أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:25 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الانقضاض على مؤخرة الجيش

في الصباح خرجت مع شباب الحارة إلى سفح الجبل، قوى الجيش الفرنسي التابعة لحكومة فيشي تنسحب من جهة جبل الأربعين إلى دمر ومنها إلى طريق بيروت التي لا تزال على اتصال بحكومة فيشي المركزية بينما كانت قوى الجيش الإنجليزي تسيطر على المدينة وغوطتها من جهة طريق درعا الأردن. قوى عسكرية تنسحب وترحل وقوى عسكرية أخرى تتأهل لتحل مكانها. لم يتغير شيء بالنسبة لنا بل الوضع أصبح أكثر تعقيداً لوجود رأسين أجنبيين في البلد رأس فرنسي ورأس إنجليزي ورأسنا الوطني ما كاد يرفع هامته بعد ليتسلم السلطات المحلية. قافلة العسكر المنسحبة عبارة عن مشاة من الجنود المغاربة والضباط الفرنسيين وبعضهم من الفرسان. ومؤونة الحملة محملة على البغال. القافلة تسير على درب جبلي ضيق من سفح الصالحية إلى الأودية التي تقود إلى ناحية دمر. ولم تكن هذه الدرب معدة لسير القوافل العادية فما بالك بقافلة عسكرية؟‏

أخذت القافلة تلك الدرب الصعب على كتف الوادي الواقع بين هضبتين مرتفعتين من جبل قاسيون وهي أشبه بقطيع أغنام حذر يتوقع ذئاباً كأسرة لا يدري مَنْ ومن أين تنقض على رأسه.‏

يتجمهر شباب الحارة موسى وسعدو وفارس وحميد وهم يشهدون انسحاب القافلة ولا يصدقون أعينهم. هل هي حقيقة آخر أيام فرنسا في سوريا وما الذي ألجأ هذه الكتيبة للانسحاب من هذا الممر الجبلي الوعر؟! طبعاً هم لا يميزون بين فرنسا الحرة وفرنسا فيشي، وكله عند العرب صابون فرنسا هي فرنسا وها هو جيشها ينسحب أمام أعينهم في رابعة النهار من مداخل الحارة إلى جبل قاسيون.‏

تساورهم فكرة الانتقال لأيام قضوها في السجن حين كانوا يقومون بالإضراب ضد السلطة المحتلة.‏

لم يتوفر لديهم الوعي الكافي أو القيادة الكفء أو القوة للانقضاض على الكتيبة ككل فقد كانت مسلحة تسليحاً جيداً كافياً ليردعهم عما تسول لهم أنفسهم لكن فارساً الذي ظل ناشطاً لفترة طويلة مع عصبة العمل القومي وموسى الذي ما يزال فعالاً في حركات الإضراب، ويتلقى تعليمات من زعماء الكتلة الوطنية. وحميد الذي أصبح عضواً سرياً في الحزب السوري القومي كانوا كلهم أبناء حارة واحدة بعضهم طلبة وبعضهم عمال نسيج. كانوا يراقبون الكتيبة وهي تنسحب من مؤخرتها.‏

قال فارس: عليهم يا شباب هذه ساعتهم.‏

فقال موسى: تمهل يا فارس، ليس لدينا غير الخناجر والشبريات، قد يخرقنا رصاصهم قبل أن نصل إليهم.‏

فارس: سنأخذهم من المؤخرة في غفلة واحداً واحداً.‏

موسى: أما أنا فلدي أكثر من سبب للانقضاض على هؤلاء, لم يزل دم أبي ساخناً في عروقي. ها فرصة الثأر لأبي قريبة المنال.‏

سعدو: تضحكني حوافزكم. أنا لا أفكر إلا بما سأكسبه من غارتنا عليهم.‏

انظر هذا الجواد أحسبه عربياً أصيلاً.‏

وانظر العسكري المغربي كيف يتلبك في قيادته من الرسن. لقد خشي أن يسقط إلى الوادي. فنزل عن صهوته وأخذ يجره في الدرب الوعرة، دفعة واحدة فقط ترميه إلى بطن الوادي والحصان عندئذ ملكي. أبيعه في سوق الخيل، أملأ جيبي منه بليرات ذهبية.‏

فنهره موسى قائلاً: أنت دائماً هكذا لا تفكر إلا بما يملأ بطنك وجيبك.‏

سعدو: وأنت ماذا يحركك. القيم العليا التي تبشر بها أم الثأر لميسلون؟! دم أبيك ما يزال ساخناً في عروقك, لكن عظامه صارت مكاحلاً في بطن القبر!!‏

فأمسك به موسى من خناقه، وقال أحذر من أن تأتي بسيرة والدي مرة ثانية على لسانك، شكلك قذر وفكرك أكثر قذارة.‏

فتدخل حميد قائلاً فكوها يا شباب انتظروا حتى تحققوا فرحتكم وأمانيكم. وبعدها تقاتلوا!‏

وعاونه فارس عليهما، ففصلا الواحد عن الآخر. وقال فارس محولاً اهتمام سعيد: انظر هذه الدراجة التي يقودها الجندي الآخر. إنها دراجة سباق تسوى ما يسواه الحصان وأكثر, انظر إنها تلمع في عين الشمس وهي جديدة بثلاث حركات.‏

انتبه سعدو وقال: معك حق إنها غنيمة باردة، لا تحتاج برسماً ولا شعيراً ولا تكلف إسطبلاً أو خاناً حتى يحين وقع البيع.‏

فقال حميد: انظر العسكري الذي يقودها يتعثر بالصخر.‏

فأجاب سعدو: بالكاد حوافر الخيل أن تجد لها موطئاً في هذه الطريق الجبلية الصعبة. فكيف بدراجة معدة لطرق السباق المسفلتة والمدهونة.‏

التهى سعدو بالدراجة وأخذ يراقب العسكري الذي يسحبها. ودفع موسى فارساً جهة العسكري الذي يسحب الجواد من المقود!! وهو أمامه،‏

وانفضت الخناقة على خير.‏

إلا أنني قلت يا جماعة من شكل هؤلاء الجنود يظهر أن أكثرهم مغاربة سمر بوجوه وأذرعة موشومة!!‏

هل تريدون أن تقتلوا النفس التي حرم الله؟!‏

فانبرى سعدو قائلاً ليس بالضرورة نريد دراجة، أو جواداً وقال موسى: أما أنا فأريد بندقية أخبئها للأيام التي أحتاجها للثأر.‏

فقلت: حسناً سعدو يريد ما يملأ جيبه وفارس يبغي جواداً. وموسى بندقية. لكن قبل الحصول على ما تتمنوه ستقع ضحايا.‏

قد يطلق العسكر الرصاص دفاعاً عن النفس تريدون أن تشلحوهم وتشليحهم بدون سفك الدم أمر مشكوك فيه.‏

فأجاب سعدو ساخراً. أنت لا تفكر إلا بالشريعة. أنت معنا وإلا......‏

انظر لسنا وحدنا كالذئاب التي تشم مؤخرة القطيع. هناك ذئاب أكثر منا شهوة وجوعاً. الحارات المحاذية للجبل كلها خرجت من أجل هذا الصيد الثمين.‏

بعضهم من أجل الوطن, بعضهم من أجل الثأر والآخرون من أجل الكسب فمن أي فريق أنتم؟! فانبرى حميد قائلاً إنه لا يريد كسباً ولا ثأراً تحركه المبادئ والقيم ولذا لن يخوض معركة غير متكافئة فقلت: تماماً، أعرف أننا سوف ننجح في هذه المهمة فمن نخدم؟! لماذا نقتل الفرنسيين أو المغاربة والسنغال من أجل الإنجليز؟!‏

البلد الآن تحت سلطات عديدة رؤوس كثيرة تقرر مصيرها وسيخرج الأكثر ضعفاً من الساحة.‏

هل تريدون أن تستبدلوا الفرنسيين بالإنجليز. أم تريدون أن يحكم البلد أبناء البلد؟!‏

سعدو: يا الله. على هذا الدم البارد!! ستضيع فرحتنا، وأنت تتكلم عن القيم!! اتركنا ياه....... يا الله يا شباب غطيني يا فارس أنا موشك أن استولي على الدراجة.‏

فأجاب فارس. وأنا أريد الجواد.‏

أما موسى فقال أما أنا فحصتي البندقية.‏

القافلة تتقدم ببطء شديد لوعورة الطريق الجبلية وفتيان حارات سفح قاسيون يتقاطرون على مؤخرة القافلة المنسحبة تسول لهم أنفسهم الانقضاض عليها لحوافز مختلفة. عيونهم تبرق وأيدي بعضهم في جيوبهم يتحسسون مسدساتهم أو خناجرهم التي تمنحنهم حس الأمان والقوة. فجأة انقض سعدو على عسكري الدراجة فتركها الجندي ومشى. القافلة مذعورة. أو ربما تتوقع أن يلحق بها الجنود الديغوليون أو قوى الجيش الإنجليزي الذي حل في المدينة وقاسم الفرنسيين سلطتها.‏

تعجبت حقاً كيف يترك العسكري بسهولة هذه الدراجة الثمينة لسعدو. ربما لأن حياته أغلى من الدراجة. أو أنه يئس من سحبها في هذه الطريق الجبلية الصعبة فهي تمنعه من حرية الحركة. أو تحدّه عنها. ولعله ارتاح للخلاص منها. فلم يصطدم بسعدو وترك لـه الدراجة غنيمة باردة. مما شجع فارس وموسى وقوّى أملهما بأنهما لن يعودا إلى الحارة صفر اليدين.‏

أما أنا فعيني لم تفارق آلة التصوير التي يعلقها عسكري الدراجة على كتفه. ربما لم يكن للقتال. لعله كان ملحقاً بالإدارة المعنوية للجيش. أو كان مراسلاً صحفياً أو مصوراً في جهاز الأرشيف يأخذ صوراً تذكارية وترسل إلى الجهات المعنية لتنشرها في أجهزة الإعلام أو لتحفظ في السجلات.‏

ومع شدة كرهي لسعدو وعدم ثقتي به؟ إلا أنني تمنيت لو شجعته على السطو على الدراجة لتتاح لي فرصة الاستلاء على آلة التصوير. فظللت محاذياً لسعدو. انتظر فرصة انقضاضه على صاحب الدراجة.‏

عينا سعدو تبرق كعيني ثعلب جائع أبصر عريشة عنب ناضجة، أو قن دجاج مليء بفراخ كثيرة وما أن انقض على عسكري الدراجة حتى تزحلق صاحبها. وانزلقت آلة التصوير عن كتفه فاختطفتها ومضيت مبتعداً.‏

أما العسكري الذي يقود الجواد فقد وصل الآن إلى طريق ترابية بين الصخور، وكونها غير صخرية شجعه على امتطاء الجواد، وهو يلوح لنا من الزاوية التي كنا ننظر إليه منها، وكأنه فارس محارب يخشى بأسه، مما دفع فارس وحميد إلى التأني، ولا لتماس فرصة أكثر نجاحاً! غنم سعدو الدراجة. وأخذ ينزل السفح إلى مداخل الحارة الآمنة ذات البيوت الطينية والدروب الموحلة!!‏

اعتلت القافلة السفح الأعلى على كتف الوادي، لكن الدرب التي سلكتها لم تكن مواتية، ووعورتها لم تشجع المشاة من العسكر وراء الخيالة القليلة وحاملي المؤن على البغال في الصفوف الخلفية.‏

وقبضايات الحارة يطمعون بهذه المؤن أكثرهم من الحاجة وربما الجوع فالعمل أثناء الحرب محدود إنما لم يكن معدوماً. والعملة في أيدي الناس قليلة. إلا أن الخوف من أن يطلق عليهم الرصاص من الأعلى يردعهم ويلجم طمعهم الذي يحولهم إلى ذئاب كاسرة في غفلة العسكر. وصل عسكري الجواد الذي يراقبه موسى وفارس إلى جرف صخري على منحدر قوي.‏

فقال موسى: البندقية لي، والجواد لك.‏

فأجاب فارس فليكن هيا بنا أنا أمسك بالجواد وأنت تنكع العسكري بكتفك فيسقط بالوادي فتلقى بنفسك عليه ليس لديه فرصة حتى على إطلاق النار. والقافلة بخطها الأمامي تغذ المسير. يبدو أنهم يطلبون السلامة، ويخشون من هذا الجمع الغفير أن يكون مسلحاً! أو أنهم يخشون أن تدركهم القوى الأخرى التي هربوا منها!! أنهم يتقهقرون بنفسية مهزومة.‏

انظر إلى الجواد على الجرف. والشمس تلتمع على ماسورة البارودة وتشعشع فلنثب عليهما الآن. قفز فارس وصدم العسكري بجسده فارتخت قبضته عن المقود، وهاله العلو الذي كان يسقط منه. فألقى فارس بجسده كله عليه قبل أن يتمكن من أخذ بندقيته عن كتفه.‏

وأمسك بها فارس من الصّبطانة والماسورة وخلعها خلعاً من كتفه بينما كان العسكري يتدحرج من علٍ إلى أسفل الوادي...‏

عندها سمعت طلقات الرصاص تتعالى في الفضاء إرهاباً وتخويفاً من أن تستمر الهجمات... وهي تنطلق وتئز من فوق الرؤوس بينما تنبطح الأجساد على الأرض. فارس يقود الحصان إلى أسفل السفح وموسى يمسك البندقية بكلتا يديه وإذا بالجندي المغربي يهتف بحق أبيك خذني إلى المسجد أي مسجد إذا كان عندك ذرة من إيمان أو نخوة.‏

لكما البارودة والحصان. لا أريدهما.‏

قال موسى من أين أنت. فأجابه العسكري من الجزائر!!‏

فأجاب موسى هل نسيتم عبد القادر الجزائري.‏

فقال العسكري: إن نسيتم ميلسون ننسى عبد القادر....‏

فانعطف عليه موسى وأخذه بكلتا يديه في الحضن وقبله, وأخذ من جيبه منديلاً يمسح به بعض الدم الذي أخذ ينز من جراء جروح في وجهه لسقوطه عن الحصان وتدحرجه على المنحدر إلى بطن الوادي.‏

اتكأ العسكري المغربي على موسى ومشى إلى فم الوادي من ناحية السفح حيث كان فارس ينظر فصعق لما رآه!!‏

فقال لـه موسى. لا تبتئس إنه بحاجة إلى مساعدتنا. يريد أن نسلمه إلى أي إمام مسجد في الحارة ولا يبتغي أكثر من ذلك. فقال فارس والجواد والبارودة؟‏

فأجابه موسى إنهما من ممتلكات الجيش المنسحب وليستا ملكاً شخصياً له.‏

وقد صرح أنه لا يريدهما إن نحن ساعدناه على الوصول إلى المسجد!!‏

وصلنا ثلاثتنا إلى مسجد أبي النور. وتفقدنا الشيخ علي وسلمناه العسكري المغربي فأحسن وفادته. وأعطاه كسوة أخرى فخلع ثيابه العسكرية وليس الثياب الجديدة. وأعطاه غرفة في مدخل المصلى الصيفي ونذر نفسه خادماً مدى العمر لبيت الله وكأنه كان ينفذ ندراً كان قد نذره على نفسه تكفيراً عن ذنوبه في خدمته جيشاً أجنبياً يحتل بلاده وبلاد أشقائه وأخوته.‏

انصرف موسى إلى البيت وخبأ البندقية كي لا تراها أمه... بينما ذهب فارس إلى بيت سعدو وكان يحوي بآيكة صغيرة في مدخل الدار يضع أبوه فيها حصانه. وكان مسافراً في حوران في عمله فأودع فارس الحصان عنده على أمل أن يأخذه في الصباح التالي ويتصرف به.‏

أنه ليوم مشهود. بندقية لموسى، وجواد لفارس ودراجة لسعدو وآلة تصوير لي. ما كنا نحلم بها البارحة وأكثر من هذا كله توبة نصوح لعسكري مغربي ساقته القوة الغاشمة لكي يكون في خدمتها، وليحقق أغراضها.‏

جاءني فارس في الصباح المبكر يطرق الباب بعصبية. لم يكن أخي الكبير قد عاد إلى البيت في الليلة الماضية وكان من عادة والدتي أن تصلي الفجر مبكرة في جامع أبي النور وحين تنتهي من صلاتها تعرج على بيت أخيها تتفقده وتتفقد زوجته وأولاده.‏

هرعت إلى فارس فطلب مني أن أسرع، قلت إلى أين... قال تركت الحصان عند سعدو البارحة وأود أن أسرع إليه قبل أن يخرج من البيت. قلت له: لقد تركت الجبن لدى القط وتتوقع منه ألا يأكله!!‏

فقال والقلق بادٍ على وجهه: إنك دائماً تشكك بسعدو ونواياه.. لقد خرجنا جميعاً في الأمس. وكل منا عاد بما يشتهيه. قلت بلى لكن سعدو أصلاً كان يشتهي أن يستولي على الحصان وصرفه حميد إلى الدراجة.‏

ـ ماذا تقصد بهذا الكلام.‏

ـ ربما يحلو الحصان بعيني سعدو. وأنت بعيد عنه.‏

ـ اتركني في الذي أنا فيه، وأسرع. عما قليل سوف ترى صحة ما تقول.‏

ـ أكيد.. انتظر قليلاً. خلعت البيجاما وارتديت قميصاً وبنطالاً وخففت مع فارس إلى بيت سعدو.‏

طرقنا الباب، وانتظرنا الجواب لكن ما من أحد يرد على طرق الباب. أبو سعدو في عمله في حوران، وأخوه يعمل في سوق الهال وينهض إلى عمله مبكراً بعد صلاة الفجر. ولا يبقى في البيت غير أمه غير أن أمه وهي ذات سمع ثقيل، فارس يعرف هذا فألح بالطرق على الباب حتى فتحته أم سعدو.. فسألها أين سعدو؟؟‏

فقالت له: لقد ترك البيت ونزل إلى المدينة.‏

فأجابها لا حاجة لنا بأن نراه. تركت في الأمس حصاناً في البائكة عندكم، أريد أن أسترده. فقالت لقد امتطاه سعدو وذهب.‏

نظرت إلى فارس ونظر إليّ. ولم ننبس ببنت شفة, أغلقت أمه الباب فتوجه إلي قائلاً:‏

ـ ما رأيك.‏

لا بد أنه أخذه ليبيعه. ولن نستطيع أن نلحق به، ما رأيك أن تأخذ الدراجة كرهينة.‏

فأجاب فكرة جيدة.‏

طرقنا الباب مرة أخرى فقال فارس لأم سعدو نسيت أن آخذ دراجتي وهي عنده.‏

فقالت حقاً عندما سألته عن الدراجة أمس قال: إنها لك. فابتسمنا. وأخذ فارس الدراجة. وبعد أن أغلقت أم سعدو الباب أخذنا نقول معاً يا لها من صدفة.‏

وفي المساء حين عاد سعدو من المدينة التقينا به عند مدخل الجامع فسأله فارس:‏

ماذا فعلت بالحصان أين هو؟!‏

فأجاب سعدو متخابثاً: أي حصان؟!‏

فقال فارس: ألم تمتطه في الصباح المبكر إلى سوق المدينة.‏

فأجاب سعدو بخبث: لم أر ولم أسمع.‏

فحبس فارس ما في نفسه وأحب أن تكون المفاجأة سارة لسعدو عندما يكتشف أنه صادر الدراجة. قد يكون ثمن حصان أغلى من ثمن الدراجة لكن سلة فارس لن تخرج من الكرم بلا عنب وسعدو لن يندم على ما فعله.. إنها ليست المرة الأولى.‏

موسى يعانق البندقية ويقبلها، يقول: هذه العروس سوف تحقق لي الحلم. ليس دم أبي بالرخيص، لم يذهب دم الذين استشهدوا على أرض ميسلون تحت قصف القنابل، والمدافع هدراً.. سيكون لدينا المئات من هذه العرائس. فندافع عن حقنا لا بالحجارة واللحم الحي، بل بالنار التي تواجه النار. لا يفلُّ الحديد إلا الحديد.‏

فقلت: أما أنا فلدي كاميرا أصوركم, وأسجل للتاريخ ملاحمكم، في استرجاع الأرض، واسترجاع الحق. وأكتب أيام عارف الدمشقي.‏

ـ يعني أنت للصفوف الخلفية ونحن في بوز المدفع؟!‏

كلنا في خط النار. هناك من يبدع الفعل التاريخي وهناك من يصوره للأجيال القادمة. حتى تأخذ منه الدروس ولا تنام على ضيم.‏

وماذا لو كان لديك عروس كهذه أليست أفضل من الكاميرا؟!‏

ـ الكاميرا قد تقتل بالصورة أو تحيي بأفضل مما تفعله البندقية أحياناً.‏

ـ يعني أنك مصر على أن تكون فناناً.‏

ـ فنان يحيي اللحظة التاريخية يعاينها ويعبر عنها. فضحك موسى وقال: صوّر أنت واتركني. إبداع اللحظة لي، ولك أن تصورها لا بد من أن تتاح لي فرصة ليلة الدخلة على هذه العروس!!!‏

ـ أراك تفكر بالحياة والموت في آن واحد عروس للموت وعروس للحياة.‏

ـ هي الحياة كذلك.‏

وخطر لي خاطر لكنني ترددت. تذكرت السرية التي أحاط بها أبو هشام تخبئة أبي نمر في البئر!! إنه لليوم الثالث على التوالي وهو في البئر..... وتساءلت هل هو حي أو ميت؟!‏

إن نجا من رصاص الإنجليز فلن ينجو من رصاص الفرنسيين.... وإن نجا من رصاصي هؤلاء جميعاً فرطوبة البئر كرطوبة القبر تكون السبيل إلى هلاكه. تنوعت الأسباب والموت واحد. تمنيت أن يكون أبو هشام قد أخرج أبا نمر من البئر.‏

فقلت لموسى: أبو هشام يجمع التبرعات لأبي نمر.. ليعود إلى فلسطين.‏

فأجاب موسى: حسبت أنه قد عاد..‏

قلت: لا. إنه متوار.. تعلم إن الفرنسيين يطلبونه أكثر من الإنجليز فهو الذي حرض أصلان على الأعمال الأخيرة.‏

فارس... هم أصلان أن يكون ناطوراً وأن تصب الغلة في كيسه!!‏

ـ لا لا.. أبداً الناطور صار ثائراً وصار على رأس القائمة من المطلوبين.‏

موسى: كلنا نواطير..... أما غلتنا والمواسم وخيرات الأرض.... فللذين بيدهم مثل هذه؟! وأشار إلى البندقية.‏

ـ هي معركتنا واحدة. هنا في الشام أو هناك في فلسطين. والبندقية التي تنفع هناك تنفع هنا!! والتي تنفع هنا تنفع هناك.‏

ـ دم أبي يأتي أولاً.‏

ـ دم آبائنا جميعاً..... الصورة واحدة فلماذا تجزئها؟!‏

ـ ماذا تقصد؟!‏

ـ ما رأيك لو تبرعت بهذه العروس لأبي نمر؟؟ انتظر فرصتك لتكون أصلان أخر.‏

ـ تعني أن أكون ناطوراً؟‏

ـ لا لا أن تكون ثائراً. وتصادر القطار الذي لا يسافر إلى محطات الوطن!!‏

ـ لكن هل يمكن ذلك بدون مثل هذه؟!‏

ـ طبعاً لا.. لكن لماذا تخبئها حتى تصدأ؟‏

لماذا لا نخوض معركتنا الآن؟!‏

ـ معركة أبي نمر؟!‏

ـ معركتنا هي معركته. ومعركته هي معركتنا!!‏

ـ هذا يشبه كلامك عن الرصاصة والصورة.‏

ـ كل صورة رصاصة، وكل رصاصة صورة إذا عرفنا اختيار الزمان والمكان. لماذا نجزئ المعركة وهي واحدة. هذا ما يحلم به أعداؤنا.‏

ـ وأين أبو نمر الآن؟‏

ـ صمت......... تردد..........‏

ـ ما بالك لا تجيب؟!‏

ـ تعرف كبسة العسكر الأخيرة؟‏

ـ أعرف... أصلان استشهد لأنه كما يزعمون خرب منشآت إدارة الدولة!! وأنا لم أعهده إلا ناطوراً.‏

ـ أحسنت أرادوا القبض على أصلان وقد طلبه القومندان من الآغا؟؟ الأغلب أنهم تخلصوا منه وقالوا انتحر.‏

ـ هكذا سمعت.. وحسبت أنها إشاعة.‏

ـ لا.. إنها حقيقة.‏

ـ والقومندان طالب أيضاً الآغا بأبي نمر... إنهم يضغطون على الآغا ليسلمه إلى السلطات.‏

ـ وهل هو عند الآغا؟! أو يعرف أين هو؟! أي شو هو كرسي يسحبه الآغا لكي يجلس عليه القومندان.‏

ـ هكذا يحسب القومندان.‏

ـ وماذا يحسب الآغا؟!‏

ـ الآغا لا يعرف أين أبو نمر.‏

ـ ألم يتلكأ عن التعاون مع القومندان حتى نجا أصلان كما يقولون في الحي.‏

ـ نعم نعم.. لكن أبو نمر مسألة أخرى.‏

أراد أبو هشام أن تظل بعيدة عن الآغا!!‏

ـ أبو هشام.‏

ـ نعم أبو هشام.‏

ـ وما هي علاقة أبي هشام بالأمر؟!‏

ـ أنت لا تعرف تاريخه... غرقان في دم أبيك!؟!‏

ـ رجعنا للصورة والكاميرا؟!‏

وتصدأ العروس التي لا تدخل عليها بالروح الواحدة والجسد الواحد؟!‏

ـ نعم في الحقيقة!! إننا نخبئ السلاح حتى يصدأ..... ما قيمة سيف أصيل يصدأ في غمده؟!‏

من يخبئ العروس حتى تبور وتعقم ويخبئ الإنسان حتى يموت؟!‏

ـ ماذا تعني...‏

هذا أبو نمر نخبئه في.....‏

وسكت..‏

ـ أين تخبئ أبو نمر.‏

ـ نخبئه حتى يصدأ... كعروسك هذه.‏

ـ قلت أين هو؟!‏

ـ لماذا؟! تريد أن تعرف؟!‏

ـ ألا يؤمنني يا ابن الذي أنت ابنه؟!‏

ـ الأمان بالله.‏

ـ قل وأنت الربحان!!‏

ـ كيف؟!‏

ـ سوف أهدي هذه البارودة لأبي نمر!!‏

ـ ودم أبيك!!‏

ـ يأتي دوره وتجيء ساعته.‏

ديغول لا يقتلع الناس ويدعي حقاً تاريخياً بالأرض أما صهيون فيريد أرضاً بلا شعب. لذلك يدمر الجسد الفلسطيني.‏

ـ الآن أنت تفكر "الصورة محل الرصاصة" تفعل فعلها.‏

ـ نعم هذا الجسد جسدي أنا، جسدك أنت، جسدنا جميعاً. وإذا صدئ أبو نمر صدئنا نحن!!‏

ـ إذن نطلق الرصاصة والصورة معاً...‏

ـ انتهازي كمان؟! لم تجبني على سؤالي الأساس. وأراك تتجنب ذلك.‏

ـ إذا أردت أن تصدأ عروسك هذه... وألا تصدأ أنت فهيّا معي؟!‏

ـ إلى أين......؟‏

ـ إلى أبي هشام.‏

ـ لماذا.. أريد أبو نمر لا أبا هشام.‏

ـ لتخرج أبو نمر من البئر.‏

ـ رجعنا للصورة والرصاصة؟!‏

ـ خلصنا من الألغاز.‏

ـ لا لا.. أبداً سوف ترى يخرجون معاً، اليد في اليد، بثقة وقوة إلى أبي هشام.‏

وصل عارف وموسى إلى بيت أبي هشام. طرق الباب.‏

ـ من.‏

ـ أنا عارف..‏

يفتح الباب أبو هشام "يدلفان إلى غرفة الضيوف".‏

ـ أبو هشام أهلاً وسهلاً بكم خير إن شاء الله؟‏

يفرد موسى القماش الذي يصر به البارودة فيقدمها لأبي هشام.‏

ـ أبو هشام مندهش بالبندقية ومن تصرف موسى خير إن شاء الله؟!‏

"بحذر".‏

ـ موسى.... إنها فكرة عارف.‏

ـ أبو هشام البندقية فكرة عارف.‏

ـ موسى: لا لا.. قصدي حرضني عارف على التبرع بهذه البندقية لأبي نمر.‏

ـ أبو هشام: ألا تريد أن تحفظها للثأر لدم أبيك؟!‏

ـ موسى: استشهد أبي في ميسلون من أجل دمشق والقدس يوم كان الجسد واحداً والروح واحدة. "وناظراً إلى عارف نظرة ذات معنى" موهيك يا عارف.‏

ـ الآن حبكت!!‏

ـ أبو هشام.. هل أخبرك بالسر؟!‏

ـ عارف: لم أفعل.. لكنني على بعد خطوة من ذلك.‏

أبو هشام: أبوه كان موثوقاً.. وهذا الشبل من ذاك الأسد.‏

عارف.. أنا حافظت على العهد.‏

موسى.. العهد.. السر. ما بالكم تورون بالكلام.. وتخفون عني الحقيقة؟!‏

ـ أبو هشام.. لا لا أنت واحد منا يا لله نخرج أبا نمر من البئر!!!‏

ـ البئر... كيف؟!‏

ـ سوف يفرح بهذه العروس وتكون دخلته عليها الليلة...‏

يخرج من الخزانة رزمة النقود وصرة الصيغة التي جاء بها "أبو حسان" وهذا هو مهرها وهذه صيغتها. يخرجون إلى أرض الديار ويسحب أبو هشام الحبل من البئر. ويطلب معونة عارف وموسى ويتعاونون جميعاً على سحب أبي نمر من البئر.‏

يا لله.. ويسحبون يا لله ويسحبون أبو هشام... أبشر أبشر يا أبو نمر جاء الفرج.. عرس الشهادة قريب!! موسى أنه عرسنا جميعاً.‏

عارف: وتنتصر الرصاصة والصورة وتنتصر الحياة على الموت.‏

أبو هشام: سوف يخرج يوسف من البئر. يا لله ويسحبون الحبل. يا لله.. ويسحبون الحبل.‏

وحين ينتهون من السحب يسقط في أيديهم.. أبو نمر يحملق فيهم يعيون مفتوحة وبوجه أصفر على سواد. وكأنه مريض يعاني الربو. كمية الأكسجين في البئر كانت قليلة.‏

تجمد من رطوبة البئر. وتفحم من قلة الهواء.. تجمد الدم في عروقه ولفظ أنفاسه الأخيرة.‏

ـ وسمع إطلاق رصاص. وضعوه على الأرض مذهولين... فأسرع أبو هشام ولف البندقية بالقماشة ووضعها في الدلو ودلاها في البئر.. وأسرع عارف وموسى لتبين الأمر. فوجدوا العسكر يحاصرون بين أبي هشام. وحين خرجا.. استجوبهما الجند.. وتركوهما يريدون القبض على أبو نمر!!! سألهما القومندان: أين أبو هشام أين أبو نمر؟!‏

لا مفر لهما من الإجابة. فالعسكر مصممون على اقتحام البيت.. أبو نمر صدئ في رطوبة البئر.. الأمل ألا تصدأ البندقية!!!‏

قالا: أبو هشام في بيته.. كذلك أبو نمر.‏

فأسرع القومندان يأمر الجند باقتحام البيت فدخلوه عنوة.. وهو في طليعتهم، وفي يده مسدس يطلقه في الهواء.‏

صعقوا عندما رأوا أبو نمر متجمداً يحملق فيهم. وهو منبطح على الأرض في نومته الأخيرة..‏

فاقتاد الجنود أبو هشام إلى سجن القلعة ثم اعتقلوا أبو فارس وأودع في السجن نفسه وتركوا زكريا لأنه عطيلة وأبو سعدو لأنه أخو أبي غانم ومضوا إلى شؤونهم.‏

وجاءت أم عارف وأمسكت بالقومندان من عنقه، وحررت درية من الجند الذين اعتقلوها. وأخذتها معها إلى دارها وحاولت أن تخفف عنها هو المصيبة قائلة:‏

أبوك لم يمت إنه حي فينا وفي الأجيال التي ستأتي فوضعت درية رأسها على صدر أم عارف وأخذت تنشج بالبكاء.‏

إلا أن المخابرات الفرنسية جاءت إلى بيت أم عارف بعد أيام واختطفت درية ونقلتها إلى مركز المكتب الثاني. وحين راجعتهم أم عارف عن مصير درية أجابوها أنهم رحلوها إلى الأردن ومن هناك إلى القدس الشرقية.‏

استشهدت في زمن السلطة الفلسطينية وهي تطرز على مكنتها لتحصيل لقمة العيش بقصف من طائرة أباشي على السكان الآمنين: دم.. دم.. دم.. دم..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244