|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:27 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الكتاب الثاني.. الظلمة الأولى.. حديقة الصَوَّان.. شرائط برتقالية وأخرى ذهبية تضرجت حوافيها بلمسات أرجوانية وما كان بلون الورد.. خفقت في السماء منحدرة نحو خط الأفق الغربي حتى اختفت في العمق السماوي بعد أن تحولت إلى ألوان منها ما كان باهتاً ومنها ما كان كابياً يستثير في النفس جروح الزمان.. تابعت سميرة مغيب الشمس بقلب اختزن من الذكريات ما يأبى التواري في غياهب النسيان.. ساحت بعينيها بعيداً عبر النافذة.. أشجار الحديقة تتلاشى غائبةً في العتمة الآتية.. وفي المدى تسافر النخيل حتى لم يعد يُرى منها غير أشباح تتحدى الظلام.. وتنبعث من أعماقها آهة مخضلة بشجنٍ استقطرته الأيام في فؤادها منذ ذلك الليل الضبابي.. وتنثال في ذاكرتها ـ كنثيث مطر خريفي ـ صورٌ مما جرى في تلك الليلة الظلماء.. وكأنه قد حدث للتو.. كتبت سميرة.. ((من ذكريات الزمن الجارح)) كنا في حينه في لندن لزيارة ابنة أختي الكبرى التي توفاها الله قبل بضع سنوات.. كانت إقبال، وكان هذا اسمها، وزوجها مازن، يقيمان هناك منذ ما قبل العدوان الثلاثيني، للإعداد لشهادة الدكتوراه.. هي في الفيزياء الذرية، وهو في جراحة الأطفال.. في أمسية أحد الأيام، وكانت الشمس تسرع الرحيل فيما وراء الأفق، عادت إقبال ومازن من عملهما، مبكرين.. كان ذلك بعد بضعة أشهر من توقف الحرب العدوانية، ضد الوطن.. ويتكسر النَفَسُ في صدرها كمن يغص بجرعة ماء مر.. ـ ماذا حدث؟ تساءلت مستغربة: ـ اليوم عدتما مبكرين على غير عادتكما.. ما الأمر.. أرجو أن لا تكون هناك مشكلة.. ـ لا يا خالتي.. لا مشكلة هناك.. ـ الحمد لله.. ماذا إذن؟ ـ لقد أخبرني أحد زملائي من ايرلندا أنه شاهد إعلاناً تلفزيونياً يعلن أن فيلماً سيعرض مساء هذا اليوم.. يتضمن تقريراً عن العراق.. وقد اتصلت بإقبال كي تنهي عملها بصورة مبكرة لنعود في الوقت المناسب كي نشاهد الفيلم.. وتدخلت إقبال: ـ أجل يا خالتي.. فنحن مشتاقان جداً.. جداً للعراق.. لقد قضينا سنوات كأنها دهور ونحن بعيدين عن العراق.. إنها حقاً دهور ونحن نرمح تحت ضباب لندن الذي لا يبدو أنه سينقشع في يوم من الأيام.. ـ وفي أية ساعة سيعرض الفيلم؟ ـ لا أدري إذ إنني سألت زميلي الايرلندي عن موعد العرض.. قال إنه لم ينتبه لذلك.. ((( في الساعة التاسعة بدأ عرض الفيلم الذي صوره أحد مصوري إحدى قنوات التلفزيون البريطاني.. كنا جميعاً نجلس أمام الشاشة بعد أن تناولنا وجبة عشاء سريعة كي لا تفوتنا مشاهدة الفيلم.. كان سعد يتزاحم مع هناء ضاحكاً لينال أفضل موقع أمام الشاشة.. كنا نضحك منهما جميعاً.. لم يكن هو في حينه قد تخطى عتبة الربيع التاسع.. مازحته هناء قائلة: ـ هَيْ سعد.. قم من هنا.. أنا أختك الكبرى وعليك أن تطيع أوامري.. قم يا لله.. يا لله.. اجلس هناك.. وأشارت إلى كرسي آخر.. ـ ولماذا؟ ـ لأني أريد أن أجلس هنا.. على هذا الكرسي.. ـ اسمعي هناء.. أنا أخوك الأصغر.. وعليك أنت تعطيني المكان الأفضل.. قال ضاحكاً وأضاف: ـ أنا سأجلس على هذا الكرسي.. وأنت أجلس هنا.. وأشار إلى الأرض.. ـ حسناً.. قالت هناء وجلست فعلاً على الأرض.. وبدأ عرض الفيلم بمشاهد من العراق.. خلناه فيلماً سياحياً.. فمصور الفيلم على ما يبدو، قد استفاد من بعض الأفلام السياحية والآثار الملتقطة في العراق.. فاستهل بها فيلمه.. بدت الجبال الشماء في شمال الوطن منتصبة بأبهة وشموخ.. وعيون الماء والشلالات تتدفق منها.. ـ الله.. ما أجمل هذه الشلالات.. حين نعود للعراق لابد أن نزور الشمال.. قالت إقبال.. ـ أكيد.. وافقها مازن.. إنني لم أر في حياتي ما هو أجمل من شلالات بيخال.. انظري إلى هذه الشجرة.. كيف تتحدى الشلال وتقف منتصبة في قلبه غير مبالية بدفق المياه.. وتسرح الكاميرا في بساتين اللوز والبلوط والجوز.. ثم ينتقل في المصايف.. وفي عودة سريعة لعيون الماء والشلالات، تأخذنا بنقلةٍ متناغمة إلى مياه الأهوار الجنوبية حيث تمرق المشاحيف وتحلق أسراب الطيور وهي تتصايح مستجيرة بآلهة سومر قبل أن يأتي المساء.. وفي لقطة بارعة، تبزغ من أعماق الأفق بيوت القصب يحف بها آتياً من الزمن الذي كان.. همس الآلهة: ((يا كوخ! يا كوخ القصب!... اسمع يا كوخ القصب... أيها الرجل ((الشروباكي)) يا ابن ((أوبار ـ توتو)) قَوِض البيت وابنِ لك فلكاً تَخَلَ عن مالك وانشد النجاة واحمل في السفينة بذرة كل ذي حياة)) ويمرق الزمان مخلفاً وراءه جنة عدن عند ملتقى النهرين.. مردداً أصداء حكايات وحكايات تستذكر أوائل الأشياء التي أبدعها الأجداد.. حتى توقفت الكاميرا في بغداد.. كنا فرحين جميعاً ونحن نشاهد شوارع بغداد الجميلة وبيوتها ومبانيها التي قال عنها المخرج الفرنسي مارتن ميسونيه، إنها تستحق توقيع لوركوربوزيه ((Le Corbusie)). كان الناس يتجولون آمنين في أسواق بغداد.. وكان سعد يطير فرحاً حين يميز بعض المواقع.. يهب من كرسيه.. يلوح بيديه.. ويشير بسبابته: ـ هذا شارع الرشيد.. هذا بيت جدتي القديم في الأعظمية.. وهذا فندق الرشيد.. أنا أتذكره جيداً.. ووجه الحديث لإقبال: ـ لقد أخذتنا ماما.. أنا وهناء لتناول الغداء يوماً في هذا الفندق.. جائزةً لهناء بمناسبة نجاحها.. والتفَتَ إليَّ متسائلاً: ـ أليس كذلك.. ماما؟ ـ أجل.. أجل.. وأنا أتذكر أنك رفضت أن تأكل السمك.. ـ لماذا؟ سألت إقبال مداعبة.. ألا تحب السمك؟ ـ قال إنها حيوانات مسكينة تسبح في النهر.. ضحكنا جميعاً.. لكن هناك علقت.. ـ أتعلمين خالة إقبال ماذا أكل؟ ـ ماذا؟ ـ رز وبطاطا مقلية.. لأن الرز والبطاطا المقلية لا يسبحان في النهر... قالت هناء ذلك وقد غرقت في الضحك.. وضحكنا نحن أيضاً... كان سعد آنذاك يقفز من مقعده.. فيدوس قدم هناء غير عامد.. لتبدأ هي بالصراخ.. يصفق ويضحك انبهاراً وهو يسمي تلك المواقع.. وكنا نشاركه فرحته الصغيرة، فتنطلق من صدورنا ضحكات عفوية حين تختلط عليه الأمور فلا يعرف شيئاً مما يرى.. فيخلط الحابل بالنابل.. وفي تصوره أنه قد اكتشف قارة جديدة.. لكن سعادته لم تكتمل.. إذ توقف العرض فجأة وأطل مُعِدُ الفيلم ليعلن: ((كان هذا الجزء الأول من الفيلم.. كان يصور حياة مضت.. وسنشاهد وإياكم الجزء الثاني.. وبالمناسبة.. أنصح الأمهات ألا يسمحن للأطفال بمشاهدة هذا الجزء...)) التفتُ إلى سعد: ـ هيا.. سعد.. إلى الفراش.. ـ ماما.. أنا لست طفلاً.. أنت تقولين لي دوماً أن أكون رجلاً.. أنسيت؟ ـ وأنا ما أزال أقول ذلك.. أريدك أن تكون رجلاً حقاً.. ـ وكنت تقولين.. لا رجل في البيت غيرك.. أنت رجل البيت.. أنسيت؟ ـ لا.. لم أنس.. لكن ذلك شيء.. وما نحن فيه الآن شيء.. أما سمعت مقدم الفيلم يطلب إلى الأمهات ألا يسمحن بمشاهدة هذا الجزء من الفيلم؟ غداً.. حين تكبر.. تستطيع أن تشاهد كل ما تريد.. والآن.. هيا.. هيا.. إلى الفراش.. ـ ماما.. أرجوك دعيني أرى جزءاً صغيراً من الفيلم.. فأنا مشتاق لبغداد.. ((ماما.. الله يخليج)).. وبعدها اذهب إلى الفراش أعدك.. ـ حسناً.. دقيقتان.. فقط.. اتفقنا؟ قالت ذلك وهي تشير بيسراها إلى الرقم اثنين بسبابتها والإصبع الوسطى.. ـ اتفقنا.. ((( لون رمادي كابٍ غطى الشاشة.. ألسنة لهب تبرق كسيوف لامعة بين آن وآن.. رحنا نتطلع في وجوه بعضنا.. ونحن في انتظار ما سيفسر عنه ذلك السواد الكلي والبروق النارية.. حين انطلقت متداخلة مع بعضها أصوات مبهمة وصرخات مكبوتة.. منفلتة من أعماق السنين: ((بغداد يجب أن تدمر!)) ما أشبه الليلة بالبارحة!! حين انطلقت صيحة مجنونة ترددت أصداؤها قرابة نصف قرن من الزمان في أرجاء الإمبراطورية الرومانية: ((قرطاجة يجب أن تدمر!)) حين سقطت قرطاجة تحت حوافر الخيول الرومانية.. لتنطلق الآن في النزع الأخير من القرن العشرين.. في الوول ستريت: ((بغداد يجب أن تدمر!)) لا مكاناً حسب.. وإنما بكل أناسها.. بماضيها وحاضرها.. بحضاراتها وثقافتها.. بكل أيامها المشرقة.. بعشتارها وبكلكامش.. بآشور بانيبال وسرجونها..بأنبيائها وأوليائها.. بآثارها ومزاراتها.. بمنصورها وهارون رشيدها.. ومأمونها.. بأحمد الفراهيدي بالمتنبي بالجواهري وبدر شاكر سيابها.. بجواد سليم وفائق حسن.. وإذن.. فإن زمان بغداد لابد أن يتوقف.. أن يموت ويتجمد في عصر الظلمة الأولى.. عصر.. كان أهل العراق قد تخطوه في بدايات الزمن الأول.. ليرسموا للإنسان في كل مكان.. مساراً يشع نوراً.. حرفاً.. عدلاً.. وحباً.. ويصنعوا للبشر كلهم عصوراً لها تواريخ ذات معنى.. ومن وسط ذلك الهيجان انبثق آتياً من بعيد رقم مشوق يسفر عن ذاته حيناً ويغيب وسط الغبار حيناً.. ولم تمر غير لحظات قصار حتى اندفعت من أعماق الشاشة متجهة نحونا، نحن المشاهدين، جحافل حملتها رياح السهوب الآسيوية.. وبانت بغداد وسط ذلك الطوفان تتصاعد لهباً وتتطاير حجارة.. والناس يتراكضون بحثاً عن ملاذٍ يصون لهم أرواحهم دون جدوى.. إذ راحوا يتساقطون تحت سنابك الخيول البربرية.. رؤوس تتدحرج.. سيقان.. أذرع.. أجساد مقطعة الأوصال تتطاير.. جدران تتهاوى.. كتب ومخطوطات صارت مزقاً ووقوداً لنيران تأكل كل شيء.. ومن بعيد يتلوى دجلة وقد صار ماؤه دماً.. وتنقل لنا لقطة مباغتة خيطاً نارياً متوهجاً يقترب آتياً من الأفق البعيد تبيناه سرباً من صواريخ تجر ذيولاً من نار لتتعانق والسيوف البربرية.. وفي لحظة العناق تلك يتفجر الهول من جديد.. ترتجف الأرض وتنفطر السماوات.. أبنية تتفجر بحجارتها وإسمنتها وفولاذها المذاب.. البيوت.. المدارس.. المستشفيات.. الجسور.. تتهاوى.. وتتطاير أجساد النساء والأطفال والشيوخ أشلاءً ممزقة.. وفي خضم ذلك الاضطراب العظيم ينطلق صوت المعلق: ((كانت تلك.. مشاهد من فوضى الزمان الأول.. ديناصورات تصارع بشراً أرادوا لهذا الكون أن يكون أحلى.. ليؤول كل شيء إلى عماء الظلمة الأولى.. أثمة فارق بين ما كان في سالف الأيام.. وما جرى الآن في عصر التكنولوجيا؟ أترك الجواب للمشاهدين...)). ((( وجوم كلي لفنا جميعاً.. اختلستُ النظر إلى سعد.. كان تمثالاً صغيراً نسيه الزمان.. والحزن ينهمر من عينيه اللتين كانتا قبل قليل تنفجران ألقاً.. ظل ساكناً حيث كان وقد مات الفرح في أعماقه.. وتهدلت زاويتا فمه.. توجهت نحوه.. وقفت ما بينه وبين التلفزيون: ـ سعد.. لقد انتهت الدقيقتان.. والوقت تأخر كثيراً.. كان يجب أن تكون في فراشك قبل ما يقارب الساعة والنصف.. غداً يوم عطلة وقد اتفقنا أنا وإقبال وعمك مازن أن نزور حدائق الزهور.. هيا يا سعد.. إلى الفراش.. ـ ماما.. ((الله يخليج.. بس أشوف هؤلاء الأطفال)).. ـ لا يا سعد.. لقد وعدتني.. أنسيت؟ ثم علينا أن ننهض غداً مبكرين.. ـ ماما.. ((بس ها اللقطة)).. ـ ولكن.. وقاطعها: ـ ماما.. "والله بس هالمشهد".. وأذهب إلى الفراش.. كنت أخشى على قلبه الصغير من مزيد من الألم.. ـ لا يا حبيبي.. أنا أيضاً سآوي إلى فراشي.. هيا.. هيا.. مددتُ يدي إليه.. أمسكت بيده.. أحسست رعشة خفيفة تسري في يده.. ساعدته على النهوض.. واتجهنا إلى حيث ننام.. توقَفَ فجأة وبقوة جعلتني أنا أيضاً أتوقف للحظة.. التَفَتَ إلى التلفزيون.. التَفْتُ أنا أيضاً بصورة لا إرادية.. ويا هول ما رأيت.. كان ما عرض على درجة من الرعب والرهبة ما جعلني أنسى سعداً وأنسى حدائق الزهور.. وأنسى النوم مبكراً.. وفي اللحظة عينها تكثف الزمان كله.. ماضياً وحاضراً في فيضٍ من تداعياتٍ ما كان غافياً من حكايات الزمن القديم التي كانت جدتي ترويها لنا ونحن صغار مضطجعين على أسرتنا وهي تحاول أن تستعجل، بتلك الحكايات، النوم أن يتوسد أجفاننا.. وفي ضبابية تلاحم الأزمنة بين ما كان وما يكون.. وبين مصدقةٍ ومكذبةٍ لرعب ما أرى، خُيلَ لي أني سمعت صوت جدتي آتياً من أعماق ما كان... ((وكان يا ما كان في سالف العصر والأوان.. فتىً في المدينة ينافس الورود حسناً.. كان يلعب بقوس من الخشب.. يقذفه في الهواء فيرتد إليه.. وفي مرة من المرات، سقط القوس في حديقة قصر السلطان.. تسلق الفتى السور وقفز في الحديقة ليستعيد قوسه الخشبي.. فرأته الأميرة ابنة السلطان.. وما إن رأته حتى خفق قلبها الصغير في صدرها الظمآن، وأولعت بحسنه وجماله الفتان.. اقتربت منه وقدمت لـه زهرة من زهور الأقحوان.. قال الفتى: ((الله.. ما أجمل هذه الوردة وفوح عطرها الريحان..)) قالت لـه الأميرة وكان اسمها شذا الرمان: ((ما أسمك أيها الفتى؟)).. قال الفتى: ((قمر الزمان)) فقالت الأميرة: ((أتحبني يا قمر الزمان؟)).. قال الفتى: ((ومن لا يحب ابنة السلطان؟)) فقالت الأميرة: ((اذهب إلى حديقة الصَوَّان.. واقطف لي منها زهرة قرنفلٍ مصنوعةً من ياقوتٍ ومرجان.. فإن فعلت تأتي وتطلبني من أبي السلطان.. لنعيش في قصر هو الجنة أيها الفتى الفنان.. ونأتي بصبايا وصبيان.. ونعيش في رغد وأمان.. وفي ممرات حديقة الصَوَّان رأى الفتى قمر الزمان ما آثار في قلبه الرعب والأحزان.. رأى حيوانات غريبة الأشكال والألوان.. تنود برؤوسها وتحرك الآذان.. رأى غزلاناً لها رأسان وأربعة أذناب.. وست سيقان.. رأى أرانب بسبع أرجل وكلاباً من حجر بعين واحدة وأربع آذان.. وطيوراً بلا أجنحة وضفادع تنق بلا أفواه.. رأى صقوراً تنفش الريش لتفترش عصفوراً صغيراً وحمامة تختبئ بين الأغصان.. خاف قمر الزمان.. تراجع إلى الوراء.. يبحث عن طريق يقوده إلى بر الأمان.. فرأى على يمينه ما كان أشد هولاً وما يزرع الرعب في قلوب الفرسان.. رأى أجساداً بشرية استرقت حتى غدت صوراً شبحية التصقت على الجدران.. وقف حيران لا يدري أين يكون طريق العودة إلى شذا الرمان.. ساح بعينيه في أرجاء حديقة الصَوَّان فوقع بصره على زهرة القرنفل المصنوعة من الياقوت والمرجان.. تذكر الأميرة وقال في نفسه لابد أن آخذ زهرة القرنفل والياقوت والمرجان.. هدية لأميرة قلبي الولهان... ((( وأفاقت أم سعد من غيبتها.. راحت تجوس الشاشة بعينيها لتتبين إن كان ما تراه الآن، حقيقة أم أنه فيلم خرافي يصور مشاهد من غابات حجرية مسحورة.. أو أنه فيلم من أفلام الرعب الأمريكية.. دراكيولا.. أو فارنكشتاين.. مثلاً.. لكن ما كان يعرض الآن في التلفزيون لم يكن مشاهد من حديقة حجرية مسحورة.. ولا من أفلام الرعب الخيالية.. وإنما فيلم مرعب عن طفولة حقيقية.. طفولة من أرض كلكامش الذي تحدى مياه الموت ليحصل على نبتة الخلود.. فثمة طفل وليد لـه ما يشبه رأسين مشوهين.. وآخر بلا يدين.. وثالث بلا ساقين.. وطفل بلا عينين وآخر بلا أذنين.. وسادس بلا كفين.. وثمة طفل لم يكن يمتلك ذراعين وإنما نبتت لـه كفان عند الكتفين.. وسادس.. وسابع.. وعاشر!! يا إلهي! أي هول هذا الذي أرى؟! أيمكن أن يفعل بالإنسان الذي أراد لـه الله أن يكون في أحسن تقويم.. كل هذا الشر.. كل هذه البشاعة؟! وكل هذا يحدث في بلادنا.. لأطفالنا.. لماذا؟ لماذا؟! شعرت كما لو أن أمعائي تكاد.. تندلق من بين شفتي.. ضغطت على بطني وأغمضت عيني لأحول دون انهمار دمعة لائبة.. وقد تسلل إلى رأسي رسم من رسوم بيكاسو.. رسم يصعب على الإنسان نسيانه متى رآه: وجه يبدو في أعلاه مكتمل الاستدارة أو قريباً من ذلك.. ويظهر في الوقت عينه وكأنه رسم جانبي ((بروفيل)) في القسم الأسفل.. ترتسم على عينيه وشفتيه المنفرجتين عن أسنان شائهة ومنخريه اللذين يشبهان منخري فرس أعياه السباق، أحاسيس رعب حقيقي تعمقه الخطوط الصاعدة والنازلة.. والمنحرفة التي تُحَوَّل الوجه إلى مجموعة من أخاديد ومنعرجات يجللها خوف مبهم.. ينتقل إلى المشاهد بلا مقدمات.. بلا أسباب... لقد رأى بيكاسو، على ما يبدو، وبقية فناني أوائل القرن، بعين النبوءة، المصير الذي سيؤول إليه الإنسان في زمن آت.. حدث ذلك في وقت اتجه فيه الفنانون إلى تشويه الشكل البشري.. ليستحيل في نهاية المطاف.. إلى ما يسمى أو ما يفترض أنه إنسان.. ليصار أخيراً إلى نفي إنسانية الإنسان.. فيغدو شيئاً من الأشياء.. وعلى المشاهد.. أن يعمل فكره ويستفز كل ما يملك من ملكات ادراكية.. وعقلية.. ليستخرج إنساناً.. مما يرى!! قال مقدم الفيلم معلقاً قبل أن يواصل عرض اللقطة الأخيرة: ((مثل هذه المشاهد كنا نسمع عنها في حكايات الطفولة الخرافية.. كانت تلك.. حقاً.. حكايات مخيفة من صنع ساحراتٍ يمتطين المقشات ليحلقن عالياً بين الغيوم.. بعد أن يتممن سحرهن الأسود.. لكننا الآن.. صرنا نشهد بعيوننا ما هو أشد هولاً وبشاعة ورعباً.. في مكان كان يسمى ميزوبوتامية.. حيث تقوم.. عند ملتقى النهرين.. جنة عدن.. التي شربت من خمرتها كل شعوب الأرض.. ما يحدث الآن.. ليس بسحر ساحر.. أو بفعل الطبيعة.. وإنما بفعل أناس يقال إنهم عقلاء..)) وجاءت اللقطة الأخيرة: طفل ما تزال رائحة الحليب تفوح من بين شفتيه.. كان قد بلغ من الهزال درجة يستطيع الناظر أن يعد عظام صدره.. كان شعره قد تساقط.. كان يتطلع في وجه أمه بعينين تمطران حزناً وقد أطفأ الوجع بريقهما.. وبدا وجهه كقشرة ليمونةٍ نضب ماؤها.. وصدره يعلو ويهبط كأن عاصفة هوجاء تعصف بذلك الصدر النحيل.. كانت الدموع تجري على خدي أمه وهي تربت على كتفه تريد وقف العاصفة.. كان يتوسل إليها، بعينيه الغائمتين أن تفعل شيئاً يخلصه من العذاب.. وما كانت هي بقادرةٍ أن تفعل شيئاً.. وما كان بوسع العلم أو الطب أن يفعل شيئاً.. وحانت اللحظة الرهيبة.. مال رأس الطفل نحو صدر أمه.. تصورت أنه كان يريد قطرة حليب جف عنها صدرها..لكن ظنوني ما كانت أبعد منها عن الحقيقة.. بدأت العاصفة تهدأ.. رويداً.. رويداً.. وأغمض الطفل عينيه في نومة أبدية.. في تلك اللحظة عينها انغرست شوكة سوداء في كبدي.. ولم أكن أدري أن شعوري ذاك قد انتاب قلب سعد.. التفتُ إليه دون تفكير.. كانت الدموع، كسيل دافق، تسيل على خديه.. كان يجاهد كي لا يشعر أحد منا ببكائه.. وحين التقت عيناي بعينه راح ينحب كأم ثكلى.. كذلك النحيب حين شهد ما جرى في العامرية.. ولم يستطع أن يكتم مشاعره أكثر من ذلك.. إذ انفجر: ـ لماذا فعلوا هذا بنا؟ لماذا قتلوا سلاماً ودالياً.. مية وسنار.. رشا وخالتي أحلام والست أروى.. لماذا قتلوهم؟ حاولت أن أعيد السلام إلى قلبه.. مسَّدت شعره.. مسحت دموعه.. ربت على كتفه.. ثم مددت يدي لأمسك بيده.. كانت باردة كالثلج.. وثمة رعشة يهتز بها جسده كله.. لكنه استجاب لي دون كلام هذه المرة.. قدته إلى فراشه الذي كان في الغرفة نفسها التي أنام فيها أنا.. حاولت، ونحن في الطريق إلى غرفتنا، أن أطمئنه وأطيب خاطره وأخفف من معاناته.. طيلة تلك الأيام لم أستطع النوم.. كنت أحس أن سعداً لم ينم بصورة طبيعية.. كان طوال الليل يتقلب في فراشه.. بل إنه بعد ساعة ونصف أو ساعتين هب مذعوراً وراح يصرخ: ـ لا.. لا تفعلوا هذا.. قفزت من فراشي واحتضنته.. ضممته إلى صدري.. قبلت رأسه.. كان صدره يعلو ويهبط.. وخفقان قلبه يهز كل كيانه.. ـ سعد حبيبي.. لا تخف.. تعال نم بقربي في سريري.. هيا.. هيا.. قم معي وقدته نحو فراشي.. وما إن رقد حتى قال لي: ـ ماما.. رأيتهم بعيني.. ـ رأيت من؟ ـ الجنود.. كانت وجوههم حمراً.. كانوا يشحذون سكاكينهم.. وكان الطفل وحده.. الطفل الذي رأيناه في التلفزيون.. كان يقف أمامهم وهو يرتجف.. كان يبكي ويتلفت من حوله.. ـ ربما كان يبحث عمن يحميه.. ـ ربما.. كان يبكي ويتوسل إليهم.. ((لا تذبحوني.. أنا لم أفعل شيئاً.. أنا بريء.. بريء..)) وأفقت من نومي.. ـ حسناً.. نم الآن.. ولا تفكر بشيء.. فغداً علينا أن نستيقظ مبكرين.. ـ قلت ذلك وفي أذني ترن عبارة وردت في بيان أصدرته قيادة شوارتزكوف لتبرير الدمار الذي أصاب الحياة المدنية في العراق: ((إن التدمير لم يلحق بأبرياء.. فالشعب العراقي كله ليس بريئاً.))!! تظاهرت بالنوم.. لكني في الحقيقة لم أستطع النوم أبداً.. كنت الليل كله أفكر بالحلم الذي رآه سعد. وبالطفل الذي فارق الحياة أمام عدسة الكاميرا.. والحزن الذي في عينيه يسكن أعماق قلبي.. وبأطفال العراق المشوهين.. ما الذي فعلوه بهؤلاء الأبرياء وهم بعد أجنة في أرحام أمهاتهم؟! وثمة أسئلة تدق في رأسي كمطرقة حداد.. تبحث عن أجوبة لها: ما الذي يحصل للخلايا البشرية حين تنفجر قذائف اليورانيوم المنضب ليحدث ذلك التشوه الرهيب الذي رأيناه على شاشة التلفزيون؟ ماذا يحدث في أرحام النساء ليلدن كائنات مرعبة أراد الله لها أن تكون في أحسن تقويم؟ ومن أعطاهم الحق ليفعلوا ذلك.. لابد أن أعرف.. سأبحث.. ولابد أن أصل إلى الحقيقة.. حقيقة ما يحدث داخل الجسم البشري عند ذلك الانفجار.. حتى لو استغرق ذلك البحث العمر كله.. وسأنشر ما أتوصل إليه بكل الوسائل.. وفي كل مكان تحت سماء الله... ((( صبيحة اليوم اللاحق.. وإذ كنا نتناول الفطور.. بادرني سعد: ـ ماما أتعلمين؟ ـ لا.. لا أعلم.. ضحك هو.. وضحكت إقبال وهناء ومازن.. ـ حسناً.. ماذا تريد أن تقول؟ ـ لقد قررت أن أصبح طبيباً حين أكبر.. لأعالج الطفل الذي شاهدته أمس في التلفزيون. بدا لي أنه لم يدرك أن ذلك الطفل فارق الحياة.. قلت له.. ـ رائع.. ولكن عليك أن تهتم بدروسك، بعد أن نعود لبغداد، كي تحصل على درجات عالية تؤهلك لدخول كلية الطب.. ـ سأفعل.. صدقي ماما.. سأفعل.. وسآتي إلى هنا لأدرس الطب مثل عمو مازن.. ـ رائع.. لكن لنسأل الله أن يشفي كل الأطفال الذين أصيبوا بتلك الأمراض اللعينة.. قلت ذلك وأنا كنت أعلم أن لا شفاء لمن سقط صريعاً.. أطفال اليورانيوم المنضب الذين لحقوا أو سيلحقون بأطفال العامرية.. سلام.. داليا.. مية.. سنار.. ورشا ذات العيون الزرق.. وانبعث في مكامنه ذلك السؤال الأبدي الصامت الذي يأبى على النسيان: لِمَ حدث ما حدث؟ كنا قد سافرنا إلى بعقوبة سوية.. ما الذي جعل أحلام تُصر على العودة إلى بغداد؟ أهو القدر أم نداء الموت؟ لو كانت بقيت معنا يوماً واحداً فقط.. ليلة واحدة فقط.. أما كانت هي والصغار معنا الآن؟! "أ أنت سومرية؟!" تصفحت صحف الصباح آملةً أن تعثر فيها على تقرير.. خبر.. إشارة عابرة.. أي شيء يمكن أن يفتح أمامها كوة صغيرة تلقي بصيصاً من الضوء على ما تريد معرفته.. أو أن يقدم لها أجوبة مقنعة لما كان يدور في رأسها من أسئلة صعبة: ما هو اليورانيوم المنضب؟ وهذه الكلمة ((المنضب)) ماذا تعني؟ لم اتُخِذت وصفاً لتلك المادة المشعة؟ أيعني ذلك أن هذا المعدن لم يعد يملك خصائصه المميتة؟ أفقد خاصيته الإشعاعية؟ كيف يمارس فعله حين تنفلق قذيفة تحمل شحنة من اليورانيوم المنضب؟ لم تجد شيئاً مما كانت تبحث عنه.. تطلعت عبر النافذة.. شمس غريبة على أجواء لندن كانت تلوح، على استحياء، من وراء الأفق.. مبددة الضباب.. مروج خضر يانعة امتدت أمام ناظريها تخترقها شوارع اصطفت على جوانبها أشجار داكنة الخضرة باسقة.. رائحة عشب ندي حملتها إليها نسمة رخية.. وبرغم القلق الساكن في أعماقها، كان يمكن لعشبةٍ سيفية دقيقة.. أن تبعث في قلبها إحساساً برضا لم تألفه من قبل.. استكانت لرائحة العشب.. شمت عطره تريد الإمساك بتلك اللحظة المنفلتة من الزمان.. أغمضت عينيها علّ ذلك الغياب عن دنياها.. ينقلها إلى عالم من العوالم التي تشتاق إليها الأرواح المعذبة.. لكن.. متى كان للرضا.. للفرح.. مهما كان بسيطاً بساطة خيط من عشب أخضر أن يدوم.. وذهنها وروحها محاصران بتلك المشاهد المأساوية.. كان المشهد في تلك الضاحية يتناقص كلياً مع مركز المدينة وزحامها وضوضائها وأناسها الذين لا يسيرون، مثل بقية البشر في الشوارع، وإنما يكادون يركضون في سيرهم كأن غولاً منفلتاً من إسار غابة مسحورة يحاول الإمساك بهم.. عادت لصحفها.. قلَّبتها من جديد.. بدا الأمر في غاية الغرابة أن لا تجد حتى مجرد إشارة عابرة للهول الذي رأته الليلة الماضية.. صحف صامتة.. تُرى ما هي مهمة الصحافة إن كانت تغفل ذكر ما يحدث؟ لابد أن يكون القصد إبقاء عقول الناس فارغة كفؤاد أم موسى إزاء.. ما يجري.. أو ربما كان الحال كذلك لأن لا مشاكل لديهم.. مثل حالنا نحن الغرقى في مشاكل لا يحلها حلاَّل.. ومصائب لا يعدها عدَّاد.. بيد أن هذا لا يبرر ذلك الصمت.. ألم يكونوا هم من بين من سبب لنا كل تلك المشاكل.. وجر علينا كل تلك المصائب.. ما كان منها.. وما هو آت. أم أن ذلك الصمت إنما هو إعلان صامت عن موت الإنسانية؟! لكن ذلك الصمت لن يثنيها عما تريد معرفته.. وإذا كانت الصحف تلوذ بالصمت إزاء قضايا كبرى.. لعلها تجد في الكتب ما تريد.. إذن عليها أن تزور مكتبة فوليز ((Foleys)) التي اعتادت أن تبتاع منها ما هي بحاجة إليه من الكتب.. أثناء زياراتها للندن.. وكلها أمل أن يكون بمقدور المسز آدمز التي تشرف على أحد أجنحة تلك المكتبة.. أن تساعدها في الحصول على ما تريد.. ((( بدت السيدة آدمز في أول زيارة لسميرة للمكتبة على شيء من الغرابة... فهي لم تكن تشبه الإنكليز تماماً.. لا جيل المسنين المحافظ، ولا الجيل المتمرد الذي تلاه.. وكان ذاك مما أثار فضولها واستغرابها في الآن نفسه.. كانت سميرة آنذاك تبحث عن كتاب يتناول قضية الاستنساخ البشري.. وما كان يدور حولها في الوسط الثقافي من مناقشات.. والموقف الديني والأخلاقي.. وهل يمكن أن يسمح هذان المجالان بذلك؟ سؤال واحد كان يدور في ذهنها.. كيف يريدون أن يستنسخوا البشر من جهة، وهم يدمرون البشر من جهة أخرى؟ لجأت إلى السيدة آدمز كي ترشدها إلى حيث تجد كتاباً حول هذه القضية. بدا لسميرة وكأن طيف ابتسامة لاح على محيا المسز آدمز التي بادرتها بسؤال لم يخطر ببالها: ـ أ أنت سومرية؟ استغربت سميرة لهذا السؤال المفاجئ والغريب.. فما من أحد يتصور أن السومريين موجودون الآن في غير كتب التاريخ أو الآثار.. تُرى.. ما الذي يجري في رأس هذه السيدة.. وفي أي عصر تعيش.. وما الذي تعرفه عن السومريين.. ربما كانت تتصور أن هؤلاء القوم ما زالوا يعيشون على سطح الأرض.. ابتسمت وقالت بتردد: ـ أ.. أجل.. ولكن ليس تماماً.. فأنا عربية.. وقد أكون من أحفاد أحفاد سومر.. ولكن.. كيف خطر لك أن تسألي سؤالاً كهذا؟. ـ قد لا تصدقين.. أنا أشم رائحة سومر على بعد كيلو مترات.. قالت ذلك مبتسمة وأضافت: ـ فيك ملامح سومرية.. مرة أخرى كان ذلك السؤال يدور بإلحاح في رأس سميرة.. ما الذي تعرفه هذه السيدة الإنكليزية عن السومريين.. ابتسامة شفيفة كخيط من شعاع تخطى الزمان آتياً من عهد سومر، لاحت على وجه سميرة.. قالت: ـ ولكن.. كيف يحدث ذلك؟ ـ لقد قضيت فترة من حياتي في العراق برفقة زوجي.. كان يحاضر في كلية الطب في بغداد.. في موضوع الطب الذري.. ـ حقاً؟ قالت سميرة بصيغة سؤال.. ـ أجل.. أجل.. وقد قمنا بزيارة بابل.. كنا نأمل أن نشاهد بقايا برجها الشهير.. للأسف.. لم نجد شيئاً من ذلك.. ـ وهل زرتما الجنوب حيث عاش السومريون؟ ـ أجل.. وقد أعجبنا بأولئك القوم الذين يسمون أنفسهم ((ذوي الرؤوس السود)) ولم نكن نستطيع أن نتصور كيف كان بمقدورهم، في ذلك الزمان الموغل في أغوار التاريخ، أن يبدعوا ما أبدعوا من ابتكارات رائدة في تاريخ الجنس البشري.. ـ يبدو لي أنهم كانوا على قدر غير اعتيادي من الذكاء.. ـ أنا أوافقك على هذا.. وهم شعب حيوي ومجدد.. والشيء المثير للدهشة أن ثقافتهم وأفكارهم ومبتكراتهم، انتشرت في المنطقة كلها.. ـ حقاً.. إنهم شعب عجيب.. ومن أطرف ما قرأت أنهم قاموا مرة بإرسال الآلهة عشتار إلى مصر لتشفي الفرعون من آلام في أسنانه.. ضحكت كلتاهما.. ثم قالت السيدة آدمز: ـ إن أكثر ما أثار انبهاري شيء يتعلق بعقدة أوديب.. تساءلت سميرة مستغربة: ـ ولكن.. ما علاقة عقدة أدويب بالسومريين. ـ آه.. إنها علاقة وثيقة.. فقد اكتشفت أن أسطورة أوديب الإغريقية تماثل أسطورة عراقية قديمة.. وقد دخلت أنا وزوجي في نقاشات طويلة مع أصدقائنا المختصين بالأساطير الإغريقية الذين لم يكونوا يتصورون أن الفكر الأسطوري في أرض ما بين النهرين، سبق الفكر الإغريقي في إبداع أسطورة مماثلة.. لم تكن سميرة تعرف شيئاً عن هذه الأسطورة السومرية.. ضاق ما بين أجفانها.. وبدا عليها أنها غرقت في تفكير عميق في هذه المسألة.. فيما راحت السيدة آدمز تدرج مجموعة جديدة من الكتب الواردة إلى المكتبة، في الأماكن المخصصة لها، بعد أن استأذنت الزائرة العراقية التي راحت تتطلع في صفوف الكتب العلمية.. قالت سميرة بعد أن عادت السيدة آدمز إليها: ـ إنني لم اكن أعلم شيئاً عن هذه الأسطورة السومرية.. مع أنني أهتم كثيراً بتاريخ وأساطير وادي الرافدين.. ـ ولكن هذه حقيقة.. وفتحت السيدة آدمز جراراً في مكتبها.. واستخرجت منه ملفاً لتقول: ـ إنني أحتفظ بهذا الملف في مكتبي واصطحبه معي عندما أعود إلى البيت لأسجل فيه ما يمر بي من حقائق جديدة، أو ما يخطر ببالي من استنتاجات.. ـ وعم يدور كتابك هذا؟ ـ أساطير ما بين النهرين ومقارنتها بأساطير الإغريق وأساطير العهد القديم.. ـ جميل.. جميل جداً... ـ لقد شرعت بكتابته منذ بضعة شهور.. وآمل أن ينشر قريباً.. ـ أرجو ذلك.. ـ أتعلمين.. من الأساطير التي أثارت استغرابي أسطورة تتعلق بالإله ((أماكيندو)) ((Amakindu)).. فقد قتل هذا أباه ((خاين)) ((Hain)) وتزوج أمه الآلهة الأرض.. واستحوذ على السلطة.. ويتكرر الحدث ذاته مع الإله ((لخار)) ((Lahar)) الذي قتل أباه أما كيندو، وتزوج أمه الآلهة البحر... جفلت سميرة عند سماعها ما روته السيدة آدمز.. قالت: ـ لكن هذه أسطورة بابلية وليست سومرية.. ـ تقولين بابلية؟! ـ أجل.. إنها بابلية.. وهي تتعلق بأنساب الآلهة.. ويعود زمن تدوينها إلى القرن السادس قبل الميلاد.. ـ أشكرك جداً لتصحيح هذه المعلومة.. على أي حال أنها لا تغير شيئاً من حقيقة أنها سبقت الأسطورة الإغريقية.. توقفت عن الكلام إذ قصدها شاب إنكليزي يبحث عن كتاب معين عن المعادن الثقيلة الشديدة السمية.. أحضرت لـه ما يريد.. ثم عادت إلى سميرة لتقول ضاحكة: ـ بمناسبة الحديث عن الأساطير.. إن زوجي حين عمل في العراق، ابتدع أسطورته الخاصة! ابتسمت سميرة اندهاشاً.. وقالت: ـ كيف؟ إن زمن الأساطير قد مضى.. ـ أوه لا.. كل الأزمان لها أساطيرها الخاصة.. ـ حسناً.. قالت سميرة وعلى وجهها ظل ابتسامة.. سيسرني أن أسمع أسطورة السيد آدمز.. ـ كان زوجي يمازح طلبته ويقول لهم ((إن الجنس البشري كله)) لـه ((آدم)) استغربت سميرة.. وقبل أن تتساءل كيف يكون ذلك، بادرتها السيدة آدمز: ـ لاحظي.. أن اسمه ليس ((آدم)) وإنما ((آدمز)). واسمه هذا يوحي بكونه أكثر من ((آدم)) واحد.. أترين؟ وضحكت كلتاهما.. ألقت سميرة نظرة عاجلة على الكتب.. اختارت كتابين.. أحدهما عن الاستنساخ البشري.. ودعت السيدة آدمز.. ومضت. ((( منذ تلك الزيارة الأولى، كانت سميرة تلجأ إلى السيدة آدمز كلما وجدت صعوبة في العثور على ما تريد.. راحت السيدة آدمز تراجع قائمة الكتب العلمية علَّها تجد ما تبحث عنه سميرة.. رفعت رأسها وقالت: ـ يؤسفني أن لا أجد ما تريدين.. هناك عدد من الكتب عن اليورانيوم، واليورانيوم المنضب.. لكن لا شيء عن علاقة هذا الأخير بالجينات والأورام السرطانية.. ـ غريب.. هذا شيء غريب حقاً.. أن لا يحظى موضوع خطير كهذا باهتمام الباحثين.. ـ لا تنسي أنه موضوع ما يزال جديداً.. إلا أني أعتقد أن لدى زوجي شيئاً من هذا القبيل.. فهو بحكم اختصاصه يهتم بهذه القضية.. ـ حقاً؟ ـ أجل.. وقد زار العراق قبل مدة ضمن وفد دولي للتحري عن آثار اليورانيوم المنضب.. وحينما زار البصرة، عثر على شظية غريبة الشكل.. كانت صغيرة جداً لكنها ثقيلة جداً.. وقد جلبها معه وأجرى عليها فحوصات مختبرية كشفت عن كونها قطعة مشعة شديدة السمية.. ـ أ أستطيع الإطلاع على النتائج التي توصل إليها؟ ـ أظن أن لا مانع عنده.. فقد تجمع لديه عدد من التقارير والكشوفات عن هذا المعدن.. أنا واثقة أنه سيكون مسروراً ليقدم لك نسخاً من تلك التقارير.. إذ إنه قطع على نفسه عهداً أن ينشر كل ما يتوصل إليه ليكون العالم على علم بأخطار هذا المعدن الذي أصيب بسببه بمتاعب صحية ما يزال يعاني منها، بعد أن جلب تلك القطعة المشعة.. ـ هذا شيء مؤسف حقاً.. ـ سأحدثه في الأمر.. ـ شكراً مسز آدمز.. ـ إن كان لديك وقت.. مري بي بعد غد... ـ سأفعل... "عيون الذئاب" قلَّبت سميرة التقارير التي زودتها بها السيدة آدمز.. قرأت عناوين ما كان معنوناً منها.. أو تابعت السطور الأولى من أخرى.. أعادت ترتيبها من جديد بالشكل الذي يلائمها.. اختارت واحداً لفتت سطوره الأولى انتباهها.. كان الأمر.. وهي تتوغل بإصرار وسط تلك الغابة الشائكة المنفلتة من جغرافية الكوكب الأرضي.. ومن تاريخ الزمان.. أشبه بفيلم تقتحم صوره الذاكرة بعنف سهم مسموم يخترق القلب.. ((( كعيون ذئابٍ تلتمع في سواد ليلةٍ دهماء.. كانت تخفق مع خفقات شمس الضحى وقد تناثرت على الأرض.. وقفوا من حولها وقد تقطعت أنفاسهم انبهاراً.. يتطلعون إليها بعيون اشتعل الفضول فيها بريقاً سرياً لا يعرفه من لا علم لـه بأسباب فضول الصبيان والأطفال.. التمَّوا حولها.. اقتربوا منها رويداً.. رويداً.. صبيان سمر البشرة.. شعورهم سوداء لامعة.. لعلهم ورثوها عن ذوي الرؤوس السود، تتوهج مع التماعات الشمس.. جباههم تنز عرقاً.. وخدودهم ورود قرنفل تلتهب ناراً.. وابتسامات فرح خفي تطوف دهشة واستبشاراً على وجوههم.. رفع أحدهم واحدة منها.. اختار واحدة صغيرة.. حاول أن يزورها براحة كفه.. قال مبهوراً: ـ إنها ثقيلة.. لا تتحرك.. انظروا!! التقط ثان واحدة أخرى: ـ حقاً.. إنها ثقيلة.. وهي صغيرة. لم أرَ بحياتي مثيلاً لها! صاح ثالث التمعت عيناه انبهاراً: ـ إنها مرامي كرة جميلة.. أفضل من تلك الحجارة. وركل بقدمه اليمنى حجارة مشوهة تزخر بنتوءات متباينة وحفر متفاوتة العمق.. كانت تشكل دوماً مرمى كرة قدم في لعبهم اليومي إذ يريدون أن يطفئوا عطشهم لهذه اللعبة التي يسري حبها في قلوبهم مسرى الدم في العروق.. صاح رابع ملوحاً بيديه.. تشي وقفته وحركة يديه.. ومحياه.. بملامح قيادة مبكرة: ـ هيا نلعب: وللتو انقسموا فريقين.. نصبوا شباكهم: قطعة من ذلك المعدن الأسود الثقيل عند كل جانب من ساحة صغيرة غشيها التراب منسياً منذ قرون وقرون.. تنتهي عندها ثلاثة أزقة ضيقة.. تنهض على جوانبها بيوت هرمة أتعبها الزمان.. كان كل فريق على ثقة لا تتزحزح بثبات وسلامة شباك مرماه.. فذاك المعدن اللماع ثقيل جداً.. وإن كان صغيراً جداً.. وقف الفريقان وسط الساحة المترتبة ينتظرون تسمية الفريق الذي يبدأ اللعبة.. رمى الصبي الذي كانت تلوح على محياه ملامح القيادة المبكرة.. بقطعة نقود معدنية قديمة تعود لزمان مضى يسميه الناس ((زمن الخير)).. في الهواء.. سقطت أرضاً.. انحنت الرؤوس السود تستجلي من الفائز بالضربة الأولى.. واندفع الصبية كالسهام.. يتراكضون في الساحة المتربة وهم يتقاذفون أو يركلون ما اعتبروه كرة حقيقية.. وإن لم تكن هذه غير قطعة مستطيلة نوعاً.. صغيرة الحجم نسبياً من المعدن ذاته تكورت حواشيها حتى بدت أشبه بكرة البيزبول الأميركية.. قوانين اللعبة.. التي وضعها الصبيان أنفسهم كانت تتميز بقدر كبير من الحرية والمطاطية.. خلا شرطين أساسيين.. أولهما: تحريك شبكة الخصم من موضعها.. أو مسَّها بما يقوم مقام كرة حقيقية.. وثانيهما: أن لا تمس الكرة رأس لاعب من اللاعبين.. وإذا ما حدث ذلك.. فإن الفاعل يخرج من اللعب فوراً.. بلا نقاش.. بلا أعذار.. بلا تبريرات... والقوانين تلك لم تكن تشترط وجودة كرة واحدة.. وإنما تسمح بوجود أكثر من كرة واحدة.. بقدر ما هو متوفر من تلك القطع المعدنية التي يفضل أن تكون ملساء ومكورة الجوانب.. اثنتان.. ثلاث.. أو حتى أربع.. ولا تشترط القوانين تلك عدداً معيناً من اللاعبين.. وإنما يبقى العدد مفتوحاً.. كل من يريد الاشتراك في اللعب من أبناء الحي.. يمكنه الانضمام لهذا الفريق أو ذاك.. وليس ثمة عمر محدد.. كل الصبيان.. كل الأطفال.. وكل من يريد لـه الحق في المشاركة في اللعب.. وهذه اللعبة تتسم بما يميزها عن لعبة كرة القدم الحقيقية.. فالقوانين لم تكن تشترط قذف الكرة نحو مرمى الخصم بركلها بالأقدام حصراً.. وعدم مسَّها بالأيدي.. وهو ما يستثنى منه حامي الهدف.. وإنما تسمح برميها باليد كذلك. وهكذا... ما إن تمس الكرة البيزبولية الشكل شباك الخصم أو تحركها من موضعها.. حتى ترتفع صيحات الفريق الذي سجل أحد لاعبيه الهدف.. يندفعون نحوه.. يتلقفونه بالأحضان.. أو يتكومون عليه وقد ارتموا على الأرض المتربة جميعاً.. يتمرغون عليها كقطط متصارعة.. وترتفع صيحات جمهور الأطفال الذين يشجعون هذا الفريق أو ذاك.. وقد اصطفوا على حواشي الساحة الصغيرة.. يصفقون.. ويلوحون بأيديهم الغضة في الهواء.. فخراً واعتزازاً بفريقهم.. وسط سحابة تزداد.. مع مرور الدقائق.. كثافةً من غبارٍ تصعِّده أقدام اللاعبين... تطير الكرة.. في الهواء.. تُركل بالأقدام.. أو تُلاحقها يد صياد ماهر يحسن التقاط ما يطير في الهواء.. قبل أن تسقط أرضاً.. يقذف بها نحو مرمى الخصم.. أو يلقي بها أرضاً من جديد ليسددها بركلة قوية نحو المرمى.. فإن أسعفه الحظ وسجل هدفاً ـ ولم يكن هذا بالأمر اليسير كما قد يتصور البعض ـ فالكرة ثقيلة.. تلقفه أعضاء فريقه بالأحضان والقبل.. حملوه على أكتافهم ورؤوسهم.. وصيحاتهم تشق عنان السماء مختلطة بصيحات جمهور المشجعين وهتافاتهم.. وسط ضجيج الغبار الذي يتصاعد نحو الأعالي.. موجة بعد موجة... بغتة.. يصل الساحة الصغيرة المتربة الدكتور آدمز.. وفريق عمل علمي.. جاءوا العراق لإجراء بحوث علمية وتسجيل درجة الإشعاع والتلوث البيئي والجوي.. في تلك المنطقة.. وكأن صاعقة نزلت على أم رأس الدكتور آدمز.. حين شاهد ما كان يجري وسط تلك الغيمة المتلبدة من الغبار الذي يلف الساحة كلها.. اندفع وسط الساحة غير آبهٍ بالغبار.. رفع يديه.. وارتفع صوته مزمجراً: ـ أيها الصبيان.. اتركوا هذه الشظايا.. إنها سامة.. اتركوها فوراً.. إنها سامة.. سامة.. اتركوها!! توقف الصبيان عن اللعب.. وقد بهتوا.. لبثوا كذلك لحظة وهم يتطلعون بوجه الرجل الأشقر الغريب.. فجأة.. ألقى من كان يمسك بشظيةٍ من الشظايا بما كان في يده أرضاً.. تراجعوا مبتعدين.. إلى الوراء.. خوفاً من أن تصيبهم بسمومها.. هرع بعضهم إلى بيوتهم.. اختفى قسم من جمهور الأطفال المشجعين.. في الأزقة الثلاثة.. وبقي آخرون يقفون بعيداً مشدوهين.. وهم يركزون نظراتهم على عيون السيد آدمز الزرق.. انكمشوا على أنفسهم.. وسرعان ما انطلق من بقي من اللاعبين، كأن منخاساً مسَّ خواصرهم، نحو بيوتهم مسرعين يلاحقهم من بقي من الأطفال المشجعين.. ظناً منهم أنهم سيكونون بمنجاة من فعل الكرات المعدنية وسمومها.. والغبار الملوث... ((( لم تكد تمضِ سوى أيام قلائل.. حتى علا نوح النائحات ولطم الصدور.. في بيوت الحي.. والعيون تذرف الدمع دماً.. إذ راح اللاعبون وجمهور الأطفال المشجعين.. يتساقطون الواحد بعد الآخر.. كأوراق شجرة جف في عروقها نسغ الحياة.. في مهب ريح خريفية... هامش (1) سبب الوفاة: لوكيميا حادة.. خلايا سرطانية سريعة النمو.. سريعة الانتشار!! ((( لكن فصول المأساة لم تكتمل.. ولم تصل الواقعة ذروتها بعد.. فثمة مواليد جدد.. صاروا.. مع إطلالة العقد الأخيرة من القرن.. يجيئون إلى هذه الدنيا بعيون لا ترى.. وألسِنةٍ لا تنطق.. أو أنهم استحالوا.. في أرحام أمهاتهم.. مسوخاً مخيفة تزرع الرهبة والهلع في القلوب.. وهو شيء لم تر النساء مثيلاً لـه منذ سالف العصر والأوان.. منذ زمان سومر.. وأيام آشور وبابل.. وتستعيذ الألسن من الشياطين.. يخيم الوجوم على وجوه الأمهات والآباء وهم يرون فرحةً انتظروا تسعة اشهر أن تأتيهم ببشارةِ خير.. تجيئهم برزيةٍ، الموت أكرم منها.. فلا يدرون أين يولون وجوههم وقد علاها سواد كظيم من عار يلحقه بهم من يقول: إنه زرع الجن.. أو من يقول بل هو الشيطان الرجيم.. أو أن من استولدهم ارتكب معصية لا يغفرها الله.. وأن ما حل بهم كان جزاء وفاقاً.. وتنطلق من بين شفاه عجائز الحي: تُفْ.. تُفْ.. تُفْ.. تُفْ.. يلقين بها في فتحات صدور أثوابهن.. وهن يهرعن إلى بيوتهن مخافة أن يمسَّهن الجن بما مسَّ المواليد.. جيل.. جاء إلى الدنيا لكي يموت! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |