|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني دمشق. بوابات الحب القلقة ـ1ـ "عدتَ الآن من أقصى المدينة.. لم تكن حالك اليوم كما كانت يوم أرغمت على الرحيل، وبين اليوم والأمس سنتان ثريتان لم تشعر فيهما بمرارة الغربة ومذلّة التشرّد. بل بدلت الحرمان بالعمل والعطاء المثمر. عدت إلى البلدة التي احتضنتك، وأشعلت جذوة الحياة في قلبك، وقد كانت حصيلة الغربة مقبولةً بمقياس أمثالك من أبناء بلدك، لكنها على صعيد العاطفة خاوية.. عمر الإنسان يقاس بما حصّل واكتسب وأنتج، ومع أن المال ليس كل شيء في الحياة، إلاّ أنه جواز سفر آخر مفتوح على العالم الاجتماعي.. ونجاحُك الجامعي في انتقالك إلى السنة الثالثة، وثيقة التأمين على الحياة ضدّ الجهل والبطالة، تضع قدميك على أولى درجات الحياة والمستقبل الواعد. تعرّفتَ على أجواء المدينة الكبيرة. بيروت باريس الشرق!. دخلت مدرسة الحياة الحقيقية من أبوابها الواسعة. تعلّمت أسلوب التعامل مع المرأة، المظهر المؤنث والجميل للعالم، فكنت لبقاً مرغوباً محبوباً، بعد أن كنت تخاف من المرأة.. عرفت في القصر ألواناً جديدةً من حياة الطبقة الأخرى، ما كانت أم الكرز لتتيح لك الوقوف على طبيعتها، وكشف جوانب من أسرارها... شممت فيها آخر منتجات العالم من العطور، وعاينت جانباً من المفاهيم الاجتماعية، وسباقات القتل المجاني، وخرجت بقناعتك عن حرية المرأة، والفضيلةُ ـ كما شاهدتها ـ لم تعد في ستر العورة، أو عدم الاختلاط، وإنما كما قالت لورا ذات مرّة، هي خيرٌ منحرفٌ، تتخذ مسارات متباينة تتلوّن بحسب المواقف، وبغايا ساحة البرج يؤدّين دوراً وظيفياً لازماً للشباب المتعبين. ها قد عدت يا نبيل بعد الرحيل، فإلى أين ستتوجّه الآن!. بيت أبيك يفتح لك بابه الضيّق، ولكن كيف ستقيم مع تلك الزوجة العاهرة تحت سقف واحد؟. وإذا رضيتَ أنتَ، فهل سترضى هي برقيب عذول إلى جانبها؟!.. إلى أين تتّجه؟!. هل تذهب إلى بيت صديقك اللئيم شريف؟!. أفٍ لهذه الفكرة! وهل شريف من الأصدقاء الذين يعتزّ الإنسان بصداقتهم؟. وهل كنت في يومٍ من الأيام ترتاح لشخص وصولي لا يقيم وزناً للعرض والشرف.. لم تكن علاقتك بشريف علاقة صداقة، وإنما هي الطفولة، ثم صحبة المدرسة، قد تكون صداقةً بالمصادفة، ومماثلة السنّ، ولم يكن لك بدّ من مرافقته.." دخل أم الكرز بُعيد التاسعة ليلاً. حمل حقيبته ومشى. مرّ بالمسجد. شاهد بعض المصلين يخرجون بعد صلاة العشاء. تباطأت خطواته. فكّر في لقاء الشيخ خالد، لكنه ما لبث أن تابع سيره متباطئاً. احتضنه أبوه بلهفة دامعة. رحبّت به زوجة أبيه. نظر إليها بإمعان. هاله أن يرى الأفعى تزداد حيويةً بعد غربة طويلة، لولا بعض النحول!. عاد يديم النظر في وجه أبيه الحبيب الذي لا يكاد يظهر لونه الحقيقي من بين طبقات الشمس والتراب المتراكمة عليه، ورائحة الشقاء البشري تفوح منه، والسنون التي تجاوزت الخمسين تحفر أخاديدها فيه، كما تحفر سكة محراثه أثلاماً في التربة. "أبي وجه الزمن المتعب، وخطوط الرهق المدمن، وقتامة الحزن الدفين الذي لم يفارقه منذ رحيل أمي!.." حاول أن يعقد مقارنةً سريعةً بينه وبين زوجته، فوجد البون شاسعاً. بادله الحديث. سأل عن أخيه: ـ أين محسن؟. ردّت الزوجة، وهي تتكلّف الحنان: ـ نام بعد أن تناول وجبة العشاء. سأل عن حالته الصحية، فاحتبست غصّة في حلق الأب: ـ يتراجع يوماً بعد يوم!. نكّس رأسه. انساق وراء فكرة طارئة.. قالت زوجة الأب محاولةً كسب ودّه: ـ هيّا. انهض. وغيّر ثيابك. أنت متعب. صعّدها بعينين حائرتين. نهض. غاب قليلاً. غيّر ثيابه ثم عاد، فوجد الطعام جاهزاً. أكل. "هل يبدّل نظرته تجاهها؟.. هل صحا منها العقل فأخلدت إلى التوبة؟." و"كلنا خطّاؤون وخير الخطّائين التوّابون.." وأن باب التوبة مفتوح في الليل ليتوب مسيء النهار، وهو مفتوح في النهار ليتوب مسيء الليل!.." دارت في السهرة أحاديث عابرة متعدّدة، وقف على جانب من أخبار البلدة.. رغب في النوم.. قالت زوجة أبيه متودّدةً: ـ إذا أردت النوم. سريرنا جاهز. لم يكن في الدار سوى غرفتين، واحدة للزوجة، وأخرى لا تصلح إلاّ مستودعاً، يرقد فيها محسنٌ. شكرها، وأعلن عن رغبته في النوم إلى جانب الصغير، لكنه قبل أن يذهب للنوم وجد في نفسه حنيناً للسهر في ضوء القمر، فصعد الدرج، وجلس وحيداً في هدأة الليل على سطح الدار، وأخذ يمتّع النظر بليالي البيوت الواطئة التي تتسرب إليها الأشعة الفضية.. تخيّل أنها تتغلغل إلى ثنايا الملاءات، وأحلام الأنفاس الكحيلة التي تعبت في نهارها من العمل في الحقول، أو من نسج حصر القشّ البردي.. عاد إلى غرفة أخيه البائسة، تمدّد إلى جانبه. احتضنه. وقلّبه، فتحرّك بين يديه بليونة رخوة حركة محتضر. ولم يستطع النوم، فانتظر بيان الخيط الأبيض من الأسود، حتى إذا ما سمع المؤذن، توضأ وصلى، ثم سبق عصفور الفجر في البكور، فصعد السطح كي يلتقط تغريداته الأولى مع تدفّق خيوط النور، وجلس متلهفاً، حتى إذا ما رآه يحطّ على السور كحّل عينيه به، وامتزجت مشاعره مع زقزقته، فرقّ العزف الشجي، وبلغ العصفور أوج نشوته، فسلطن معه، وانتشى محمولاً بحفيف التغريد، لكنه فوجئ بالعصفور يقفز، ويفتح جناحيه ويطير.. انداحت في نفسه المواجد. استرجع شيئاً من طفولته "تحت هذه القطعة الجميلة من السماء، التي تظلل هذه الدار العربية، كنتُ طفلاً، وكان صوت أمي يهدهدني، ويذيقني لذّة المنام على هديل طير الحمام الذي كنت أشعر بالخوف عند ذكره، لأن الأغنية تذبحه لتحقّق به سجعها وإيقاعها.. وانتقل ببصري وبصيرتي إلى البقعة الصغيرة المجاورة من الأرض.. فأهرول بذاكرتي إلى ملاعب الطفولة.. هنا لعبتُ، وهنا جلستُ، وهنا لمحت وداداً أول مرة.. وهناك... هناك مسرح ألعابي. حيث كان يحلو لي كل يوم اثنين ـ عطلة الحلاقين الأسبوعية ـ أن أجلس على المرج الأخضر، في الناحية الشرقية من البيدر، وبين يديّ "عرائس جبران" أو "نظرات المنفلوطي" أو "رسائل الرافعي" وكان انقطاعي بالقراءة عن العالم يثير رجال الحارة الذين لا يفكّون الحرف، ولا يرغمني على النهوض من مرجي النديّ إلا الجوع. حيث أهرع إلى أمي، فتنقذني بنصف رغيف خبز مدهون بالزيت ورشّة ملح. تجده معدتي ألذّ من الكباب، الذي كنت أسعد برائحة شوائه عندما أمر بسوق القصابين الضيّق." عند الضحى، قصد منزل الشيخ خالد. استقبله بفرح غامر. قبّل يدي الشيخ، مرّغ وجهه بلحيته، ثم جلس يتأمله بمشاعر طفولة حالمة وسط عالم فردوسي.. شعر أنه يجلس في (حضرة) ملاك يشع نوراً ناصعاً يخترق عتمات نفسه. جلس معه في ساحة الدار الواسعة تحت ظلّ التينة الوارف. تباسطا في الحديث. دُقّ الباب. نادى رجلٌ من الخارج، فأُذن لـه بالدخول. ـ أرجوك يا شيخنا!.. أخي صادق... حلف بالطلاق، و.. ـ اجلس، وأخبرني بالتفصيل. ما حدث. ـ أخي صادق. اختلف مع جاره في مسألة التوقيت. صادق اشترى ساعةً، وهو معجب بدقّتها... مساء البارحة، عندما كان عائداً من الكرم على ظهر حماره، سأله أحد المارّة، عن الساعة، فقال السابعة إلاّ عشر دقائق، لكن جاره الذي كان جالساً على المصطبة خالفه، وقال لـه "ساعتك غير مضبوطة، وتنقص ثلاث دقائق" ثم احتدم الجدال بين الاثنين. فحلف صادق بالطلاق إنْ لم تكن ساعته مضبوطة، فلن ينزل عن ظهر الحمار. ـ هيه! وماذا بعد؟!. ـ اتفق الاثنان على انتظار دقّات ساعة (بيغ بن) من إذاعة لندن، وهي تعلن تمام السابعة، وأُحضر لهما جهاز (راديو) صغير، وانتظر الاثنان، وقد تجمّع حولهما عددٌ من الرجال والصبيان. أخي على ظهر الحمار، وجاره على المصطبة!. ـ أعوذ بالله! وماذا بعد؟!. ـ الذي حدث أن الجار انتفخ كالطاووس، في حين قضى صادق الليل على ظهر حماره!.. وهاهو الآن يمتطيه في الخارج. فكّر الشيخ بهدوء... ثم قال محتدّاً: ـ أعوذ بالله!. تجعلون حلف الطلاق تسبيحة على أطراف ألسنتكم، ثم تجيئون للفتوى!. ـ أرجوك يا سيدي. زوجته في البيت تقتل نفسها من البكاء واللطم!. ـ حسناً. دعه يدخل على ظهر حماره إلى هنا. حملق الرجل ملياً في الشيخ، كأنه لا يصدق، لكنه ما لبث أن انطلق يسحب الحمار بأخيه. كان نبيل يستمع إلى الحكاية المسلية.. ما أبعد أم الكرز عن باريس الشرق!. هناك عالم وانطلاق وتحرّر وسيارات وبواخر ومتاحف وملكات جمال، وهنا عقول محدودة لا تتجاوز أفق الحمار والجدل العقيم. وقف الرجل وبيده المقود، وصادق متجمّد على ظهر حماره كقطعة حطب. صعّده الشيخ بنظراته، ثم سأله ساخراً: ـ لماذا حلفتَ بالطلاق؟!.. ـ الله يلعن الشيطان. ـ هل الطلاق تسبيحة في فمك..؟!. سادت لحظات صمت. قال الشيخ: ـ أدخلِ الحمارَ تحت الشجرة جيداً. سحب الحمار، فانحنى صادق فوق ظهره لئلا تدخل ورقة تين في عينه، أو يلكزه فرعٌ في وجهه، فغطاه بيديه. قال الشيخ. ـ ارفعْ رأسَك. وتعلّقْ بغصنٍ قوي. أما أنت. فاسحب الحمار من تحته.. * * * * * قال الشيخ خالد: "أنت مطلوب لأداء الخدمة الإلزامية." فاجأه الخبر. أذهله!. كان عليه أن يفكّر في الأمر.. نهض لتوّه إلى شعبة التجنيد. وضع نفسه تحت تصرّفها، ولم يطلب التأجيل للدراسة.. عند المساء حمل أخاه إلى الطبيب. أجرى لـه فحوصاً وتحاليل متعدّدة. عاد إلى المنزل بأدوية كثيرة.. زار معلمه "أبا حسين الحلاق". عرّج على منزل شريف. شاهد أمام الباب سيارة فخمة.. دخل. سلّم على مجموعة من الشباب ومعظمهم من البلدية والمالية. أمامهم مائدة حافلة بالأطعمة والأشربة. اعتذر عن مشاركتهم الطعام.. سألوه عن بيروت. ردّ باقتضاب. ألحوا عليه في الحديث عن شؤون أخرى.. أقسم لهم إنه لا يعرف في بيروت ملهى أو كهفاً ليلياً واحداً.. بعد الطعام، انصرفوا إلى اللعب بالورق، فاستأذن في الانصراف. خرج معه شريف، فأتت "فتنة" تتلوى غنجاً وتفوح عطراً، سلّمت عليه، وقد لمح في عينيها كلاماً تريد البوح به، قالت لـه: "اجلس نبيل. لم نرك بعد. اشتقنا إليك كثيراً... دعنا نرك مرّةً ثانية. لا تطل غيابك عنا." سارا معه إلى الباب الخارجي، شدّا على يده، وقبل أن يفلت يد شريف سمعه يهمس: "وداد عادت.. يبدو أن خلافاً حدث بينها وبين زوجها، وهي مصرّة على عدم العودة!." "يا إلهي!..." ضجّت في رأسه عشرات الأفكار المقلقة.. محسن المريض ذاب لحمه. لم يبق منه سوى جلد شاحب، وعينين زائغتين، ويتحوّل إلى عجين قطعة هلامية!.. زوجة أبيه خائنة!.. وداد عادت خائبة!.. فتنة تريد أن تراه ثانيةً، وقد لمح في عينيها رغبةً عارمة إليه.. شريف يرفل بالدمقس وبالحرير، وهو في موقعيه؛ الحزبي والإداري، غدا كبير البلد... "لا حول ولا قوة إلاّ بالله!." "كنا نحارب الإقطاع فلما زال وجدنا شريف يتمترس مكانه... شريف! شريف. الفتى الشاذّ يحلّ محلّ الإقطاع، أُزيلت رموز. وجاءت رموز حلّت مكانها.. هو يعرف شريف جيداً. طحنه وعجنه وخبزه. كان لا يتوانى عن فكّ بنطاله لقاء ربع ليرة!.. عجيب يا زمن!. عجيب غريب!!. تذكّرَ يوم كان يدرس ذات صيف تحت ظلّ شجرة الجوز الوارفة في أحد الكروم القريبة، حين تناهى إلى سمعه أنينٌ مبحوح لاهث... أرهف السمع، لاحظ أنه يصدر من كوخ مهجور. اقترب على رؤوس أصابعه، فإذا به يرى المنظر الشنيع!. ودّ حينئذٍ لو يرتكب جريمةً، لكنه تراجع عن فكرته، واكتفى بفكّ الارتباط بشتيمة مقذعة! أعقبها البصاق!.. * * * * * انتقل إلى الشيخ خالد لوداعه. أعلمه أنه سيلتحق صباحاً بالجندية، لكن الأمر الأهمّ الذي كان يشغل باله هو عودة وداد "والله يا بُنيَّ عادت من حلب مثل الزهرة الذابلة التي تلوي عنقها على حافة الكأس.. طلبوا إليّ التدخّل لإقناعها بالعودة إلى زوجها لكنني اعتذرت، بسبب موقفهم السابق، وقد ساعدتها على إقامة دعوى في المحكمة الشرعية للتفريق، ووكّلت محامياً." في البيت ودّع أخاه "محسن" حمله بين يديه كان هلامياً كدمية من العجين. قبّله قبلاً حميمة. تملّى من وجهه. أراق دمعتين على صفرة الأسى في الوجه النحيل الذي لا يخلو من بقعة ربيعية كواحة ترتفع لظامئ في الصحراء.. أوصى زوجة أبيه بالسهر على صحته، وقدّم لها سلسلة ذهبية، ثم غادر أم الكرز من دون أن يلتفت إلى الخلف، فقد وجد فيها كل شيء موجعاً، والبلدة هي البلدة. تلفّها الرتابة. لم يتغيّر فيها شيء. الحياة تسير فيها بطيئةً كسلحفاة. وحده شريف الذي ينتفخ ويتضخّم، ويتحرّك وعصابته بحيوية الأفاعي. ـ 2 ـ عادت وداد إلى موطن الحبّ الأول.. عادت لتبحث عن حقيقة وجودها، ولكن بصمت مطبق.. هنا مرتع الطفولة البريئة، وأطلال الأحاسيس التي وشّاها الحبّ.. لكنها تبدو الآن راعفة تقطر دماً.. وكأن الدار ليست هي الدار!... تلتفّ بالكآبة والأسى.. "الحياة يا وداد تغرق في الظلمة، ولا يضيئها إلاّ الحبّ قنديلُها الأخضر.. ولكن أين الحبّ وأين الحبيب؟!. وأين اقتادك السعد والنصيب؟. وفاروق ثور هائج، لا تستقيم لـه الحياة، ولا تصفو لـه مشاربها إلاّ بين قطيع هائج مثله.. وأنتِ. أنتِ. لم تُخلقي لتكوني بقرة.. أنت كتلة أحاسيس ومشاعر.. وحلبُ أرهقتك بنزوات أهلها، وهنا كل الناس يعادونك!." ـ يا بنت ارجعي إلى عقلك, فاروق زهرة الشباب. ـ أرجوك ماما, لا تتدخّلي... ـ فاروق رجل كريم, لا يبخل عليك بشيء... ألا تخجلين, وأنت... نظرت إلى وجه أمها خائفة, ثم تنفّست بعمق. ماذا تفعل؟!. هل تنفجر؟!.. انخرطت في موجة من البكاء!. هدهدتها أمها, فقالت لها برجاء حارّ: ـ ماما أبوس رجليك دعيني, لا تزيدي في عذابي, دعيني! دعيني!!. ـ ولكنه شهم!.. ـ شهم؟!.. تعمّدت أن تتجاوز هذه الشتيمة.. في السابق أرغمتها على الاقتران به, حكمت بالإعدام على حبّها الأول والأخير. ساقتها إليه شاةً جاهزة للذبح.. وضحكات صحبة فاروق لا تزال تسدّ عليها منافذ السمع والبصر, وقذاراتهم أنتنت في خلايا جسدها, وقد تحوّلت إلى فأر تجارب, وصار لها فيلم من عشرات المشاهد التي التُقطت لها في كافة الأوضاع والهيئات والأشكال, فلم تبق في جسدها ذرة طاهرة.. تدنّست من الظاهر والباطن ومن فوق ومن تحت ومن قُبُل ومن دُبُر ومن نهد وفم, وهاهي الآن تدفعها للغرق من جديد في مستنقعه. ـ انهضي يا بنت. تسلّحي بالإيمان والصبر.. "ولكن هل تعمر قلوب أهل هذه الأرض بالإيمان؟!... ومتى سيُنصب ميزان العدل؟!.. وهل توجد معايير قيم وأخلاق و....؟!!" أمها تلاحقها لتعيدها إلى حظيرة فاروق: ـ أن تعيش المرأة في كنف الزوج, خير لها من أن تحترق!. "فاروق.. آه يا لهذا الحقير المجبول من النزوات!!". ـ لا أحبّ الشهامة التي يقتلني بها كل يوم, ويزهق فيها روحي!!. لم تعرف أمها الكلل.. ساعةً بعد ساعة, تحاول كسر الطوق وفكّ الحصار, أغرتها بالعودة إلى بيت الطاعة... أحضرت إليها المرآة, وواجهتها بها, لتريَها البريق الذي خبا في عينيها!. فضربت المرآة بعصبية, وتناثرت شظاياها على أرض الغرفة.. وعلت بقعة دم صغيرة على وجه قدمها, ذكّرتها باللحظة المريرة التي اغتصبها فيها فاروق!. انخرطت من جديد في البكاء!.. تمنّت لو كانت تملك القدرة على حمل فاروق بكلتا يديها وضربه بالأرض ليتناثر كما تناثرت شظايا المرآة, أو أن تكون لها قدرة السوبرمان لتسحقه مع أفراد عصابته ممن استباحوا جسدها, وحوّلوه إلى ثقوب جنسية لا تبرأ أبداً. ـ 3 ـ "حين يكون الدافع قوياً, تسقط أمامه جميع المتاعب". سيطرت على مخيّلته هذه المقولة, حين ارتدى اللباس العسكري. في البداية شوت شمس الخريف جلده, وكادت تذيب رأسه الحليق, لكنه ما لبث أن اعتاد الحياة الجديدة, بل إنه أحبّها, حاول التفاني في التدريبات والتمرينات, حتى غدت شغله الشاغل ومدعاةً لتأمّلاته المتواصلة, مما جعله ينسى وداداً, وبيروت ولورا والسيدة, وأخذ يرسم صورةً جديدة في أفكاره لوطنه الصغير, وهو يرى الوجوه الشابّة التي لوّحتها الشمس فأكسبتها اللون البرونزي, حينئذٍ يفرح ويظلّ يرعى هذه الصورة, يضفي عليها الظلال والألوان, حتى تتجسّم في خياله وفكره, وتغذيه بالقوة والعزيمة. تمنّى وهو يرسم البسمة على أبعاد الصورة المتألّقة لو كان عادل بجانبه الآن, ليحاوره في صورة الوطن الجديد... لكنه رغب أن يمثّل دور عادل مع رفقة المهجع, ويمحو أميّتهم, وهو الوحيد الذي يدرس الحقوق بينهم, وقد رفض تسوية وضعه في الخدمة حسب مستواه التعليمي, لأنه تاق لكي يعيش حياة هؤلاء البسطاء الذين يمثّلون الشريحة التي ينتمي إليها. انتهت دورة الأغرار, سُمح لـه بالخروج, والمبيت خارج المعسكر, ورأى أن يتحرّك قليلاً خارج دائرته, ويسعى إلى الانطلاق نحو المدينة, فاسم دمشق منذ سمعه لأول مرة, أثار في نفسه شيئاً غريباً لم يثره مثله اسم مدينة أخرى. استأجر مع أربعة من زملائه غرفة في حي البحصة, حيث المدينة المسكونة بالضجيج والدخان الأسود اللازم لدمغ إنسان العصر.. هناك تمدّد معهم على حصير عتيقة.. جال ببصره في أرجاء الغرفة ذات الإنارة الضعيفة, فاصطدمت نظراته بجدرانها المتآكلة التي تعلو واحداً منها نافذة لم تُفتح منذ أمدٍ بعيد, وقد عشّش فيها الوسخ والعنكبوت!. نظر إلى السقف فرآه ملعباً مهجوراً تمارس فيه العناكب هواياتها المفضلة!. كانت المدينة الرابضة في القاع تتعرّى بأصابع منفّرة وتُظهر قبحَها كله.. اعتراه هلعٌ أعاد إلى ذاكرته حياة سكان الأقبية الذين خلّدهم مكسيم غوركي, ووقر في قرارة نفسه أن من المستحيل أن يعيش في هذا الحضيض!. استعاد نكهة الفقر مع رفاقه في ساحة البرج, نظر إلى الزملاء الجدد. عاين همومهم, سمع ضحكاتهم البلهاء, ووعى معاني مرحهم الغبي الدائم... ضربت الألفة أواصرها بينهم في البداية, طالت أوقات السهر, وتشّعبت أحاديث الذكريات, وتكشّف ليلهم داخل الغرفة عن حكايات أسطورية خرافية حيناً, وواقعية حيناً آخر.. كان الأربعة يبتدعون قصصاً ومغامرات وهمية عن بنات ترامَين عليهم, فصوّروا أنفسهم عشاقاً تلتهب أفئدتهم بالحبّ.. كان نبيل وحده يستمع بصمت, ويضحك بصمت, ويفكّر بصمت, ويرى فيهم فتياناً بسطاء تنقصهم التجارب الجادّة, والاعتراف بواقع مدقع. انتظرَ معهم... صبرَ عليهم حتى فرغت جعباتهم من الأوهام, ثم وجدهم ينهمكون في ورق اللعب, ويندمجون به كلياً, ثم يتحوّلون في لياليهم التالية إلى الرهان. كان وهو يراقبهم من خلف كتاب الأحكام العثمانية, يدرك مدى الهوة التي ينحدرون فيها, ومدى الحاجة إلى هوايات مفيدة تملأ أوقات الفراغ... وتتوالى الليالي القليلة العجفاء موشّاةً ببرودة الشتاء, تجود بأوقات فراغ مديدة, فتطمح الأنفس للتغيير والتبديل, بعد أن ملّت من الحكايات, وأعلنت عن إفلاسها في ألعاب الورق, وخسرت في الرهان ساعات أيديها!. أغمض عينيه متألماً "مستحيل أن يتساوى القاع والقمة, والقبح والجمال, واللذّة والألم". تبدّت المدينة في القاع تتعرّى بصورة منفّرة, وتقذف جميع ألوان البشاعة!. اقترح جورج ذات ليلة, وهو شاب من وادي العيون, أن يجروا للبحث عن امرأة, فقد طالت بهم أيام الجفاف, فحظي اقتراحه بتأييدٍ تام, وألّح سليم الإدلبي على سرعة التحرّك, أما نصر السلموني فقد أعلن أنه كان ينوي أن يقدّم مثل هذا الاقتراح منذ البداية, لكنه شعر بالخجل, فاحتجّ موفق الحموي, وأعلن بحياء أنه قد وعد خطيبته بالإخلاص لها, لأن مجرّد التفكير بامرأة أخرى, ولو كانت عابرة, يعدّ خيانةً... وعندما ألحوا عليه, أصرّ على موقفه مسوّغاً: ـ كما أنني لا أبيح لخطيبتي أن تلتقي بآخر في غيابي, فإنني لا أبيح لنفسي أن أعرف غيرها في غيابها. قال نصر: ـ هناك فرق بين الرجل والمرأة من هذه الناحية. استنكر قولـه, واتهمه بالتفرقة والتمييز والجهل, وحاول أن يقنعه بأن للمرأة رغبات كما للرجل, لكن من دون جدوى... وتمخّضت تلك الليلة عن شبه اتفاق يقضي بأن يتصل نصر بقوّادة عجوز لتدبير المسألة. كل هذا ونبيل متمترس خلف كتابه, وكأنه في عالم آخر, فاستثاره جورج: ـ كيف تقرأ الروايات العاطفية, ولا تُثار لك غريزة؟!. اندسّ في فراشه الرقيق البارد, غامت الرؤى في ناظريه, وجد أن الحياة تافهة عندما نزرعها بهذه التفاهات, لذلك قرّر أن يترك الغرفة إلى غير رجعة.. انقطع المطر واكتسحت موجة من الصقيع دمشق وما حولها, فامتصت نسغ الحياة من أغصان الأشجار, وجاءت القوّادة, امرأة عملت السنون على انحناء ظهرها وأرغمتها على الاستعانة بعصا خشبية, وقد فاحت منها رائحة النتن. عرضت عليهم ـ بوقاحة, مجموعة أسماء نساء قرنتها بمواصفات وأسعار لم يتّفقوا على واحدة منها, ليس لأن المواصفات لم تعجبهم, وإنما لأن الأسعار كانت على حدّ تعبيرهم سياحية. فتح فمه ليتكلّم, فوجد الجفاف يحبس الكلمات في حلقه, تذكّر حلم الاشتراكية الواسع وهو يحملق في أفواه الشباب الجائعة, فيجد شهواتهم إلى المرأة أقوى من الشهوة إلى الطعام, أو إلى تغيير البؤس الذي يرتعون فيه, وهم الآن على استعداد تامّ للموت جوعاً لقاء قبلةٍ من شفةِ أنثى أو لمسةِ نهدٍ!. تذكّر أنه عندما قرأ رواية (العصيان) لـ (كولن ولسون) كيف كان يتفاعل مع أحداث الرواية بدقائقها, وكيف استطاع أن يعيش مع براعة الكاتب الفائفة في التصوير كلمةً كلمةً وعبارةً عبارةً, وأن شعوراً طاغياً بالقذارة والاشمئزاز كان ينتابه, عندما يقف الكاتب عند كل جزئيةٍ يصوّرها, حتى إنه كان يجد كل حركة خفيفة أو صوت مهما كان خافتاً حوله كأنه آتٍ من داخل الرواية, وعندما تفاقم النتن مع الأحداث تضخّم الإحساس لديه, حتى صار يخشى من مسّ الكتاب بيديه مباشرةً, فيعمد إلى إمساكه بمنديل, خوفاً من انتقال عدوى ما في الكتاب إليه عن طريق اللمس!. وهاهي القذارة بأكملها مجسّدة في العجوز الشمطاء وأسلوبها في المساومة, والعمالة!. بعد أن خرجت القوّادة, تنفّس الصعداء, تمنّى لو لم يكن الليل قارساً لخرج بغير عودة...وهذا التهافت على الجنس "يا سبحان الله!..." في بيروت تهالكٌ ولهاث, وهنا في الشام تهالك ولهاث, هنالك النساء يبحثن عن الذكر, وهنا وهناك الشباب يبحثون عن الأنثى, هناك مال ونساء وفراغ وهنا شباب وفراغ وفقر!. هاهي المدينة التي أحبّها تتحوّل إلى شباب فارغين, وقوّادة مستهترة ينسدل شعرها فوق وجهها وكتفيها, فتبدو كقردٍ كثيف الشعر, ويبدو للمدينة معها وجه بشع!. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |