أوراق عارف الدمشقي مرايا الذاكرة ـــ نذير العظمة

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:25 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رسالة دلفى وكأس الحكمة

رجعت سيدة الفانتازيا من سفرتها وداومت في عيادتها ولكنها رجعت في المساء تعبة. فدخلت شقتها، غسلت وجهها ويديها واستراحت قليلاً فاستردت قوتها. وأحست بالرغبة للتواصل مع المجذوبة. لكنها تفضل أن تراها في شقتها حيث هي في هذه الأمسية. وإذا رغب عارف أن يأتي فمرحباً به، لكنها أحست في الداخل أسئلة تنفر في بالها على شبابيك مغلقة، هل يجد عارف خلاصه في النار في إحراق ما تراكم من قشور على نبض قلبه وحركة فكره؟ أم في الماء فكان النهر الذي ضم طفولته وجف؟‏

لكنه ما يزال جارياً في الذاكرة وهو يرافقه في الوطن والمنفى مع أن الأيام والطغيان وتلوث المدن أدى إلى جفافه وانقطاعه.‏

وما علاقة النار والماء بالأمومة في لا وعيه هل الرحم الذي ولده والأم التي أعطته نسمة الحياة مرة أن يهباه الرحم والأم ولادة ثانية كما فعلت المجذوبة. بالحب والجذب تشكل عارف تشكلاً جديداً يؤمن بالعقل والإنسان والحرية لكنه يؤمن أيضاً بالقلب، لا كمجردات بل كمعانٍ ومنطلقات تجسدها شخصيات إنسانية ومراحل تاريخية. كانت أمه عقيدة حية تسعى على قدمين تمكنه من السلوك الحر والفكر معاً.‏

وقفت سيدة الفانتازيا تعيد النظر بالأسئلة وانهمارها في الذاكرة.‏

لقد التحمت حياتها بعارف والمجذوبة معاً وهذه اللحمة أثرت عليها هي. فرغم اختصاصها العلمي بالتحليل النفسي فهي سيدة للحلم بامتياز لكن عارف وصديقاتها الخلص فضلوا أن يطلقوا عليها اللقب الآخر سيدة الفانتازيا. وشتان بين الفانتازيا والحلم، فالفانتازيا وهم مسلوب الإرادة بينما الحلم يتسلح بهذه الإرادة ويتفولذ بالتصميم على أن يتحقق.‏

لقد كونت صورة واضحة في دراستها لشخصية عارف عن فعل النهر والنار في هذه الشخصية، ومفتاح ذلك أن عارف كثيراً ما يردد أن الماء كالنار عنصر مطهر للحياة ومحرر لها، فأين تقع الأم الرحم من هذه الشخصية، هل يمكن لولادته الثانية أن تعبر عن نفسها مرة بالمجذوبة ومرة بالأم؟‍ ولماذا غضبت المجذوبة حينما علقت هي بالقول:‏

إن عارف عاد من أمريكا ليتزوج أمه؟؟!!‏

ولتخرج من زحمة الأسئلة أمسكت بالتلفون وأجرت مخابرة مع الشقة المجاورة لها: ألو.. نعم.. ألو مين.. أنا سيدة الفانتازيا اليوم دوري أنا بالاحتفال بكما أنت وعارف.‏

ـ ماذا تقصدين.‏

ـ ها إني أحضرت معي كيساً صغيراً من الطحين وإني لمزمعة على عجنه وخبز شيء من الفطاير والأرغفة البيتية فما رأيك؟ هل يمكنك أن تساعديني.‏

ـ فأجابت المجذوبة: "المنيحة ما بدها سؤال" ها أنا آتية إليك أولاً وسأترك خبراً لعارف حتى يلحق بي إليك لأنه ما يزال في الجامعة.‏

أغلقت السماعة، وما هي إلا دقائق حتى جاءتها المجذوبة ومعها شيء من الجبن من أجل الفطائر. دخلت وجلستا قليلاً في الصالون لكنهما انتقلتا إلى المطبخ من أجل وقعة العشاء. فقالت سيدة الفانتازيا للمجذوبة: ها إن حياتي التحمت بحياتكما. فاليوم الذي يمر ولا أراكما فيه لا أحسبه من حياتي. فضحكت المجذوبة وعلقت: آمل أن لا تلتحمي أكثر من اللازم بنصفي الآخر. دعي التحامك محصوراً بي وبي وحدي. فقالت سيدة الفانتازيا: " بين الضحك والأمزاح بتشفي الأرواح". هل إنك بجد تغارين مني على عارف. فأجابت: ليش أنت من صنف الملائكة؟!‏

كان عارف قد لّمح إلى ذلك من قبل عندما سأل سيدة الفانتازيا مرة: وهل أنت خارج دائرة العشق.‏

صحيح أن اللحمة التي تربطهم جميعاً هي فهم الشخصية الإنسانية، شخصية عارف وسلوكها على النحو الذي تسلكه إلا أن الرغبات المنطفئة في الداخل أو المقموعة في صدورهم جميعاً ما تزال تعبر عن نفسها بشكل أو بآخر في هذه العلاقة المعقدة بين هذا الثلاثي: عارف والمجذوبة وسيدة الفانتازيا. والعشق لا يعبر عن نفسه حصراً بالجسد، لديه وسائل أخرى للإفصاح عن مكامنه وجذوره في تربة النفس.‏

قالت سيدة الفانتازيا للمجذوبة: حتى ترتاحي وتبطلي تنقيرك علي، أخبرك في وجهك، أنا أحب عارف ولكن.. فقفزت المجذوبة وهي تقول: قولي إن هناك ما يدفع هذا الالتحام الذي تتكلمين عنه ويؤيده بالقوة. فأجابت سيدة الفانتازيا: لا تفهميني غلط.. لا أقول لك إنني أحبه كأخ كما يقال عادة في العلاقات المراوغة بين الجنسين، بل إنني أحبه كصديق. فأجابت سيدة الجذب: وهل هنالك صداقة بين الجنسين الذكر والأنثى أم أنه الحب دائماً؟ هو الفيصل؟!‏

فقالت سيدة الفانتازيا: لا الصداقة مع الإعجاب العميق ممكنة بين الجنسين.‏

فالجسد لـه ناره الأخرى، وما هي بالنار التي تعتلج في داخلي!!‏

فضحكت سيدة الجذب قائلة: إنك تطمئنينني لكن من يطمئن عارف؟!‏

ـ ما به عارف، إنها مكاشفة سرية بيني وبينك.‏

ـ نعم إنها لكذلك ولكن بالنسبة إلى عارف يتوجس خيفة من التحامنا أنا وأنت!!!‏

ـ ماذا تقصدين؟‏

ـ هل تذكرت في الأسبوع الماضي عندما أتيت من العيادة متأخرة في الساعة الحادية عشرة ودخلت شقتنا وخرجنا معاً بعد هنيهات إلى شقتك.‏

ـ نعم أذكر..‏

ـ عندما عدت كان وجه عارف متلبداً ومربداً.‏

ـ ولماذا؟‏

ـ إنه يغار منك..‏

ـ ممكن لأننا خرجنا دون أن نستسمح منه بالخروج لا بل لم ألقِ عليه التحية لأنني ظننت أنه مشغول بالكتابة في غرفته!! ربما أحس بالإهمال أو الرفض لذلك تصرف بالشكل الذي تصرف به.‏

ـ بالغيرة.‏

ـ ربما هي الغيرة وربما هي شيء آخر. قد يغار مني عليك أو يغار عليك مني.‏

ـ الله.. الله.. الله هذه هي إذن حقيقة الالتحام تريدين أن تقاسميني عليه.‏

ـ لا.. لا أبداً قد نعقد جلسة خاصة لهذه المسألة لكن من الصعب أن نتكلم معه حولها سوية. وربما لو تكلمت أنت، وتكلمت أنا منفردتين لعرفنا فعلاً حقيقة ما يشعر به مع أني أعتقد جازمة أنه من النوع الذواق.‏

ـ يا عيني يا عيني.‏

كانت سيدة الفانتازيا قد أعطت مسؤولية العجين لخادمتها وهاهي ذا تدخل عليهما معلنة أنها أتمت المهمة وطلبت من المجذوبة أن تعلمها وتساعدها في صنع الفطاير فقامت إليها المجذوبة، وانهمكت معها في العمل. أما سيدة الفانتازيا فقالت أما الخبر فاتركوه لي، لأنني تعلمت وصفة من كتاب للطبخ وإني مزمعة على تنفيذها بنفسي. أريد لعارف أن يتذوق خبزي. الله.. الله أنت أيضاً من النوع الذواق.‏

فقالت سيدة الفانتازيا: مجذوبة وتصدقين نفسك.‏

ـ لا تظني أنني أنام في مخدع الغفلة.‏

ـ هل أنت جادة فيما تقولين؟! سكري هالتم وتعالي ساعديني في وضع أقراص العجين في الفرن. تنضم إليها ويتساعدان على الخبز.‏

رن جرس الباب وفتحته الخادمة. فدخل عارف وفي يده رسالة في ظرف طائرة وورقة عليها بضعة كلمات. كانت السيدتان منهمكتين في إخراج أرغفة الخبز من الفرن. فقال عارف: لديّ رسالتان من أغلى وأحلى سيدتين. فاحمر وجه المجذوبة، واضطربت سيدة الفانتازيا.‏

أما الرسالة الأولى فتخبرني بأن سيدة الجذب عند سيدة الفانتازيا: هذه رسالتي إليك، يبدو أنها تأخرت وخدمات البريد عندكم في الجامعة تسير على عجلات مخلخلة.‏

فتقول سيدة الجذب:‏

وعم تتراسلوا من وراي كمان. يا عين يا ليل.‏

وتختطف الرسالة من يد عارف وتمزق الظرف بعصبية، وتفرد صحفتين كبيرتين وما تكاد تبدأ، وقبل أن تباشر قراءة النص تقول سيدة الفانتازيا لعارف: وبتقول عنها إنها مجذوبة كمان؟!‏

ـ إنها كذلك عندما تريد.‏

وتشرع المجذوبة بقراءة نص الرسالة متوقعة الإثارة:‏

أما عارف فلا يذكر أين قرأ أن سر عبقرية سقراط، المسيح الوثني لأثينا الذي تم صلبه بشرب السم هو أنه طبق الحكمة المنقوشة على معبد دلفي "اعرف نفسك".‏

فتقول المجذوبة: ترى هل يستطيع عارف أن يعرف نفسه. تلقى رسالة من سيدة الفانتازيا من دلفي في رحلتها إلى اليونان، تلقي ضوءاً على معرفتها لهذه الحكمة الحضارية في وهج فرويد أو إضاءات كارل يونغ وهاأنا أقرأ هذه الرسالة:‏

دلفي في 31 /8/ 93‏

عزيزي عارف‏

الروح الأعظم يخفق في كل مكان وأنا أجلس على صخرة مليئة بالأرواح بين انشقاق جبلين.‏

حين شق الله هذين الجبلين، في زمن ما، مثل ما تقطع المجذوبة شطيرة خبز مد يده المحنكة وملأ ما بين الشطرين بطاقات هائلة ظلت تدور تدور في المكان إلى الأبد.‏

وأنا هنا بين المعابد أعتقد، بل أعرف، بأننا لو كنا معاً هنا أنا وأنت وهي لعرفت المجذوبة كيف تتفتح على هذه التجليات الإلهية لتحدثنا ببساطة طفلة عن أسرار الكون فالأسرار هنا تسامر كل من يفتح لها مسامات جسده. تلك الأسرار هي أبولو، عشتار، وأثينا، سمها ما تريد.‏

إلى يساري، وبين الجبال الكثيفة، مثل لحية أبي، يهطل النبع المقدس، حيث جلس أفلاطون، حيث الحكماء السبعة والحجاج والشعراء، كانوا يغتسلون بالنبع الذي يملك الكثير من القدرة على الفنتازيا. لذلك كانوا يغتسلون، يشربون ثم ينامون بين الجبل والنبع ليطلقوا الحكمة والشعر. لذلك فقد قررت، وبإصرار شديد أن يكون عارف هنا بين الشعراء.‏

في البداية كانت الفكرة فانتازيا هي الأخرى بدأت هذا الصباح حين قررت أن أزور النبع الذي تهيبت من زيارته ليومين. كبرت الفنتازيا واحتلتني وأنا في طريقي إليه قبل قليل. والعجيب أنني كلما اقتربت أتبعثر في الهواء فتعلو أصوات السمر والفنتازيا عند النبع ومعها تشتد الرغبة في اجتلابك حتى وأنت في جلابية العشاء المخططة إن اقتضى الأمر لأنني أعرف أنك ستجد لك مكاناً رائعاً بينهم.. حول نبع الفنتازيا.‏

كلما اقتربت كلما لبسني شيطان العصبية لأنني لا أستطيع أن أفعل ذلك رغم أنني أملك "النون" إلا أنها مع ذلك لم تجلبك وأفلاطون قد ابتدأ على ما يبدو في لملمة البراكين والسجائر نصف المطفأة حوله لكي ينام في شق الجبل. فصرت عصبية جداً.. مثلك حين تعصف بأعصابك صغيرتك وهي تقلب قنوات التلفزيون عن تلك التي تريد. وحتى لا يحصل ذلك. فقد قررت شيئاً. استرحت لـه بشدة حين خطر لي. اشتريت لك من المتحف كأساً من كؤوس "الحكمة" منقوشاً بتعاويذ "أبولو" فصار الكأس أنت وتوجهت بك نحو نبع الفنتازيا لتغترف، وكان يقلقني حقاً بأنني قد لا أستطيع التجلي قرب نبع حلمت به كثيراً فالسياح يملأون الدنيا بضجيجهم وبكامراتهم ورغم أنهم لا يلمسون روح الكون التي أريد إلا أنهم يزعجونها فأنزعج، ولكنني حين وصلت النبع بك وجدت ما أزعجني حقاً. فكل المنطقة مغلقة للترميم. وهذه روح عصرية جديدة إلى جانب الكاميرات فماذا أفعل؟‏

وقفت عند السفح.. شكوت شكوت شكوت إحباطي الشديد. فحصل شيء عجيب. جاءني رجل لا أدري من أين فسألته، وأنا متأكدة من الإجابة، هل النبع مغلق؟ قال نعم.‏

توقف الرجل قليلاً ثم قال لي هل تريدين الدخول.. سأدخلك إن أردت ولكن لا تخبري أحداً. لم أصدق.. ولكن بعد عشر دقائق كان الرجل يجلسني عند النبع الخالي من السواح ويغادر.‏

أبواب مفتوحة بلا قرار وأنا أتوضأ بالماء وأصلي وأملأ الكؤوس.‏

وحين وصلت اتحاداً لا مثيل لـه مع روح النبع منه كأسين أحدهما لكتابتي والآخر لشعرك سآخذهما الليلة معي في غرفتي الجبلية لأسمح للكاسين أن يشربا ماء "أبولو" تملأني شطحة قوية بأننا ما إن نبل الكأس بالماء ونشرب قطرة حتى نكتب ما لا يكتب..‏

يبدو أنني يجب أن أغادر هذه الصخرة فقد سقط عليّ المساء ولم أعد أستطيع أن أرى ما أكتب وصار المنظر أمامي أسطورياً.‏

بعد قراءة الرسالة خيّل لعارف أنه نهر ينتصب ويمشي على قدمين إلى رحاب ظن أنها مقفلة، وتردد أيشجع النار التي تتضرم في أحشائه لتأكل النهر أم يشجع النهر ويسمح للماء أن يفور مرة أخرى كما الينابيع الصغيرة لتغمر حياته من جديد. ولو من خلال الذاكرة ونزيف الصور، أغمض عينيه، واستلقى على الأريكة وأسلم النار للماء.. الذي أخذ يتسرب من بين الشقوق إلى عينيه ووجهه واستسلم للتيار الذي يغمره.‏

ويغمر الصخور اليابسة في وعيه وأخذ يهمهم بما يشبه ترتيل السور:‏

أيام الثورة ضد المحتلين إذا ما داهمتنا الكبسات العسكرية، كنا نرمي سلاحنا في البئر، كنا نستودع الماء ذخيرتنا، لتصير النار برداً وسلاماً وتنام في الماء.‏

هذه البئر التي تزودنا بالحياة تختزن الموت.‏

وحين تصدأ البندقية في الماء تنعدم قدرتها على قذف اللهب. والبئر تعول على النهر يجري بالماء تمتلئ، وينقطع شريانه فتجف.‏

تدهمنا غدرات الزمان وعساكر الاحتلال في بيوتنا فلا تجد غير وجوه صامتة تتمرأى في مرآة البئر أو النهر من أجل صورة أخرى في الغد تتباهى بألق الماء وحب الحياة.‏

إلا أننا حين نعزّل النهر ليكون للماء المتسع كله دون الطين، كان الطين يحمل لنا في ثناياه بقايا المنايا النائمة في حمرته الداكنة.‏

الموت والماء هما المطلقان، فلولا الموت لما فكر الإنسان بالآخرة، ولولا الموت لما تأمل الفلاسفة الماوراء، إلا أن الماء يخيل إليه أنه أقوى من الموت، فيجري في النهر أو يحاصر في البئر يرفد البشر بالحياة والثبات بالنفس، ويغمر وجه الحجر بالألق.‏

تبدو المجذوبة بعد قراءتها منشرحة ومرتاحة فيقول عارف: أعرف نفسك هذه هي رسالة دلفي التي قرأها سقراط على بوابة المعبد. ومع أنني لا أعرف نفسي يقيناً إلا أنني أحاول أن أعرفها.‏

هنا تستخرج سيدة الفانتازيا الخبز من الفرن، وتطلب من الخادمة أن تحضر صينية وتضع عليها أرغفة الخبز الطازج، وينتقلون جميعاً إلى الصالون فتقول المجذوبة بينما كان عارف يتخذ لنفسه مقعداً: هذه وصفة حبيبة قلبك سيدة الفانتازيا. وتناوله رغيفاً طازجاً ساخناً. يأخذ الرغيف بكلتا يديه ويدوره مقرباً إياه من أنفه، يشمه ثم يشمه وهو يقول: آه إنه غير الخبز الذي نشتريه من "السوبر ماركت" ما أحلى هذه الرائحة.‏

تأخذ سيدة الفانتازيا رغيفاً آخر وتفعل فعل عارف به من تدوير وشم، وهي تقول آه إنه حقاً شهي ثم تتناول المجذوبة رغيفاً لنفسها لكنها تحاول أن تقضم طرفه قبل أن تشمه لكن سيدة الفانتازيا تترجاها ألا تفعل. تقرب كرسيها حول الصينية المدورة في باحة الصالون وتطلب من عارف والمجذوبة أن يقربا من الصينية ويشكلوا جميعاً قوساً حولها وأرغفة الخبز ما زالت تبعث البخار من أطرافها. فقال عارف: كأنه خبز عشتار.‏

فقالت سيدة الفانتازيا: هو كذلك؟!‏

فتقول المجذوبة: كنا بصينية عشتار والآن آتينا إلى خبزها. هل هي سيدة أخرى تغازلها يا عارف من وراء ظهري. فضحك عارف وقال: أنت يا حبيبتي وجه آخر من عشتار. كذلك سيدة الفانتازيا: وكما أنقذت عشتار تموز من العالم السفلي فأنتما هبطتما إلى هذا العالم وحاولتما إخراج روحي منه. فلنتقاسم خبز عشتار، إنه قرباننا للحياة الجديدة وانتصارنا على الموت بالحياة والحب. فتقول سيدة الفانتازيا: هل هذا يعني أنك لن تعود إلى النار والحرائق؟‏

فيقول عارف: النار لا تأتي إلا على اليابس. أما النبض الأخضر والطري في الأعماق فهو أبداً يقوى على الأذى ويخرج للشمس.‏

أحسب أن قابيلاً ما يزال يقتل هابيلاً طوال العصور. وما يقصه شيخ الجبل على الناس ليس بأساطير الأولين. إنه حقيقة تتجسد في كل عصر. وإلا كيف يقتل المستعمر الفرنسي المدجج بكل فن ونوع من الأسلحة الحديثة السوري الأعزل وإرث خمسئة آلاف سنة من الحضارة. وكيف يقتل العبراني الفلسطيني الأعزل إلا من الحجارة بكل نوع من وسائل الدمار والاستئصال؟!‏

لقد انتشل العرب بقوافلهم الراحلة إلى مصر يوسف العبراني من البئر. وأعاد الله البصر إلى عيني يعقوب، فمن ينقذ يوسف الفلسطيني من النير العبراني ويوسف السوري من متاهات الانتداب والوصاية؟!‏

على ضفاف هذا النهر الذي حفر قناته يزيد بن معاوية ليحول الصخر إلى مدارج كروم وزيتون، ومن كل فاكهة زوجان، ما تزال قصص كتبنا المقدسة تستعيد حيويتها وتتشكل تشكلات جديدة، غير أن أهل الكهف الذين فروا إلى المغارة بإيمانهم إلى أين يفرون اليوم، وإن نزلوا إلى المدينة فمن سيجدون ومن الذي سيرتعب ممن. من الراعب والمرعوب في عصر لا يفهم إلا لغة العنف والرصاص والبارود؟!‏

إلى أين تفر رويدة بحبها من ضفاف النهر الذي نشر الحضارة على طرفيه، كيف يختلط دمها البريء بماء النهر دون أن يترك بعده غير وجه أبي غانم الذي يحمل أسارير قابيل القاتل عن جدارة؟!‏

ولماذا يتجمد أبو نمر في البئر الذي يشرب من النهر الأموي حتى الموت منتظراً أن يملأ كفه الذي لم يمتلئ بغير البرتقال والزيتون والعنب بارودة معدلة أو كلاشن يصون بها حياته ويقرر مصيره؟!‏

أيقتل قابيل الآلة هابيل الأرض ويستأصل شأفته ويترك جسده حتى ينتن الريح دون دفن باسم الحق التاريخي المزور؟! ولا يحاسب؟!‏

كيف يصبح البرلمان مسلخاً بيد الهمج الذين يدعون الحضارة؟!‏

ويتحول أبو راشد إلى جثمان بلا اسم ووجه ممسوح بلا هوية؟!‏

آن كان الشيخ يرش وجهه بماء النهر لينفذ وصيته قبل الدفن.. أيقن عارف أن القوة هي القول الفصل في الصراع في ساحة الكون ألقوه المقترنة بالفكر والمسلحة بالإيمان.‏

لقد قام هابيل من القبر، وخرج يوسف من الجب ورويدة طلعت دماؤها مع شقائق النعمان وأبو راشد سيعود إلى الحارة في عشية ما على حصانه الكميت وبطلعته المؤمنة ليوحد رويدة بمن تحب وتعلو كلمة الحق والحرية في قاعة البرلمان ويصطحب أبا نمر إلى بيت المقدس.‏

لقد قام زكريا خلف وأبو هشام وأبو فارس وأبو حسان وكل الشرفاء الباقين بأدوارهم وتحملوا الاضطهاد والجوع والعذاب وما على فارس وحميد وحسان وراشد وعليه أن لا يستمر بشعلة الإيمان والعمل، أن يترك الكهف لأهل الكهف والجب لمن يريد أن يتخفى في الجب، وأن يتشبث بالصراع الحي في وهج الشمس ليزيل الظلام والعفونة بالإيمان الذي ينقذ الإنسان.‏

فقالت سيدة الفانتازيا على هذه النغمة السعيدة: أقول: توتة، توتة خلصت الحتوتة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244