الليل والزمان ـــ بديعة أمين

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الكتاب الثالث.. خمرة بابل.. كارولين في ميزوبوتامية..

كارولين كان اسمها.. شابة مقبلة على الحياة بكل ما فيها من مباهج واندهاشات عصر التكنولوجيا.. وانتصارات موعودة في العهد الإمبراطوري الآتي.. انتابتها في لحظة وعي توقف بها العمر.. ما أورثها مشاعر يلونها الخجل.. وربما ما هو أكبر من الخجل..العار!! فلا أحد من عائلتها ينتمي إلى الجيش.. كيف لها ولعائلتها إذن.. أن تدافع عن وطنها وتحمي أمنه القومي.. وهو المعرض دوماً.. للخطر.. كما يعلن الساسة.. ليلاً ونهاراً.. وكما تقول الصحف والمجلات ومحطات التلفزيون.. وتصاعدت حُمى حماسها للوطن المهدد.. ليس من طريقٍ أمامها للتخلص من مشاعرها تلك.. سوى الانضمام إلى الجيش..‏

تلقت كارولين تدريباً في التمريض لتُنَسَب إلى وحدة عسكرية تعنى بالمدمنين على تناول الكحول.. وتعمل في مجال الصحة العقلية..‏

أحبت كارولين عملها الجديد حد العشق.. ولأول مرة في حياتها تشعر برضا عن النفس عميق.. وزادها سعادة أنها كانت تُنسَب للعمل في الوحدات العسكرية العاملة خارج الوطن.. جنوب أفريقيا.. كوريا.. اليابان.. ألمانيا.. كانت تلك.. فرص العمر.. تتيح لها أن ترى بلداناً تتمنى السفر إليها.. ومر سبعة عشر عاماً وهي تقدم العافية والفرح لجنود الوطن الذين يولدون، على أيديها.. من جديد..‏

في يوم من الأيام.. أُبلِغَت أن وحدتها ستذهب إلى منطقة الخليج.. كانت سعادتها تفوق كل وصف أو تصور.. حين أعلمت أن منطقة الخليج تلك.. هي مكان قريب من ميزوبوتامية!! لقد قرأت في دروس التاريخ.. في عهد التلمذة.. وفي الكتاب المقدس.. الكثير عن تلك الأرض المليئة بالرؤى وبالأساطير في تلك العوالم التي لا تُرى إلاَّ في الأحلام.. ومنذ ذلك الزمن البعيد.. توارى ما قرأته في غياهب النسيان.. وهاهو الحلم يبعث الآن من جديد.. وهاهي تقف على عتبة أسطورية من حياتها..‏

شيء سري مسحور سَرى في أعماقها كموجة ماء رقراقة تسافر بها نسمة رهيفة فتغيض في رمال جفت عطشاً.. تراءى لها أن السموات قد انفتحت لها.. كما انفتحت بوجه يسوع:‏

((فرأى روحَ الله نازلاً مثل حمامةٍ وآتياً عليه...‏

وصوت من السماوات قائلاً...))‏

أبشري بالمسرة الآتية... فميزوبوتاميه هذه هي نفسها أرض أور الكلدانيين!! أور الكلدانيين.. التي وطئتها أقدام الأب المقدس ((أبراهام)) الذي كان اسمه ((أبرام)).. وراحت تتلو بخشوع:‏

((وأخذ تارَحُ أبرامَ ابنه ولوطاً بن هاران ابن ابنهِ وسارايَ كنته امرأة أبرام ابنه. فخرجوا معاً من أورِ الكلدانيينَ..)).‏

صلت كارولين.. رسمت الصليب على صدرها.. بين الرأس والقلب.. غير مصدقةٍ أنها سترى ما قرأت عنه في الكتاب المقدس.. أغمضت عينيها.. أخذتها النشوة بعيداً عن العالم الأرضي.. تصورت في عين خيالها الطوفانَ يجرفُ كل ما صنعه الرب.. من بشر وشجر وطير.. بسبب ((الشر الذي عمله بنو آدم)).. ورأت سفينة نوح تسري مسراها على وجه العمر ميممةً شطر جنة عدن.. التي هي ميزوبوتامية.. وأرض بابل.. بابل التي كانت عليها عيون كل شعوب الأرض التي شربت خمرتها بكأس من ذهب.. هكذا قال الرب:‏

((بابلُ كأسُ ذهبٍ بيدِ الربِ تُسكِرُ كلَّ الأرض.‏

من خمرِها شربت الشعوبُ من أجلِ ذلك جُنَّتِ الشعوبُ)).‏

لِمَ لا تُجنُ الشعوبُ وهي ترى ((برجها الذي رأسه بالسماء)).‏

وراح الحلم يكبر.. يتبرعم في صدرها في انتظار الأيام التي ستأتي بمسرةٍ دانية وفرحٍ بشرت به أسفار موسى..‏

(((‏

في قاطع داخل الحدود العراقية.. قضت كارولين خمسة عشر يوماً.. مشاعر غامرة بالمسرة والفرح تملأ عليها كل حواسها.. وهي تشهد شمساً ذهبية تتوهج لهباً برتقالية كثمرة من ثمار جنة عدن، معلقةً في السماء في صباحات الصحراء المترامية مع امتداد البصر.. ذرات رمل تتلألأ بلوراً وماساً وهي تتماوج مع هبات نسيم الصبح.. مسافرةً مع الريح تحكي حكايات قوم أرادوا أن يبنوا لأنفسهم مدينة وبرجاً رأسه بالسماء.. لكي لا ينساهم الزمان.. لكن الرب بلبل ألسنتهم ليمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه فيفكوا عن بنيان المدينة وبرجهم الذي رأسه في السماء.. ويبدو المنظر أشد سحراً عند الغروب.. تفاحة مضرجة تذوب نازلة وراء الأفق البلوري، وأمواجٌ بنفسجية.. حمراء.. وردية.. وفضية تسبح في العلا فتنقل الناظر إلى عوالم ما رأت مثلها عين إنسان..‏

كادت تطير فرحاً وهي ترى آليات العدو هامدةً في الصحراء.. مبعثرة بلا حياة.. لقد انتصرنا.. وهاهي:‏

((أسوارَ بابلَ العريضةَ تُدَّمرُ تدميراً وأبوابُها الشامخةُ تُحرَق بالنار...)).‏

هكذا قال الرب.. ومن أعماق الزمان.. يصبح إرمياً مبشراً أبناء الرب:‏

((سقطت بابلُ بغتةً وتحطمت ولولوا عليها.. هأنذا عليكَ أيها الجبلُ المُهلَكُ يقول الربُ المهلكُ كلَّ الأرضِ فأمدُّ يدي عليك وأدحرجكَ عن الصخور واجعلُكَ جبلاً مُحْرقاً فلا يأخذون منك حجراً لزاويةٍ ولا حجراً لأسسٍ بل تكونُ خراباً إلى الأبد يقول الربُ)).‏

وينفجر صدرها غبطةً.. فقد أسهمت، هي كذلك، في صنع هذا النصر العظيم..وآن لها أن تشرب من خمرة بابل.. بكأس من ذهب...‏

((ولن أولول عليها لأنها سقطت)).. إنها مشيئة الرب.. الرب الذي التفت إليها وكتب على لوح القدر.. أن تأتي لأرض بابل وتسمع:‏

((صوتُ صُراخٍ من بابلَ وانحطامٌ عظيمٌ من أرضِ الكلدانيينَ)).‏

وترى بأم عينها الأرض المباركة التي سار عليها الأب المقدس ((أبراهام))!‏

وراحت تتمتم.. شكراً لك أبانا الذي في السموات.. فحلمنا الإمبراطوري آت..‏

المجد لله في العلا... وعلى الأرض السلام...‏

(((‏

ثمة أمر غريب شد انتباهها وهي تحلق في فراديس الانتصار.. دبابات.. عربات مصفحة.. ودروع منصهرة تماماً.. إنه مشهد لم تر مثيلاً لـه من قبل حتى في الأفلام التي شاهدتها عن الحرب العالمية الثانية.. هالها ذلك.. فهي تعلم، وكما تخبرها معلوماتها العسكرية، أن أية دبابة أو درع يصاب بقذيفة أو صاروخ، ينفجر ليتناثر شظايا هنا وهناك.. لكن هذه الدروع والدبابات منصهرة تماماً.. والمشهد كله يثير الريبة وألف سؤال.. هذه الكتل من الحديد كيف ذابت؟! أي قدر من الحرارة ينبغي أن يكون هناك ليحيلها ذوب حديد؟!‏

أشياء غريبة أخرى كانت تحس بها كارولين.. أو تطوف في تلك الصحراء المسحورة.. شيء معلق في الجو تحس به لكنها لا تراه.. سخام أسود يتساقط على الجلد.. والرمال تنبعث لمعاناً فضي اللون غير طبيعي.. هاهي ترى مشهداً حقيقياً من الأساطير العتيقة التي ترويها الجدات ذوات الشعور الثلجية لأحفادهن الصغار.. الغابات المسحورة.. المدن الحجرية.. الرمال الفضية.. وثمة شيء غامض لا تدري ما هو معلق بسكون في الفضاء كغيمة شفافة لا ترى.. لا بداية لها ولا نهاية.. يلتصق بالجلد.. بالوجوه.. بالعيون.. بالشفاه.. بالملابس.. بالحقائب.. وبساطيل الجنود.. مشهد لم تألفه العين من قبل.. ينفث في القلب إحساساً خفياً بخوف يشوبه مزيج من الغموض والفضول...‏

راحت تتمشى بين الدروع والدبابات بوجل.. تتطلع فيها عن بعد وعن كثب.. تبتعد عنها وتقترب.. تلمستها بتوجس.. توقفت قرب واحدة منها.. تلمستها بأطراف أصابعها.. والحيرة تطوف برأسها.. وفي لحظة فضول عاصف.. تسلقتها.. دارت فوقها.. لا شيء هناك يبوح بالسر الكبير.. ستوثق هذا المشهد المسحور.. لعل ذلك يكشف، في يوم آت، ما استعصى عليها فهمه الآن.. وراحت تلتقط الصور.. فوق الدبابة.. في حجرتها.. بالقرب منها.. في هذا الجانب وذاك.. من هذه الزاوية وتلك.. ولم تكتف بهذا.. ستأخذ معها حفنة من الرمال الفضية المتوهجة.. ستريها لزوجها ولابنها حين تعود لأرض الوطن.. وستأخذ أشياء أخرى من سقط ما تناثر على الرمال المقدسة.. التي سار عليها الأب المقدس.. إبراهيم..‏

(((‏

مضى أسبوعان وكارولين تعمل وتنتقل في ما أسماه العهد القديم أور الكلدانيين.. وما إن عادت إلى الوطن حتى بدأت تشعر بأعراض غريبة.. لم تكن قادرة على السيطرة على أمعائها ولا على مثانتها.. كانت حالتها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.. لم تعد تشعر برجليها ولا بوجهها.. فقدت حاسة اللمس.. وبلغت من الضعف درجة لم تعد تستطيع معها حمل أي شيء.. وبين حين وآخر كانت تنتابها حالة من النسيان.. أو فقدان الذاكرة المؤقت المتناوب.. كانت تنسى القيام بواجباتها الوظيفية والبيتية.. تنسى الذهاب إلى مدرسة ابنها لاصطحابه إلى البيت.. ومن أغرب ما حل بها وما كان يثير في أعماقها مخاوف لا حدود لها.. أن أحذيتها لم تناسب مقاس قدميها.. وكان عليها أن تبتاع، بين مدة وأخرى، أحذية جديدة أكبر مقاساً.. إن قدميها أخذتا تزدادان حجماً بشكل غير اعتيادي.. كفاها كذلك.. صارا ينموان بشكل مفزع.. وعظامها بدأت تزداد حجماً.. واستمر التدهور في صحتها.. الأشياء التي تحيط بها.. الأشخاص.. الأشجار.. الأبنية.. العمارات.. كل شيء من حولها كان يبدو مشوشاً.. ولم تعد تشعر أنها هي الشخص ذاته الذي كانته في كل سني حياتها التي عاشتها.. ولا الشخص الذي كانت عليه في الصحراء المقدسة..‏

خوف مرعب سكن كل خلية من خلايا عقلها وقلبها وجسدها.. أن تصحو في يوم من الأيام.. وقد استحالت دودةً كبيرة.. كتلك التي آل إليها غريغوري ساما المسكين، بطل ((المسخ)) الكافكوي.. دون أن يخوض حرباً.. لتجد نفسها وقد نبتت لها أرجل جديدة تتأرجح في الهواء دون أن تكون قادرة على أن تنقلب على جنبها./..‏

بكت كارولين.. دفق من الدموع سال على خديها.. وبدأت سلسلة لا نهاية لها من الفحوص والتحاليل.. ((كانت النتائج جيدة.. لا شيء هناك يبعث على القلق..)) هذا ما قالوه لها!!‏

وارتسم أمام عينيها سؤال حزين.. كيف؟ كيف تنمو قدماها.. وكفاها وتكبر عظامها.. ولا تستطيع السيطرة على أمعائها ومثانتها... وتنسى ابنها في المدرسة.. والأشياء تبدو مشوشة أمام عينيها.. وتأتي النتائج المختبرية والفحوص الطبية.. لتقول لها.. إنها سليمة ولا شيء هناك يبعث على القلق؟!‏

وبدأت سلسلة جديدة من الفحوص والتحاليل في مؤسسات صحية مدنية.. وجاءت النتائج لتقول إنها تحمل في جسدها جزئيات من يورانيوم منضب!‏

صدمة عنيفة هزتها حتى النخاع.. من أين جاءها اليورانيوم المنضب؟! وعادت بذاكرتها المتعبة إلى الوراء بقدر ما تسمح لها بالتذكر.. لقد خدمت في جنوب إفريقيا.. كوريا.. اليابان.. ألمانيا.. تكساس.. وفي كل تلك الأماكن لم تصب بأي مرض من الأمراض.. كانت تمارس عملها بفرح وحماس كلي.. وتزرع الأمل والعافية في النفوس المريضة.. فمن أين جاءها المرض.. ميزوبوتامية؟! وكأن الصدمة أعادت شيئاً من الحياة إلى ذاكرتها المعطوبة.. تذكرت حفنة الرمال الفضية.. في البدء.. ظنت أنها كذلك لأنها رمال مقدسة استمدت قدسيتها من قدسية الأب المقدس ((أبراهام)).. أخذت حفنة الرمال تلك وما التقطه مما تناثر في الصحراء.. إلى المختبر.. وجاءت النتيجة المروِّعة: كانت مشبعة بالغبار المشع الذي لا يرى.. ولم يكن ذلك الوهج الفضي الباهر الذي يخطف الأبصار.. سوى الإشعاع المنبعث من ذلك الغبار الرذاذي المشع.. إذن.. هو العراق.. جنة عدن!‏

ومضت كارولين في رحلة العذاب مع الإشعاع المميت.. بدأت تبحث عن تأثيراته.. حضرت ندوات.. ناقشت.. قدمت ما لديها من معلومات وتقارير لكل من يعنى بهذه القضية.. وكأن كل الذي أصابها لم يكن كافياً.. اتهمت بالخيانة.. متاعب.. فخاخ.. عقبات في كل خطوة تخطوها.. في منتصف ليلة من الليالي.. هبت من نومها على ضوء برتقالي ساطع يضيء غرفة نومها.. هرعت إلى النافذة لترى أن حريقاً هائلاً قد اندفع في سيارتها.. واحترق كل ما كان فيها.. واستحال رماداً عشرون نسخة من تقرير طبي يشرح حالتها.. الدليل الوحيد الذي يؤكد وجود المعدن المشع في جسدها.. وتستمر دوامة الرعب الهيتشكوكي.. يرن جرس الهاتف بين آن وآن ليخبرها متحدث مجهول:‏

ـ احذري.. إنهم يراقبونك..‏

ـ من هم ((هم))؟؟‏

لا جواب.. ولا صوت.. سوى صرير يثقب الأذن..‏

ـ لا تسيري في الطريق الفلاني.. انتبهي لنفسك!!‏

واكتملت دائرة المصائب.. إذ أحيلت إلى التقاعد لعجزها عن مواصلة العمل.. وترك زوجها عمله ليدير شؤون البيت ويعنى بابنهما.. وراحت.. مثل نسوة العراق في زمن الحصار ـ تلك الوسيلة الحضارية الرائعة للقتل ـ تبيع حاجياتها وأثاث منزلها لتتمكن، هي وعائلتها الصغيرة، من العيش..‏

زارت كارولين العراق ثلاث مرات.. حضرت ندوات.. زارت مستشفى للأطفال.. الأورام تأكل خلايا أجسادهم، حضرت خلية.. شعورهم تتساقط.. عيون البعض منهم لم تعد ترى شيئاً من الدنيا.. أشباح تسير بتؤدة.. دقيقة إثر دقيقة.. نحو لحظة الصمت الأبدي.. حدثت نفسها: ((نحن جئنا من بلادنا.. عبرنا البحار والمحيطات.. والصحارى.. قطعنا آلاف الأميال لنحارب أناساً لم تطأ أقدامهم أرضنا.. ولم نر لهم ظلاً على تراب وطننا.. ربما كان ما أصابنا قصاص الرب لما جنينا.. أو لأننا نسينا كلام يسوع الذي قال:‏

((... من لَطَمَكَ على خدِكَ الأيمن فحَّول لـه الآخَرَ أيضاً، ومن أراد أن يُخاصِمَكَ ويأخذَ ثوبَكَ فاترك لـه الرداءَ أيضاً.. سمعتم أنه قيل تُحِبُّ قريبَكَ وتُبغِضُ عدوكَ. وأما أنا فأقولُ لكم أحبوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكُم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم)).‏

وهؤلاء القوم لم يلطمونا على خدودنا.. لا اليمين ولا اليسار.. ولم يطلبوا ما نلبس.. ولم يسيئوا إلينا.. فَلِمَ فعلنا بهم ما فعلنا.. وهؤلاء الأطفال.. لماذا؟ أي ذنب جنوه؟ وفي بلادنا ولد أطفال ممسوخون.. لا يعرفون حتى اسم بابل ولم يكونوا في بابل.. لكن آباءهم كانوا.. وعادوا إلى الوطن بعد أن دمروا أسوارها وشربوا من خمرتها.. ولم يكونوا يعرفون أن الإشعاع يتوهج في دمائهم وفي ملابسهم.. وفي حقائبهم ليورثوا ثماره المرة لأطفالهم الأبرياء.. ويدفعوا هم كذلك حيواتهم ثمناً..‏

دمعة أسيانة انحدرت على خدها وهي تسائل نفسها:‏

أحقاً أن ما حققناه كان نصراً.. وقد حل بنا ما نحن عاجزون عن دفعه عن أنفسنا وعن أطفالنا؟! أما كان من الأجدى بنا أن نصدق ما قاله رب الجنود:‏

((لا تُغشّكُم أنبياؤكُمُ الذين في وسطِكُم وعرَّافُوكُم ولا تسمعوا لأحلامِكُمُ التي تَتَحَلَّمونَها. لأنهم إنما يتنبَّئون لكم بأسمي بالكَذِبِ)).‏

نحن نستحق ما حَلَّ بنا لأننا لم نصدق الرب.. لكننا صدقنا أنبياءنا الذين زفوا إلينا بشارة النصر! النصر؟ وعلى من؟ على شعب لا يعرف أن يصنع مسماراً.. وقتلنا من أطفالهم أضعاف ما قتلنا من جنودهم!!‏

(((‏

ألقت سميرة التقرير جانباً.. حزن جارح كان يسري.. مسار الدم.. في عروقها.. تطلعت عبر النافذة.. مروج خضر مفعمة بالحياة.. بنور الشمس.. بالهواء ترتعش بألوان قوس قزح بين الأرض والسماء.. بزهور تتفتح.. تبعث بأريجها كل صباح.. تقول لابن آدم: لِمَ لا تستمتع بجمال الكون.. بالورود.. بالطبيعة.. بالشمس وبالقمر.. بالنجوم والمطر.. لَمَ تقتل الآخرين.. الكون كله.. بأرضه وسمائه وما بينهما.. ملك لك.. يتسع لكل البشر لِمَ لا تدع الآخر يعيش بسلام.. كم ستعيش على الأرض لترتكب كل هذه الحماقات.. وفسحة الحياة بين ظلمة الرحم وظلمة القبر.. لا تكفي لتنهل ما في الطبيعة من حسن وبهاء..‏

لم تكن سميرة تبحث عن أجوبة لأسئلتها تلك.. ولم تكن بحاجة لذلك.. فأسباب مآسي البشرية كلها.. معروفة.. لكن عمق المأساة كان يستثير تلك الأسئلة.. مرة بعد مرة.. وإلى الأبد...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244