الليل والزمان ـــ بديعة أمين

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الكتاب الخامس الحدائق.. من أوراق الطفولة

أوشكت سميرة أن تنتهي من بحث عن ((الحرف والخلود)) احتفاءً بالذكرى الألفية الخامسة لابتكار الكتابة ودخول البشرية مرحلة التأريخ.. حين رن جرس الهاتف.. كان المتكلم على الطرف الآخر مديرة روضة سعد..‏

ـ أم سعد.. أتستطيعين المجيء إلى الروضة؟‏

حين سمعت سميرة صوت المديرة، انتابها للتو، حتى قبل أن تنطق بكلمة واحدة، إحساس بأن ثمة ما هو سيء، مما حمل المديرة على الاتصال بها.. وأكد ذلك التوجس، سؤالها الذي بادرتها به.. "أتستطيعين المجيء إلى الروضة؟"‏

ـ ولكن.. ما الأمر؟ ماذا حدث؟ هل أصاب سعد مكروه؟‏

ـ لا.. لا تخافي يا أم سعد.. فقط سقط أثناء اللعب..‏

أغلقت أم سعد الهاتف فوراً لأنها لا تريد أن تضيع الوقت في أسئلة وأجوبة لا طائل من ورائها.. ولن تزيح الستار عما حدث فعلاً، ودون أن تنبس بكلمة أخرى، استقلت سيارتها واتجهت مسرعة نحو الروضة.. وأسئلة مربكة تعصف برأسها.. ترى.. ماذا حدث له؟.. كيف سقط؟.. هل أصابه جرح؟ أكسرت يده أم ساقه؟ هل.. هل.. وثمة طنين لم تعهده من قبل يئز في أذنها اليسرى.. خيل لها، وسط دوامة القلق المر.. إن أذنها قد استحالت صنبور ماء يخترقه تيار هزيل من الهواء مسبباً ذلك الصفير المتواصل.. آتياً معه بحالةٍ من الانزعاج تكاد تصل بها حد الانفجار حين يشتد الزحام.. وكان انزعاجها قد بلغ الذروة حين انتبهت أن شاباً سخيفاً ممن لا عمل لهم غير مضايقة النساء وخاصة من يقدن العربات، كان يضايقها ويحاول استباقها، حتى إنها كادت تتسبب بأكثر من حادث مروري.. لكن الله سلم.. ولم تكد تصل الروضة حتى اتجهت فوراً إلى غرفة المديرة..‏

كان سعد راقداً على إحدى الأرائك.. لم يكن يبدو أن هناك ما يشير إلى حدوث جرح أو كسور.. لاحظت بضعة خدوش على خده الأيمن.. راح الخوف يتفتح في أعماقها.. وثمة عبارة تعصف برأسها.. قد يكون كسراً أو فطوراً في جمجمته الهشة.. فالكسور لا تظهر دوماً للعيان.. أو ربما نزيف في الدماغ.. كان سعد فاقداً الوعي.. وعلى خلاف ما عهد فيها من هدوء يلازم كل تصرفاتها حتى في أوقات الشدة والأزمات، صاحت دون وعي منها، حتى قبل أن تتذكر أن عليها أن تحيي المديرة وبقية المعلمات اللاتي تجمعن في غرفة المديرة:‏

ـ ما به سعد؟ ماذا حدث؟‏

ـ كان يبغي التزلق.. تدافع هو وطارق وهما أعلى الزلاقة فسقط وأغمي عليه..‏

لم تطل أم سعد الحديث.. ولم تطرح أية أسئلة أخرى إذ إنها كانت تدرك أن الوقت الآن أغلى من أية أحجار كريمة أو مناقشات لا معنى لها.. وإن عليها أن تسابق الزمن لتنقذ حياة سعد.. احتضنته.. حملته وهرعت إلى السيارة.. فالمستشفى القريب.. حيث شرع فوراً بإجراء الفحوص اللازمة وأدخل غرفة العناية المركزة..‏

جلست سميرة إلى جانب سريره مكدرة البال خشية أن تؤدي أصابته إلى ما لا تحمد عقباه.. فإصابات الرأس لا تمر دوماً بسلام.. والطب لن يستطيع أن يقدم لها أجوبة نهائية ودقيقة قبل أن تؤخذ لرأسه ويديه وساقيه وصدره صور شعاعية بعد أن يفيق من إغماءته.. انتابتها حالة وجوم كلي برغم ما كانت تتميز به من صلابة بوجه مصائب الزمن.. كانت الدموع تنهمر من عينيها.. حبة.. حبة.. كخرز لؤلؤية تنساب على خديها.. وحين تسمع وقع أقدام آتية.. تجففها سريعاً خشية أن يكتشف الآخرون ضعفها أمام ما حل بسعد.. كان الخوف والقلق، كنارٍ آكلة، يلتهمان صبرها وآمالها طيلة ثلاثة أيام.. وليال ثلاث.. دون أن يغمض لها جفن وهي تراقب وجهه.. وجسده وتتطلع في وجوه الأطباء وهم يروحون ويجيئون دون أن تظفر منهم بما يذهب بوساوسها.. ويخفف عنها الأسى ويعيد الاطمئنان إلى قلبها.‏

ـ دكتور.. ليحفظك الله.. كيف حالته الآن؟‏

ـ إنها مستقرة..‏

ـ لقد مضت ست وأربعون ساعة.. ولم يظهر ما يشير إلى أي تحسن.‏

ـ إن شاء الله ستتحسن حالته.. علينا أن ننتظر حتى يفيق من غيبوبته.. ربما غداً.. أو بعد غد على أبعد تقدير..‏

ـ لكن دكتور.. لاحظت أن شحوباً يعلو وجهه أحياناً فيما تتورد وجنتاه أحياناً أخرى..‏

ـ كانت حرارته غير مستقرة.. فحينما ترتفع قليلاً ترين خديه وقد تورداً.. والعكس يحدث حين تهبط درجة حرارته.. إلا أنها استقرت عند الدرجة الطبيعية منذ الليلة الماضية وحتى الآن..‏

ـ دكتور ((الله يخليك)).. هل سيفيق من غيبوبته؟‏

ـ إن شاء الله.. إن شاء الله.. خلال يوم أو اثنين.. إن نبضه طبيعي.. وكذلك الضغط.. ودرجة الحرارة، كما قلنا، مستقرة وطبيعية.. وهذا مؤشر مهم.. ويدعو إلى الطمأنينة..‏

وهنا تدخلت الممرضة التي ترافق الطبيب:‏

ـ دكتور أن المغذي يوشك أن ينتهي.. هل أضع مغذياً جديداً؟‏

رفع الطبيب عينيه إلى كيس المغذي وقال:‏

ـ أجل.. من الأفضل أن تضعي مغذياً جديداً..‏

مضت ثلاثة أيام وهو على الحال ذاتها.. وذهبت أدراج الرياح توسلات عمتها سلمى. وفؤاد، عم سعد، وإلحاحهما على أن تذهب إلى البيت بضع ساعات لتمنح نفسها شيئاً من الراحة وأن تأخذ حماماً يعيد إليها حيويتها ونشاطها.. على أن يبقيا هما إلى جانب سعد حتى تعود.. لكنها أبت أن تفعل ذلك.. أم طارق التي كانت تزورها وتتفقد وضع سعد يومياً.. رجتها كذلك.. دون جدوى.. شحوب مقلق ذهب بألق وجهها ونضارتها.. وتلاشت من عينيها تلك النظرة المرحة التي كانت تمطر لمعاناً.. فتضفي عليهما سراً آسراً يشد الناظر إليهما بحثاً عما وراء ذلك السر الخفي المفعم بالغموض والحيوية في آن معاً.. فطيلة الأيام التي قضتها إلى جانب سعد.. لم تتناول شيئاً سوى الماء وبعض القهوة.. لتساعدها على الاحتفاظ بيقظتها.. وعيناها لا تفارقان وجه سعد..‏

قلق.. سهر.. جوع.. وخوف من المجهول الآتي.. هذا كل ما كان في حياتها.. دون أن تدع الآخرين يشعرون بما كانت تعاني.. كانت تخشى أن تخونها قوة إرادتها وصلابتها.. فينكشف ما كانت تحس به من ضعف وانكسارات.. وحين تسمع وقع أقدام آتية.. تلتقط كتاباً أو مجلة متظاهرة بالقراءة.. حتى جاء حين لم يعد بمقدورها أن تحتفظ بصفاء ذهنها أو أن تركز على ما يحيط بها.. بدت الأشياء من حولها مشوشة.. كأنها تقف فوق رمال متحركة في صحراء مترامية الأبعاد.. بلا أفق.. لا شيء صاعد.. لا شيء نازل.. لا شيء يمتد طولاً أو عرضاً.. لا أرض هناك.. لا سقف ولا جدران.. كل شيء يندغم في ما يجاوره.. ولم يعد الزمان يمتلك حضوره.. ولم تعد تعي أن كانت تعيش لحظة حاضرها.. ماضيها.. أم أنها تقف خارج الزمان.. أصوات مبهمة.. همسات غير واضحة.. همهمات.. صفير كأزيز جمهور من اليعاسيب.. أصداء متشابكة تخترق أذنيها.. ثم تموت.. ووسط تلك الفوضى السديمية.. تناهى لأسماعها صوت آتٍ من أعماق الزمن البعيد.. صوت لم تسمعه من سنين.. وسنين كأنه الصدى.. لـه رنين لا يعرفه أحد غيرها.. منفلتاً من الغيب البعيد:‏

((خذي بالك من سعد.. إنه يمتلك طاقة تكفي لعشرة أطفالٍ في مثل سنه.. أو حتى أكبر منه سناً.. وهو لا يعرف كيف يصرف هذه الطاقة.. خذي بالك منه يا أم سعد..))‏

كان هذا ما قاله لها أبو سعد..‏

(((‏

في الشهور الأولى.. وحين بلغ المرحلة التي يبدأ الأطفال فيها الزحف على بطونهم.. لم يكن سعد يزحف.. وإنما كان يتدحرج على جنبيه بدلاً من الزحف على بطنه.. مسابقاً الزمن.. أو يتشقلب على رأسه.. فإن لم يستطع أن يفعل ذلك يبدأ بالصراخ والعويل وحتى اللطم على رأسه متطلعاً في وجوه من كان قريباً منه.. وفي عينيه نظرة توسل.. كأنه جرو صغير مدلل.. ((أن ساعدني على التشقلب)).. وإن حدث ومر شخص بالقرب منه.. فإنه يحاول أن يسبقه متدحرجاً على جنبيه.. كهرة صغيرة تلازم من يرعاها وهي تموء استجداء للعواطف.. فإن فشل في ذلك ملأ الدنيا صراخاً ودمدمةً..‏

كان سعد لا يستقر في مكان واحد بعينه.. في لحظة تراه هنا وقبل أن تمضي تلك اللحظة في مسار الزمن.. تراه في موضع آخر.. غير الذي كان فيه.. ولم يكن نادراً أن يغيب عن ناظريك.. فإن بحثت عه تجده تحت الأسرة أو مائدة الطعام.. يتشبث بالمقاعد.. محاولاً الوقوف حتى قبل أن تتصلب ساقاه ويستطيع الوقوف على قدميه.. يحاول أن يتسلق الكراسي والمناضد.. يسقط.. ثم ينهض.. يسقط من جديد.. ويحاول الوقوف مجدداً دون أن يفت السقوط في عضده.. وما أن صار يستطيع الوقوف على قدميه حتى راح يحاول الركض قبل أن يستطيع المشي.. بل ويالغرابة ما كان عليه هذا الطفل.. مرة.. وكان في الثالثة من عمره.. حاول أن يرتقي الجدار!! صدقوني.. إنه فعل ذلك.. أسند يديه إلى الجدار.. ووضع قدمه اليمنى عليه.. محاولاً أن يرتقي بجسده إلى الأعلى.. وحين سألته أمه ماذا تفعل يا سعد؟ أفهمها إنه يريد أن يصعد الجدار ليرى ماذا يوجد في الأعالي! كان طفلاً عجيباً! يريد أن يسبق الزمان وهو بعد في تلك المرحلة المبكرة من العمر.. حتى أسنانه بدأت بالنمو منذ الشهر الثالث! واكتملت قبل أن يبلغ الشهر السادس!! وراح يقضم عظام الخضر المطبوخة ويلتهم اللحم بشهية وقوة يحسده عليها الكبار.. مرة.. جلبت لـه جدته قرآناً صغيراً وأم سبع عيون معلقين بسلسلة ذهبية.. علقت السلسلة الذهبية حول عنقه.. وحين رأته يوماً يحاول قضم أم السبع عيون الزرقاء بأسنانه الصغيرة.. اقترحت على أمه أن تشبك السلسلة من الخلف بظهر ملابسه.. كانت جدته أم سميرة، تحث ابنتها أن تبعده عن عيون الغرباء. لئلا تصيبه عين حاسدة.. وكانت تقول:‏

ـ هذه ليست خرافات.. لكن هناك لدى البعض طاقة خفية غريبة.. قد تكون طاقة مشعة.. أو كهرومغناطيسية.. أو أي شيء آخر.. لم يستطع العلم بعد أن يحدد ماهيته.. يمكن أن يسبب الأذى للآخرين...‏

تذكرت سميرة كلمات أبي سعد.. وهو يوصيها أن تعير سعداً اهتماماً أكبر.. قبل أن يغادر بغداد ليلتحق بوحدته في البصرة.. كانت تلك الكلمات الأخيرة التي سمعتها من أبي سعد.. وكانت تلك.. المرة الأخيرة التي يرى هو فيها سميرة.. وطفليه.. هناء وسعد...‏

"حلم لم يُحلم.."‏

دموع حارقة انسابت من عينيها وقد انبعث في ذاكرتها ذلك النداء التلفوني المشؤوم تلك الليلة.. وهي إن تنسَ شيئاً فلا يمكنها أن تسنى صيحتها الممزقة حين بلغها نبأ استشهاده:‏

((لِمَ يا رب.. أما كان يمكن أن يظل حياً حتى يكبر طفلاه؟‏

أكان شخصاً زائداً في هذه الدنيا.. حتى تأخذه مني ومن طفليه؟))‏

وارتج جسدها بنوبة بكاء عاتية.. لقد بكت تلك الليلة كما لم تبكِ من قبل.. كانت تشعر أن ما كان يتساقط من عينيها لم يكن دمعاً بل دماً تلهبه حرائق لن تنطفئ العمر كله.. حرائق الفرقة التي لا لقاء بعدها...‏

بعد أسبوع.. أو شيء من هذا القبيل.. انبعثت في رأسها، كأفعى بألف رأس، شكوك جارحة كحد الموسى.. أن أحداً من رفاقه الذين كانوا معه في الوحدة ذاتها.. لا يعلم شيئاً عن الأمر كله.. وما جلب لها أحد شيئاً من أشيائه.. هويته.. أوراقه.. مفتاح بيتهما.. ولا الحلقة التي تربط حياته بحياتها.. بل حتى إنها لا تعلم شيئاً عن الذي اتصل بها لينقل ذلك النبأ المشؤوم.. ومن يكون.. أكان جهة رسمية أم ماذا؟! وفي حينها.. وقد صعقتها الصدمة.. لم تسأله من يكون.. وكيف استشهد رائد.. متى.. وأين؟ ولم تفارق رأسها فكرة إنه قد يكون ثمة خطأ في الأمر.. قد يكون أسيراً أو مفقوداً.. لكن.. ما معنى أن يكون المرء مفقوداً؟ ولم تبارك الشكوك رأسها.. ولا حتى الأمل بعودته في يوم من الأيام فارق فؤادها برغم السنين التي مضت.. دون أن تبدو في الأفق بارقة تنعش في أعماقها أملاً يائساً.. ودون أن يعود..‏

(((‏

لقد وعدها ـ قبل أن يسافر سفرته الأخيرة، بأشياء كثيرة وهو يودعها:‏

ـ سميرة اسمعي.. حين ينتهي العدوان.. سنسافر إلى الشمال.. نقضي بضعة أيام في شقلاوة وصلاح الدين.. ونذهب إلى سرسنك وإلى زاويته.. أتتذكرين تلك البركة الجميلة في زاويته التي سبحنا فيها أيام العسل؟ وابتسم..‏

ـ كيف لي أن أنسى تلك الأيام الحلوة.. كانت أحلى من العسل.. وإن كنت أخشى النزول في البركة في البداية.. لشدة برودتها..‏

ومضى يشرح جدول السفرة المقبلة في أرض الأحلام كما كان يسمى شمال الوطن..‏

ـ ونذهب إلي بعشيقة..‏

ـ آه.. بعشيقة.. طبعاً.. يقال أن أهلها يصنعون زيت زيتون فاخر.. سنجلب ست قناني منه..‏

ـ إن المطبخ لا يفارق رأسك.. قال ضاحكاً.. برغم ثقافتك..‏

وبدهشة ردت قائلة:‏

ـ وهل تمنع الثقافة البحث عن القوت.. إننا نبقى كأجدادنا لا قطي ما تجود به الطبيعة.. مهما كان حظنا من الثقافة وفيراً.. شئتَ أم أبيتَ.. وضحكا ضحكة ملأت الجو أملاً وأمنياتٍ حلوة..‏

ـ وسنذهب إلى الموصل..‏

ـ أكيد.. لنجلب من هناك...‏

وقبل أن تُتِمَ ما تريد قولَه أكمل هو:‏

ـ المنَ والسلوى..‏

وتلقفت سميرة الفرصة لتثأر لنفسها:‏

ـ أرأيت.. إنه دورك الآن لتعيد أمجاد السلف الصالح..‏

ورفرفت في أجواء بيتهما السعيد أصداء ضحكتهما..‏

ـ ستكون بالتأكيد سفرة جملة.. وأنا واثق أن سعداً وهناء سيكونان سعيدين بهذه السفرة..‏

وإذا كانت سميرة تستعيد تلك الأمنيات المحطمة وقد أغمضت عينيها لوعة.. تراءى لها في ما يشبه الرؤيا.. نظرته الحنون وذلك الدفء المحب ينساب من عينيه حتى التقت به للمرة الأولى في بيت عمتها سلمى في الحفل الذي أقامته بمناسبة تخرج ابنها رياض في كلية الآداب..‏

كان رياض مولعاً بسميرة ويمني نفسه بالزواج منها بعد أن تتخرج هي في قسم اللغات، سنتان بعد تخرجه.. وعلى خلاف ما كان يحلم به زملاؤه ممن كانوا ينوون الزواج، بقضاء شهر العسل في أماكن المتعة واللهو.. كان رياض يحلم بان يقوم وسميرة بزيارة بعض الأماكن الأثرية.. ليرى على الطبيعة الأماكن والمناطق الأثارية التي كانت مشمولة بالمنهاج الدراسي في فرع الآثار.. وكان يمني نفسه بزيارة بابل، وإن كان قد زارها من قبل.. إلا أنه كان يحلم بالعثور على موقع برج بابل وبالتالي.. التوصل إلى خصائصه المعمارية، في هذا الشهر بالذات، لعل القدر يبتسم لـه فيسجل هذا الاكتشاف العظيم لآثار البرج الذي أثار مخيلة أدباء وفنانين لا يُحصى لهم عدد في كل أقطار الدنيا.. وليبقى هذا الاكتشاف مقترناً بأجمل أيام حياته..‏

(((‏

لكن شيئاً مثل صاعقة هز أعماق سميرة في تلك الحفلة.. كانت نظرة رائد إليها إعصاراً.. بل زلزالاً اقتلع من مواضعه كل ما كان تحت الجلد.. حتى إنها شعرت أن قلبها يكاد ينفجر من شدة خفقانه.. وبدا لها أن نسمة رقيقة ستكشف سرها.. خالت أن شعاعاً فضياً كضوء قمرٍ تشريني حجبته عن الرؤيةِ غمامةٌ بيضاء شفيفة.. قد غمر وجهها حتى أنها انزوت في كرسي قصي بعيداً عن الحضور وعن رائد بالذات.. وهي لا تقوى على الحراك وقد فاضت بها هباتٌ من نورٍ سماوي ترتعش بين خيوطه إشعاعاتُ قوس قزح.. أسلاك من حرير.. سقسقة عصافير.. هديل حمائم.. ولحنٌ آتٍ من بعيد.. من السماء السابعة.. حلواً.. شجياً يتهادى مع ارتعاشات ذلك الفيض من النور البهي..‏

لم يكن بمقدورها أن تبوح بما كان يختلج بين جوانحها حين زارتهم عمتها سلمى بعد أسبوع لتطلب يدها لابنها رياض.. كل ما كانت تستطيع قوله، حتى وإن بدا لها أن الكلمات تكاد تتكسر.. وتضيع متبعثرةً بين شفتيها:‏

ـ عمتي.. أ.. أنا.. لا أحبذ الزواج بين الأقارب..‏

ـ لِمَ يا سميرة؟‏

ـ أن ذلك ينطوي على نتائج كارثية بالنسبة للأطفال..‏

ضحكت العمة سلمى ضحكة مقتضبة وقالت:‏

ـ سميرة.. ألا تظنين أنك تبالغين بعض الشيء؟ إن رياض يحبك يا سميرة..‏

ـ هذا ما يقوله العلم يا عمتي ولست أنا من قال ذلك.. إن رياض مثل أخي.. أنا أحبه مثلما أحب أخي، زكي، رحمه الله.. لقد لعبنا سوية.. وكبرنا سوية.. وكان أحياناً يساعدني في دروسي وأنا طفلة.. وكثيراً ما كان يحملني بين ذراعيه ويركض بي لأخافتي.. لأنني أكره السرعة والركض..‏

ظلت العمة سلمى صامتة بضع لحظات.. ثم قالت:‏

ـ إن رياض سيصاب بصدمةٍ عميقة حين يسمع ردك هذا..‏

ـ عمتي.. إنني لم أشعر في يوم من الأيام أن رياض لم يكن أخي.. مثله مثل زكي تماماً.. بل أصبح أخي فعلاً بعد أن استشهد زكي.. فكيف تريدين مني أن أعيش معه، بعد كل هذه السنوات المليئة بمشاعر الإخوة، كزوجة له؟!‏

ـ إن رياض لا يحمل لك مشاعر كالتي تحملينها أنت له.. إنه...‏

قاطعتها سميرة وقد وجدت في ما قالته ما يمنحها جرأة أكبر:‏

ـ ثقي يا عمتي أنا أحبه كأخٍ لي.. ولا أستطيع أن أكون لـه أقل من أختٍ أو أكثر.. لا.. لا أستطيع أن أكون غير ذلك بالنسبة له.. وهو لا يمكن أن يكون بالنسبة لي غير ذلك.. إنه أخي.. هو أخي حقاً..‏

ـ فكري بالأمر.. فما يزال أمامنا وقت طويل...‏

ـ أنت تحطمينني يا عمتي..‏

ـ ليأخذ الله روح من يريد تحطيمك.. أنا لا أريد لك ولرياض غير السعادة.. ثقي يا سميرة... وأنا أشعر من أعماق قلبي أنك أنت ورياض ستكونان أسعد زوجين..‏

والتفتت إلى أم سميرة التي ظلت طيلة الوقت صامتة..‏

ـ ألا تقولين شيئاً.. ما رأيك أنت؟‏

ـ عيني سلمى.. إن الأمر يخص سميرة وحدها.. فهذه مسألة زواج.. وأنا لا أستطيع.. ولا أريد.. أن أرغمها على شيء لا ترضاه لنفسها.. فالزواج حياة.. وأسرة.. وأطفال.. وإن فقدت المشاعر والعواطف المتبادلة، فإن ذلك لن يقود إلى السعادة أبداً.. فلن تكون هي سعيدة.. ولا هو.. وفي النهاية.. يُظلم الاثنان.. ويتحمل الأطفال وزر ذلك.. أنت تعرفين رأيي هذا...‏

توقفت عن الكلام لحظة.. نظرت إلى سميرة بطرف عينيها.. ثم التفتت إلى العمة سلمى:‏

ـ سلمى حبيبتي.. أنسيتِ أنك رفضت كل ما تقدم إليك.. حتى بارع، ابن عمك، وكنت مُصرَّة على الزواج بمن تحبين؟ وكنت أنا الوحيدة في العائلة التي وقفت إلى جانبك.. أنسيت ذلك؟‏

كانت تلك من خفايا الأسرة التي لم تكن سميرة تعرف شيئاً عنها.. فنزلت على فؤادها كهميِ المطر إذ ينزل على أرض شققها الجفاف.. لم تجب العمة سلمى.. أطرقت تنظر إلى الأرض ثم قالت باقتضاب:‏

ـ ليكن ما فيه الخير لأبنائنا...‏

كانت سميرة في تلك الأثناء قد لزمت جانب الصمت.. وهي تتطلع في سقف الغرفة.. وقد ضغطت شفتها العليا بأسنانها حتى كادت تدميها.. كانت تتساءل في سرها إن كانت عمتها قد لاحظت شيئاً في الحفلة.. هل شعرت بما كان يختلج بين ضلوعها.. هل رأت ما كان يبوح به وجهها؟! لكن لا.. لا يمكن أن يكون الأمر كذلك.. فشيئاً مما يمكن أن يلفت النظر لم يحدث بعد أن انزوت في ركن قصي...‏

"لوعة الحب.. لوعة الأسى.."‏

لهبٌ متأججة اشتعلت في أعماقها حين التقت رائداً للمرة الثانية.. الزلزال نفسه.. والخفقان الذي يكسر الضلوع.. لم تكن تدري ما إذا كان رائد يحمل لها مشاعر مماثلة.. وهذا ما كان يملأ قبلها حسرة.. وربما ألماً ممضاً وشعوراً بخجل ذاتي وإحساس بإثم لم ترتكبه.. خشية أن تكون قد تجاوزت ما يمليه عليها عقلها: أن تلتزم حدود ما تفرضه عليها البيئة المحافظة التي نشأت في أحضانها ووجوب كبح عواطفها.. ومع ذلك فثمة إحساس مشوب بفرح غامض كان يسبح بين جوانحها.. في كل خلية من خلايا كيانها.. في عينيها اللتين تشعان ألقاً حين تلتقيه.. كانت في تلك اللحظات السماوية تحلق عالياً.. بعيداً عن البيوت.. عن النوافذ والأبواب.. عن إسفلت الشوارع.. عن الأنهار والمحيطات.. عن البحار وعن الجبال.. وتحملها نسائم ندية بعيداً عن كل ما هو أرضي.. لكنها كانت خائفة أن يكون ما رأته في عينيه خيالاً.. وهماً أو خداعاً ذاتياً.. إلا أن ما حصل في تلك اللحظات المنفلتة من الزمان.. أنه هو الآخر أصيب بمَسٍ كهربائي في لقائه الأول بها.. وفي لقائهما الثاني.. شيء ما كأنه نار متوهجة اشتعل في صدره لينعكس، على غير إرادته في وجنتيه.. في شفتيه وعلى جبينه.. ومن عينيه انبعث بريق لا تخطئه العين.. لم يكن يستطيع أن يبعد وجهها. ابتسامتها.. أنامل يديها.. وكل ما فيها عن تفكيره حتى لحظة واحدة.. كان كل ليله ونهاره لها وحدها.. وثمة إحساس ينبت في أعماقه فرحاً غامضاً.. وحين التقى بها مرة أخرى.. حاول أن يكلمها.. أن يستجلي ما إذا كانت تحس بما كان يحس به من مشاعر الود والصفاء.. إلا أنه لم يستطيع أن يتفوه بأكثر من عبارة واحدة:‏

ـ أنا سعيد بلقائك..‏

كان يتمنى أن تقول له: ((أنا كذلك.. سعيدة بلقائك.. أو فقط.. أنا كذلك)) إلا أنها لم تنبس ببنت شفة.. كل ما حدث في تلك اللحظة التي كانت بالنسبة لـه لحظة قدرية قد تفتح أمامه أبواب الجنة أو قد تقوده نحو ما ظنه جحيماً يحرق العمر كله. أن ابتسامة شحيحة تحمل من الغموض بقدر ما تحمل من الصفاء ارتسمت على شفتيها...‏

بعد أن تكررت لقاءاتهما في بيت العمة سلمى وغيرها من بيوت الأصدقاء المشتركين.. وبعد أن بلغت به أحاسيسه تجاه سميرة حداً صار يشعر معه أنه لا يستطيع أن يكمل مسيرة الحياة بعيداً عنها.. بدا لـه أن لابد من أن يخطو تلك الخطوة التي كان يخشاها حقاً.. فهو لم يعد قادراً على الانتظار ما بين‏

الجنة والنار..‏

لم يكن رائد من ذلك الصنف التقليدي من الناس ليعرب لها عما في قلبه بالطريقة التقليدية المستهلكة: ((أنا أفكر بك ليل نهار.. لا أستطيع العيش من دونك.. إنني أعرفك وكأننا التقينا من ألف عام..)) لم يطلب منها أن يلتقي بها على انفراد.. ولم يقل لها: ((إن لدي أشياء كثيرة أود أن أقولها لك)) وإلى آخر ما تحفل به المسلسلات التلفزيونية..‏

كان إنساناً بسيطاً.. صريحاً متسامحاً.. كعين ماء رقراق.. في علاقته مع كل الناس.. طيب القلب، هادئ الطباع.. يحب مساعدة الناس.. يقرأ كثيراً.. ويحب الاستماع لأغنيات أم كلثوم وفيروز وموسيقى رمسكي كورساكوف وبرامز.. وبرغم ما يتمتع به من صفاء روحي فإن من كتابه المفضلين دوستوفسكي.. برنارد شو وصموئيل بيكت برغم ما بين هؤلاء من تفاوت في ما يتناولونه من موضوعات وأفكار ورؤى..‏

قال لها في لقاء قدري:‏

ـ ست سميرة.. ما رأيك أن نُكَوِّنَ أنت وأنا أسرة سعيدة.. ونملأ البيت بأطفال حلوين.. نعيش في بيت صغر مثل بيوت الأفلام الكارتونية.. نطليه بلون رخامي أبيض.. ونسقفه بقرميد أرجواني.. وسط حديقة صغيرة نزرعها ورداً جورياً ونشتري سيارة صغيرة وردية اللون.. أوصلك بها إلى عملك ثم أذهب لعملي.. وعندما يحين موعد انصراف الأطفال من المدرسة، أذهب أنا لأعود بهم.. وتبقين أنت في البيت لأن السيارة لا تتسع لي ولك وللأطفال..‏

وسكت فجأة كما بدأ فجأة.. بهتت سميرة. فهي لم تعهد مثل هذه الطريقة في التقدم لطلب الزواج.. ولم تر مثلها لا في الأفلام ولا في المسلسلات العربية.. فيما كانت لهب وردية تتصاعد من وجنتيها وهي تصغي لما كان يقولـه بجديةٍ حقيقيةٍ غير مفتعلة بدا معها وكأنه تلميذ في مدرسة ابتدائية يتلو ما حفظ من شعر على مسامع معلمته.. ظلت صامتة لحظات وهي تتطلع في وجهه.. وعلى حين غرَّة.. انفجرت في ضحكةٍ لم تستطع أن تكتمها.. ثم قالت:‏

ـ ولكن لا توجد سيارات وردية اللون..‏

ـ أعلم ذلك.. لكن أحب اللون الوردي.. فماذا تقولين؟‏

ظلت صامتة لا تدري بمَ تجيب وقد أذهلتها المفاجأة.. فيما راح هو يتطلع في وجهها كمن ينتظر حكماً يمنحه سعادة أبدية أو يلقي به في أتون نار مشتعلة قبل أن يقول بنبرة تبطن مشاعر يختلط فيها شيء من الجرأة وشيء من الخوف:‏

ـ بالمناسبة.. ست سميرة.. أتوافقيني على القول المأثور: ((السكوت من الرضا؟)) ابتسمت.. وبدا لـه أنها أحنت رأسها إيجاباً. لكن ما جاءا به إلى هذه الدنيا لم يملأ بيتهما الصغير الذي يشبه بيوت الأفلام الكارتونية بالأطفال.. وإنما هناء وسعد.. فقط. لقد قطفت الحرب زهرة عمره قبل أن يحين موعد قطافها بزمن طويل.. وهو بعد في شرخ الشباب.. ولم تتح لـه الحياة التي عاشها برفقة سميرة.. أن يعيد الأطفال من المدرسة.. حين يحين موعد الانصراف.. وللحظة.. وهي تسبح بين فراديس آفلة.. وأحزانٍ تأبى الرحيل.. خيل لها أنها سمعت سعداً ينادي بصوت واهن:‏

ـ ماما.. ماما..‏

جفلت.. التفتت إليه.. كان سعد حقاً قد فتح عينيه وأفاق من غيبوبته صبيحة اليوم الرابع.. كان الطبيب يجس نبضه فيما كانت الممرضة تقف هناك في انتظار أية تعليمات أخرى.‏

ـ الآن أستطيع أن أقول لك هنيئاً يا أم سعد.. الآن وقد استفاق سنجري لـه تخطيطاً للدماغ ونأخذ لـه صوراً شعاعية.. ولو أنني واثق أن كل شيء على ما يرام.. ولكن.. ليطمئن قلبي..‏

وجاءت النتائج لتؤكد صحة توقعات الطبيب.. سألت سميرة:‏

ـ أنستطيع أن نغادر المستشفى اليوم..‏

ـ أجل.. تستطيعان..‏

ـ وفي الغد صباحاً إن شاء الله.. سأجلب لكل الأطباء والممرضات الذين أشرفوا على علاج سعد.. حصصهم من الذبائح.. لقد نذرت أن أذبح ثلاث خراف إذا ما أفاق سعد من غيبوبته وخرج سليماً معافى من المستشفى...‏

قال الطبيب ممازحاً:‏

ـ لكن الخراف غالية هذه الأيام.. خروف واحد يكفي ليوصل الشكر إلى السماء..‏

ـ حقاً هي كذلك.. لكن سعد أغلى..‏

بعد أن استعاد سعد صحته وعاد إلى نشاطه المعتاد قررت سميرة أن تسافر وإياه إلى البصرة على أن تترك هناء في بيت جدتها، أثناء غيابها عن بغداد الذي سوف لا يستغرق سوى أيام قلائل.. فهي من جهة كانت تريد تغيير الأجواء بالنسبة لسعد بعد تلك الصدمة القاسية.. وكانت من جهةٍ أخرى تود القيام بتلك السفرة تلبيةً لدعوةِ شقيقتها التي تعمل طبيبة في إحدى المستشفيات.. والتي ألحَّت عليها بالسفر الذي طالما أجلته سميرة.. لإتمام بعض المعاملات الرسمية المتعلقة ببيع بستان يعود لهما هناك.‏

"فراديس الطفولة.."‏

إحساس بحيرة معذبة راح يشدها يمنة ويسرة.. حتى إنها لم تعد تعرف أين سيستقر بها التفكير.. هل تدع سعداً يذهب إلى الروضة بعدما حدث أم تتركه في البيت؟ ففي كل خيار من الخيارين أمامها مشكلة.. أحلاهما مر.. إن تركته في البيت سيكون وحيداً خلال الصباح.. فهناء تكون أثناء النهار في المدرسة.. أما هي فستكون مشغولة بعلمها وبحوثها.. ومهما وفرت لـه من اللعب ووسائل التسلية.. فإن ذلك لن يخفف عنه إحساسه بالوحدة ولن يساعده في التخلص مما يختزنه من طاقة تعرف هي جيداً أنها تفوق سني عمره.. وكلمات أبيه ما تزال أصداؤها ترن في أذنيها: ((إنه يمتلك طاقة تكفي لعشرة أطفال...)). وفي هذا ما فيه من تأثيرات سلبية يمكن أن تجد طريقها إلى وضعه النفسي وهو ما يمكن أن يقود في النهاية إلى حال من الإحساس بالتبرم والضيق والاختناق.. مما يمكن أن ينعكس في علاقاته بالآخرين.. ليس حاضراً فقط.. وإنما في الزمن الآتي كذلك.. بل حتى إن مجرد فكرة إبقائه وحيداً في البيت، حتى لو وفرت لـه كل ما تحبه نفسه، لم ترق لها إذ إن ذلك قد يقود إلى ما لا تحمد عقباه.. وإن دعته يذهب إلى الروضة مجدداً فقد يتكرر ما حدث لـه بدرجة أكبر من السوء.. أو قد يصاب بعدوى مرض ما.. من أحد الأطفال، خاصة وأن أمراضاً كالزكام كثيراً ما تنتشر في رياض الأطفال عند تقلبات الطقس وتحولات الفصول...‏

راحت تتأمل الأمر من كل جوانبه كما لم يسبق لها أن فعلت من قبل.. فهذه هي المرة الأولى التي تجد نفسها في مثل هذا المأزق.. قالت وهي تحدث نفسها: سأترك الأمر لـه أن يقرر هو ما يريد..‏

(((‏

كان سعد يجلس قبالة النافذة في الصالة.. هبت نسمة رخية.. ارتعشت الستارة لتشيع في فضاء الصالة انعكاسات أنوار شفيفة.. فيما تأرجحت إحدى ضلفتي النافذة فالتمع شعاع الشمس الساقط عليها كبرق أضاء صفاء عينيه.. كان وجهه متألقاً وازداد ألقاً في ما عكسته زجاجة النافذة عليه.. أهزوجة من فرحٍ خفي تماوجت في أعماقها وهي تلحظ تلك المباهج تطوف على محياه.. قالت في نفسها: ((ليته يكون هكذا كل الأوقات.. سعيداً ومتألقاً.. وباختياره الآتي سترسو زوارقه حيث تجد الطفولة سعادتها..‏

تطلعت عبر النافذة لحظات.. التفت إليه:‏

ـ قل لي يا سعد.. أتريد أن تعود إلى الروضة؟‏

لم يتوقف لحظة ليفكر وإنما قال من فوره:‏

ـ نعم أريد ماما.. أريد..‏

ـ أنت سعيد في الروضة؟‏

ـ نعم ماما..‏

قالت ممازحةً وقد أشرقت على وجهها ابتسامة تنم عن إحساس بالرضا..‏

ـ ألا تخشى أن تسقط ثانية من الأرجوحة أو الزلاقة؟‏

ـ لا.. لا.. أنا لم أسقط في المرة السابقة. كان طارق يقف على الزلاقة ورائي.. وكان بعض الأطفال وراءه يتدافعون.. وكنا نحن أيضاً.. هو وأنا نتدافع.. كان هو يريد أن يسبقني.. وأنا أريد أن أسبقه.. وكنا نضحك سوية.. حين دفع أحد الأطفال من وراء ظهره.. فاندفع نحوي وسقطت..‏

ـ سأصحبك إلى الروضة بعد أن نعود من البصرة..‏

التمعت عيناه وهو يتساءل:‏

ـ هل سنذهب إلى الصرة؟‏

ـ أجل.. سنذهب لزيارة خالتك رُبى لبضعة أيام..‏

ـ سنذهب جميعاً.. هنا وجدتي أيضاً؟‏

ـ لا.. هناء وجدتك ستبقيان هنا..‏

ـ لماذا لا تأتي هناء معنا؟‏

ـ لديها امتحانات..‏

ـ وكيف سنذهب إلى البصرة..‏

ـ سنسافر بالقطار..‏

هب سعد واقفاً وقد توهج محياه بنور بهي استولدته المفاجأة المثيرة.. فهو مثل جميع أطفال الروضة كان يحلم.. منذ أن حدثتهم الست أروى عن القطار، بركوب هذا الكائن الخرافي الطويل الذي لا يستطيعون أن يتصوروا كيف يجلس الناس فيه.. كيف يأكلون وكيف ينامون فيه.. فهو يبدو لهم ذا بعد واحد.. طول فقط.. ولم يكونوا يستطيعون أن يتصوروا كيف يسير ولا يسقط أو يميل إلى الشمال أو إلى اليمين وهو ينزلق على خطين ضيقين من الحديد.. كما قالت الست أروى..‏

ـ كيف يسير القطار؟ إنه ينزلق على خطين رفيعين من الحديد..‏

وأخرجت من علبة من الكارتون قطعاً صغيرة من سكة حديد أوصلتها ببعضها البعض لتشكل دائرة.. ((هذه يا أطفال سكة القطار)).. ثم أخرجت قاطرة صغيرة تتحرك ببطارية كهربائية ألحقت بها مجموعة من العربات الصغيرة.. وضعتها على السكة.. ثم ضغطت زراً صغيراً أحمر اللون في جسد القاطرة التي انطلقت تشق طريقها فوق الخطين الحديديين.. وراح القطار يدور بلا توقف ويطلق مع كل استدارة صفيراً مرحاً..‏

ـ هكذا يسير القطار.. يا صغار..‏

ـ ست كيف لا يسقط؟‏

ـ إن عجلات القطار تستقر على السكتة الحديد فلا يسقط.. انظروا..‏

أوقفت القطار ورفعته عن السكة لتريهم العجلات..‏

ـ انظروا يا صغار هكذا تدخل السكة داخل العجلات فلا يسقط القطار.. ومنذ ذلك الحين وسعد وبقية الأطفال يحلمون بالقطار.. وتمنى بعضهم أن يصبحوا سائقي قطار حين يكبرون..‏

إذن.. سيركب سعد القطار.. يالها من فرحة.. وحين يعود من البصرة.. سيحدث المعلمة.. الست أروى.. والأطفال عن هذه السفرة السعيدة.. وسيحدث هناء أيضاً.. وسيحكي لها كل شيء..‏

(((‏

ساحت عيناه بعيداً.. ورويداً.. رويداً ضاق ما بين أجفانه إذ أخذته سنة من النوم.. نسي معها الروضة.. نسي الزلاقة.. ونسي أمه الجالسة قبالته.. وغرق في حلم لذيذ يشف عن عالم الفرح الذي ولج فيه.. ابتسامة خجولة تلوح على وجهه ثم تتلاشى لتضيء وجهه بعد حين.. تجيء وتروح وسميرة تتطلع فيه مبهورة.. وراح يحكي لهناء حكاية الحلم السعيد..‏

ها قد وصلنا محطة القطار.. أوصلتنا جدتي بسيارتها.. وكنت أنت معنا.. أسرعت ماما إلى شباك التذاكر.. ثم ركبنا القطار.. وكان داخله كبيراً لا كما تصورناه أنا والأطفال.. وبعد أن امتلأ القطار بالناس.. أطلق القطار صفيراً ثم تحرك.. وكنت أنت وجدتي تلوحان بأيديكما.. في البدء شعرت بشيء من الخوف.. خشية أن ينزلق القطار عن السكة.. لكن ماما قالت إنه لن ينزلق.. ولن يخرج عن السكة..‏

كان القطار يهتز.. ويهتز.. وما كان سعد ليدري ما الذي حصل.. فالقطار الذي هو فيه لم يكن القطار الذي ركبه.. هو وأمه.. وإنما هو عينه القطار الذي أرته إياه، هو وبقية الأطفال.. الست أروى.. وكانت الست أروى والصغار كلهم فيه.. تحوم فوق رؤوسهم فراشات ملونة.. وعصافير صغيرة.. صغيرة جداً.. وحمائم بيض.. وغزلان تتقافز.. وكانوا جميعاً ينشدون أنشودة المطر.. الذي ستجيء به السماء فتزهر الأرض ورداً أبيض وأحمر.. وعشباً أخضر.. ويعود من غاب.. وفي السماء تلتمع النجوم.. وثمة قمر يتدلى كبيراً من السماء.. وبالقرب منه يقف المجنون وليلاه.. الذي كانت جدته تروي لـه ولهناء.. حكاية حبهما.. وحكاية البنات السبع وهن يطفن في السماء.. وفي الأفق البعيد.. مجرَّة تمطر أنجماً تتساقط كاللؤلؤ المنثور.. وبغتة.. يتوقف نشيد المطر.. وأيقظتني ماما لتقول لي.. هيا وصلنا البصرة.. في الطريق لبيت خالتي رُبى سألتها..‏

ـ متى سنعود إلى بغداد؟‏

ـ لكننا الآن وصلنا البصرة.. أسئمت البصرة ونحن ما نزال في حواشيها..‏

قلت:‏

ـ لا.. لكني أريد أن أركب القطار ثانية..‏

كانت سميرة تنظر إليه بحنان.. أدركت أنه كان يسرح في عالم الحلم الجميل.. فلم تشأ أن تقطع عليه ذلك الحلم الجميل.. حتى أفاق من إغفاءته..‏

ـ أين كنت يا سعد؟‏

ـ لو تعرفين يا ماما.. أي حلم جميل كان..‏

وحدث نفسه هامساً..‏

ـ ليتني أرى ذلك الحلم من جديد..‏

ـ ألا تحدثني عنه؟‏

ـ بلى سأفعل يا أماه.. ولكن لِمَ أيقظتني من ذلك الحلم اللذيذ؟‏

ـ أنا لم أوقظك ولكن أنت أفقت حين توقف القطار بعد أن وصلنا البصرة..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244