|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:34 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
نازعه الحنين إلى رفاق الساحة. انتظر حتى أرخى الليل سدوله، ثم انطلق وحيداً بالسيارة الفخمة، يحمل بعض الأطعمة والفواكه. تحدوه رغبةُ شوقٍ إلى أحبّةٍ شعر أنه ابتعد عنهم أمداً طويلاً. أوقف السيارة. بحث عنهم. وجد فالح وفيصل، أما عادل فقد غادر إلى مشغرة للعمل في دباغة الجلود. دار الحديث هنيّاً عذباً. أفرد لهما طعامه. حدّثهما عن حياته الجديدة. غبطاه. ـ لو لم تكن نيّتك طيّبة، لما وقعت عند هذه السيدة المحسنة!. وعلّق فيصل: ـ هنيئاً لك يا عمّ. الذي أسعدك يسعدنا. دعاهما للقيام بجولةٍ ليلية على (الكورنيش) نهضا طائعين. طاف بهما على الكورنيش والبربير والأوزاعي وتوغّل في طريق صيدا، ثم عاد عبر الطرق الداخلية، فانتهى إلى الكارنتينا حيث بيوت الفقراء المصنوعة من الصفيح... لأول مرة ينطلق في بيروت بحيوية ونشاط وحبّ، وقد بدا لصاحبيه إنساناً آخر غير الذي عرفاه من قبل. ـ 3 ـ جاءت إليه لورا ذات صباح، فوجدته منهمكاً في القراءة. أدهشها ذلك: "أيعقل أن يكون مثّقفاً وهو من فصيلة العمال المشرّدين؟!. "أعجبها وضعه. قفزت إليه كعصفورة تتعلّم الطيران: ـ لابدّ أنها رواية عاطفية. قالت بعد أن قرأت العنوان، وقد تبدّل حالها: ـ ضائع في سوهو. ما شاء الله!... لفت نظرها كتاب آخر إلى جانبه. أمسكته. قرأت العنوان. ارتسمت علامات الفرح على وجهها، وهتفت: ـ عشاق فينيسيا.. يا سلام... صحيح أن من تجذبه عشاق فينيسيا لا تروق لـه نساء بيروت. ارتبك. نظر إلى عينيها. وجدها أنثى تودّ التمرّد والانطلاق.. قطةً برية متوحّشة. وهذا مواؤها المكتوم لا يخفى!.. أغضى من طرفه.. جلست إلى جانبه على السرير. نظراتها تخترق مسام وجهه.. غلت دماء الشباب البكر.. بدأت تحاول تبديد خجله. تُخرجه من القمقم الذي يسجن نفسه داخله.. عرفتْ كثيراً من الشباب الأسوياء أمثاله من قبل. انطلقت معهم إلى المصايف والمسابح والملاهي. رقصت معهم. شربت. تخدّرت على الأسرّة. قضت ساعات لذيذة أنعشت جسدها، سعدت بالفتوة والحياة المنفتحة الخالية من العقد والمخاوف، ولكن: ـ نبيل أنت تخفي سرّاً كبيراً.. أنت صورة لعاشق مهزوم. ـ لا. لورا. ـ نبيل. أنا خبيرة في المسائل العاطفية. نظرتي لا يمكن أن تخيب. أنا لست صغيرة. ـ لورا.. ـ أرجوك نبيل. بحْ بما في نفسك لترتاح. اعترف. أزح عن كاهلك ما يتعبك. حدّثني عما تعاني... نبيل. أنت خجول وحييّ جداً. منطوٍ على نفسك كثيراً، والخجل لم يعد مرضاً لأن الزمان تجاوزه.. الأطفال في هذا الزمن لا يخجلون. نظر إليها متوّسلاً أن تصمت. لكنها أردفت: ـ نبيل. كأس واحدة من الويسكي، شراب الآلهة، البلسم الناجع لترميم الروح، كفيلةٌ بأن تقلب حياتك رأساً على عقب. " يا إله السماء!! هل صحيح أن هذا البلسم الخادع يرمّم أوجاع أرواحنا؟!". "زفر بعمق. ازداد وجهه حمرةً.. تركته لورا لحظات، ثم ما لبثت أن عادت مسرعةً بـ (سيجارتين) أشعلتهما. قدّمت إليه واحدة، ووضعت الثانية بين شفتيها: ـ دخّنْ. نبيل دخّن. أنا أعجب كيف تعيش وحيداً منعزلاً.. انطلق. حلّقْ مع حلقات الدخان. أنت تقرأ الروايات.... وضع اللفيفة لأول مرّة في فمه، ما كاد يمتصّ دخانها حتى بدأ يسعل، وقد أغرورقت عيناه بالدموع، فأخذتها منه، ودهستها بغيظ في المنفضة!. ـ حسناً. يكفي الآن. اسمع سأحكي لك حكايتين، الأولى محزنة، والثانية ممتعة.. وعندما أنتهي، سأستمع منك إلى واحدة من قصصك. هيه؟ لا أدري كيف أبدأ.. حسناً.. كان عمري أربع عشرة عندما دخلوا علينا في منزلنا الجبلي.. كنت صغيرة جداً بين أيدي ثلاثة رجال، عرّوني أمام أبي وأمي المقيّدين، واغتصبوني. كانوا وحوشاً... بكيت. استجرت بالجدران، بالقديسين، وحين صحوت وجدت أمي تغطيني بثيابي، وأبي ينزف حتى القطرة الأخيرة!. أما أول إحساس بالحب، فقد هجم عليّ عندما كنت عند الجزار أشتري لحماً في قريتنا الجبلية، وكان في الحانوت شابّ وسيم، بدأ ينظر إليَّ بنهمٍ. أحسّست أن في نظراته شيئاً غير عادي، وعندما خرجت تبعني.. داعبني بكلمات ساحرة خدّرتني.. ثم تركني وأنا أشعر بنشوةٍ علوية... وعلى أحرّ من الجمر، صرت أنتظر الغد لألتقيَ به... وانقضت تلك الليلة.. لم أعرف فيها النوم... في اليوم الثاني التقينا... ذهبنا معاً. تمشينا بهدوء متمهّلين، وأنا مسحورةٌ بالألفاظ التي تقطر عسلاً وشهداً. دخلنا كرماً تزّينه جفنات العنب. كانت أشبه بعرائس يغازلهن الشباب. هناك تلقيت أول قبلة... وبعدها لم أعد أذكر شيئاً!... صمتت لترى وقع قصتها عليه. لكنه لم يعلّق. فحثّته: ـ هيه. قل أنتَ. ما حكايتك. لابدّ أن لك مشكلةً عاطفية؟. صمت. توسّل إليها أن تدعه.. عجزت عن زحزحته. قرأت في عينيه بوادر زوبعة عاصفة. مدّت يدها فقرصت شفته: ـ سأعرف كيف أجعل هذه الشفة تبوح... حين تركته، ناداها: ـ لورا... هل ما تحدّثتِ به، حدثَ معك حقيقةً؟!. ـ أقسم بالعذراء... ـ يعني أنتِ... أنت صاحبة تجربة... و ـ مسكين... واحدة بعمري تجاوزت العشرين، تبقى بلا تجارب؟! في القصر بعد أن تعرف إلى هاتين السيدتين، أخذت تداهمه عشرات الأسئلة كل آونة، ويحاول تفاديهما، لكنه ما إن يخلو بنفسه حتى يجدهما يفرضان طيف وداد على خياله، ويغدو الجسد الأنثوي أشدّ سطوةً عليه في غربته. وضع رأسه على الوسادة، فحاصره طيفها.. تقوقع على نفسه خائفاً. أحسّ بالعزلة، كأنه ثاوٍ هنا جسداً من دون روح، يأوي إلى خُلُقٍ يعصمه من النساء. * * * * * تسلّم الأجر آخر الشهر... نادى لورا. طلب إليها أن ترافقه في جولة قصيرة. فرحت. ظنّت أنه بدأ يتفّهم الواقع، وتنجلي عقدته الريفية الضاربة في مجاهل القِدم... استوت إلى جانبه... "سترشدينني إلى الجامعة اللبنانية" "لماذا؟". "سأدرس الحقوق" " إذن".. أجريا معاملة التسجيل، ودفع الاشتراك، ثم عادا معاً في غمرة ذهولها.. جاءت إلى غرفته في السهرة يمامةً عاشقة. جلست على السرير، وهي تترنّم بلحن فيروزي دافئ: أمي نامت ع بكير * * * وسكّر بيي البوابة وأنا هربت من الشباك * * * وجيت لعند العزابي ـ مبروك نبيل. الجامعة. ـ شكراً. ـ ألا أستحق الحلاوة منك؟. ـ لن أنسى معروفك أبداً. ـ ولكني أريد الحلاوة. ـ حسناً. اطلبي. ـ وهل تنفّذ؟. ـ إذا كان بوسعي. ـ أهذا وعد؟. ـ وعد. ـ إذن. هات قبلة. أُسقط في يده. تراجع إلى الخلف من دون إرادة منه. انتابته رعشة عارمة. تفصّد العرق من جبينه. فار الدم في عروقه. تمنّى أن تغور الأرض به... سمعها تهمس: ـ وعد الحرّ دَين. ـ والمؤمن إذا وعد وفى. لورا. الله يستر عليك... لم تدعه يفلت. هجمت عليه بشراسة. التقطت شفته. أذهلته المفاجأة!. لم يقاوم!. أحسّ أنه غُلب على أمره. كأن مصارعاً غرز نصله في ظهره فانتفض وكمد لونه، وتفتّحت أبواب الكآبة في وجهه، ولم يتمكّن من التخلّص منها إلاَّ حينما تجمّع دمه في وجنتيه، وكادت نبضات قلبه تتحوّل إلى رنات جرس كنيسة.. أبعدها عنه، وأخذ يحدّق في وجهها ببلاهة، وقد اتسعت عيناه!.. أحسّ أنها لسعته، وتركت مذاقها يسري في جسده، فغدا كالأبله، وأمضى الليل بطوله متكوّراً على نفسه يتلظّى!. يضع يده على شفته. يتحسّس موضع قبلتها.. تعقد الدهشة لسانه. تزهر في أعطافه وردة صغيرة تؤكّد لـه أنه مراهق غرّ. يتساءل: "يا سبحان الله!.. ما سرّ هذه الجاذبية الإلهية التي تجذب الذكر للأنثى، والأنثى للذكر؟!. أنفاسها المحمومة تركت لفحاً، لكنه نسيم الربيع الدافئ، نقله من عالم الواقع إلى عالم الحلم والأطياف الملوّنة، والليلُ موطن الصبوات، وفي غياهب الروح تضجّ رغبات، وتنداح صور وأخيلة!.. فجأة ينتفض!. يجتاحه توتّر حادٌ يعصف بكيانه، فيستيقظ وعيه كشفرة مرهفة. أيمكن؟!.. أيمكن أن ينحاز، وأيّ خطأ في الحساب يمكن أن يؤدّي به إلى السقوط. يمرّغه في الوحل ويجلّله بالعار؟!. ومع ذلك فقد أمضى الليل بطوله يتلظّى!. ـ 4 ـ توالت الأيام موشّاة بأحزان الرحيل.. لكن شيئاً من متعة الغربة بدأت تريه الحياة جميلةً، وأيقن بصحة من يقول في الاغتراب تجدّد... ظلّت قبلتها تمدّه بنكهة حادّة مبهمة!... تدغدع شغافاً في داخله لا يدري كنهها، ولكنّه يحسّ بها راحةً واسترخاءً.. دفئاً وعذوبة واستمتاعاً... أهي الذكورة في أعماقه تنتظر دغدغة الأنامل وندى الشفاه؟!. أم هو الحرمان الساكن الذي غفت فيه الأنوثة وقد حان أن يستيقظ بقبلة نهمة؟!. استمتعَ بهذه الأحاسيس ولكن إلى حدّ، فإذا تجاوزها انتفض شيءٌ آخر في داخله، وأرغمه على عدم التمادي. "آه يا نبيل... لبُعْدَ ما تحسّ به من طعمٍ ونكهةٍ بين قبلةٍ وقبلة!.. آخر مرّةِ التقيتَ وداداً في بيت أهلها. حيث كنت تجلس معها، أمها إلى جانبكما تسمع وترى، وتقرأ المستقبل الواعد في عيونكما، فتميل برأسها جانباً تداري خجلاً محبّباً، وحين نادتها جارتها تحقّقت لكما الخلوة النادرة، فغاصت عيناك في عينيها، وتلاحقت الأنفاس معبّرةً عن الأشواق المستعرة.. قرأتِ العيونُ سطورَ الحبّ المكتوب على صفحتي القلبين: "نبيل..." "وداد.. هل تحبينني كما أحبّك؟" "بل أكثر!" أتذكرُ يا نبيل كيف ملتَ إليها، وسرقت أول قبلة من أذنها؟!.. أجل. اختطفتها كلصّ من صيوان الأذن، فسعدتْ شفتاك أولاً بملامسة الأذن والقرط وخصلة الشعر النشوى، ثم سرى الخدر في سرايا خلاياك، وغبت مع الحلم الجميل. ثمة لحظات لا تنسى، حفرتْ أخاديدها في الذاكرة. ودادُ سمفونية طبيعية رفدتك بكثير من الألحان الهادئة التي ذابت في مسمعيك في ليالي بيروت الشتائية.. وهاهي لورا تعيدك إلى الأنثى فلا تثير فيك لذة أو شهوة، وإنما تبعث الحياة في الذكريات الغافية، فتضطرم النيران في شرايينك، وتبرز في مخيلتك صورة وداد، طفلة الروح... آه. يا نبيل. قبلةٌ عن قبلةٍ تختلف، خلافاً لما يزعم كتّاب الروايات العاطفية من أن الجسد هو الجسد لحظة المتعة. ووداد كانت قطعةً من البراءة والطهارة والنقاء. آه يا نبيل. صبراً.. لن يبقى الفقر والفاقة والحرمان قدرَك مع أنه نسجَ غلالاته على قلبك، كما تنسج أنثى العنكبوت خيوطها المغبرّة اللزجة.. لماذا يتعذّب القلب بين جنبيك؟!. لماذا تنطفئ الشمعة التي توهّجت فأضاءت الدرب إلى حين، وقد علّقتَ عليها أمالاً عريضة!.. كنت كالأمير الأسير الذي تُخطف حبيبته أمام عينيه، ولا يقوى على الدفاع عنها، وقد دعمت سلطةُ الأم موقف اللصّ الجميل، الذي سحرها قريبُها بمركزه الوظيفي المرموق... آه يا نبيل "وظلمُ ذوي (النعمى) أشدّ مضاضةً".. فأنى للحبّ الحقيقي أن يؤتي ثمارَه في هذا العالم المتصحّر، والمالُ عصب الحياة قادرٌ على زلزلة كل شيء، ونحن فقراء!!." "آهٍ أيها الكسعي الغريب. لقد سُلبت منك الحبيبة، ولم تُجْدِك وساطةُ الشيخ خالد، ولا مداخلة معلّمك أبي حسين الحلاق، وفي غمضة عين طارت الحمامة من فوق غصنك، لتحطّ على فرع فاروق الدبق، وكانت الشباك محكمة، فدخلتْ ـ هي ـ قفصه الذهبي، وهربتَ ـ أنتَ ـ غير مأسوف عليك.. أبوك (المرابع) عند الآغا. كان مسكيناً، لا حول لـه ولا طول، ولم يسبق أن اختلف أو تشاجر مع أحد في أم الكرز، وهو منذ أن وقع بين براثن زوجته الثانية، غدا أسيرَ نزواتها الخبيثة، ورهن إشاراتها، فلم يكن بوسعه أن يقدّم من أجل قضيتك الخاسرة شيئاً.. في البداية حزنتَ. بكيتَ. توسّلت.. رجوتهم أن يسمحوا لك بمقابلتها دقيقة واحدة، ثم لتزفّ بعدها إلى من يشاءون، ولما رُميتَ بالصدّ، وأُغلقتْ في وجهك الأبواب، أزمعت الرحيل شطر بيروت.. وهاهي لورا قد أذاقتك طعم شفتيها، ويبدو أنها مستعدّة لأن تذيقك أكثر من الشفتين، فهي صاحبة خبرة وتجربة.. ولكن آه. يا نبيل. لشدّ ما تختلف قبلة عن قبلة!!.. والفتاة في أم الكرز مثل بيضة الدجاجة لا تُكسر إلاَّ ليلة الزفاف، على وجهها حجاب، وفي ساقيها حجاب، وبين الحجابين كنوزٌ مخبوءة من جمالٍ بكرٍ، تظلّ أخيلةُ الشباب تقيم لـه عشرات الأشكال الزاهية والصورة الملوّنة." علمت السيدة بانتسابه إلى الجامعة، فاتخذت ذلك ذريعة للقائه. استدعته إلى غرفتها. دعته إلى الجلوس جانبها، وطلبت إلى لورا تحضير القهوة، ثم أمرتها بالانصراف. كان الوقت أصيلاً، والسيدة في أوج زينتها، ونبيل شارد العقل. يجلس معها بجسمه.. لا يدري ما تبتغيه منه وهي على هذه الهيئة من الفتنة الصارخة، ولا يدري ما يترتّب عليه أن يفعل.. حدّق ملياً في وجهها، فغرق في متاهةٍ، وأيقن أن المرأة مهما تقدّم بها العمر تظلّ تحتفظ بشيء من الأنوثة والجاذبية، كزجاجة العطر الفارغة، التي لا تفارقها رائحة الطِّيب وجمال الشكل. ـ سررتُ لالتحاقك بالجامعة. منذ البداية، اعتقدت بأنك تختلف عن العمال الآخرين. ـ شكراً سيدتي. اقتربت منه حتى لامست فخذه. أردفت: ـ مصاريف الدراسة سأدفعها إليك. ـ شكراً سيدتي. أزعجتها هذه الجملة الرسمية المكرّرة. قالت بحنق: ـ أليس عندك غير "شكراً سيدتي"؟!. ـ وماذا يتوجّب عليَّ أن أقول سيدتي؟. ـ أشكرني بقبلة امتنان... ألا تعرف (الإتيكيت)؟... تحرّكْ مدَّ يدك صافحني.. وأخذت يده فوضعتها على صدرها، وضغطت عليها.. استكان وهو يطرق إلى الأرض.. قلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه.. صعق!. لا يكاد يصدق ما يحدث.. يده تتخدّر على ملمس نهدها الدافئ، والفخذ يزحف نحوه بغير هوادة، وكل شيء يطبق عليه، فتسري فيه نشوة الترياق!. سحب يده مذهولاً.. نهض مرتعش الأوصال، يأكل الاحمرار وجنتيه!... انسحب من دون أن يستأذن.. دخل غرفته. تمدّد على السرير. فكّر بتؤدة: "إذا أردت أن تكون اجتماعياً متمدّناً في بيروت، فعليك أن تتحذلق، وتُقبّل كل امرأة تكون معها، اعترافاً بجميل، وتعبيراً عن امتنان.. لعل بعض المعايير والقيم والأحوال المتعارف عليها هنا تختلف كثيراً عما هو متعارف عليه هناك في أم الكرز.. أن تُقبّل امرأة فهذا دليل حضارة هنا.." * * * * * أرق في الليل. تناهى إلى سمعه صوت المؤذّن آتياً من البعيد "الصلاة خير من النوم" نهض فاغتسل، وصلّى الفجر، ثم تناول كتاباً، وخرج إلى الحديقة.. مارس رياضة الجري، وحين أسفر الصبح ندياً كعذراء حيّية، توقّف، واستند إلى جذع نخلة، فتداعت إلى مخيّلته ذكريات الطفولة في أم الكرز، الغافية على مرافئ الدفء والجمال والحبّ. حين كان يستريح في ظلّ زيتونة، فتفيض عليه نوراً على نور. هجمت عليه صورة السيدة... لاحظ أنها غيّرت عادتها في الأيام الأخيرة، فلم تعد تستدعيه، ولم ترغب في مشاركته القهوة الدافئة على كرسي مزدوج في غياب لورا، لكنّ تحوّلاً آخر طرأ على سلوك الشابّة الثانية، إذ غدت لورا شعلةً من الإثارة والفتنة والإغراء، وقد خاف من التبدّل المفاجئ، لأنه يحسب أن الأمر مرسومٌ بمهارة ودقّة. ـ 5 ـ ذات ليلة، عندما كان منكبّاً على كتاب البحرية، توقّف لحظةً عن القراءة. صكّ سمَعه صوتُ خطواتٍ تقترب من باب الغرفة، ثم ما لبث أن فُتح الباب، ودخلت عليه في أبهى حلّة. كان على السرير، نظر إليها مذهولاً. وجدها تدنو منه، تتمدّد إلى جانبه فيمتلئ أنفه برائحة عطرها الآسر. أفلت الكتاب من يده ونظر إليها مذهولاً!. صفعته بسعيها الحثيث إليه. فحّت كأفعى: ـ سعيدة. ـ .... ـ قلنا سعيدة. ألم تسمع؟!. ـ لورا... ـ نبيل. اسمع. إذا لم تخرج عن صمتك. وتتكلّم، فسأعانقك طويلاً!. ـ لورا أرجوك.. ـ تزحزحْ. أحجرٌ أنت؟!. ـ أ... أ.... ـ نبيل.. متى ستبصق الحصاة التي تعيق حبسة لسانك؟! أنت شاب!... ـ أرجوك أن تنزلي عن السرير. ـ لماذا؟. عيب؟!. ـ دعيني أرجوك. قرصته من فخذه.. ارتجف. دفعها عن السرير. نزلت عنه عنوةً. مدّت يدها إليه. شدّته، فنهض. حاول إخراجها من الغرفة، لكنها تعلّقت به، وأرسلت يديها حول عنقه، ثم ضغطت بنهديها على صدره.. اعتصرته، وغمرت رأسها في رقبته، وبدأت تموء!.. ـ لورا. ابتعدي. فتح الباب على حين غرة، وقفت السيدة بثوبها الصيفي الفضفاض، فهربت لورا وبقي وحيداً أمامها!.. فكر بالانسحاب لكنه وجدها تتقدم إليه برفقٍ وتمسك به، ألقت عليه نفسها، فتراجع أمامها سحبته وتمددت على السرير، شدته إليها" الجسد المتقدم في العمر تدب فيه حيوية هائجة. ابتعد عنها، ووقف ينظر إليها بعيني نمر! قلبه يخفق بغير هوادة:" لن أستمع إلى وسوسة الشيطان وآكل من الشجرة المحرمة مهما كنت جائعاً، ولن أخدع بثمر الحب وملك لا يبلى!. ـ نبيل. لا تدعني وحدي.. تعال.... ـ سيدتي.. مستحيل!.. ـ نبيل. لا تجادلني. أنا مرهقة. جلس على حافة السرير متكوّماً على نفسه كعصفور أبرده الشتاء. ـ هل كنت تلاحق لورا؟!. ـ لا.. أقسم لكِ إنها ـ هي ـ التي تلاحقني. ـ حسناً. اقترب مني. مدّت يدها إليه، فأمسكها وأبعدها عنه، لكنها أمسكتها، واحتفظت بها على صدرها.. ـ أرجوكِ سيدتي. دعيني. ـ نبيل. اقترب مني. ـ لماذا؟!. ـ لماذا؟!. أنا أدرى بغرائز الشباب.. انجذبْ إليّ. تساءل بغباء: ـ لماذا بحقّ الإله، وكيف؟. ـ أنت رجل وأنا امرأة، ونحن وحدنا، فأين الشيطان الذي تتحدّثون عنه؟! أين؟!. نبيل كن شجاعاً هذه المرّة. انتفض كديكٍ ذبيح: ـ أنا؟!.. ألست رجلاً؟!. ـ لا. ـ ماذا أنت إذن؟!. ـ لا شيء. ـ نبيل. أنتَ ذكَر. رجل.. لم تعد طفلاً. ـ يا سيدتي. أقسم لكِ إنني لا أعرف شيئاً مما تتحدّثين عنه... ـ لا تكن أبله. اقتربْ مني. سأعلّمك كل شيء، ولن تندم أبداً. ـ ولكن.. أرسلت إليه يديها. احتضنته. جذبته إليها، فوجدته يستكين إلى جسدها خائفاً مقروراً: ـ ما بكَ؟. ألا تشعر بصدري الدافئ!.. أين ذكورتك؟.. ألا يحرّك جسدي فيك شيئاً؟!. هيا. تجرّأْ وادخل، فخدّرْني، وتخدّرْ معي.. قاومَ، فتمسّكت به، حاولت أن تجعله يغرق في ثنايا جسدها. أحكمت حوله الطوق. مرّغت شفتيها بوجهه، لكنها فوجئت برطوبة الدمع، فتراخت، وغمغمت: ـ ما بك؟. هل تبكي يا طفلي الحبيب؟. حسناً. أنت ولد طيّب على كل حال!.. تراخت يداها عنه، فتخلّص منها مبتعداً يبكي بنشيج مكتوم. نظر إلى عريها، فوجدها تبكي مثله بصمت فاجع!. همست، "كنت أعتقد أن قِيم الرجولة كلها تتلاشى أمام جسد المرأة."... تجاهلها، وانثنى إلى حقيبته. فتحها وبدأ يجمع أمتعته القليلة، وهو يحسّ أن عشرات الأفاعي تنهشه!... أطلّت لورا، فانسحبت سيدتها مهزومةً تجرّ بؤس العالم في أعطافها: ـ ماذا تفعل؟.... هل سترحل؟!. ـ أجل.. ـ إلى أين؟!. ـ وهل يُسأل المشرّد عن وجهته؟!. ـ نبيل كن عاقلاً. و.. ـ وهل تركتما في رأسي عقلاً؟!. ماذا تظنان نفسيكما؟!. استضعفتماني. مرّةً أنتِ تحاولين الإيقاع بي، ومرّةً هي!.... لماذا؟!.. لماذا تحاولان اغتصابي. لماذا؟. ألم يبق شرف؟. ألم يبق دين ومروءة؟!.. روحوا شكوتكم إلى الله!.. ـ لن أدعك تذهب. ـ لماذا هل أنا معتقل؟!.. سألتحق برفاقي.. موضعي الحقيقي هناك على الأرصفة!. ـ طيب. اجلس. واهدأ قليلاً، وسنتفاهم. ـ نتفاهم؟!. نتفاهم وأنتما لا تفكّران إلاَّ بوسطيكما؟!. ـ أنت بريء جداً. اجلس، وسيسوّى كل شيء. ـ كيف؟!. ـ دع الأمر لي. ـ الأمر لله، ولكن مكاني الطبيعي في الساحة على الأرصفة.. سحبته إلى غرفتها، وهو يجرّ حقيبته، ثم أخذت تهدّئه: ـ نبيل. أرجوك. أبعد فكرة الرحيل عن رأسك. أعدك ألاّ يتكرّر ذلك ثانيةً. نظر إليها بغباء: ـ ومن يضمن لي ذلك؟. ـ السيدة أرادت أن تتأكّد من أنك لم تكن تمثّل علينا، فأثبتَّ أنكَ شهم. ـ أمثّل؟!.. أنا أمثّل؟... سامحكم الله. سامحكم الله يا أهل بيروت. جلسا قليلاً.. وجدته يهدأ، فأخذت الحقيبةَ من يده، وعادت به إلى غرفته، ثم فتحت الحقيبة، وأعادت محتوياتها إلى أمكنتها. أجلسته على الكرسي منهكاً، وكأنه خرج لتوّه من معركة حامية. قال وكأنه وحده: ـ لا تعرفان من الحياة إلاَّ الجنس... أستغفر الله. اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين!.. همست لورا متناسيةً كل شيء، وقد همد الفحيح في عينيها، وسكنت العاصفة: ـ نبيل. أنت زميلي هنا. أخلد إلى الصمت "إذا كان لقاء الذكَرِ مع امرأة يستدعي مقاومة شيطانٍ واحد، فكيف يقاوم امرأتين تسكن في جسديهما عشرات الأبالسة؟!." فكّر في الهرب.. لكنه ما لبث أن تراجع حين لمس رنّة الاستعطاف في لهجتها، وتخدّر على صوتها الأنثوي.. تخيّل أنه يسمع صوت شلال تتناثر مياهه عند المصبّ، ويرى صحراء تفيض بالواحات، فأشاح بوجهه عنها، وأغمض عينيه كطفل بريء. ـ 6 ـ هدأت العاصفة... لفّته الوحدة، وغدا القلب مثل شجرة عارية، ونداءٌ قاس يغريه ليبعد عنه أشباح الغربة. ينظر إلى عمق الجرح الناغر. فيغرقه نزيف التشرّد، مما يدفعه للانخراط في التفكير في حجم خسائره، وعراء أحلامه ومساحة غربته. ".. آه يا نبيل. آه. ماذا حلّ بك؟! وأين رمى بك الزمن؟ ودادُ ضاعت بعد أن كنت معها قاب قوسين أو أدنى.. وصرت كالملك الضلّيل تندب حباً مضاعاً!. انِسَ وداداً الآن. لا ريب أنها استكانت إليه، وهي مرمية بين أحضانه كزهرة قرنفل.. دعكَ منها. ألا تجد أن جميع عباراتها، وأمانيها ووعودها الخضر المعسولة تلاشت كنسمة صيف؟!.. وأنتَ. أنت المغفل ابن المغفل. ألا يمكن أن تكون قد تعلّقتْ بك عندما لم تجد غيرك، فلما جاء المال عافتك كما يعاف النسر الجيفة!؟. أنت مسكين. مسكين يا نبيل. هل تصدّق أن الحبّ المتمكّن من القلب، لا يمكن أن يخمد أواره إلاَّ بالموت. كما تقول الروايات؟!." واستطرد يلاحق أفكاره المشتّتة: "أنت قارئ نهم. قرأت كل ما استطعت الوصول إليه من الروايات العربية والمترجمة. ابتدأت بالمنفلوطي والرافعي وجبران ومررت بإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، وانتهيت بالروائيين الجدد... لتنتقل إلى آفاق أوسع، حيث قرأت النقد الذي كُتب عن الواقعيين الروس، وعن كافكا وزولا وبلزاك، واطّلعت على النزعات الإنسانية التقدّمية، وخالفت بذلك توجيهات شيخك: ـ هذه الروايات والكتب تفسد العقيدة، وتهيّج الغرائز!. ـ ولكنها تحوي أفكاراً رائعة. وتُطلعنا على عوالم لا يمكن لنا أن نزورها... أنا أعرف شوارع بطرس بورغ، وموسكو، وسوهو، وخان الخليلي وزقاق المدق. وميدان الحرب الأهلية الأمريكية التي جسّدتها رواية "في مهب الريح" وكذلك ميدان المكيافيلي الإنكليزي والخندق العميق في بيروت، وشارع الأميرات ببغداد. والشانزليزيه في باريس.. ـ ليس هناك أفكار عظيمة إلاَّ في بطون الكتب الصفر. الأدب تأخذه من الجاحظ والمبرّد وابن قتيبة، وابن عبد ربه، والأصفهاني وأمثال هؤلاء العمالقة الشوامخ. ـ لا أنكر ذلك يا سيدي. ولكن الاطّلاع على فكر العالم ومعطيات العصر ضروري. "ومع أنك ـ يا نبيل ـ قرأت كل ما وقع تحت يدك، ووعيت معظم الأفكار، فقد بقيت كما أنت.. صحيح أنك تتفق مع كثير من أفكار كارل ماركس وجان بول سارتر وعباس محمود العقاد وعبد الوهاب عزّام، إلاَّ أنك لا تزال قطعة حطب جافّة. لم تؤثّر فيك الأفكار وثمرات العقول، ولم تتقبّل منها إلاَّ ما يتفق والعقيدة السمحة، وظلّ التردّد والحيرة والخجل والاضطراب والحياء والارتباك ومجموعة لا تحصى من العقد تعشش في خلاياك، وترسم ملامحك الظاهرة والخفية، وتقيّد درب حياتك.. الحالة الوحيدة التي كنت تنفتح على الحياة فيها، كانت تلمّ بك عندما تكون مع وداد... آه. يا نبيل. كم كنتَ ترسم معها وتخطّط للمستقبل.. لكنها ضاعت وضيّعتك، ويا خسارة القبلة التي ذهبت هباءً فوق خصلة الشعر المرمية على حافة الأذن الناعمة!..". سهر تلك الليلة طويلاً. حاول جاهداً أن يضع خطوطاً جديدة تكون نقاط ارتكاز لمسيرة أيامه المقبلة. فكّر ملياً في غربته الجسدية والنفسية... "نبيل. أنت إنسان مهزوز. أجل مهزوز. ليس لك شخصية واضحة. وأنت ضائع!.." ـ ولكني لست تافهاً. ـ ... المرأة سبب شقائك في هذا العالم. يجب عليك أن تسوّيَ معها أمر نفسك، وتستقيم كبقية خلق الله الأسوياء.. أبعدْ عنك الخوف والتردّد والخجل. واجه الآخرين بكل ثقة وصراحة واعتدادٍ بالنفس... ولا تنس أنه يترتّب عليك توفير المال لأنه ضروري لمتطلّبات العيش، وتأثيث البيت، والزواج... لو كنت غنياً مرموقاً لما تخلّت عنك وداد!. ـ أ أنت ستتزوّج؟. ـ لا أدري. ـ أما قطعتَ عهداً، وأنت في الطريق إلى هذه الديار النائية، أنك بعد وداد لن تسكن إلى امرأة؟!. ـ ولكن هذا هراء!. ما دمت قد عزمتَ على السلوك القويم، فلا رهبانية في الإسلام. ـ أجل. المال ضروري، ولكن لا يجوز أن تتهالك عليه، وتلهث خلفه. عليك أن تعمل بإخلاص، وتجمع منه بقدر ما يتطلّب منك ويلزمك. المال كالطعام والشراب واللباس وسيلةٌ لا غاية.. أما تعلمت ذلك من حديث اللقيمات الشريف؟. أنسيتَ نظرية "مالتوس"؟!. "ثم.. عليك ألاّ تتوانى في إيجاد عملٍ آخر ما دمت قادراً، وما دامت ظروف السيدة في هذا القصر تسمح لك بذلك.. العمل والدراسة لا يأخذان منك الوقت كله.. وأنت حلاّق، وقد كنت عاملاً ماهراً في أم الكرز، فلماذا لا تبحث عن مهنتك وشخصيتك الضائعة في صالونات تسريح الشعر البيروتية؟." كانت تلك علامات بارزة على طريق المستقبل، رسمها وهو يضع نصب عينيه عكازة الشيخ خالد، ووجهه النوراني المشرق، وسبحته الطويلة، وحلقات متعدّدة من دروس الفقه والتفسير في زاوية الحارة الشرقية. قرّر أن ينفخ في حياته الرتيبة روح الأمل، وينفتح على الحياة والعالم بوعي، ولكن من دون انحراف "ستتعامل مع الآخرين بأمانة وشرف وإخلاص وشفافية. تتحرّك على كل الأصعدة بنزاهة.. وإذا كان الناس يتعاملون في بيروت بالقُبل، فلا جناح عليك أن تراعي المجتمع الذي يجود عليك بلقمة عيشك شريطة أن تبقى نقياً بلا دنس..." "لكن ذلك مستحيل!. لأنني أغدو كالفتاة التي تستمع بجسدها مع حفاظها على عذريّتها، وليس صحيحاً أن شربَ الخمر مقدس، والسكْرُ وحده هو الخطيئة!." ـ 7 ـ أيام متتالية لم يرَ فيها السيدة. وقد اتّزنت لورا. بادلته احتراماً باحترام، فلا إثارة ولا تحرّش، ولا هوس في العاطفة.. جاءته على استحياء ذات ليلة: ـ سعيدة. ـ أهلاً لورا. تفحّصته بنظرةٍ سريعة. وجدته متغيّراً. ابتسمت قائلةً: ـ أتدرس؟. ـ حفظتُ الكتب غيباً. نظر إلى شعرها. قال وهو يرسم ابتسامة رقيقة: ـ شعرك يحتاج إلى تشذيب. وضعت يديها على جانبي رأسها. تلمّسته.. أردف: ـ ما رأيك بتشذيبه الآن؟.. تعالَي. سأداعبه قليلاً... ـ أنت!... نهض إلى الحقيبة الصغيرة. أخرج مرآة ومشطاً ومقصّاً. كانت تنظر إليه بعين ملؤها الدهشة والاستغراب، وهي لا تفهم شيئاً مما يقوم به. ـ ماذا ستفعل؟. ـ سأقصّ الشعرات الناشزة. ـ أنت (كوافير)؟!. ـ سترَين. وضع المنشفة حول عنقها، وبدأ يلعب بالمقص والمشط، ويهوّم به حول رأسها في أنغام إيقاعية. سألها بعد أن انتهى: ـ ما رأيك؟!. ردّت، وهي تحرّك المرآة مأخوذةً بمظهر شعرها: ـ أنتَ كنز ثمين!... ونهضت بمرحٍ طفلي، فكافأته بقبلةٍ سريعة مفاجئة أذهلته، ثم عادت إلى المرآة: ـ ستسرّح لي شعري كل يوم. ـ سأكون سعيداً جداً. سرقت منه قبلةً ثانية، وانصرفت تقفز كغزالة، فوقف مشدوهاً، فاغراً فمه!!. * * * * * وضع رأسه على الوسادة وأرخي لخياله العنان. وجد نفسه يسير في شارع واسعٍ على غير هدى عبر حيّ شعبي، تفوح منه روائح اللحم والعرق... فجأة صار في سوق البغايا أسفل ساحة البرج. طالعته العاهرة التي شتمته. حدّق في جسدها المنفّر. أحسّ بالاشمئزاز.. اقترب منها، فسقط في هوةٍ عميقةٍ منتنةٍ. غطس في اللزوجة والقذارة.. تشوّشت معالم الصورة على شاشة رؤاه.. تساءل: "ماذا يعني أن يمتلك الرجل جسد الأنثى لدقائق معدودات، أيتخلص من نزواته؟.. ثم كيف يسلس للمرأة أن تبقى مطيةً ذلولاً، تستقبل ماء الذكَر المهين بنهدين وورك وحوض؟!. أهذا كل ما يبعث الحبّ ويضرم العاطفة، ويثير الصور الملونة المجنّحة في نثر العشاق، وتعبيرات الشعراء؟!". تمادى في رحلة الجسد. وجد اللقاء بين الذكر والأنثى في عالم الخيال والحلم أجمل آلاف المرات وأمتع منه في عالم الواقع، وأن خوض غمار تجربة مريرة على هذه الصورة التجارية التي مارس فيها رفاق الساحة الجنس مع بغايا السوق، يعدّ وصمةً مخزية على الجبين، لأنه ليس سوى لونٍ من المرض، أو الجنون... انتابه شعور ممضّ بالقلق، وهو يرى العالم من حوله يتعهّر، وأنه ينتمي إلى هذا العالم لا محالة... ولا يستطيع أن يطهّر فيه حتى نفسه. ـ 8 ـ انطلق ذات ليلة إلى الساحة يبحث عن رفاق الكدح. وجد عادلاً قد عاد لتوه من مشغرة.. استقبله بالعناق.. ثم جلس إلى جانبه فوق المرج الأخضر.. توجّه إليه بالسؤال: ـ أترتاح في عملك؟. ـ إلى حدّ ما. ـ ماذا يعترضك؟. ـ المنغصات كثيرة... صحيح أن جميع الأقطار العربية أمة واحدة، إلاَّ أن هناك فوارق كثيرة يلمسها المرء بعد اجتياز حدود وطنه الصغير.. نحن هنا مثلاً لا نتقاضى سوى ثلث الأجر الذي يتقاضاه أمثالنا من أبناء البلد. ناهيك عن الفروقات الاجتماعية والطبقية.... رغب في سماع المزيد من كلماته الواعية. استحثّه على المتابعة: ـ وماذا أيضاً؟. ـ أنا مثلاً أشعر بالقهر كلما انتهيت من نوبتي في المعمل. أخرج مع عشرات العمال من رفاقي الغرباء، نذهب كل عشرة في مجموعة، لنرتمي في غرفة واحدة اقتصاداً للمصروف.. طعامنا اليومي يقتصر على الرخيص من الطعام.. لا نذوق الخضار والفاكهة إلاَّ عندما تكسد ويرخص ثمنها.. نشتهي أن نذوق طعاماً مطبوخاً وأكلة دسمة، في حين يخرج الآخرون ليمتطيَ كل واحد منهم سيارته ويذهب إلى بيته، فيسعد بحمامٍ ساخن وزوجةٍ وأولاد وغرف نوم مريحة، وطعام ناضج وثلاجة.. أيقظ عادل وعياً آخر في نفسه. أحبّه لبراعته في تشخيص معاناته. ودّ لو يلتقيه كل يومٍ، ويستمع إلى حديثه الطليّ حتى النهاية. عاد في الليل، فوجد لورا تنتظره في غرفته وقد أحضرت لـه مجموعة كتب وكراسات، وسرعان ما سرت في نفسه الغبطة، حينما اكتشف أنها خاصة بتجميل رؤوس النساء ووجوههن، وتُدرّس في "المعهد العالي للتجميل" شكر لورا، فامتعضت "أهكذا يكون التعبير عن الامتنان؟!." وأدرك أنها ترغب في تسديد ثمنها على الطريقة اللبنانية، فتراجع إلى الخلف.. ـ 9 ـ كانت السيدة قد عادت لتوّها من "ضهور الشوير" فوجدته غائباً عن القصر.. عندئذٍ انتابها قلق غريب عليه، وأمطرت لورا بعشرات الأسئلة عنه، فجلست معها تنتظر عودته بترقّب وخوف، وما إن سمعت لورا وقع خطواته حتى هرعت إليه، وأخبرته أن السيدة قلقة عليه، واصطحبته إلى غرفتها. فدخل وعلى ملامحه طيف ابتسامة. أومأت إليه بالجلوس. تعمّد أن يجلس إلى جانبها على الكرسي العريض، وحين لمس لهفتها، أخبرها أنه كان يؤدّي صلاة الجمعة في صبرا.. ثم تناول كأس العصير وشرب معها، وقد أحبّ أن تظل متعلقةً به، قلقةً عليه. أليست تلك عاطفة الأمهات؟. إنه سعيد بقلقها.. ـ حقاً تغيّرتَ كثيراً كما قالت لورا. ـ أرجو أن أكون عند حسن الظن. ـ وأعلمتني أنك (كوافير) ماهر. ـ آمل ذلك. ـ متى تسرّح لي شعري؟. قال خجلاً: ـ شعرك أجمل من أن تمّسه أدواتي الصدئة. غداً أشتري عدّةً جديدة تليق بك. ـ غداً؟!. هات أدواتك الآن، وغداً لنا شأن آخر. انطلق كالأرنب، فأتى بأدواتٍ يخجل من أن تراها في يده. أجلسها أمام المرآة، وشرع يرقّص المقصّ، ويهوّم به حول رأسها. يضربه على المشط، ويعزف موسيقا بدائية قديمة مع وقع المقصّ بدقة متناهية.. ينتقل من نقطةٍ إلى أخرى كراقص متمرّس، ثم يرفع الخصلات بمشطه، ويداورها بمهارة، فينتقل معها إلى دكان معلمه أبي حسين في أم الكرز، حيث قاده أبوه طفلاً صغيراً، ليتعلّم المهنة بعد انصرافه من المدرسة، وأيام العطل والأعياد.. كان أجره اليومي (فرنكات) سورية قليلة في البداية، ثم ارتفع مع تدرّجه في العمل، حتى إذا ما حصل على شهادة الكفاءة، تفرّغ، فصار أجره الأسبوعي خمسين ليرة، وهو أعلى أجر يتقاضاه عامل حلاق في البلدة.. وحين حصل على الشهادة الثانوية بفرعها العلمي، بدراسته الحرّة، وأحرز مجموعاً عالياً، هجم عليه معلّمه، وقبّل رأسه، وقال لـه: "أنت منذ اليوم المعلم، وأنا الصانع عندك!.. لو كنتُ أملك المال لأرسلتك إلى الشام لتتابع الدراسة، ولو كان عندي بنت لقدّمتها إليك هدية.." توقّفت أصابعه الماهرة عن مسّها السحري للشعر، وصمت المقصّ: ـ نعيماً سيدتي. ـ في بيروت عندما يقول (الكوافير) للسيدة نعيماً، يرفق قوله بقبلة. ـ حسناً. سأسجّل ذلك في دفتري كدينٍ أُوَفّيه فيما بعد. أدهشها تغيّره الواضح، ودماثته الجديدة. غمزت بعينها: ـ صحيح؟. ـ أنا لا أحبّ المزاح، خصوصاً مع السيدات. ـ احلف. ـ بعكّازة جدي. ـ يا ماكر!. "آه يا نبيل.. بدأت تفهم اللعبة جيداً.. ولعلك ستتقدّم بصورة ملحوظة في الأيام القادمة.. وهاهي حبسة لسانك قد انفلتت عقدتها.. لكن حذار! حذارِ يا نبيل من الانحراف!..." * * * * * ازداد إعجاب السيدة به. شابٌ يملك مواهب متعدّدة.. اصطحبته ذات أصيلٍ إلى صالونٍ كبير للتجميل في (سان جورج) طلبت إلى المدير أن يضمّه إلى عامليه، بعد أن كانت قد زكّته. ثم أخذته في يوم آخر إلى (بنك إنترا) ففتحت حساباً باسمه، وأودعت فيه بعضاً من مالها، ثم عرّجت على مكتبةٍ في (المعرض) وطلبت إليه أن يسجل قائمةً بالكتب والروايات التي ستؤثّث بها مكتبةً في القصر. تجوّل في أنحاء المكتبة العريضة الواسعة. صعد إلى الطابق الأعلى. نزل إلى القبو، وبيده القلم والورقة يدوّن عنوانات ما عرفه من الكتب وما لم يعرفه، ثم سلّمت السيدةُ القائمةَ للقيّم على المكتبة، وطلبت إليه أن يحوّلها إلى القصر... * * * * * ذات ليلةٍ لم يطاوعه النوم، فنهض وشرع يكتب رسالةً للشيخ خالد، وضع قلبه فيها، وأعلمه أنه يحاول أن يصعد، لكن كل ما حوله يشير إليه بالهبوط إلى الأسفل، وأنه وحيد في ليل طويل مظلم، ليس فيه سوى حركات جندب هنا، ومواء قطة مجنونة هناك، وطلقات رصاص تقضّ مضجع الليل!. بثّه لواعجه إلى أم الكرز.. سأله عن وضع أخيه الصغير (محسن) وعن حال أبيه مع زوجته، وقد خامرته أفكارٌ مجنونة في تعريتها وفضحها. لكنه أمسك عن ذلك، واسترسل في الخواطر.. كيف ينسى أنه عندما رجع ذات مرّة من صالون الحلاقة على غير عادته، وشاهد ابن الآغا يخرج من غرفتها، وهو يسوّي ثيابه؟.. يوم كشّرت زوجة أبيه عن أنيابها: ـ لماذا عدت الآن؟! ألم أحذرك من العودة قبل الظهيرة؟!. حينئذ وقف تجاهها كالأبله، فخفّفت من حدّة لهجتها: ـ هل شاهدت أحداً يخرج من هنا؟. ـ ابن الآغا. ـ سأقطع لسانك، وأقلع عينيك!.. وختم الرسالة بسؤال خجول عن وداد.. ـ 10 ـ في الأيام التالية. طابت لـه الحياة. وجد نفسه مرغوباً جداً.. شمّر عن ساعد الجدّ، وعدّ ذلك فرصةً ذهبيةً للانهماك في العمل والدراسة، والكشف عن مواهبه وطاقاته الكامنة.. استغلّ الليل استغلالاً جيداً في الدراسة والمطالعة.. وقد يزيّن فيه رأس واحدةٍ منهما، أو يشرب معهما قهوة. أو يسامرهما ببراءته المعهودة. قالت لورا متعجّبةً: ـ بودي أن أعرف سبب تغيّرك!. ـ الذي غيّركما أنتما الجميلتان. ـ حسناً. هيّا سرّح لي شعري. ـ تكرم عينك. سأجعلها كتسريحة السيدة. قالت تتكلّف الزعل: ـ لا. أريدها أجمل. ـ لماذا؟. ـ من أجل عينيّ الخضراوين. ألا تراهما؟. ـ حسناً. من أجل عينيك الخضراوين، ستكون أجمل. ـ وتقبّلني؟!. ـ من عينيك. ـ نبيل. أمسك بها. ثبّتها على الكرسي: ـ دعيني أعرفْ كيف أروّض هذه الخصلات المتمرّدة. * * * * * حافظ على موعده الأسبوعي مع من تبقّى من رفاقه في ساحة البرج. التزم عادل بالحضور. دارت بينهما حوارات متداخلة حول العمالة، وضرورة إيجاد مكاتب تشغيل عربية، لتحسين أوضاع العمال، والضمان الصحي، والسكن، والإجازات. تحدّثوا عن البطالة، وحرية الحركة، وإزالة الحواجز الإقليمية، وكثيراً ما كانا يعرّجان على السياسة، وشبح الحرب الطائفية، وتفاقم حرب المخيّمات، وأطماع إسرائيل في الجنوب، واستغلال مياه الليطاني لبنانياً. قال عادل: ـ أرى المنطقة محمولةً على قرن ثور. ـ لكن رغم نكسة حزيران، ومرور أكثر من سنتين على الأزمة العربية، فإن الاقتصاد يبدو متماسكاً. أليس ذلك دليلاً على التماسك، وصحية النظام الحرّ؟. ردّ متضاحكاً. ـ هكذا يخيّل إليك. الاقتصاد يتراجع يوماً بعد يوم. الأسبوع الماضي صرفنا الليرة اللبنانية بمائة وأربعةٍ وستين قرشاً سورياً. اليوم هبطت قرشين. العدّ التنازلي لن يتوقّف، والبلد سيقع في أيدي الساسة والتجار والميليشيات العسكرية.. أنا لست متفائلاً!. في كل شهر أزمة وزارية. وكل حكومة لها برنامج، ولبنان هو لبنان... ودّعه نبيل، وقد ظلّت نقداته التحليلية ترنّ في وعيه. هذا الشاب ضائع. لو كان متعلّماً لكان لـه شأن آخر...؟ "آه يا نبيل. كم من لؤلؤة ضاعت في أعماق البحر!." |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |