الليل والزمان ـــ بديعة أمين

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الكتاب الرابع.. التحولات.. المسوخ..

(1)‏

عنوان مثير صافح عينيها:‏

((الأمراض المشعة))‏

يا لـه من عنوان عجيب.. وهل المرض يرسل إشعاعاً أو أشعة كما يفعل القمر مثلاً أو النجوم؟‍ لأقرأ وأرى..‏

نزيف في اللثة.. اضطرابات في الجهاز التنفسي والعصبي.. والبولي.. مشاكل في العيون.. أوجاع مفصلية.. أورام سرطانية.. أورام في الهيكل العظمي.. تشنجات عضلية.. فقدان الذاكرة.. إجهاض الحوامل.. تشوهات خلقية.. و.. و..‏

وتطول قائمة أمراض ما أنزل الله بها من سلطان.. والعياذ بالله...‏

وتوقفت سميرة عن القراءة.. إحساس بالقرف والاشمئزاز ملأ عليها كل حواسها.. رمت بالتقرير على المنضدة.. أعدت فنجاناً من القهوة لعله يعيد لروحها شيئاً من صفائها لتقوى على احتمال ومواجهة الهموم الآتية..‏

تابعت بعينين مرهقتين البخار المتصاعد من القهوة يتلوى في الهواء هادئاً.. رقيقاً.. حاملاً معه أريجاً ينعش الفؤاد ويشيع في النفس البشرية راحة منسية.. رشفت قليلاً من القهوة.. ياه... كم هي مشتاقة لفنجان قهوة من اليمن السعيد‍ تتناولـه مع أم طارق.. في حديقة بيتها.. تحت خميلة الياسمين.. كلما جاء الربيع.. وتزهر العناقيد الحمر.. فتبعث عطرها الفواح ممزوجاً بشذا حبة هيل.. وحكاياتٍ عن الأيام الحلوة.. والزمن السعيد..‏

وتعود للتقرير الذي يشيع الغم في القلب...‏

هامش (1)‏

يقول بحث علمي: من استنشق جزيئة واحدة من الغبار الرذاذي المتولد عن انفجار قذيفة يورانيوم منضب.. فإن تلك الجزيئة ستقوده إلى هلاك محتوم.. حيث إنها تلتصق بخلية من خلايا الجهاز التنفسي لتنفث إشعاعات ((ألفا)) فتمتص الخلايا الطاقة المنبعثة من الإشعاعات.. وتبدأ بالتكاثر مسببة أوراماً سرطانية...‏

هامش (2)‏

لن يكون من السهل إذابة الجزيئة أو الجزيئات التي تدخل الجسم البشري عن طريق التنفس أو غيره.. إنما تنتقل مع مجرة الدم لتصيب خلايا الجسم المختلفة ومنها المشيمة والرحم بالنسبة للحوامل.. محدثة تحولات وراثية نتيجة لإصابة الـ((AND)).. فيؤدي هذا إلى فوضى في الجينات! وهنا يكمن السر في التشوهات الخلقية!‏

هامش (3)‏

الجزيئة.. بلغة العلم.. تعني ميكروناً واحداً.. أي ما يساوي جزءاً واحداً من ألف جزء من المليمتر!!‏

"المسوخ.."‏

(2)‏

حالة مرضية غريبة أثارت في أعماق سميرة رغبة لا تقاوم في أن تقابل صاحبها.. لم يكن ذلك بالأمر الصعب.. فهو يقيم في لندن.. ستتصل به عبر الإنترنت.. ولم يطل بها الانتظار حتى استلمت منه رسالة عبر الشبكة ذاتها.. ليحدد لها موعداً في نادي الصحفيين.. قدمت نفسها.. وبإيجاز أوضحت لِمَ أرادت اللقاء به.. قالت:‏

ـ إنني آسفة لما أصابك.. سيد غريغوري.. أرجو ألا أكون قد سببت لك أية مضايقات..‏

ـ لا أبداً.. كنت طيلة حياتي الوظيفية أقدم ما أستطيع من مساعدات للمرضى.. هل أستطيع أن أقدم لك أية مساعدة؟‏

ـ سأكون ممتنة..‏

ـ ربما تودين أن تعرفي إنني زرت العراق.. حضرت ندوة علمية دولية حول المواد المشعة.. كان أهم شيء بالنسبة لي أن أرى ما إذا كان في العراق من أصيب بالمرض نفسه الذي أصبت به أنا..‏

توقف لحظة عن الكلام.. ثم قال:‏

ـ إنني لم أكن في العراق خلال الحرب.. ومع ذلك أصبت بالمرض.. أنكر الأطباء العسكريون علاقة ما أصبت به بأية مادة مشعة.. ونسبوا ما أعاني منه إلى اللقاحات والأقراص المضادة للأسلحة الكيماوية أو الجرثومية التي قد يستخدمها العراق..‏

ـ لكن العراق لم يستخدم مثل هذه الأسلحة..‏

ـ أعلم ذلك. إنما كنت أحاول أن أجد إن لم يكن هناك من أصابته لعنة الخليج بين الجنود والضباط والمدنيين العراقيين.. فإذا كان الأمر كذلك.. فإن هذا يعني أن ما أعاني منه قد يكون نتيجة لتناول تلك اللقاحات والأقراص..‏

ـ وماذا وجدت؟‏

ـ لقد زرت بعض المستشفيات في العراق.. لم أر غير أطفال مصابين بما نعاني منه نحن وإن كان بأشكال متباينة.. كان مشهداً مؤثراً حتى إنني لم أستطع مغالبة الدموع مع إنني معتاد على رؤية أطفال مرضى بحكم عملي كمساعد طبيب.. إلا أن مشهد أولئك الأطفال هزني حتى الأعماق..‏

كانت آلامهم ومعاناتهم شيئاً لا يحتمل.. عندها تيقنت أن ما أصابني هو لعنة ذلك المعدن المشع.. وعندها..‏

قاطعته سميرة..‏

ـ لقد قتل من أطفال العراق نصف مليون طفل.. أو أكثر..‏

ـ أعلم ذلك.. إنه شيء مشين حقاً.. ولهذا فقد قطعت على نفسي عهداً أن أعلن قضية هؤلاء الأطفال.. أمام العالم كله..‏

ـ كيف؟ أنت فرد واحد..‏

ـ هذا صحيح.. ولكن في زمن الإنترنت والفضائيات صار بمقدور الفرد أن يفعل الكثير... كما أنني قمت بوضع كتاب عن هذه القضية.. سأسلمه للطبع خلال أسبوع واحد.. قبل أن أنضم لمن رحلوا..‏

ـ ((اسم الله عليك)).. كما نقول في العراق..‏

لاحظت سميرة أنه كان يتوقف عن الكلام بين حين وآخر.. لم تشأ أن تسأله ما الذي كان يقلقه أو يؤلمه ليتوقف عن الكلام.. وإنما قالت:‏

ـ هلاَّ قلت لي ما هو الفرق بين اليورانيوم المنضب واليورانيوم بحالته الطبيعية؟‏

أخرج السيد غويغوري من حقيبته ملفاً.. قلَّبَ أوراقه بسرعة.. اسْتَلَ من بينها واحدة.. وقال:‏

ـ هذه ملاحظات سريعة أوجزتها عن اليورانيوم المنضب.. سأقوم بمكالمة تلفونية عاجلة.. ريثما تلقين نظرة عليها..‏

(((‏

لقد تراكم لدى وزارة الطاقة مخزون هائل من النفايات المختلفة عن عملية تخصيب اليورانيوم، بلغ ستمائة وثمانين مليون طن.. حتى الآن. وهذا الرقم يرتفع باستمرار.. مما تسبب في نشوء مشكلة خطيرة: كيفية التخلص من هذه النفايات التي أطلق عليها اسم اليورانيوم المنضب.. وقد وُجِدَ حَلٌ مثالي لهذه المشكلة في تحويل هذا المعدن إلى سلاح فعال.. وفي استخداماتٍ أخرى حيث تبرز الحاجة لمعدنٍ يتصف بثقلٍ كبير.. وحجمٍ صغير.. كأجنحة الطائرات.. رِيَشْ الطائرات المروحية.. الأقمار الصناعية.. تصفيح دروع الدبابات.. وإلى غير ذلك.. إذ إنه بسبب ثقله وكثافته يستطيع أن يغير مسار القذائف الموجهة نحو تلك الدبابات.. والدروع وغيرها..‏

(((‏

عاد السيد غريغوري.. وضعت سميرة الورقة جانباً وقالت:‏

ـ لقد استوقفني شيء غريب.. كيف يمكن تصفيح الدبابات باليورانيوم المنضب.. وكيف يمكن استخدامه في الطائرات وغيرها.. ألا يتعرض مستخدمو هذه الأجهزة للإشعاع.‏

ـ آه لا.. إذ إنها تطلى بمعدن يحول دون ذلك.. الكاديوم..‏

ـ ولكن.. ما الفرق بين اليورانيوم المنضب واليورانيوم بحالته الطبيعية؟‏

ـ ليس كبيراً.. فمن كل مائه كيلو غرام من اليورانيوم الطبيعي نحصل على 99.2% أو 99.8% يورانيوم منضب..‏

ـ يعني بضع غرامات فقط..‏

ـ بالضبط..‏

ـ هذا يعني أنه لا يفقد كثيراً من فاعليته..‏

ـ لا أبداً.. فعند ارتطام قذيفة منه بأي هدف.. تنفجر بدرجة حرارة تبلغ عدة آلاف من الدرجات خمسة آلاف.. سبعة آلاف أو أكثر.. لا أدري كم.. في الواقع.. مما يؤدي إلى انصهار الهدف تماماً.. ثم إنه معدن ملتهب.. أي إنه يشتعل عند ملامسته الهواء.. فينتشر على شكل غبار رذاذي يبقى معلقاً في الفضاء آلافاً من السنين..‏

ـ كم تظن؟‏

ـ مليارات السنين!!‏

ـ مليارات السنين؟!‏

رددت سميرة مكررة.. باستغراب..‏

ـ أجل مليارات السنين..‏

ـ كم تعني؟‏

ـ أربعة مليارات وخمسمائة مليون عام!‏

صفرت سميرة.. ثم قالت!‏

ـ يعني إلى الأبد..‏

ـ تماماً.. إلى الأبد..‏

ـ ولكن.. لم أُطلقت عليه صفة ((منضب))؟‏

ـ إنها طريقة للتضليل.. لحمل الرأي العام على تقبل استخدامه..‏

هذا كل شيء..‏

ـ ولكن حبل الكذب قصير.. كما يقال.. إلى متى يمكن تضليل‏

الرأي العام؟‏

لم يجب السيد غريغوري.. رفع حاجبيه.. مط شفته السفلى.. رفع كتفيه وراحتي يديه إلى الأعلى.. كأني به يريد أن يقول: ((لا أدري.. إنهم يكذبون.. ويكذبون وكفى..)) لكنه بعد لحظة قال:‏

ـ إنها عملية غسل دماغ لا غير.. أتعلمين.. لقد ذكرت أستاذة من جامعة نيويورك أن تجارب أجريت على اليورانيوم المنضب في الاستخدامات الطبية.. فوجد أنه يؤدي إلى إفراغٍ أكبر للسكر.. وقالت بالحرف الواحد: ((إننا بدأنا بإعطائه كدواء ناجع لمرضى السكر))!!‏

فغرت سميرة فاها.. وفتحت عينيها على اتساعهما:‏

ـ يا إلهي! كيف يمكن ذلك؟!‏

ـ هذا ما قالته البروفسورة..‏

ـ إذن.. هل توافقني أنهم سيستخدمونه في يوم من الأيام..‏

لتخفيف الوزن...‏

قال مبتسماً ابتسامة تنم عن شيء من الأسى..‏

ـ ربما.. ربما..‏

ضحكت سميرة ضحكة مقتضبة ثم قالت:‏

ـ عندنا في العربية قول شائع: ((شر البلية ما يضحك)) وهذا حقاً هو شر البلية الذي يضحك..‏

أخرج السيد غريغوري مجموعة من الملفات من حقيبته.. تفحصها.. واختار بعضاً منها..‏

ـ تفضلي.. هذه نسخ من تقارير ومذكرات وغير ذلك.. سبق أن نشرتها على الإنترنت وفي بعض الصحف.. يمكنك الاحتفاظ بها.. ولا مانع من نشرها أو الاستفادة منها بالشكل الذي يروق لك.. توقف قليلاً.. ثم قال:‏

ـ وإن شئت.. نلتقي هنا بعد غد.. في الوقت نفسه.. إن كان هذا‏

ملائماً لك..‏

ـ إنه مناسب تماماً.. أشكرك.. وإلى اللقاء...‏

"أيام في عين الشمس..."‏

كانت سميرة تريد العودة مسرعةً إلى الشقة يدفعها لذلك فضولٌ مُلِح للاطلاع على ما حصلت عليه من تقارير.. لكن قدميها راحتا تجوبان بها في شوارع المدينة.. ظلت تسير على غير هدى.. تودع شارعاً لتلج آخر.. كان ذهنها يكاد يكون خالياً من أي شيء.. من أية فكرة.. كانت تتطلع أمامها دون أن ترى شيئاً محدداً..‏

إحساس بحزن عميق كانت تحسه يسري في أعماقها مسرى الدم في الأوردة والشرايين..‏

دخلت مخزناً كبيراً ((سوبر ماركت)).. دون أن تكون بها حاجة لأيٍ من معروضاته.. أو رغبة لشراء شيء ما.. حتى إنها لم تكن تدري لِمَ دخلت ذلك المخزن الكبير.. طافت في بعض أقسامه.. كانت ترتقي درجات سلم كهربائي لتنزل مع النازل.. تركت المخزن أخيراً..حين شعرت أن مخالب الجوع بدأت تنهش أحشاءها.. دخلت مطعماً صغيراً في شارع فرعي يقدم وجبات خفيفة.. طلبت طبقاً من الأومليت مع الفطر وكأساً من عصير البرتقال.. تناولت لقمة واحدة.. وعافت نفسها الأكل.. دفعت قائمة حسابها وانصرفت متجهة هذه المرة إلى الشقة.. أعدت قدحاً من الشاي.. أخرجت ما زودها به السيد غريغوري من أوراقٍ وتقارير.. ألقت عليها نظرة أولية عجلى.. استوقفتها ورقة تحمل عنواناً خالت أنه سيعود بها إلى أساطير الأولين.. فيخفف عنها ما كانت تحس به من ضيق يطبق على صدرها...‏

***‏

الشمس تصهر الرؤوس.. تحرق الوجوه التي لم تر تلك الصحراء الشرقية وجوهاً مثلها منذ عهد الخليقة الأولى.. وجوه ذهبت الحرارة والرمال المتحركة ولفح الريح السموم.. بألقها وبياض بشرتها وحمرة الخدود.. فأحالتها أقنعةً إفريقية وإن شذت عنها بزرقة العيون.. سخام أسود يلتصق بالجلد.. يحيله العرق المتصبب مادةً صمغية لزجة متفحمة..‏

مَرَ أحدهم بسبابته على ساعده من الرسغ حتى المرفق.. خط أسمر محروق ارتسم متتبعاً مسار الإصبع كذاك الذي تخلفه وراءها أفعى على سطح رملي.. تطلع في وجوه رفاقه وقال:‏

ـ هذا السخام اللعين. كيف لي أن أزيله؟‏

ـ إنه سخام هذه الصحراء اللعينة..‏

ـ أنت أيها الفتى.. علق مجندٌ أسود.. لا تقل لعينة.. إنها صحراء مقدسة.. سار عليها الآباء الأولون..‏

ـ مقدسة! مقدسة! وفيها كل هذا الرمل الحارق.. والريح الملتهبة؟! كم أتمنى أن أقف عارياً تحت وابل من المطر..‏

ابتسم الثاني وهو قول مازحاً:‏

ـ وهل تمطر السماء هنا؟‏

ـ لِمَ لا؟‏

ـ اسمع.. أنا أقول لك.. لو أنها أمطرت.. فإنها ستمطر سخاماً أسود.. كن واثقاً من ذلك.. فكل شيء هنا ملطخ بالسخام.. حتى المطر.. ولو أن السماء أمطرت علينا "مَنَّاً طعمُهُ كرِقاقٍ بعسل".. لسقط ملفوفاً بسيلوفين من السخام الأسود..‏

ضحكوا جميعاً.. لكن ذاك لم يكن ضحكاً.. كان أشبه بنوحٍ ينز من القلب.. وقد بعدت بهم الحرب عن الأهل والأحبة والوطن.. قال رابع:‏

ـ أتدرون ماذا أتمنى أنا؟‏

ـ لا.. قل ماذا تتمنى..‏

ـ أتمنى لو كنت في بيتي في أوكلاهوما.. وثمة دوش بارد يزيح عني هذه المزبلة.. أنام بعده في أحضان جنيفر..‏

ـ من هي جنيفر.. فتاتك؟‏

ـ كلا.. إنها زوجتي..‏

تساءل آخر منكمشاً إذ مَرَقت أمام عينيه حيةٌ صغيرة غاضت في الرمل:‏

ـ ما الذي جاء بنا إلى هذه الصحراء الموحشة بأفاعيها السامة وعقاربها ولا أدري ماذا.. والريح الملتهبة التي تجرح العيون..؟‏

ـ أحقاً أنت لا تدري؟ حسناً أنا أقول لك.. إنه الوطن..‏

رد المجند الأول الذي كان يتحرق لحمامٍ مطري.. بنبرةٍ يظللها إحساس غير خفيٍ بالضيق والتبرم..‏

سعل المجند الأسود.. كان اسمه جيسي.. كان يجلس على بعد أمتار.. يرسم على الرمل.. بعودٍ التقطه.. وجوهاً أدمية.. سرعان ما تمحوها الريح.. كان يبدو كما لو كان جزءاً من المشهد الصحراوي.. سأله القادم من أوكلاهوما:‏

ـ هَيْ جيسي.. ما بك؟‏

ـ لا أدري.. أحس بحرقة هنا أو حكة.. لا أدري ماذا..‏

وأشار إلى ما بين عظمي الترقوة.. وراح يتطلع في الأفق البعيد كمن يبحث عن أشياء غامضة لا يدرك كنهها لكنها تعيش في أعماقه دون أن تكشف عن ذاتها.. تجيء آناً.. وتغيب آناً...‏

أخرج من جيبه مجموعة من بطاقاتٍ بريدية صار اقتناؤها هواية لـه منذ أن قرأ رواية لكاتب أمريكي أسود: ألجذور.. راح يتأملها واحدة واحدة.. ناقلاً عينيه بين تلك الصور والمشهد المترامي أمامه.. طالعته في واحدة منها مويجات مرتعشة من رمال ذهبية تسعفها الريح.. وراحت كثبان في أخرى تلقي بظلالها نحو مشرق الشمس قبل أن تذوب في الأفق.. لتنشئ رسماً من رسوم رمبرانت تتراقص في كتل الرمال الذهبية بين الظل والضوء.. فيما بدت في ثالثةٍ غابةٌ إفريقية عذراء داكنة الخضرة لا تغيب عن سمواتها غيوم حبلى بأمطارٍ تبدو وكأنها ستتساقط للتو.. رفع عينيه إلى السماء إذ هتف به هاتف: ((سينزل الآن المطر)).. تلفت يبحث عن مصدر الصوت.. لم يكن ثمة أحد غير رفاقه وهم يستظلون بظل دابة.. شمس متأججة ورمال تجرفها الريح...‏

كان سادسهم فرانك أدوين أقلَّهم كلاماً.. لكن ما كان يلوح على وجهه يفضح إحساساً ينم عن الضيق والقرف.. قال:‏

ـ اسمعوا.. لقد فكرت طويلاً كيف لنا أن نزيل هذه الأوساخ عن أجسادنا.. تطلع الآخرون إليه بلهفة..‏

ـ انظروا إلى تلك الدبابة...‏

وأشار بيده إلى واحدة من الدبابات الراقدة في الجوار.. كانت أشبه بصخرة ملساء حُفِرَ باطنُها فبدت مثل كهف مهجور.. رصعت جوانبه ثقوبٌ دقيقة تحيط بها حلقات من رملٍ أسود دقيق.‏

ـ ما رأيكم أن نجعل من ذلك الكهف المهجور حماماً؟‏

ـ يا لها من فكرة مدهشة!‏

ـ حقاً.. إنها مدهشة...‏

انطلقت المجموعة كلها بصوت واحد..‏

ـ ونستطيع أن نستعمل ما لدينا من الماء للاغتسال..‏

ـ أجل.. أجل.. هذا شيء رائع..‏

ـ بل قل إنها فكرة عبقرية.. هبطت عليّ من السماء..‏

قال أدوين ذلك مباهياً.. وعمت الجو ضحكة مرحة تحمل من التفاؤل بالعافية والنظافة ما ارتسم على وجن الجميع.. قال أحدهم:‏

ـ ولكن.. من سيستحم أولاً؟‏

ـ أنا..‏

ـ بل أنا..‏

ـ بل أنا..‏

ـ اسمعوا..‏

ـ قال أدوين.. يريد إسكاتهم بحركةٍ من يديه..‏

ـ اسمعوا.. فلندخل الحمام حسب الحروف الأبجدية.. موافقون؟‏

ـ موافقون..‏

ـ انطلق الجميع بصوت واحد..‏

وراحوا يستحمون الواحد بعد الآخر داخل الدبابة المنصهرة.. يتولاهم إحساسُ من فُتحت أمامه أبواب الفردوس وهم يسكبون الماء على رؤوسهم وأجسادهم المتيبسة وسط غمامة شفافة من رذاذ دقيق لا تراه العين..‏

كان البعض يرفع عقيرته منتشياً بالغناء.. فتتردد أصداء ذلك الغناء في قلوبهم جميعاً.. تحملهم إلى الوطن البعيد.. إلى الزوجات المتوحدات.. إلى الأبناء.. الأطفال.. الأصدقاء.. إلى جلسة حميمة أمام التلفزيون يشاهدون لعبة بيزبول.. إلى قدحٍ من الشاي.. أو فنجان نسكافيه في شقة صغيرة.. هادئة.. نظيفة.. خالية من السخام الأسود.. لا غبار فيها.. لا رمال محرقة.. ولا شمس شرقية تصهر الرؤوس..‏

كادوا أن يطيروا فرحاً بعد انتهائهم من الاستحمام الجميل وسط ذلك الجو المسحور.. في الكهف المهجور.. لقد تخلصوا من الأوساخ.. من الأتربة.. من الرمال التي تنغرس في الجلد كالدبابيس.. من السخام المتراكم على وجوههم وأيديهم..‏

لقد جدد الاستحمام طاقاتهم.. ورفع معنوياتهم الهابطة.. فراحوا يتنقلون بين الدبابات المنصهرة.. وثمة أسئلة تجوب في رؤوسهم.. بصمت أحياناً.. أو تنطلق على ألسنتهم أحياناً أخرى.. وهم يهزون رؤوسهم استغراباً.. كيف انصهرت هذه الدبابات.. والدروع.. ما الذي جعلها تنصهر بهذا الشكل.. الدبابات تنفجر.. وتتشظى في الجهات الأربع.. لكن هذه الدبابات مستقرة في مواضعها وقد استحال، كل منها، قطعة مسبوكة بإحكام.. راحوا يتفحصونها.. يلمسونها بأيديهم.. ينقرون جوانبها بأصابعهم الوسطى.. يحاولون إدخال رؤوس أصابعهم في الثقوب المنتشرة على جوانبها.. يدخلون حجراتها ويخرجون منها.. مكثوا في واحدة منها.. كانت ممتلئة بغبار تراكم على سقفها.. جدرانها.. أرضها.. حركوا ذلك الغبار ببساطيلهم.. فأخذتهم الدهشة مما حدث.. إذ تطاير الغبار بخفة وبقي معلقاً بفضاء الحجرة كسحابة رمادية شفافة.. أخذوا يتطلعون في وجوه بعضهم وفي عيونهم ارتسمت علامات استفهام حائرة إذ بدوا مثل أشباح آتية من عالم غير عالمهم وسط غيمة ساكنة.. لكنهم ما لبثوا أن راحوا ـ مثل أطفال يلتقطون ما يتساقط على رؤوسهم من حلوى النذور ـ يجمعون شيئاً من ذلك الغبار العجيب في مناديل ورقية ليطلعوا عليه أحبة لهم عند عودتهم إلى الوطن.. حتى حان موعد الغداء.. جلسوا فوق واحدة منها.. أخرجوا علب مأكولاتهم وعصائرهم وراحوا يستمتعون بمأدبة شهية قد لا يجود بها الحظ فيعيدها في قابل الأيام.. فالحرب قد توقفت.. وعاد السلام لأرواحهم المضطربة.. وستحملهم، في وقت قريب، طائرة ميمونة على متنها لتعود بهم إلى أرض الوطن.. لكن.. لا بد أن يخلدوا تلك اللحظات المتوهجة في أور الكلدانيين.. وراحوا يلتقطون الصور.. وهم يتسلقون تلك القطع المعدنية المنصهرة.. يقفون بالقرب منها.. فوقها.. أو يتناولون الطعام بأيد مشعة.. طعاماً يشع في المِعَدِ.. في البطون.. في الأحشاء.. في الأمعاء.. وفي كل خلية في أجسادهم.. وحين عادوا إلى الوطن.. كانوا قد تحولوا إلى مرتع يسرح الإشعاع فيها كما يشاء.. فيلهب المفاصل ألماً.. ينخر العظام أو يزيدها حجماً.. يلون الجلد بطفح جمري.. يستنزف الدم من اللِثى.. ويشعل الصدور التي أنهكها السعال..‏

(((‏

ومرت أيام حان بعدها أوان قطاف الزرع.. قيل لهم إنه زرع الأمهات والآباء.. الجينات التي ورثوها هي المسؤولة عما أصابهم.. ولا شأن للرمل الأسود الدقيق الذي يرصع الكهف المهجور.. والذي لم يكن غير أوكسيد اليورانيوم الذي يتشكل لحظة ارتطام القذيفة بالهدف المنحوس.. ولا شأن للمعدن المشع بما آلوا إليه.. إنه بريء براءة الذئب من دم يوسف.. ومرت مساءات.. ومرت صباحات.. لم يبق منهم شيء خلا ما التقطوه من صور.. ما كان للرمال أو الريح السموم أن تمحوها.. مثلما كانت تمحو الصور التي يرسمها جيسي على رمال الصحراء المقدسة حيث سار الآباء الأولون.. لكن الريح السموم جاءت مع جيسي الذي ضرب الإشعاع الغدة الدرقية منه. جاءت الريح لتزور شقتهم المتواضعة على بعد آلاف الأميال من الصحراء المقدسة.. حيث تعيش فيث، زوجته، وابنهما الوحيد ليو.. كانت فَيث تعد الأيام يوماً يوماً.. والليالي.. ليلة ليلة.. في انتظار عودة جيسي.. لتكمل وإياه المسير في ملحمة الحياة..‏

حين حملت فَيث.. أرادا لابنهما القادم أن يكون أسداً حيث يعيش.. فاختاروا لـه اسم ليو.. كان جيسي يرى في ابنه أسداً يصارع الأسود.. وإذا ما عبث بشيء من الأشياء.. كان يمنع فَيث أن تنهره أو توبخه.. كان يقول لها:‏

ـ ألم تقرأي ما يقوله يسوع:‏

((دعوا الأولادَ يأتون إليَّ ولا تمنعوهم لأن لمثلِ هؤلاء ملكوت الله))...‏

كان ليو يلعب ويلهو مع أمه في أوقات فراغها.. كان كل حياتها بعد أن فقدت أباه.. لكن القدر لم يعرف شيئاً عن الأمومة.. عن الحب.. عن الأطفال الذين ترى فيهم الأمهات صورةً وسلوى عن الآباء الذين رحلوا...‏

وحين وصل جيسي البيت تلقف ليو بأحضانه.. رفعه من الأرض.. وقبله من خديه.. قبل أن يتخلص من ملابسه.. لم يكن يعرف أن الريح السموم جاءت معه إشعاعاً يسكن خلايا جسده.. ملابسه وحقيبته.. وكان يدري أن ملابسه تلك وحقيبته.. وخلايا جسده كانت تنفث إشعاعاً قاتلاً. ما كان بمقدور الأسد الصغير وسنواته الخمس.. النجاة منه..‏

بعد أسابيع من موت جيسي.. مات ليو.. الأسد الصغير..‏

(((‏

هامش (1)‏

يقول بحث علمي: إن جزيئة من اليورانيوم المنضب مستقرة في جسم بشري تسبب ضرراً يزيد أربعاً وخمسين مرة على التأين الطبيعي للمادة الحية..‏

ملاحظة خارج النص:‏

المقصود بالتأين التدمير الذي تتعرض لـه الخلية..‏

هامش (2)‏

ذكرت إحدى الصحف أن أربعمائة ألف من عساكر الغزاة دخلوا المناطق الملوثة بالإشعاع.. أصيب مائتان وخمسون ألفاً منهم إصابات مختلفة غير قابلة للشفاء..‏

"فجوة في الدماغ.."‏

قصدت سميرة نادي الصحفيين في الموعد المحدد لتلتقي السيد غريغوري.. بادرته بالسؤال:‏

ـ سيد غريغوري.. هل حدث أن رأيت رسماً لبيكاسو يحمل عنوان ((المرأة الباكية))؟ ضاق ما بين أجفانه.. رفع يمناه على مهل ليسند ذقنه كمن يريد أن يحث ذاكرته لتستعيد ما اختزنته.. ثم قال!‏

ـ أظن ذلك.. فلدي مجموعة لا بأس بها من رسومات بيكاسو وفنانين أخرين.. إنها صورة غريبة حقاً..‏

ـ هي كذلك.. بل وتثير إحساساً بالخوف في النفس البشرية..‏

ـ أجل.. أجل..‏

ـ إني أتساءل.. أكان لدى فناني أوائل القرن قدرة على التنبؤ بما سيصير إليه الإنسان في القرن العشرين.. مسوخاً مشوهة يسكنها الموت؟!‏

ـ ربما.. ليس هذا الأمر المستبعد...‏

ـ أتعلم.. في قرآننا يقول الله: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم(..‏

إن الله يريد للإنسان أن يكون في أحسن حال ذهنياً وجسدياً ليكون بمقدوره أن يعمر الأرض..‏

ـ أهذا حقاً ما يقوله القرآن؟‏

ـ أجل.. وهذا قليل من كثير في هذا المعنى.. ولكن قل لي.. أتظن أن ساسة العالم الكبار يمكن أن يقودوا العالم إلى الفناء.. نهاية الكون؟‏

ـ لا أدري.. إن هذا سؤال صعب.. ليس من السهل الرد عليه..‏

توقف عن الكلام قليلاً.. جال بنظره في أرجاء القاعة.. ثم قال:‏

ـ اسمعي.. نحن في أوربا.. والغرب عموماً ندين بالمسيحية.. وفي كل عام نحتفل بمولد المسيح.. والمسيحية ترفض القتل.. بل حتى إنها ترفض أن يغضب إنسان من أخيه الإنسان.. فيسوع يقول:‏

((قد سمعتم إنه قِيلَ للقدماء لا تقتل. ومن قتلَ يكونُ مُسْتَوْجِبَ الحكم. وأما أنا فأقولُ لكم إن كل من يَغْضبُ على أخيهِ باطلاً يكون مُسْتَوجِبَ الحكم.... ومن قال يا أحمق يكون مُستَوجِبَ نارِ جهنَّمَ)). هل تلتزم أوربا والغرب بما يقوله المسيح؟ كلا.. إنهم منهمكون منذ قرون بقتل الآخر.. وبالحروب فيما بينهم.. ببساطة لأن كلا منهم يريد أن يسيطر على العالم.. إن قيم الغرب.. لا تنسجم مع قيم المسيح.. إنني أسائل نفسي أحياناً.. لو عاد المسيح الآن.. ماذا سيفعل.. وماذا سيفعلون به؟‏

ـ أظن أنه لن يستطيع أن يفعل شيئاً.. وليس من شك في أنه سيصلب من جديد.. ليلة أمس قرأت حكاية جيسي ورفاقه.. إنني آسفة لما حل بهم. وبالطفل ليو.. ولكن.. هلاَّ قلت لي ما هي قصتك أنت.. إن لم يكن هذا يضايقك..‏

تنهد السيد غريغوري ساح بعينيه بعيداً.. ضغط بأسنانه على شفته العليا... عاد بنظره إلى سميرة.. وقال:‏

ـ قد لا تصدقين إن قلت لك إنني أصبت بفجوة في الدماغ..‏

فتحت سميرة عينيها على وسعهما.. وكررت متسائلة باستغراب:‏

ـ فجوة في الدماغ؟!‏

ـ هذا ما حصل فعلاً..‏

ـ كيف؟‏

ـ تعرضت لغزوةٍ إشعاعية.. وكانت النتيجة.. تلف بعض الخلايا العصبية في الدماغ..‏

ـ أنا آسفة لذلك.. ما كنت أريد إيلامك مجدداً..‏

ـ لا بأس.. ليس في هذا إيلام.. فقد أصبحت الحالة اعتيادية لدي..‏

ـ حسناً ولكن...‏

وقاطعها السيد غريغوري:‏

ـ ربما لاحظت إنني أتوقف عن الكلام بين حين وآخر..‏

ـ أجل.. لاحظت ذلك.. ولكن لِمَ؟‏

ـ إن الجملة العصبية تضطرب بين حين وحين..‏

ـ هذا شيء غريب.. حقاً.. وسيء..‏

ـ أجل.. في تلك اللحظات أسمع صريراً وفرقعةً في رأسي.. ويغيب كل شيء عن ذاكرتي..‏

ـ ولكن.. كيف تستطيع مواصلة الحياة في هذا الوضع الذي لا بد أن يكون مرهقاً؟‏

ـ إنه كذلك فعلاً.. ولكن بعد عشر ثوان أو خمس عشرة ثانية تستعيد الجملة العصبية وضعها الطبيعي... فتنتعش الذاكرة من جديد..‏

ـ حالة في غاية الغرابة..‏

انبعثت في ذاكرتها صورة غائمة آتية من بعيد.. من بغداد.. المدينة التي تعشقها رغم مآسيها.. صبي بغدادي أظهروه مرةً على شاشة التلفزيون.. كان في حوالي الثانية عشر من العمر.. عيناه تتوقدان كنصل حاد.. وشفتاه مزمومتان.. قال مقدم البرنامج إنه أعجوبة من أعاجيب الزمان.. كان يستطيع في أقل من ثانية.. أن يعطي نتائج عمليات حسابية معقدة لا تقل أرقامها عن خمسة أو ستة أعداد في كل طرف من طرفي المعادلة.. في حينه.. قال مقدم البرنامج إنه أحدث جهاز كومبيوتر بشري.. ربما سنقدمه في برنامج قادم في عمليات أكثر تعقيداً.. ومرت أيام وأيام.. شاع في المدينة بعدها نبأ يثير الأسى.. إن ذلك الصبي أصيب بمرض غامض أفقده القدرة على الكلام...‏

وبعد ذلك.. لم يسمع أحد عنه شيئاً...‏

انتبهت سميرة لجليسها.. قالت:‏

ـ أنا آسفة لما أصابك.. ولكن كيف واجهت الموقف؟‏

ـ في البداية تملكني رعب حقيقي.. كنت أخشى أن أفقد ذاكرتي إلى الأبد.. أو أصاب بالجنون.. لكني اعتدت على هذه الحالة فيما بعد.. وإن كنت قد دخلت طريقاً لا نهاية لـه.. لأعرف ما الذي حل بي..ـ هل كنت في الجبهة؟‏

ـ لا أبداً.. كنت طيلة الوقت وحتى نهاية حرب الخليج.. في السعودية أعمل في مستشفى ريفي.. ولم أطأ أرض العراق أو الكويت.. بدأت... قاطعته سميرة متسائلة:‏

ـ المعذرة.. إذا لم تكن في العراق أو الكويت.. كيف أصبت بالمرض؟‏

ـ طلبت مني جمعية المحاربين القدماء المساهمة في بحث عن اليورانيوم المنضب.. وأثناء قيامي بذلك البحث أصبت بالتلوث.. لم يكن أحد في حينه يعرف شيئاً عن تأثيرات هذه المادة.. وبطبيعة الحال لم أكن أرتدي ملابس واقية أثناء التجارب.. بعد ذلك فقط صرنا نسمع عما يسمى ((لعنة الخليج))..‏

ـ ماذا حدث بعد ذلك؟‏

ـ حين بدأت أعراض المرض.. رحت انتقل من طبيب عسكري لآخر.. ومن مختبر لآخر.. لم يقل لي أي من أولئك الأطباء شيئاً عن طبيعة مرضي.. كانوا جميعاً يقولون لي إن حالتي طبيعية ولا شيء هناك يثير القلق.. وقد تكون الحالة التي أشكو منها حالة نفسية أو مجرد أوهام.. وكانوا يعطوني أدوية مهدئة.. ولا شيء غير ذلك..‏

مرت ببال سميرة كلمات كارولين.. ((لا شيء يثير القلق))..‏

ـ كيف عرفت إذن.. ما أصابك؟‏

ـ زرت طبيباً مدنياً.. طلب إجراء فحوص شعاعية ومختبرية.. تطلع في الرقوق الشعاعية.. رفع رأسه.. نظر في وجهي.. وعاد يتطلع في الرقوق.. ثم قال لي: ((هناك فجوة في دماغك!)).‏

ـ فجوة في دماغي؟! كيف؟ أنا جئت لهذه الدنيا وفي رأسي دماغ كامل.. وكنت طيلة حياتي أفكر بشكل اعتيادي وانطق بشكل اعتيادي.. لم أفقد ذاكرتي.. ولم أكن أجد صعوبة في الكلام..‏

ـ هذا ما تقوله الرقوق الشعاعية.. وما تؤكده التحاليل.. ففي جسمك جزيئات من اليورانيوم المنضب.. ومن الواضح أن هذه الجزئيات غزت الدماغ وأدت إلى تلف بعض الخلايا العصبية في الفص الأيسر..‏

ـ فجوة في الفص الأيسر؟! كررت.. فما العمل؟‏

قلت هذا مع أني أعلم، بوصفي مساعد طبيب، أن لا علاج هناك.. إذ أن أي تلف في خلايا الدماغ لا يمكن إصلاحه.. لكن الصدمة جعلتني أطرح سؤالاً كهذا.. لا يطرحه إلا شخص يجهل تكوين وخصائص الدماغ..‏

وبدا كمن غاب عن الوجود.. انتابته تلك اللحظات المأساوية.. توقف عن الكلام.. ربما عاد ذلك الصرير المرعب والفرقعة... راحت سميرة تنظر في وجهه بعمق وكأنها تريد اختراق رأسه لترى ما الذي يحدث في دماغه خلال تلك اللحظات فيما مرت بذهنها صورة غريغوري سامسا وقد استحال دودة ضخمة تحاول الانقلاب على جنبها دون جدوى.. شيء من الخوف تسلل إلى قلبها وهي تتساءل: ((لماذا كان يجب أن يحدث كل ما حدث.. يا إلهي.. خفف عنه بلواه...)) عادت الحياة إليه.. قالت:‏

ـ آسفة سيد غريغوري لما أصابك.. أرجو ألا أكون قد أتعبتك..‏

ـ لا.. أبداً..‏

ـ أتمنى أن تتخلص من متاعبك.. لعل العلم يتوصل في قابل الأيام إلى ما يستطيع شفاءك مما أنت فيه..‏

ـ شكراً.. شكراً لك.. لكنها سباحة ضد التيار...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244