريقنا إلى مدينة فاضلة ومواطن صالح، ونشرب من البئر المهجورة للحق والحرية. فالحرية والغربة وحلم الإنسان بالكمال وتفوق الذات على قواعد المادة وحرف القانون وتوسيع جغرافية الروح هي بعض ما عند أكابر الرواد. فقالت: لكن هذا زمن ونحن في زمن آخر. لست أخالفك في هذا وأزيد أننا لا نستطيع أن نستعيد ذلك الزمن كما أننا لا نستطيع أن نكون على شاكلته، وعلينا أن نصنع زمننا ونبدع صورتنا دون أن نتخلى عن الجذور وينابيعنا المعرفية، الحاضر غير الماضي فأعينه دائماً على المستقبل وحياة الأجيال الآتية. فقالت السيدة: ولماذا تريد أن تحرق ميراثك؟! اتركه لنا ألا نستحق نحن ذلك أم أنك تخاف من تعرية الذات. فقال عارف: لكي تنتمي الشجرة إلى الغاية، فإنها تحتاج إلى كل الفصول, فالعناصر: الماء والتراب والهواء والنار هي حياة كلها. فقالت سيدة الفنتازيا أن الماء ليحيي الأرض والإنسان فكذلك النار. أجاب عارف: إنها عنصر محرر ومطهر، وقد عانى أبو نمر من العنصرين. فقالت سيدة الفانتازيا كيف كان ذلك. فأخذ عارف يسرد القصة وكلا السيدتين تصغيان: أيام الثورة ضد الفرنسيين إذا ما داهمتنا الكبسات العسكرية، كنا نرمي سلاحنا في البئر، كنا نستودع الماء ذخيرتنا، لتصير النار برداً وسلاماً وتنام في الماء. هذه البئر التي تزودنا بالحياة تختزن الموت. وحين تصدأ البندقية في الماء تنعدم قدرتها على قذف اللهب. والبئر تعول على النهر يجري بالماء فتمتلئ، وينقطع شريانه فتجف. تدهمنا غدرات الزمان وعساكر الاحتلال في بيوتنا فلا تجد غير وجوه صامتة تتمرأى في مرآة البئر أو النهر من أجل صورة أخرى في الغد تتباهى بألق الماء وحب الحياة. إلا أننا نعزّل النهر ليكون للماء المتسع كله دون الطين، كان الطين يحمل لنا في ثناياه بقايا المنايا النائمة في حمرته الداكنة. الموت والماء هما المطلقان، فلولا الموت لما فكر الإنسان بالآخرة. ولولا الموت لما تأمل الفلاسفة الماوراء. إلا أن الماء يخيل إليه أنه أقوى من الموت. فيجري في النهر أو يحاصر في البئر يرفد البشر بالحياة والثبات بالنفس, ويغمر وجه الحجر بالألق. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |