بنات بلدنا ـــ محمّد قرانيا

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث أسئلة الحرية والجمال

ـ 1 ـ‏

ويقلّب ورقةً جديدة من أوراق عمره...‏

خرج إلى الشارع. انعكاس أشعة الشمس يكاد يذهب ببصره!.. تنفّس الصعداء. بدّل الهواء العفن الذي سكن رئتيه وأعصابه.. ملأ رئتيه بالهواء النقي..‏

فكّر: "الآن انتهيت من أزمة.. ابن الآغا في وظيفته التي نشأ وشبّ عليها. لم يفلح في النيل مني!..‏

ولكن إلى أين سأتوجّه الآن؟. يتوجّب عليّ أن أكون إنساناً جديداً. أن أخلد لنفسي. أستريح بعد إرهاقي بخيانتهم...".‏

وقف على الرصيف حائراً..‏

ما إن استعاد شيئاً من وضوح الرؤية حتى أحسّ أن مثانته محتقنة، جال ببصره فيما حوله، فلم يجد غير سور المعتقل الأسود!.. لكن المكان مكشوف، فماذا يفعل؟... هل يكشف عورته ويتخلّص من احتقانه جانب الحارس، وفي غفلة منه؟. أم يُصبّر نفسه وينطلق بسيارة إلى أقرب مكان يرتاح فيه من حصارات النفس والجسد؟.. وبينما هو ينتظر قدوم سيارة أجرة شاهد قطةً تقترب من السور، ثم تقعي، فتتخلّص من نفاياتها، وتعاود رحلتها غير مكترثةٍ بشيء!.. فكتم ضحكةً ساخرة، وردّد في نفسه "يا لجرأتها!!".‏

أوقف سيارة أجرة. قصد سوق الحميدية. اشترى ثياباً جديدة. دخل صالون حلاقة. أعاد إلى رأسه ووجهه النعومة والابتسامة. غسل الاصفرار.. توجّه إلى حمّام الملك الظاهر. أسلم جسده لعامل الحمام. غسّله. دعكه بالصابون والطيب.. "الحمام نعيم الدنيا" ارتدى الثياب الجديدة وخرج.. دخل المسجد الأموي. عبّ من الجمال والسكينة والهدوء.. صلى.. ثم أخلد للدعاء... لفّته طمأنينة عالية. أحسّ أنه يرتفع من طين الأرض، ويتصل بنقاء السماء!.. لم يحسّ بالدموع التي اتخذت طريقها على خديه سربا..‏

خرج إلى سوق الحميدية. اشترى عباءة بدوية مقصّبة..‏

أوقف سيارة أجرة. قصد منزل ليلى. وقف أمام باب منزلها.. "يا لَباب منزلها كم هو عال ومزخرف بالنقوش العربية البديعة!.." انتعش بنكهة التاريخ. رنّ الجرس. انتظر. فتحت. كادت تقع على الأرض لفرط دهشتها!. تلقّفته بخفة طائر مرح، خيّل إليها أنها لا تمسّ الأرض بقدميها، بل تطير معه في سماء زرقاء... سحبته إلى الداخل.. وجدته بعد ضياع مرير حسبته دهراً. سفحت لهفتها على مسامعه. أعلمته أن الجميع قلقون عليه "أين كنت طوال أسبوعٍ كامل؟.. لماذا لم تترك خبراً؟ نبيل. ماذا وراءك؟!".‏

رقص الفرح في جوانحها. انتقلت عدوى الرقص والفرح إلى جذعها وأطرافها.. "لا بدّ من تبديل جلدك يا نبيل.. وهذه امرأة تُظهر لك الودّ والحبّ والشهوة.. فأبعد عنك الحصاة التي تعيق انطلاقة لسانك. امرأة فاتنة تقع بين يديك كما تقع فراشة على نار... لا بدّ من تغيير حياتك، تجرّأ وابدأ يومك بجسدٍ شهي يقتحم عليك عالمك؟. سافر إلى عالمٍ جديدٍ، واعبر بحاراً طالما حلمت بالسباحة فيها".‏

وجدها تمسك الهاتف، وتدير أرقاماً. أوقفها. قالت:‏

ـ سأهتف لروعة، أهلها أقاموا الدنيا وأقعدوها، سمر. كان غيابك عنها كارثة!.‏

ـ تمهّلي..‏

ـ إذن. قل لي أين كنت؟.‏

ـ ألا تغارين؟.‏

ـ ممن؟.‏

ـ من واحدة شقراء حمراء اختطفتني أسبوعاً كاملاً. أذاقتني من فنون الغزل والهوى ما لا عينٌ آمنةٌ رأت، ولا أذنٌ مطمئنةٌ سمعت، ولا خطر على بال عاشق...‏

فتحت فاها دهشةً:‏

ـ وهل كانت جميلة؟!.‏

ـ ليست جميلة فحسب. بل رائعة!. ما زالت قبلاتها تكوي جسدي!..‏

ـ نبيل!.‏

واستفاق من الحلم:‏

ـ أجل. ليلى.. وأنتِ ما وراءك؟.‏

ـ شغلتنا بغيابك أكثر مما شغلتنا بحضورك. أبو روعة أنهى معاملة تسريحك. وروعة.. كانت تسأل عنك بلهفة زائدة.‏

ـ وبتول؟...‏

ـ بتول الوحيدة التي كانت صامتة..‏

ـ ليلى. أنا جائع..‏

وقفتْ في المطبخ تعدّ وجبةً سريعة.. لكنها بدأت تتساءل عما غيّره..‏

هل هي صحيحة قصة المرأة اللعوب التي يمكن أن تكون قد غسلت دماغه؟!.‏

قدّمت إليه الطعام. أكل بنهم..‏

ـ سلمتْ يداك ليلى. أنا مدين لك بالكثير.‏

في الليل.. أحبّ أن ينعتق من إطار البيت. أراد أن يتأكد أنه صار حراً..‏

ـ ليلى. ما رأيك في جولة ليلية، سيراً على الأقدام؟..‏

شعرت أنه يدعوها إلى حفلة ظلّت طوال عمرها تحلم بحضورها. ذهبت إلى الغرفة الثانية. ارتدت ثوب الخروج. حثّها على السرعة: "لا تقضي الليل أمام المرآة "لحظات. أنا أسرّح شعري".. وكما يحسّ المدمن بحاجة لا تقاوم لإرواء غليله، أحسّ نبيل بحنين لمداعبة رأس امرأة:‏

ـ تعالي أروّضه لكِ.‏

ـ تعال أنت إليّ..‏

ذهب إلى غرفتها. صافح طلعتها الحلوة على الكرسي أمام المرآة. تنشّق عطرها الأخّاذ.. أذهله الصدر الندي المتسع، والكتفان اللتان انزلق عنهما الثوب، فظهرت فتنة العنق المتلع.. لاحقت عيناه فتحة الصدر. جرى مع الثلم المنبثق عن النهدين المحاصرين في سجنيهما. "آهِ ما أجملك يا ليلى، وما أمتع أن يروي الظمآن غليله من ينبوع الجمال هذا!".‏

أمسك بالمشط. أرسله بين الشعر.. تماوجت الخصلات بين أسنانه. داعبها بلمسات أصابعه السحرية.. كانت تلاحق اللمسات بدهشةٍ وإثارة. تحسّ لمسات يديه على شعرها فراشات ملونة ترفرف فتملأ البيت عبيراً وجمالاً. لم تستطع كتم إعجابها:‏

ـ ياه. أصابعك رائعة!.‏

ـ الفنان يبدع عندما يكون (الموديل) أمامه مغرياً، ثم لا تنسيْ أن عظمة الفنان لا تتجلّى في مهارة يديه، وإنما في قلبه ووجدانه.‏

ـ ذوقك ساحر.. ولكن هل صحيح أنا (موديل)؟!.‏

وقف ينظر إليها منتشياً. همس:‏

ـ ما شاء الله!. ولكن.. أهكذا ستخرجين إلى الشارع؟!. حسناً. لفّي الشال جيداً حول هذا العنق.‏

ثم تناول العباءة البدوية، وألقاها عليها.. وهمس: "هكذا تخرج الأميرات!".‏

تضايقت في البداية لتدخّله في أمر لباسها، وتعجّبت من جرأته في فرض رأيه عليها، لكنها ما لبثت أن شعرت بالارتياح والرضا، وأدركت الفارق الكبير بينه وبين الآخرين الذين كانوا يريدونها عارية، ومع ذلك فقد سألت:‏

ـ لماذا بحق الإله؟!.‏

ـ لأني أغار!. أريد أن يكون جمال الأميرة لي وحدي، لا يشاركني فيه أحدٌ!.‏

أسكرها بصراحته. نظرت إليه والهةً، فرفّت شفتاها بابتسامة مثيرة. أمسكت قطعة شوكولا، وقالت لـه: "خذها وتلذّذ!". فأخذها من يدها، قصم نصفها، ثم وضع النصف الباقي في فمها، وقال لها: "أنا أتلذّذ برؤيتها بين شفاه الأطفال!..".‏

خرجا معاً إلى الشارع. داعب الليل وجهيهما بأنسامه المنعشة. سارا باتجاه الشمال عاشقين سعيدين.. العالم في نظريهما شبكة من الورد الجميل، ظلّلت أطرافه بالظلال الندية.‏

غمرته أحاسيس سحرية!..‏

لم تكن ليلى أقلّ منه نشوة. مدّت يدها وارتفقت ساعده.. يا سعدها!.. كأن العالم والموجودات كلها تغبطها، وهي ترتفق ساعد شاب جذّاب ذكي، وسيم إلى حدّ لا يصدّق. تشعر أنه لها وحدها، ولكن... عذره أنه ساذج.. نسمة صيف عليلة تتمنى أن تهبّ على جسده فتقتلعه. كم تكون سعيدة لو طاوعها، واستجاب لرغباتها..‏

ـ نبيل. قل بصراحة. ما الذي جعلك تتغيّر؟سلوكك. أفكارك. أسلوب حديثك..‏

ـ معنى ذلك أنني بدأت انحرف!.‏

ثم نظرت إلى عينيه وتساءلت:‏

ـ كيف؟.‏

ـ لا أدري. كيف أعبّر لك عن مشاعري، ولكني بصراحة أشتهيك.‏

صعقها بكلمة الحب هذه!. توقّفت وحدّقت في وجهه. بلعت ريقها، كأنها تستعيد طعم قبلة مغتصبة.. مالت عليه. تابعاً التسكّع. وصلا إلى ساحة العباسيين. دخلا الحديقة الدائرية. افترشا العشب. صمتا لحظات..‏

ـ هيه.. حدّثني..‏

ـ عن أي شيء؟.‏

ـ غازلني. احكِ لي حكاية...‏

ـ اسمعي. زعموا أن ناسكاً ظلّ يعبد ربه في صومعة أمداً طويلاً، وقد ظهرت كراماته، حتى إنه كان يضع الماء في سلّة القصب فلا تقطر منها قطرة واحدة. وكان لهذا الناسك صديق يملك حانوتاً في المدينة، فذهب ذات يوم لزيارته، واصطحب سلّة القصب المملوءة ماءً. فعلّقها في واجهة الحانوت.. ثم حدث أن كان صديقه مشغولاً ذات مرة، فتركه مكانه يبيع ويشتري، إلى أن جاءت إليه امرأة محجّبة. مدّت إليه يدها بالنقود، فشاهد ساعدها الأبيض. عندئذ قال في نفسه: إذا كان هذا ساعدها، فكيف جسمها؟!.. في تلك الأثناء بدأت قطرات الماء تتسرب من سلّة القصب، ثم جاءت امرأة أخرى ساحرة الوجه، باسمة المحيّا، استأثرت بنظراته، وشغلت تفكيره، فانفلت الماء من السلّة فوق رأسه كالصنبور... وحينما عاد صاحبه، ووجد السلّة فارغة من الماء، أدرك الحقيقة، فقال مقولته الشهيرة..‏

ـ ماذا قال؟.‏

ـ العبادة بين الأجساد العارية، وليس في الصوامع النائية.‏

ضحكت متسائلة:‏

ـ لماذا اخترت هذه الحكاية الآن؟.‏

هبّت نسمة باردة، اعترتها ارتعاشة خفيفة، فالتصقت به تستمدّ منه الدفء. تتأمله بظمأ وشوق.. هفت إليه لينقذها مما تغرق فيه من زيف ونفاق وبهارج. يزيح عنها الرماد المتراكم فوق الجمر المتقد، ويفجّر في نفسها كنه الحياة الحقيقية. همست حالمةً:‏

ـ نبيل.. ألا تنوي الزواج؟.‏

نظر إليها.. أنثى تسوّره بسحابة عطرها ونضج صباها، ودعواتها المغرية لتنهيَ غربته وتشرّده:‏

ـ ليلى. بصراحة. لو تزوّج شابٌّ عاطلٌ عن العمل مثلي امرأةً جميلةً مثلك تعيش في فراغ كبير.. فكيف ستكون نتيجة العلاقة بين العاطلَين؟.. يا سيدتي.. الحياة المشتركة، ليست علاقة سرير فحسب؟!.‏

ـ نبيل.. لا تهتمّ. الحياة السعيدة، سيوجِد لها الشريكان ما يشغلان به وقتهما. إذا رزقا بولد، فسيكون كل شيء في حياتهما.‏

صمتت لحظات، ثم أخرجت من حقيبة يدها رزمة أوراق نقدية وضعتها بين يديه، وهمست:‏

ـ نبيل.. أنا أقدّر ظروفك. أرجو أن تكون مطمئناً من ناحية المادّة. دخلي الشهري من ريع محالّ المنطقة الصناعية جيد (فوق الريح).‏

أعاد إليها النقود شاكراً، ورجاها ألاّ تفعل ذلك مرّةً أخرى.. خيّم عليهما الصمت لحظات. جلسا حتى ساعة متأخرة. تناولا موضوعات شتى. حكى لها طُرفاً عديدة. استمعت إليها بكل جوارحها.. نظرت إليه خلسةً رأت فيه واحداً من أولئك الهبيين المشرّدين الذين عرفتهم على أرصفة روما وباريس، لكنه نظيف وجميل...‏

كان الليل ندياً وشفافاً. هبّت نسمة هواء عبثت بخصلةٍ من شعرها الناعم، فتطايرت مع النسيم. تمنّت أن تنام مستندة إلى صدره وسط الحديقة. لكنه أحسّ بلسعة بردٍ فنهض، وعاد بها متجهاً إلى منزلها محتضناً ساعدها... في الطريق، اشترى قطع "شوكولا" وأخذا يتلذذان بنكتها.‏

أمام المدخل. تمنّى لها نوماً هانئاً، لكنها تشبّثت به.. سألته عن وجهته في هذا الليل، فتضاحك قائلاً:‏

ـ إلى مدى يتسع لغربتي.‏

ـ لماذا لا تنام عندي؟..‏

تلجلج.. "لا أريد أن أسبّب لك إحراجاً" ثم أعلمها أنه يخاف، لكنها زرعت الطمأنينة في نفسه، وسحبته معها إلى الداخل، وكأنها تسحب بيمينها كنز العمر...‏

فكّر، وهو يضع رأسه على الأريكة.. ليلى جميلة ومشتهاة، وجديرة بالحبّ "ولكن هل يمكن للقلب أن يعشق مرتين؟!". انتابه شعور ممضّ. اجتاحته موجة طاغية من الشهوة، والجسد الذي أغراه كثيراً، يتمدّد في الغرفة الثانية مكتئباً، وما عليه إلاّ أن يبتسم ويتنحنح حتى تهرع إليه.. ولكن.. آه!..‏

لا يدري متى أغفى..‏

لكن ليلى لم تستطع النوم!.. وهذا الشابّ/ الحلم يتمدّد على بعد خطوات منها.. تتقلّب على سريرها. تغّرب بها الأفكار وتشرّق وتطول وتقصر، فلا تستطيع صبراً. ما أشدّ ظمأها والماء بقربها!.. تنهض بخفةٍ.. تتسلّل إليه. تمدّ يدها إلى قميصه. تفكّ أزراره واحداً إثر آخر.. تقترب بوجهها من صدره، فتشي بها خصلات الشعر.. ينتبه قليلاً.. تشعر أنها تهيل على الماضي طبقات كثيفة من التراب، وتبدأ فاتحة الطهر والنقاء.. ترسل أصابعها تخلخل شعره، وتمسّ أناملها جفنيه اللذين أسبلهما الخدر.. تنزل إلى الشفتين تداعبهما فتحسّ بانتشاء غريب، وتتمنى لو تلقمهما قمة نهديها المتحفزَين.‏

لم تتراجع.. قبّلته بهدوء. مرّغت وجهها على صدره بنعومة.. ثم عادت إلى غرفة نومها كأنها لصّ انتهى من عملية سطوٍ كبيرة ناجحة.‏

في اليوم التالي اتصلا بروعة لتناول قهوة الصباح، لكنها ألّحت على انتقالهما إليها. انطلقا لا يلويان على شيء. لم تتمالك روعة نفسها. تلقّفته بلهفة، وتعلّقت به سمر، وقبّلته قبلاً كثيرة.. قدّم إليها مجموعة قصص للأطفال. فرحت بها، وعاتبته الأم على غيابه عتاباً رقيقاً حمل كثيراً من الرّقة والحنان، وهي ممسكة بيده لا تريد إفلاتها.‏

انتقل مع ليلى إلى غرفة روعة.. تبادلا النظرات. قفزت إلى رأسه فكرة الفوارق التي يتشبث بها العقل، لكن النظرات الشبقة لا تخفى، ولا تعترف بغير العواطف، وهذه الرغبة المستعرة تبوح بأسرارها، وتضجّ مطالبة بالارتواء..‏

حكت ليلى حكايته الطريفة مع العاشقة العابرة التي اختطفته أسبوعاً، وأذاقته من فنون الحبّ، ما جعله يغيّر نظرته إلى العالم..‏

يسأل نفسه عن السبب الذي يبقيه بين هاتين الجميلتين، وهو لا يشعر أنه يرتبط بهما بأيّ رباط سوى رباط الشهوة الجسدية... ليلى بين يديه لدنة طائعة، لكنه لا يملك الجرأة على خوض تجربة معها.. وروعة، بوداعتها المحبّبة، ونظارتها الطبية التي تضفي على العينين والوجه ملاحةً آسرة، تقطع عليه دروب تفكيره، يشتهيها حقيقة وتشتهيه.. ولكن ثمة حواجز سميكة.‏

أبو روعة الإنسان الوحيد الذي أدرك بخبرته المسلكية أنه كان موقوفاً، لكنه لم يقلق عليه، لأن ثقته بنقائه ليس لها حدود، وحين ألّح عليه لمعرفة الأسباب، أخبره بجانبٍ من قصة ابن الآغا عشيق زوجة أبيه، ومحاصرته لـه، ثم عاد قليلاً بذاكرته إلى التاريخ:‏

ـ يا سيدي. في زمن الاحتلال الفرنسي كان الآغا يقف إلى جانب فرنسا ضدّ الثوار. جميع أهل البلدة يعرفون ذلك، ومن بطولاته أنه وقف على ظهر دبابةٍ فرنسية في ساحة بازار البلدة، وصرخ منادياً بأعلى صوته، وبيده صولجانه الطويل يهزّه في الهواء تارةً، ويشير إلى وسط جسده تارةً أخرى: "يا أهل أم الكرز. سأفعل كذا وكذا بنساء كل من يحمل السلاح ضدّ فرنسا!!.. "ثم سوّغ فعلته فيما بعد بأنه كان يقصد تجنيب البلدة الدمار، وتشريد الشباب، ومع أن الأحوال والظروف قد تغيّرت بعد الاستقلال، إلاّ أنه لا يزال يمسك بزمام الأمور في البلدة، وابنه لا يقيم اعتباراً لأيّ حرمة.‏

ـ ولكن. كيف يمسك بزمام الأمور حتى اليوم؟.‏

ـ يا سيدي. قبل قيام الثورة كان يعارض كل مشروع يقوم في البلدة، حتى لو كان افتتاح مدرسة إعدادية، وقد عمل على تأخير المدرسة سنوات، لأنه كان يقول: "إذا تعلم ابن الفلاح صار خطراً على أولاد الأغوات.." في زمن الوحدة صار من الاتحاد الاشتراكي، وفي الانفصال وجد نفسه يتحوّل من جديد، وعندما استلم الحزبُ زمامَ الأمر، وبرزت في الواجهة فئات جديدة من الفقراء والمثقفين، وجد نفسه معزولاً، وقد آلمه أن تصير الأمور إلى هذه الشاكلة، فآلى على نفسه أن يركب الموجة، واستطاع أن يصل إلى مبتغاه بالولائم والبذخ والهدايا.. وقد سأله أحد المقرّبين منه: "كيف تكون إقطاعياً فوحدوياً فانفصالياً ثم اشتراكياً تقدمياً، وتتجاهل ماضي الأغوات العريق؟". فردّ عليه:‏

"وهل تريدني أن أكون محكوماً ممن كان أهلهم أُجَراء عندي، أو يتحكّم بي ذاك النغل الذي كان أهله يسرقون الحمير من البيدر؟!.‏

ـ ما رأيك أن ترفع دعوى افتراء؟!.‏

ـ سألني المحقّق هذا السؤال، فقلت "حسبي الله ونعم الوكيل".‏

ـ 2 ـ‏

عاد مع ليلى آخر الليل. قضى الليلة الثانية على الأريكة، انتابته مشاعر مؤرّقة حول أيامه الفارغة المقبلة التي لم يخطّط لها. فكّر في حالة الهيولى التي يعيش فيها. لقد غدا رجلاً أجوف، كهؤلاء النسوة الفارغات اللواتي تعرّف إليهن في قصر بيروت، وبيوت دمشق المترفة.. هذه الحياة الفارغة كيف يملؤها؟... هذه العطالة يجب أن يضع لها حدّاً!. لن يكون إنساناً عدمياً كمسخ كافكا الذي تحوّل إلى صرصور، ويرفض أن يكون غارقاً في صندوق قمامة كبطل بكيت، ويعزّ عليه أن يحارب طواحين الهواء وينهزم كدون كيشوت.. ولن يكون كـ"جان جينبه" خارجاً من وسط سجون وعصابات لصوصية و.. ولن يكون عبثياً كأبطال كامو، ولن يقبل العيش كطفيلي في كنف امرأة مطلّقة، كما أنه لن ينكر الجميل، ولكن يجب أن يكون لوجوده معنى، يجب أن يقهر الفراغ، وينتصر على العجز والكسل والجمود والغربة والتشرّد. البطالة تسحقه "نبيل. اصبر على اغترابك، فـ"ديستوفسكي" ما عرفه العالم إلاّ لأنه نُفي إلى سيبريا. بارك هذا التشرّد، اصبر على غربتك و"طوبى للغرباء" أنت مؤمن، ولن تطلق على رأسك رصاصة الرحمة، ولن تمتلئ نفسك بأحاسيس التفاهة التي قادت (فان كوخ) إلى الجنون و(نيجسنكي) إلى الانتحار و(ميرسول) غريب (كامو) إلى حبل المنشقة.‏

صحيح أنه يجب قهر البطالة.. ولكن ليس عليك الآن إلاّ أن تتفوّق في الدراسة، وقد وهبك الله هذه الوسامة التي تؤكد لك كلما شاهدت صورتك في المرآة أنك تمتلك الذكاء والسراب الشاعري الذي تفتح بهما الآفاق نحو الواحات الظليلة، وقد اعترفت أكثر من امرأة حُبلى لأمك بأنها توّحمت عليك".‏

حين أغفى رأى نفسه يسير في أحد شوارع دمشق العريضة النظيفة، فداخله شيء من الطمأنينة.‏

* * * * *‏

لم تنم ليلى وهي تمعن الفكر في وسيلة تجعله يُقبل عليها بمحض إرادته، وتعجب لتبدّل حالها الطوعي، فبعد أن كانت تذلّ الرجال حتى القطرة الأخيرة، هاهي تتذلّل لـه بغير جدوى. حتى إنها في بعض الأحيان، باتت تشكّ في جاذبيتها وفتونها، فتهرع إلى المرآة، تمدّ يدها، إلى جسمها فتتحسسه، لا طرباً ولا زهواً، وإنما اطمئناناً، وتظلّ تفكر حتى يلعب برأسها الدوار..‏

استيقظ في العاشرة نشيطاً. أعدّ القهوة، وجاء بها إلى غرفتها. نقر الباب. فلم يسمع ردّاً. ضرب الباب مرة ثانية بشيء من القوة، فأتاه صوتها كتغريد بلبل يتثاءب "نعم. نبيل" "القهوة جاهزة سيدتي. أين سترشفينها؟. "نهضت بغلالاتها، وتكومت على سريرها "ادخل نبيل" دخل بهدوء كوصيف من خدم شهرزاد. حسبت نفسها في المنام... نزلت عن سريرها. نفضت عن عينيها بقايا النعاس. ائتلق الشوق في وجهها. تمنّت أن تضمّه. تقبّله. ترحل معه إلى عالم لا عودة منه. ولم يكن أقل منها نشوةً. ينظر إليها. يفتتح الصباح بطلعتها. احتسيا القهوة دونما سكّر، الثوب الحريري الذي يضمّ جسداً ندياً يكاد يذوب من رقته. العذوبة تقطر من شفتيها، أصابعها، أهدابها، وفتنتُها الآسرة تضفي على الصباح ظلالاً دافقة من الشاعرية والبهاء.‏

انتهت القهوة. أعلن لها عن رغبته في حضور ندوة هذا المساء في ثقافي أبي رمانة عن حرية المرأة، وتمنّى أن تصحبه، فأبدت رغبةً عارمة، ودعت روعة وبتول لحضورها..‏

* * * * *‏

قُبيل الموعد، سألهن إن كنّ جاهزات، فأخبرته ليلى أنها لم تبدأ بزينة وجهها بعدُ، عندئذٍ أمسكها من كتفيها، وقال "وجهك هكذا فضاء صحو زاخر بنجوم رائعة. أنتِ جميلة من غير زينة. وجهك هكذا أحلى!ّ". فانصاعت لرغبته وسط ذهول النظرات الأنثوية الأخرى.‏

جلس في الصالة بين ليلى وروعة، وقد حاول أن يكون لطيفاً مع بتول.. كان المشاركون في الندوة أستاذاً جامعياً، وسيدة من منظمة نسوية، وشخصية فكرية.. أنصت بجوارحه كلها.. المنتدون متفقون على مفهوم حرية المرأة، وضرورة انطلاقها، ومسايرة العصر، فلما انتهت الندوة، وابتدأ الحوار مع الجمهور، وجد أن هذا الجمهور مكمّلٌ ومتمّم للفكر المطروح. لم يسمع رأياً واحداً في اتجاه معاكس. عندئذ فكّر في المداخلة، وقد لاحظت ليلى ذلك فشجعته. ونهض:‏

ـ جميل ما سمعناه في هذه الندوة، ولكن يا سادة. الحقيقة تختلف شيئاً‏

ما عن المنظور. نحن في الوطن العربي. نسمع بين آونةٍ وأخرى أن بعض المتنوّرين الحداثيين يطلعون بنظريات جديدة، أو ما بات يُعرف بالمشروعات المستقبلية الثقافية... وعندما نقرأ كتابتهم نفرح، ولكننا عندما نعود إلى الواقع نحزن، لأن النظرية لا تنتمي كثيراً إلى الواقع الذي تتحدّث عنه، وقد أغفلوا مسألة الأمية التي تعشّش في بيوتنا، بشقّيها المادي والمعنوي. أقصد النصف الأميّ الذي يجهل القراءة والكتابة، والنصف الآخر المتعلّم الأمي. بمعنى أن المفكّرين لم يضعوا أيديهم على مواطن الوجع الميداني.‏

لقد عرض السادة المنتدون أفكاراً هي قمة في الحضارة والتقدّمية، ولكن ألا ترون معي أننا نبالغ كثيراً في الإلحاح على طلب تحرير المرأة، والمرأة بالذات، تحرير المرأة من الظاهر، ونتغاضى عن تحرير الداخل؟. والأولى بنا أن نلحّ على تحرير الأرض التي نعيش عليها، والتي ذهبت أجزاؤها نتيجة النكبة والنكسة. كما نلحّ على تحرير الجسد الأنثوي، فلا ننسى تحرير الجسد المكاني. والأرض أمنا الأنثى الأولى!.‏

"سادت موجة هرج في الصالة، تنمّ عن التعاطف مع المداخلة".‏

التحرير يا سادة يبدأ من ههنا (وأشار إلى رأسه).. التحرير يبدأ من العقل، عقل الرجل والمرأة على السواء...‏

كثير منا ـ نحن الذكور ـ يدّعي التحرّر والحرية. ولكنه عند الحقيقة يظهر تخلّفه.. الزوج الذي لا تحمل زوجته، وييأس من علاج الأطباء، لا يتوانى عن الذهاب معها إلى المشعوذين والدجالين.‏

الحرية يا سادة ليست نظريةً تقدّمية، بقدر ما هي سلوك وممارسة... نحن في الشرق العربي والإسلامي. نعيش في مجتمع لـه خصوصياته ومعاييره الخلقية والدينية، وقيمه الأصيلة... والسادة المنتدون نقلوا إلينا كثيراً من آراء جميلة، ولكنهم صاغوها لبناتٍ وزوجات معيّنات، ولم يصوغوها لأمهاتنا وأخواتنا.. واسمحوا لي أن أدخل في بعض الخصوصيات.‏

في أوربا ـ باسم الحرية ـ عندما يخون الزوج زوجته، تبيح الزوجة لنفسها أن تخون زوجها. عرف ذلك الذين زاروا الغرب، وقرؤوه في أدبياتنا وأدبيات العالم. قرأنا ذلك ـ على سبيل المثال ـ في رواية الرجل الذي فقد ظلّه لفتحي غانم، والسأم لألبرتومورافيا.. وعشرات الروايات الأخرى.. كلما مارس الزوج حريته الجنسية خارج إطار المؤسسة الزوجية، بحثت الزوجة عن آخر في غياب الزوج أو في حضوره.. وقد يتشارك الزوج والعشيق معاً على جسدها. فمن منا يقبل أن تسود مفاهيمُ مثل هذه الحرية في بيته و مجتمعه؟!.‏

كثيرون من دعاة الحرية بيننا يتوقون لإقامة علاقاتٍ عاطفية مع صديقاتهم، لكنهم يذبحون أخواتهم وبناتهم إذا أقامت واحدة منهن علاقةً مع صديق..‏

يا أعزائي. أنا أدعو لأن نفكّر بعقولنا، وليس بمواضع الإثارة في أجسامنا.. عندما كانت المرأة تغطي الوجه، طالبناها برفع الحجاب، وعندما كانت ترتدي الثوب الطويل، كنا نتمنّى أن ترفعه حتى تبين الساق، فلما بانت الساق تمنينا أن تظهر الركبة، وعندما تجلّت الصابونة للعيان رفعنا الثوب إلى الأعلى فبان الفخذ.. وهانحن نرتفع بالجسد من طابق إلى طابق حتى صرنا نرى في الشوارع البنات يمشين، وأجزاء من بطونهن مكشوفة، فاليوم تظهر السرّة، وغداً ربما ينكشف النهد، وربما قذفت لنا الحضارة الوافدة في المستقبل ألواناً أخرى من العري حتى ترغمنا على العيش في مجتمع أشبه بنادي عراة..‏

امتلأت أذهاننا بحرية المرأة، وتحررت الكثيرات.. تجلّت هذه الحرية في كشف الجسد، حتى صار المكشوف من جسدها في الشارع أكثر من المخفيّ، وبعد أن تعرّت أخذنا نسعى وراء تعهيرها، وتشييئها وتجميد دورها الإنساني عند رونق الجسد ولحظة المتعة.‏

إن خصوصية مجتمعنا ـ واعتذر عن الإطالة ـ تربأ بنا أن نأخذ نماذج نسائنا من الغرب، وتقليدُ المرأة الغربية أخلاقاً وسلوكاً يعني اعتناق النظرية الغربية، لأن مفهوم الحرية النسوية مفهوم حداثي غربي، وهو يلغي هويتنا العربية، ويحلّ الأيديولوجيا محلّها... والأيديولوجيا تتغيّر وتتبدّل وتسقط، بينما الهوية انتماء وعقيدة راسخة.‏

إن دمج مفهوم الحداثة بمفهوم الغرب لا يمكن أن يقود إلى علميةٍ معمّقة، لأن حداثة الغرب هي نتاج تطوره الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي، وهذا يعني أن اقتباس تلك الحداثة لفرضها على مجتمعاتنا العربية سيؤدّي إلى التغريب وليس إلى التحديث، ثم إن الإمعان في مفهوم الحرية الأنثوية يأخذ بيدنا إلى ظاهرة تسليع الجسد وتدويله. حين ركّزت الدعايات التلفزيونية والإعلانات على جمال الأنثى، جعلت من جسدها بؤرة إثارة، وحوّلتها إلى جسد للعرض..‏

أيها الأحبة: اسمحوا لي أن أثير مسألة تحرير الرجل أولاً، لأنها تؤدّي بصورة طبيعية إلى تحرير المرأة، فلو نزلنا إلى الريف لوجدنا بعض النساء الموظّفات، تضع الواحدة منهن راتبها الشهري أمام زوجها أو أبيها، ولا يسمح لها بصرف قرش واحد من دون معرفته. وأن بعض الآباء لا يزالون يمنعون البنت من الذهاب إلى المدرسة بعد الابتدائية.‏

وفي المدينة، وعلى أعلى المستويات الاجتماعية، لنتذكّر شاعر المرأة في القرن العشرين. نزار قباني؟. أليس شاعر الحرية الأنثوية بلا منازع؟!. إذن تذكّروا معي كيف يستضعف المرأة ويلغيها، ولا يعترف بوجودها إلاّ من خلال متعته وجنونه، في قوله مثلاً: "كوني كما تبغين لكن، لن تكوني... فأنا صنعتك من هوايَ ومن جنوني.. "أليست شعارات عنجهية طاغية أن نلبس لبوس الحرية ثم نستلب المرأة قولاً وفعلاً، ونحن نفصّل من جلدها عباءة، ونصنع من الحلمات أهرامات ترضي نرجسية الذكورة؟.‏

فمن الأجدر بالتحّرر الرجل أم المرأة؟. أم أن المسألة جدلية تخصّ الاثنين معاً؟.‏

أنا أقترح أن نطالب بتحرير الرجل.. قبل المرأة.. في الآونة الأخيرة وقفنا على مثل هذه الظاهرة التي تحاول فيها المرأة أن تتحرّر، وتعبّر فيها عن رأيها. إذ وجدنا الرجل يقف حائلاً دون تحرّرها، وتذكّروا معي الفضيحة التي حدثت قُبَيل النكسة في بيروت بعد أن نشرت ليلى بعلبكي مجموعتها القصصية "سفينة حنان إلى القمر" حيث قامت ثورة الرجال، فقدّموا الكاتبة إلى المحاكمة، وطالبوا بسجنها!!. لماذا؟. لأن في الرواية عبارتين، تقول الأولى: "تمدّد على ظهره، وغاصت يده تحت الشرشف. ينتشل يدي ويرميها على صدره، ثم تذهب حول البطن".‏

وتقول الثانية "لحوَس أذني، ثم شفتي وحام فوقي، ثم ارتمى وهمس إنه ملتذٌ، وإنني طرية ناعمة مخيفة!".‏

أنا هنا لا أدعو إلى الإباحية، أو إلى الأدب المكشوف، وإنما أودّ القول: نحن نقول للمرأة تحرّري، مارسي حقّك في التعبير والحياة، ثم عندما نراها ـ نحن الرجال ـ تعبّر عن مشاعرها، نلجمها ونقودها إلى المحكمة، وهذا يحدث كل ساعة بين جنباتنا، ويُنصّب كل واحد منا نفسه شرطياً على زوجته وأخته وابنته، ويحمل لافتةً كتب عليها باللون الأحمر، الحرية من صنع الرجل!... ولا يقول إن للحرية حدوداً، وما وجدت الحرية في كتابات المفكّرين، على مرّ التاريخ، إلاّ ذُكرت إلى جانبها القيود..‏

يا أعزائي، كثير من الرجال يحبون أن تتحرّر جميع النساء باستثناء زوجاتهم أو بناتهم أو أخواتهم.. أنا أرجو ممن يطالب بتحرير المرأة من الرجل، أن يُقْدِم مرّةً واحدةً على تناول حبوب منع الحمل المعدّة للذكور بدلاً من زوجته، ليثبت صدق دعوته... والسلام.‏

أثارت المداخلة التصفيق، أعقبته موجة من اللغط!. فقد أدرك الجميع أنها نقضت كثيراً مما تعب المنتدون في إيصاله إلى الجمهور، ومع أنهم حاولوا الردّ عليه، إلاّ أنهم كانوا يبهتون حين يقاطعهم بعبارات مثيرة "الذين أضاعوا الأرض هم الذي يضيّعون المرأة" "نريد أن يكون بيننا خنساء عصرية" "المرأة التي تهزّ السرير بيمينها تهزّ العالم بشمالها" وعندما نهض رجل يجلس بجانب امرأة ذات عريٍ وجمال صارخ، واتهمه بالرجعية، ردّ عليه بثقة متناهية: "الرجال الذين يطالبون بحرية المرأة ليسوا سوى نماذج لفحولة بني عثمان، أو هم في أحسن الأحوال الورثة الشرعيون لشهريار الملك!. "فبُهت الذي اعترض. مما زاد من عدد المتعاطفين معه، فتحلّقوا حوله في النهاية. وأثنوا على نظراته في خصوصية المرأة، وخصوصية قيمنا الاجتماعية، فأيقن أن هذا الجمهور بحاجة إلى من يحرّكه باتجاه الأصالة.‏

ومع أن صويحباته أنفسهن لم يكنّ يؤمنّ بآرائه، إلاّ أنهن أعجبن بجرأته وفصاحته، وأرادت بتول أن تصلح الموقف بينها وبينه، فقالت:‏

ـ الآن تأكّدت من صدقك. ولكن إلى أيّ مدى ستؤثّر كلماتك في هذا المجتمع؟!.‏

ضحك، وهو يشدّ على يدها:‏

ـ حسبي ـ يا بتول ـ أنني ألقيت حجراً في بركة ماء راكد.‏

لم تنم تلك الليلة واحدة من الإناث الثلاث، إلاّ كان نبيل يطوف بخيالها، لكن رحلة ليلى الخيالية معه كان لها مذاق آخر تجاوز حدود الرغبة، فقد صوّر لها خيالها الواسع أنها الأنثى الضعيفة، التي يعرّيها شابّ قوي. يكشف خواء روحها. ليس عندها أيّ شيء يثمر، فتحس في نفسها إنتاش بذور قلق وإحساس بالضعة، والتناقض!.. "هل كنت أعيش في واقع يشدّني إلى الحضيض، وهذا الذي يطوف في خيالي الآن لا يعرف إلاّ النزوع إلى العلاء، وقد جعلني أشعر باغتراب جديد بنكهة مشاعري وسلوكي؟. وهذا يعني أنني سألعن جسدي لأنه الشاهد الدائم على لوثات حريتي التي كنت أباركها كمنقذ لي من الخراب، ومشكلتي الآن أن هذا الجسد الذي عرف نكهات عدد من الأجساد، والذي كان لا يرتوي من تلك اللوثات القذرة، وكان دائماً يطلب المزيد، أحسّ به الآن أنه صار لا يطيق أن يقبل رجلاً سواه!. أنا التي افترست الذكورة، واكتويت بتشنجاتها، وتلظيت بوهج البرازخ الدافئة، وهديل العيون المغمضة، أقبل الآن أن أرتقي معه!. وهو ليس أقلّ من غابة طهر غرسها في كياني".‏

ـ 3 ـ‏

الحياة في منظور الحالمين ليست سوى سراب تتوالى صوره..‏

مع تباشير الخريف، وابتداء اصفرار أوراق الشجر، وتناثرها على الأرصفة. بدت بيروت لوحة شاحبة..‏

بيروت التي كانت تباهي بحريتها، وتعدّد ميادينها المشرعة على كافة الجهات لتهبّ عليها رياح الشرق والغرب. هي الآن شجرة ذابلة شاحبة، يشحب معها الزمن المصهور في أتون ملتهب، فتصطبغ الأبنية والملاعب والشطآن بلون واحد كالح!.‏

كيف تموت الحياة في أوصالها، وكيف يجرؤ الحقد بين الإخوة على سلب البحرِ زرقتَه، والأبنيةِ رونقَها، والساحاتِ جمالياتها؟ ويهرب الحب والاخضرار والعصافير؟!‏

بيروت. كان مجرّد ذكر اسمها يوحي بعشرات الصور الملّونة.. ينظر إليها الآن بعين الراصد المتأمل، فيراها واهنةً وانيةً.. حطّ البوم فيها عام 1958 ونعق فوق خرائب أطلالها، ففرّخ الموت في أرجائها، وصارت الدماء سيدة الموقف.. ونشطت الإذاعات، فما إن تحرّك مفتاح المذياع، أو التلفاز حتى ينقل إليك أخبار المنغّصات، فيلفّك القلق، وتشغلك خدع السياسة، وكل ميليشيا تروّج لمشروع عملها. اسمع إذاعة الجبل فتصدعك بالوعود الخلبية، واسمع إذاعة السهل تجد الوعود أكثر بريقاً، وانتقل إلى إذاعة الوادي أو البحر، أو البرّ أو التلفريك. وقفْ على الأوهام التي لا تبارى!.. اسمع تفرح، جرّب تحزن! وتعال تفرّج يا سلام، على عجائب الزمان!..‏

وقفَ يتأمل طفلاً على الرصيف يبحث عن شيء يتلهّى به. صعد إلى هيكل سيارة محترقة. مدّ إليها يديه، اتسخت. عرك عينيه، فتلطختا بالسواد. هرب باكياً من حرقة عينيه!.‏

آه يا بيروت. أيتها المدينة اللغز!. كم تضمّين بين جنباتك من القذارة والبؤس والزعيق والنفاق، والبهارج المزيّفة تغطين بها على الجمال والجلال والعظمة والحب الحقيقي؟!..‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244