|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:28 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الكتاب السابع.. جنة عدن.. أحلام محرمة.. ما في حدا.. لا تندهي ما في حدا.. ... ... ... صاروا صدى... بصوت هامس لا يكاد يسمعه أحد غيرها.. كانت سميرة تردد هذا المقطع من أغنية فيروز وهي منهمكة بإعداد طبق من الحلوى كان سعد مغرماً به.. فجأة.. توقفت.. كما لو أنها تذكرت أمراً ما كان عليها أن تنساه.. ونادت: ـ هناء.. هل انتهيت من كَيْ قميص سعد؟ وعادت إلى طبق حلواها.. وصاروا صدى.. غير معنيةٍ بجواب على سؤالها.. كانت سميرة تشعر بسعادة وقدرة على العطاء بلا حدود.. فاليوم ذاك.. كان من أسعد أيام حياتها وحياة أسرتها الصغيرة.. كيف لا يكون الأمر كذلك وهو اليوم تخرج فيه طارق وسعد في الكلية الطبية.. وتحقق حلم عزيز من أحلامه.. ذلك الحلم الذي بدأت خيوطه تتشكل وتنمو في وجدانه منذ كان فتى يافعاً.. وهو يشهد مأساة أطفال الإشعاع.. كما عرضها الفيلم التلفزيوني.. لم تجب هناء.. كانت بعيدة عن أمها.. وربما لم يصل مسامعها السؤال.. ربما كانت غارقة في الاستمتاع بأغنية تحبها من أغنيات ناظم الغزالي التراثية.. على خلاف بنات جيلها المغرمات برطانة أغنيات أواخر القرن.. كلمات وموسيقى وألحاناً وأصواتاً منفرة.. وتذكرت سميرة سؤالها من جديد.. فصاحت: ـ هناء.. هل انتهيت من كَيْ قميص سعد؟ إن الوقت يمر سريعاً.. وسرعان ما سيبدأ المدعوون بالحضور.. ومرة أخرى.. بدا وكأنها لم تكن معنية بتلقي جواب على سؤالها.. بقدر ما كان السؤال بحد ذاته وسيلة للهرب من شيء يلح في ذاكرتها مورثاً إياها إحساساً غامضاً لا تدرك كنهه ينضح مرارة وألماً غافياً بين الضلوع.. أزاحت خصلة شعر تهدلت على جبينها وكأن حركتها تلك ستبعد عنها ما كانت تحس به.. لاحت في مخيلتها صورة مشوشة غير واضحة المعالم لفتاة يانعة: تُرى.. كيف هو شكلها.. هل ستأتي.. ستذهب يوماً لتخطبها لابنها سعد.. سيوافق أهلها.. ونقيم لهما حفلاً تتحدث عنه الركبان.. ويأتيان بصبايا وصبيان.. وسأكون أنا جدة.. ترسم السنون شقوقاً وأخاديد على وجهه وتحت عينيها.. وتبدو العروق نافرةً على ظاهر كفيها.. .. ابْيَضَّ شعرُها.. وتحكي لأحفادها حكاية السلطان وشذا الرمان..والفتى قمر الزمان من دون حديقة الصّوَّان.. وستروي لهم حكاية الذئب الذي التهم الحمل الوديع بأنه قد عكر الماء.. فلما بَرَّأ الحمل ساحته قال لـه الذئب إن أباه إذن من عكر الماء أو الجد الذي كان.. وحتى بعد أن بَرَّأَ الحمل الوديع أباه وجده.. استقر به المقام في بطن الذئب مع من سبقه من الحملان.. وستقول لأحفادها: خذوا بالكم أيها الفتيان.. فهذه الحكاية حكاية قوية البلدان.. رفعت يدها إلى وجهها.. تلمست خدها.. مرت بأطراف أناملها تحت عينيها.. وراحت تخاطب نفسها بصمت.. دون أن تعير إذناً لما قالته هناء.. ((إيه يا زمان.. ما أشد قسوتك.. هكذا هو دوماً.. في الأيام السعيدة.. والمناسبات الحلوة.. يجري الزمان سريعاً كنهر دفاق يسابق البشر في مباراة ماراثونية.. والساعة لا تبقى ستين دقيقة بل تصبح خمساً بالتمام والكمال.. أزاحت خصلة شعرها عن عينها.. وقالت: ((رحم الله أجدادنا البابليين.. أما كان بإمكانكم أن تجعلوا نظامكم الستيني مئوياً.. فتكون الساعة مائة دقيقة بدلاً من ستين دقيقة؟.. إيه أيها البابليون... ألم تفكروا بزماننا الذي يجري فيه كل شيء ركضاً من الصباح حتى المساء!)) وانتبهت أخيراً إلى ما كانت تقوله هناء: ـ أمي.. نحن ما نزال في الساعات الأولى من الضحى.. إنها التاسعة صباحاً.. والحفل لن يبدأ قبل السادسة مساءً.. فعلام العجلة؟ ورفعت هناء القميص ممسكة به من طرفي كتفيه: ـ أترين؟ إنه جاهز للبس.. ثم وهي ضاحكة: ـ ماما.. أنسيت ما كنت تقولينه دوماً.. ((العجلة من...)) وقبل أن تنهي العبارة قالت الأم: ـ الشيطان.. ـ والهداوة من الرحمن.. وضحكتا سوية لتقوم الأم بعد ذلك: ـ حقاً.. ولكن من الأفضل أن ننهي عملنا قبل الظهيرة.. ولا تنسي فما يزال أمامنا إعداد الطعام.. وكذلك الحلوى والمعجنات.. وهناك تزيين الدار.. وهذه كلها بحاجة لمزيدٍ من الوقت.. ـ ماما.. دعي كل هذه الأشياء لي.. عليك أنت فقط إعداد الطعام.. فأنت.. والحق يقال.. لا أحد أمهر منك في المطبخ.. كما يقول العم فؤاد.. أنسيت ((مائدة الخميس)) وأيامها الحلوة؟.. أما ما بقي.. فهذا من اختصاصي أنا.. يكفي أنك أعددت الطبق الذي يحبه سعد.. وبالمناسبة.. لقد أحضرت بعض الحلوى والمعجنات وأشياء جميلة أخرى.. وسأقوم فوراً بإنهاء ما تبقى.. وتعليق أشرطة الزينة وتنسيق الزهور.. قبل الثانية بعد الظهر.. تحول البيت إلى قاعة احتفالات باذخة.. أشرطة لماعة ملونة.. بالونات مختلفة ألوانها.. كرات زجاجية حمر.. وخضر.. وصفر. وزرق.. وبيض.. تلتمع في الفضاء كلما داعبها النسيم زهور اصطناعية شفافة يصعب على الناظر إليها أن يميزها عن الزهور الطبيعية.. وورود حقيقية يفوح أريجها في البيت كله.. وانتشرت زهريات وأصص ورد الجوري هنا وهناك.. واحتلت زهور الرزاقي المتفتحة كنجيمات هبطت من السماء موقعاً متميزاً لتشيع في البيت أجواء مخضلة برائحتها الفواحة التي تحبها سميرة وسعد وهناء حد العشق.. ولا يمر يوم دون أن تحتل في البيت موقعاً.. طيلة الموسم الذي تزهر فيه... كادت هناء تنتهي من وضع اللمسات الأخيرة في زينة البيت حين رن جرس الباب.. فتحت هناء الباب وقالت: ـ الحمد لله أنك قد عدت الآن.. إني أكاد أموت جوعاً.. ثم التفتت إلى أمها: ـ أمي.. دعينا نتناول الغذاء فقد عاد سعد.. ثم أنجز ما تبقى.. ((( في الساعة السادسة، وضعت هناء شريط موسيقى خفيفة في المسجل.. حيث بدأ أصدقاء سعد وزميلاته يتوافدون على الدار.. كان أول القادمين طارق وسامر، المهندس المعماري.. حين فتح سعد الباب، اندفع الاثنان ضاحكين عبر الباب وكأنهما خيول تدخل السباق لأول مرة.. كان كل واحد منهما يريد أن يكون الأول في تقديم هديته.. تنحى سعد جانباً خشية أن تدهسه خيول السباق.. علت ضحكاتهم مجلجلة كما لو أنهم قد انتهوا من سماع نكتة ساخنة.. بعد قليل.. جاءت الفارعة.. كانت أشبه بنسمة صباح ربيعي. هادئة.. رقيقة وظل ابتسامة شفيفة تلوح على وجهها الأسمر.. تتماوج مع انعكاسات هفهفة بدلتها الفيروزية ووشاحها الأبيض الذي ينحدر من على كتفيها كشلال ماء.. تطلع سعد مبهوراً.. كادت أنفاسه تتوقف.. كان دوماً يراها بالزي الموحد.. كل شيء بلون الرماد.. طيلة أيام الدراسة.. لكنها الآن تغرق بفيروز هفهاف.. يتماوج على إيقاع نسمة رخية.. إنها معجزة.. وأفاق سعد من عالمه المسحور.. على كلمات الفارعة وهي تقدم لـه هديتها.. ـ شكراً فارعة.. شكراً.. تعالى.. سأقدمك لأمي وأختي هناء.. مدت أم سعد يدها مصافحة وهي تتمتم بهمس: ـ سبحان من خلق.. كانت مأخوذةً دهشة وإعجاباً.. إذ كيف يستقيم لون عينيها الأخضر وسمرة وجهها الخمرية وشعرها الأسود الذي ينافس ليلة غاب قمرها سواداً.. كانت معادلة لونية مثيرة.. يزيدها جمالاً خال في أعلى وجنتها اليسرى.. بدا للحظة أن كل شيء كان مصطنعاً.. لكن حقيقة الأمر أن كل شيء كان طبيعياً.. حتى إنها لم تستعمل من مستحضرات التجميل غير أحمر شفاه يميل قليلاً إلى لون برتقالة توشك أن تنضج.. لينسجم مع مجموعة من الألوان التي تنثال سحراً مع إشعاعات شمس المغيب التي تتسلل خلسة عبر ستارة النافذة الشفافة.. قالت سميرة: ـ أهلاً وسهلاً.. مرحباً بك.. لقد حدثني سعد عنك كثيراً.. وكنت أتوق لرؤيتك.. تصورتك في خيالي.. وأعطيتك درجة عالية في الجمال.. لكن علي أن أعترف.. أن الدرجة التي أعطيتك إياها.. لا ترقى إلى ما أرى.. أهلاً.. أهلاً بك يا فارعة.. ـ أنا أيضاً سمعت الكثير عنك.. وعن هناء.. وقرأت بعض ما كتبت.. أنا معجبة جداً بكتاباتك.. وأرجو أن يتوفر لي وقت كاف لأقرأ ما فاتني.. ـ هذا يسعدني حقاً.. وسيسعدني أن أقدم لك بعض ما كتبته حين تتوفر لك فرصة لقراءته.. ـ شكراً.. شكراً خالتي.. سأكون ممتنة جداً.. وسأقرأ كل ما كتبت في المستقبل.. أعدك بذلك.. كان سعد ما يزال ممسكاً بهدية الفارعة.. وكأنه يضم بيده وردة من ورود الجنة.. كان حائراً لا يدري إن كان عليه أن يتركها جانباً ليهتم بالمدعوين.. أم يفتحها.. أخيراً.. قرر أن يضعها قرب الحصان العربي.. لكن الفارعة اعترضت وهي تبتسم وتشير بسبابتها: ـ لا.. لا تضعها جانباً.. بل افتحها.. وراح سعد يفك الشريط أولاً ثم فتح ورق الهدايا.. ليجد علبة خشبية جميلة.. مخرمة بدقة.. من الأبنوس.. فبدت لرقتها أشبه بقطعة من الدانتيل.. صاحت هناء بإعجاب: ـ الله.. ما أجملها فتح سعد العلبة.. ليجد داخلها علبة مماثلة أصغر حجماً.. ولكن بالرقة ذاتها.. فتحها.. وإذا بعلبة ثالثة مماثلة.. بدأت الابتسامات ترفرف على الوجوه.. فتح العلبة الثالثة ليفاجأ بعلبة رابعة تحمل المواصفات ذاتها.. ثم الخامسة.. والسادسة.. وأخيراً كانت السابعة.. كان حجمها لا يزيد على حجم مبراة صغيرة.. لكنها تحمل التخريمات ذاتها.. قالت أم سعد وقد التمعت عيناها بسمةً: ـ ما هذا يا فارعة؟ أهناك علبة أصغر؟ ضحكت الفارعة وقالت: ـ إن ذلك لا يعلمه إلا الله... ـ هيا.. هيا.. تابع عملية الفتح.. فقد تسعد يا سعد بخاتم سليمان.. قالت هناء.. ممازحة.. صاح سعد: ـ افتح يا سمسم وفتح غطاء العلبة السابعة.. كان فيها مصحف ذهبي بسلسلة ذهبية رقيقة.. وبه التخريمات ذاتها.. انطلقت صيحات الإعجاب من الحاضرين.. فيما قال سعد: ـ إنها حقاً أجمل هدية تلقيتها.. وهي تستحق أن توضع في مثل هذا الحرز الأمين! وعقلها حول رقبته... لكن هناء تدخلت ممازحة: ـ أظن أن هذه الهدية ينبغي أن تكون لي لا لسعد.. فالرجال لا يضعون السلاسل حول رقابهم.. ـ هذا كلام أيام زمان.. فالشباب الآن يرتدون ما يجعل آباءهم وأجدادهم يفزعون من نومهم.. إن رأوا ما يلبسون.. وأحمد الله أني لم أرتد، طيلة حياتي التي عشتها حتى الآن ـ ولا أظن أنني سأرتدي في المستقبل ـ ما يرتديه شباب هذه الأيام.. علق سامر بمرح: ـ قمصان ذات ورود فاقعة.. دوائر.. مربعات.. أشكال هندسية.. تكعيبية وتجريدية.. وحتى سلفادوردالية تضج بألوان صاخبة.. وحين يسير المرء في الشارع يخال أنه في معرض للفن التشكيلي.. حتى... قاطعته هناء: ـ وفي أرض الله كلها.. ـ لا.. لا.. في عالمنا الثالث.. على وجه الخصوص.. في الهند والصومال.. في أندونيسيا وبلاد النيبال.. وكأن الناس في هذه البلاد على موعد لاغتيال الذوق الجميل.. أضاف سامر.. كانت الفارعة تصغي باهتمام.. ثم قالت: ـ أعتقد أن السبب وراء هذا التردي الذوقي يكمن في انعدام التربية الفنية.. فالمَلَكة الذوقية في العالم الآخر.. تنمو وتترعرع منذ نعومة الأظفار... نحن نشيب ولا تتاح لنا زيارة معرض للرسم أو النحت.. أو حضور حفل موسيقي.. أو التفاعل مع الطبيعة.. ـ حقاً.. نحن نعيش ونموت والهموم تلاحقنا.. علقت أم طارق وأضافت: ـ إنني لا أستطيع أن أتصور نفسي يوماً وأنا أسير برفقة رجل.. زوجاً كان أم أخاً.. وهو يرتدي قميصاً مزركشاً بألوان صاخبة.. ولو فعل الشباب ذلك.. ماذا أبقوا للفتيات.. ـ أنت محقة في ذلك يا أم طارق.. قالت أم سعد.. أنا أيضاً لا أحبذ مثل هذه الألوان والتشكيلات الحدائقية في ملابس الرجال.. فالملابس والألوان تكشف عن شخصية من يرتديها.. وأنا منذ أن كان سعد صبياً صغيراً لم أجعله يرتدي في يوم من الأيام، ملابس مزركشة فاقعة الألوان.. ـ وإذن.. فهذا هو السبب الذي جعلك تحجم عما يرتديه شباب هذه الأيام.. قالت الفارعة موجهة الحديث لسعد.. ـ ربما.. وربما لأنني شخصياً أميل إلى الألوان الهادئة ذات الأشكال البسيطة.. أقصد الأقمشة المخططة برقة أو ذات المربعات الصغيرة.. سألت الفارعة: ـ الصغيرة فقط؟ ـ أجل الصغيرة فقط.. إذ لا أدري كيف توحي لي المربعات الكبيرة أو الخطوط العريضة بكونها خاصة بملابس المهرجين.. وإذا ما رافق ذلك أربطة صاخبة التشكيلات والألوان.. يكتمل المهرجان.. وعندها ننتظر من سيفوز بالجائزة الكبرى.. سافرت عينا هناء إلى طارق.. كان يرتدي قميصاً ذا مربعات كبيرة نوعاً ما باللونين الأبيض والبني.. فجعله ذلك يبدو غير متناسق الأبعاد خاصة وأنه كان يميل إلى السمنة.. شعر طارق بنظرة هناء.. فبادر إلى القول وقد علت وجهه ابتسامة تعلن أنه قد تلقى الرسالة: ـ هناء.. أعرف ما يدور في رأسك.. ولكن ثقي لست أنا من اختار هذا القميص وإنما خالتي رحمها الله.. كان هدية بمناسبة عيد ميلاد لي منذ سنوات قبل رحيلها.. ولم ألبسه إطلاقاً.. هذه هي المرة الأولى التي أرتديه فيها.. إكراماً لذكراها، فقد توفيت في مثل هذا اليوم.. كان من بين الحضور بالطبع.. العم فؤاد.. زوجته نائلة.. وبناته دانية ورانية وتيماء.. التي كانت تنتظر تخرج سعد على أحر من الجمر.. كانت تمني نفسها.. وكان والداها كذلك، بالاقتران بسعد.. غير أن سعداً لم يكن يحمل لها ما تحمله هي لـه من مشاعر حب نمت في قلبها الصغير منذ يوم أن سقط من الزلاقة.. في حينه بكت خوفاً عليه.. لكن خوفها ما فتئ أن تحول ليغدو حباً يكبر مع الأيام.. أما هو سعد.. فكان يودها وينظر لها مثلما ينظر إلى هناء.. أختاً ثانية له.. فكان قلبه مفتوناً بعيني الفارعة الخضراوين.. وبشرتها الخمرية المضرجة بدم الورد فتضج سحراً وجاذبية.. اقتربت تيماء من سعد والمجموعة التي تحيط به.. حيث الجميع.. وقدمت هديتها.. مهنئة.. ـ شكراً.. شكراً تيماء.. إنني سأتطلع إلى يوم تخرجك أنت.. وأتطلع ليوم أراك فيه تدافعين.. وأنت بروب المحاماة.. عن الحق.. وعن الضعفاء والمعذبين في الأرض.. وتنزلين العقاب بالمعتدين من كل جنس ولون.. قال سعد ذلك وقد ارتسمت على محياه ضحكة مرحة.. علقت هناء: ـ أكيد.. أكيد.. لم يبق وقت طويل علي يوم كهذا.. وعندها سنحتفل بفوزكِ بأول قضية.. انتبهت سميرة إلى أن ثمة نوعاً من انكماش أو شيئاً من برود المجاملات يسود جو الحفل.. فنادت من موضعها.. ـ يا شباب.. يا شابات.. هيا نرقص.. أم أنكم تريدون أن تقضوا هذه الأمسية بطولها في خطب رنانة ومناقشات لا نهاية لها.. يا لله.. يا لله.. لنرقص معاً.. واندفعت متمايلة وسط الصالة وقد سحبت أم طارق بيدها.. تركتها وسط الصالة.. وراحت تسحب الحضور فرداً فرداً من أيديهم.. ولم تكد تمض لحظات حتى كان الجميع يرقصون.. يتمايلون.. يهزون أكتافهم أو يصفقون.. لينضموا في دبكة دارت بهم مع استدارة الصالة مرات عدة.. وحين أعياهم الرقص وقف سعد في منتصف الصالة ليعلن أن طارقاً يجيد أداء المقام العراقي.. وكأنه لم يكن يصدق ما سمع.. إذ انطلق ينشد ما يجيد أداءه من المقامات بين تصفيق الحضور وصيحات الإعجاب.. كان صوته عذباً.. شجياً مفعماً بشجن عميق تلونه لمسة من حنان تشف عن فيوض من المحبة والنقاء.. وحين انتهى ساد الصالة صمت مهيب.. مرت لحظات وكأن القوم أصابهم مس من السحر.. وفجأة.. التهبت الأكف بالتصفيق.. وارتفعت تطالب طارقاً المزيد.. إلا أن أم طارق انبرت مازحة: ـ يا جماعة.. انتم تحرموننا من الرقص.. فنحن لم نأت لنؤدي طقوساً مقامية.. التفتت سميرة إلى طارق وقد خافت أن يصيبه حرج: ـ طارق عزيزي.. ((لا تزعل)) فحضورك يضيء حفلنا كبرق قادم من السماء السابعة.. وأمسكت بيده.. سحبته من مقعده.. وانطلقت ترقص معه.. تمايلت كغصن داعبته نسمة حنون.. هزت أكتافها.. ولوحت بيديها.. رقصت كما لم ترقص من قبل.. لكنها الآن تريد أن توفي نذراً سرياً نذرته مع نفسها.. كان ذاك حينما كانوا في لندن وأعلن سعد أنه يريد أن يصبح طبيباً ليعالج أطفال الإشعاع.. لقد أقسمت أن ترقص يوم يتخرج سعد طبيباً.. وهاهو قد فعل.. وبامتياز.. تركت يد طارق وراحت تطير كفراش تحوم حول شعلة من نور ونار.. موزعة حبها وحيويتها وانطلاقتها على الجميع وهي تفيض بهجة وفرحاً كأن بها حمى مقدسة.. اندفعت نحو سعد والفارعة.. أمسكت بأيديهما.. وراحت تدبك وإياهم.. وسرعان ما انضم إليهم بقية الحضور.. تشابكت الأيدي.. وعلا صوت طارق.. "... ... ... وجسر الحديد انكطع من دوس رجليه.." والأقدام تهز الأرض بقوة وعنفوان.. والدم يفور متمرداً في العروق.. التهبت الخدود.. توهجت العيون.. وألوان قوس قزح تبرق من هفهفة الملابس وهي ترفرف مع إيقاع السيقان.. وظلوا يرقصون وقد نسوا مسرى الزمان قبل أن تأتيهم رياح تحمل بين ثناياها شعاعاً متوهجاً بلون البرتقال.. حتى أعياهم الرقص.. عندها وقفت أم طارق لتقول: ـ يا جماعة.. اسمعوا.. سأقول لكم سراً.. إن أم سعد تمتلك صوتاً جميلاً.. فلنستمع إليها.. وراح الجميع يصفقون.. وانطلقت صيحات: ـ هيا.. هيا.. يا أم سعد.. أتحفينا بأغنية.. هيا.. هيا.. ـ لا... لا أستطيع.. ـ ولِمَ لا؟ ـ لا أستطيع.. هذا كل ما هنالك.. ـ لكن.. سبق أن غنيت.. يا أم سعد.. وأنا شاهدة.. قالت أم طارق.. حقاً.. لقد سبق لها أن غنت مرة واحدة في حياتها أمام أناس غرباء.. وإن كانوا زملاء.. كان ذلك في زمن بعيد مضى.. حينها كانت طالبة تدرس مادة الإعلام في جامعة موسكو.. وكانت أم طارق معها في الجامعة عينها تدرس مادة الأدب الروسي.. وفي ليلة احتفالهم بانتهاء السنة الدراسية الأولى.. وقد غمرتهم جميعاً.. هما وبقية الزميلات والزملاء.. مشاعر غربة سنة كاملة عن الوطن والأهل والأصدقاء.. راحوا يغنون سوية: فوك الناخل فوك.. فوك يابه فوك.. النخل فوك.. مدري لمع خده.. يابه مدري الكمر فوك.. وما كان ذاك بالشيء العسير عليهم جميعاً.. فحين يكون المرء في حشد من الناس، يستطيع أن يفعل ما يفعله الآخرون وما لا يستطيع فعله منفرداً أمام جمع من الناس.. لكنهم.. واحداً بعد الآخر.. راحوا يتوقفون عن الغناء.. كلٌ عندما يدرك أنه لم يعد يعرف كلمات الأغنية.. كانت سميرة الوحيدة بينهم.. تعرف كلمات الأغنية حتى نهايتها.. وكأنها نسيت نفسها.. أو أنها لم تنتبه أن الآخرين توقفوا عن الغناء.. أو ربما كانت قد بلغت حداً من الانسجام.. إذ راحت تشدو وحدها.. حتى حانت لحظة انتبهت فيها أن الجميع كانوا صامتين وأنها الوحيدة التي كانت تغني.. ارتعش صوتها.. احمرت وجنتاها.. وبغتة.. توقفت عن الغناء.. راحت الأكف تصفق إعجاباً وطرباً.. ابتسمت سميرة خجلاً وهي تحرك يمناها أمام وجهها وكأنها تبعد عنها فراشة محومة.. مدارية خجلها.. مرت لحظة صمت.. بادرتها هدى.. وكان هذا اسم أم طارق.. قبل أن تتزوج وتنجب سامراً وطارقاً.. ـ سميرة.. إن لك صوتاً جميلاً.. وافقها الجميع مُلحين أن تسمعهم أغنية أخرى.. ـ لكني لا أستطيع.. ـ ولِمَ؟ ـ لم يسبق لي أن غنيت من قبل أمام أي كان.. ـ لكنك فعلت الآن.. ـ لا أدري كيف حدث ما حدث.. كنا نغني سوية.. حتى باغتموني بتوقفكم عن الغناء.. ولم أنتبه في البداية لذلك.. ـ حسناً.. اغمضي عينيك وأسمعينا أغنية أخرى.. راحت سميرة تداري مشاعر الخجل التي اعترتها.. خفضت عينيها تتطلع في الأرض.. تسافر هنا وهناك كأنها تبحث عن شيء عزيز افتقدته.. منذ زمن بعيد.. ربما عن الأرض التي أنبتتها.. عن الوطن الذي يغفو وراء المسافات البعيدة.. عن البيت الذي ينضح حباً ويستدر الدموع حتى عند الفرح.. عن الدروب.. عن الشوارع التي سارت فيها رواحاً ومجيئاً تلتقي بين منعطفاتها الأصدقاء والأحبة الذين مروا من هناك.. ونار الشوق تتلظى بين الضلوع.. رفعت عينيها.. سافرت في الوجوه المنتظرة من حولها.. مرت بأناملها على جبينها.. وهي تدندن لحناً فيروزياً.. وقليلاً.. قليلاً علا صوتها رقيقاً.. ينساب حنيناً وذوباً للذين كانوا هناك يزرعون الشمس في الوطن البعيد.. ويحصدون الحب شوقاً للذين غابوا في الغربة وراء المسافات القصية.. صمت مسحور خيم على الجميع فيما تموج صوتها عذباً كنوح الحمام.. ما في حدا.. لا تندهي ما في حدا.. عتمة وطريق وطير طاير عا المدى. باب مسكر.. والعشب غطى الدراج.. شو قولكن.. شو قولكن.. صاروا صدى.. ما في حدا... ... .... وتوقفت.. وفي ذلك الصمت المسحور الذي لفها من كل جانب.. تلفتت حولها تبحث عن الوجوه التي كانت هناك تذوب في سحر ما غنت.. عن الياسمين.. عن زهور الرازقي التي تتضوع عطراً.. عن الأضواء عن الشموع وارتعاشات الأشرطة الملونة والكرات البلورية التي تنثر البروق هنا وهناك.. لا شيء.. لا شيء هناك.. ولا من أحد.. لا هناء.. ولا سعد.. لا أم طارق ولا الفارعة. كانت تجلس وحيدة في غرفة مكتبتها.. هي وحدها وصفوف من الكتب تغطي الجدران من الأرض حتى السقف.. ومنضدة كتابية تناثرت عليها مجموعات من الأوراق.. منها ما كان يعد أبيض.. فارغاً لا خط فيه ولا كلمات وأخرى بينها مخططات لمشاريع مقبلة أو كتابات منجزة تنتظر النشر من بينها دراسة عن المعادن الثقيلة.. وفنجان قهوة لم يبق فيه غير الثمالة.. ومجموعة من صور فوتوغرافية ترقد على حضنها.. فيما كان بعض منها قد سقط أرضاً.. ساحت بعينيها في صفوف الكتب وهي تسائل نفسها.. ((ما الذي حدث.. ماذا أصابني.. أكنت قد غفوت للحظة.. أم أن خيالاً جميلاً اشتط بي فأخذني نحو تلك العوالم المشتهاة والأحلام المحرمة..؟)) انحنت.. التقطت الصور الفوتوغرافية الراقدة على الأرض.. كانت صوراً لسعد في عيد ميلاده الأول.. وعيده الثاني. وما تلاهما من أعياد سعيدة.. حيث تلألأت الشموع والقلوب الزجاجية الملونة.. تطل من بينها وجوه طفلة تشع نوراً وفرحاً وبراءة.. وثمة صورة لسعد يشارك في رقصة قدمت في حفل التخرج من الروضة وهو يرتدي لباس فارس مغوار.. وأُخَرْ في المدرسة الابتدائية.. وفي حديقة الدار مع والده والعم فؤاد.. وصورة أخرى تحتضن الأسرة كلها.. حيث يفترش أرض الحديقة الصغار كلهم.. سعد وهناء.. سلام وداليا..سنار ومية.. يقف من خلفهم كسور حصين كبار الأسرة.. العمة سلمى ورياض.. أحلام وسميرة.. وعلى يسارها العم فؤاد ونائلة والبنات الثلاث.. دانية ورانية وتيماء.. وفي قمة الصورة يقف من ورائهم جميعاً رائد وقد أفرد يديه كجناحين يريد احتضان الأسرة كلها.. تأملت سميرة تلك الصورة.. قَلَبتها.. وراحت تقرأ بصوت هامس ما كتب خلفها: أُخِذَت هذه الصورة في الحفل الذي أقيم بمناسبة ترقية رائد! التقطت صورة أخرى تضم سعداً وسامراً وطارقاً وطفلاً آخر لا تتذكر اسمه.. كان الفرح يفيض من عيونهم وعلى وجوههم.. وهم يتطلعون نحو أفق وردي ويشيرون بسباباتهم الصغيرة نحو رأس سعد كأنه نجم صاعد.. توقفت عند تلك الصورة.. تأملت الوجوه الطفلة.. ووقفت عند وجه طارق.. كان طارق.. مثل سعد.. يحلم أن يصبح طبيباً.. وها قد تحقق حلمه.. فذلك اليوم كان يوم تخرجه.. وكمن تعود به لحظات متراجعة من الزمان.. تساءلت أم سعد ونفسها.. ترى.. ما الذي كان قد حدث؟ ومن تكون الفارعة؟ أهي حقيقة.. وهم.. أم خيال تراءى لي وأنا في غفوة من الحياة ومن الزمان؟.. أنا لا أعرف أحداً بهذا الاسم.. وحتى إن اسماً كهذا لم يمر بي طيلة الحياة التي عشتها.. ولم أر من كان شبيهاً بها.. حقاً كانت جميلة كصبية الحلم.. أيمكن أن تكون هي نفسها صبية الحلم وقد عادت لتسري عني لحظة وجع في القلب مقيم هيهات أن يخف أواره أو أن يموت مع موت الزمان.. ولونها الخمري الملتهب والخال الأسود الذي يعلو وجنتها اليسرى.. من أين جاءا؟ أم أكون أنا من جاء بهما؟ أهو لون سعد الخمري وخاله الذي يعلو غمازة خده الأيسر؟ أكنت قد استعرتهما من وجه سعد لأمنحهما لصبية الحلم وقد غدت شابة تشع ألقاً وبهجة وتهيم حباً بسعد.. الذي يسكن كل خلايا جسدي مهما نأت به الأيام.. نهضت من مقعدها.. سارت بكسل نحو النافذة.. أزاحت الستارة.. وراحت تنظر في سماء بعيدة خضبتها شمس آفلة.. فيما راحت وريقات يابسات تتهافت في مهب نسمة كنجيمات خبت أضواؤها فراحت تساقط من علاها.. ومثل يوم تقوم فيه القيامة.. ويُبعث الموتى في يوم النشور.. انبعث في ذاكرتها.. مع تهافت النجوم ووريقات الشجر.. وجوهٌ طفله ذهب المرض المشع بنور الله من محياها.. فلم يُبق غير عظام واهنة.. وشحوب يزرع الهلع في القلب.. وعيون وسيعة تنهمر الأحزان منها انهمار المطر.. تُرى.. لو كانوا أحياء.. أما كانوا الآن شباباً يحتفي البعض منهم بتخرجه.. وينتظر آخرون أن يأتيهم يوم مماثل.. يصبحون فيه أطباء.. علماء.. مهندسين.. أدباء.. شعراء.. فنانين.. ومعلمين.. قضاة ينشرون العدل بين الناس.. أو قادة عسكريين يدافعون عن أرض الوطن؟! أما كانوا سيتحابون.. يتزوجون.. ويملئون الأرض بنيناً وبناتاً.. ويصبحون آباء وأمهات.. ومن ثم أجداد وجدَّات؟! لكن اللهب المشع أخمد أنفاسهم قبل أن يستقيم لهم عود.. مثلما احترقت أنفاس الأحبة.. أحلام.. سلام.. داليا.. مية.. سنار.. وحبة العين رشا.. وأروى وأم أروى وآخرين.. وآخرين.. وانبعث من قلبها المكلوم آهة حرَّى تشتعل ناراً وكمداً.. فهذا هو اليوم الذي تخرج فيه طارق في الكلية الطبية.. ولو أن سعداً كان هنا.. هنا معنا.. هنا معنا.. لكنا احتفلنا بيومه هذا.. ولكان الحفل كما تراءى لي في الحلم أو الرؤيا... استدارت.. تطلعت في صورتها المنعكسة في مرآة جدارية.. خيوط من الفضة تسللت إلى ليل شعرها.. رفعت يدها لتزيح خصلة من الشعر تهدلت على جبينها.. كم كانت هناء تتضايق من تلك الخصلة.. حتى إنها أحياناً كانت تنسى نفسها وتتصور كما لو أن خصلة الشعر تلك كانت تحجب الرؤية عن عينيها هي فترتفع يدها بفعل لا إرادي.. لتزيح عن جبينها خصلة شعر لا وجود لها.. إلا في خيالها.. ظل ابتسامة موهنة أو ما يشبهها، ارتسم على شفتيها إذ تذكرت هناء التي كانت قد تزوجت من سامر وأنجبت طفلة جميلة سمتها ((سنار)).. وطفلاً يفيض حيوية سمته.. ((سعداً)) رن جرس الهاتف ليعود بها إلى حاضر زمانها.. وجاءها صوت سعد.. ـ بيبي.. سنأتي أنا وماما وسنار لننام عندك الليلة.. ـ أهلاً بك وبماما وبسنار.. قالت أم سعد وهي تدرك أن هناء تعلم ماذا يعني لها ذلك اليوم.. فقررت أن تقضي.. وطفليها، الليلة معها، لتخفف عنها ما يمكن أن تحمله لها الذكريات.. تهدلت خصلة شعرها الفضي على جبينها.. أزاحتها.. وهي تحدث نفسها: ((آن الأوان لأعد لسعد طبق الحلوى الذي يحبه.. قبل حلول الليل))... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |