بنات بلدنا ـــ محمّد قرانيا

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع بوح الأنوثة

ـ 1 ـ‏

تركته ليلى واندفعت خارج الغرفة لتتيح لـه صفو التفكير مع أرقامه وخطوطه... حملت إليه القهوة بهدوء. وقفت أمامه صامتةً... تمنّت لو تعلم ماذا يرسم ويخطط... وجدته ينتبه إليها. يُصعّدها بعينين وانيتين.. يحدّق في التمثال الجميل... ينشدّ إلى ذلك الدفق السخي من المشاعر يتملّى من الرأس والعينين ينزل إلى الوجه والشفتين، فالعنق والصدر المشرئب بثمرتيه الناضجتين.. ينزل إلى باقي أجزاء التمثال. يتذكر قول أمه الصالحة "المرأة الجميلة التي ستحظى بك ستكون أسعد امرأة في العالم. "قرأتْ ما بنفسه. افترّ ثغرها عن ابتسامة عذبة..‏

ـ ليلى... في عينيك شوق آسر... وأسئلة محيّرة!.‏

ـ الشوق والأسئلة كلها تُختصر في كلمة واحدة: "أحبّك!"‏

نهض إلى النافذة. أزاح الستارة. أحسّ بلسع نظراتها على رقبته، فمدّ يده وحكّ موضعها. لحقت به. وقفت خلفه. أسندت خدّها على ظهره "نبيل: هل كنت تحب امرأة أخرى في الماضي؟" "دعكِ من الماضي. اسأليني عن اللحظة الراهنة." "ووداد؟." التفت إليها مندهشاُ، ثم عاد ينظر عبر النافذة. "حدّثني عنها" سحبته من يده. أعادته إلى الأريكة "نبيل الأنثى التي تحبّها، أنا أحبّها" قصّ طرفاً من حكايته معها" تلك الفارعة الرقيقة التي أيقظتني من طفولتي وذابت، لكن، لكنّ عينيها لا تزالان معي ترمشان بشفافية الضوء، وتستظلان بأجفان هذه الشفافية مثل ثوب الموسلين الذي يتخدّر على جسدك، وفي خديها براءة من مطر، وملمس كفها يا ليلى كملمس معطف الفرو الناعم الذي ترتدينه في التشارين.. أما روحها.. عذبة كليالي صيف أم الكرز المقمرة.." صمت لحظات ثم أردف: "هي النسخة الأنثوية من نبيل".‏

خدّرها بشهد تعبيراته.. عادت بعد قليل للتساؤل: "ولورا؟" همس: معذّبة بيروت الوالهة. قتلت الحرب الأهلية أحلامها زمن الوحدة. اغتُصبت صغيرة أمام عيني أبويها، ثم قُتل أبوها أمام عينيها!.. وقد سمعتِ صوتها في هاتف بيروت."‏

تساءلت من جديد: "وتكرار غيابك، والتعب البادي عليك؟."‏

ـ أنا بصدد افتتاح صالون لتجميل شعر السيدات:‏

أحسست أنه أطلق قنبلةً، فهتفت بفرح غامر:‏

ـ أين؟. ومتى؟. وكيف؟. ومن أين المال؟...‏

ـ اطمئني. اشتريت محلاً في (الجسر الأبيض) جهزّته، وأنا الآن بصدد اللمسات الأخيرة.‏

ـ والمال؟ لماذا لم...؟.‏

ـ كل شيء على ما يرام...‏

ـ أنت! ... أنت... لماذا لم تشاركني في معاناتك؟! هل أنا غريبة؟!....‏

ارتدّت خائبة. خيّم الصمت. طرحت مجموعة تساؤلات "هل المحلّ في الشارع الرئيسي؟" "في مدخل فرعي." "سيصعب اهتداء النساء إليه... يحتاج إلى دعاية ووقت كي يشتهر" "أنا أعرف النساء، والطيرُ يسقط حيث ينتشر الحبّ..."‏

سعت إليه منجذبةً بولهٍ جارف. رقص الفرح في عينيها. ودّت لو تتلاشى في أحضانه.‏

ـ 2 ـ‏

بعد صراع عنيف في داخل نبيل، وجد نفسه مضطراً للجوء إلى شريف إثر لقائه به، بسبب الضائقة المالية التي عصفت به، بعد أن اعتذر عن قبول نقود ليلى وأبي روعة، ذهب إليه، لكنه عاد من مكتبه خائباً، يجتر ندماً بغير حدود، ويقرّع نفسه "كيف تنسى يا نبيل أن قضيتك الكبرى في اغترابك كله تُختزل في تعلّقك بالشفافية المطلقة في الأمكنة والأزمنة والأشخاص؟!."‏

ذات ليلة، تجاوزت الساعة منتصف الليل، ولم يأتِِ. انتظرت ليلى جالسةً على الكرسي تترقّب قدومه. ترهف السمع لعلها تسمع وقع خطواته على درج المدخل، أو تصل إليها أصوات دوران المفتاح في قفل الباب.. تتكوّم على نفسها كضفدعة مرهقة... ساورتها الهواجس. خافت!.. لا تدري كيف استكانت إلى إغفاءة خاطفة. أحست بكابوس ثقيل يجثم على صدرها. بسملت وقرأت‏

(قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد، ولم يولد، ولم يكن لـه كفواً أحد...( هامت مع الأفكار. أيقظها مواء قطّين على الجدار فتحرّكت في نفسها مواجع وأشجان.. أحست بالتعب في جلستها على المقعد.. أغمضت عينيها. فتحتهما.. تسرّب إليها ضياء الفجر من النافذة, خرجت إلى الشرفة، كشفت عن صدرها، واتجهت إلى السماء وهتفت: "يا رب!. يا رب!. احفظ نبيل احفظه يا رب!."‏

عند العاشرة صباحاً أحسّت بوهن.. تناولت حبتي أسبرين. أمسكت بالهاتف. اتصلت بروعة. "إنها في الجامعة".. جلست تندب حظّها.. بكت بصمت. لماذا يغيب عنها؟!. لماذا ابتعد عنها طوال هذه المدة؟!.. خافت أن يضيع من بين يديها!!.. وراودتها فكرة مقلقة: "أيمكن أن يكون قد هرب منها أخيراً بعد أن شعر أنها تحاصره بجسدها، لأنه ربما يكون مصاباً بعطالة جنسية، كما هجست بذلك أمام روعة؟!.. تتمنّى لو يأتي الآن، وتتمكن من اختباره على الأقل.. ولكن لا. ليس ما تشعر به تجاهه الآن هو رغبة الجسد أبداً!.. لقد حرّمت الرجال على جسدها بعد أن عرفته.. ورغباتها معطّلة بسببه..لا. لا. ليس ذلك كله مهمٌّ.. المهم أن يعود!. حتى لو كان عنيناً، فهي‏

لا تطيق العيش بعيداً عنه!!."‏

"هذا الشاب الذي استعصى عليها، هو الوحيد الذي يعيد إليها رغبتها في الحبّ وتوازنها في الحياة.. يجبّ أن تتحرك لتضمن بقاءه إلى جانبها. ستفعل المستحيل من أجل الاحتفاظ به، ولكن.. متى يعود!. يا رب!.. أعده إليّ سالماً.. احفظه لي يا رب.. خذ من عمري وزدْ في عمره!.."‏

عند الأصيل نفد صبرها، فنهضت وارتدت ثياب الخروج، ولأول مرّة بعد أن شّبت عن الطوق تخرج من المنزل من دون أن تُغرق وجهها بزينته طائعةً. قصدت الجسر الأبيض، وأخذت تبحث عنه في كل محلّ. بحثت عنه كثيراً حتى أضناها التعب، فعادت كامرأة ثكلى لم تجد زوجها بين الأحياء العائدين من المعركة!.‏

عند المساء اتصلت بروعة. دعتها للحضور للتوّ... فجاءت، وجلست معها تترقّب وتنتظر عودة سندبادها، وما إن سجى الليل حتى دار المفتاح في قفل الباب، فوثبتا معاً. تعلّقت ليلى برقبته. أمطرته بوابل من الأسئلة بدت أمامه كطفل ملحاح... لاحظ قلقهما..‏

ـ تغيب نهارين وليلة! نبيل. ماذا حدث؟!.‏

ـ تأخّرت في العمل، فاستثقلت المجيء، ونمت في المحلّ.‏

ـ هل لديك فراش وأغطية؟...‏

تدخّلت روعة:‏

ـ تتحدثان عن عمل ومحلّ... أنتما لم تخبراني بشيء. هل أنا غريبة؟!.‏

ـ نبيل يتحرّك بصمت. أنا مثلك. لم يخبرني. إلاّ منذ يومين.‏

هتف كرجل أعمال:‏

ـ استعدّا لحفل الافتتاح قريباً.‏

قفزت إليه ليلى. جذبته من بنيقة قميصه، معبّرةً عن فرحها:‏

ـ مبروك نبيل. ألف مبروك.‏

واتجه إلى روعة. سألها عن حال الأهل والدراسة، فطمأنته: "الأهل بخير. لكن الدراسة مرهقة".‏

ـ وهل تريدين أن تصبحي صيدلانية من دون جهد؟. غداً تتدفّق عليك الثروة...‏

امتعضت. الفقير يفكّر في الثروة، والثري يفكر في جسده.‏

ـ نبيل. أنت مريض معقّد!...‏

ضحك. ضحك حتى خرج عن طوره:‏

ـ هذه أصدق كلمة سمعتها منك... وأعترف يا عزيزتي بأنني مجبول من مجموعة عقد مادية ومعنوية، جنسية وسياسية وأيديولوجية..‏

خافت ليلى أن يمتعض، فيهرب عائداً من حيث أتى، لذلك غيّرت وجهةَ الحديث. سألتهما عن رغبتهما في العشاء. أشار نبيل إلى صرّةٍ في المدخل "العشاء جاهز".‏

حملت ليلى صرّة الطعام إلى المطبخ، فبقيت روعة وجهاً لوجه معه.. فجأة اقتربت منه، وهمست:‏

ـ نبيل. لماذا تكابر!؟.. عيناك تفضحانك.!‏

عادت إلى مخيّلته صورتها المثيرة بثياب السباحة. قطعتان من القماش البرتقالي مصرورتان على جزأين صاعقين من جسدها العاري.. ارتّد ببصره خاسئاً من رحلة الجسد الشهي. أنقذته ليلى عائدة بالطعام.. بدأت تروق لروعة هذه البساطة على المائدة. هتفت ليلى:‏

ـ نبيل. لم تخبرني. ماذا سميّت المحل؟.‏

فجّر قنبلةً جديدةً:‏

ـ نبيل وليلى.‏

وقعت الملعقة من يدها. بينما ندّت عن روعة آهة مكتومة كأن ناراً لسعت أصابع يدها. اغرورقت في عيني ليلى دمعتا حبّ، ولم تتمالك نفسها، فقفزت إلى حضنه، وبدأت تطعمه بيدها.‏

آخر الليل رغبت روعة في أن يوصلها إلى بيتها. استأذنت من ليلى.. نهض متثاقلاً. استقلاّ سيارة أجرة نقلتهما إلى المالكي. أراد أن يعود في السيارة نفسها. لكنها سحبته من يده، وصرفت السائق.‏

قادته إلى غرفتها. سار معها كخروف.. أغلقت الباب. برقت في عينيها نزوة القطط في فصل تلاقحها.. أخرجت سيجارة مذهبّة الطرف، ودسّتها بين شفتيها الكرزيتين، وأشعلتها بقداحة مترفة الشكل. تصاعدت حلقات الدخان..‏

ـ نبيل. لماذا تتعمد إهمالي؟. لماذا تفضّل ليلى عليّ؟. ألاّ تشعر بما تُؤجّج في داخلي وأنت تنام عندها، وتتحكّم في شكل لباسها، وتأكل من يدها، ثم تسمّي المحلّ باسمها؟!. نبيل. أنسيت أنني أنا التي عرّفتك بها؟".‏

ـ أشعر وأحسّ ليس بما بكِ فحسب. وإنما بليلى وبتول وسيدتين غيركن يدفعان عمرهما لقاء ساعة وصالٍ!...‏

ـ وماذا يضيرك؟!... أنا أتعجّب منكَ. كيف لا تستجيب لرغبات الجسد، وقد قرأت مورافيا وسارتر وماركس وإنجلز وغيفارا؟!.‏

ـ ولكن لا تنسَي أيضاً أنني أحفظ القرآن الكريم في صدري، وقرأت الفقه على يد الشيخ خالد وحفظت "قطر الندى والألفية".. روعة. تحدّثنا من قبل عن الفوارق والحواجز والطبقات والقيم.. ثمة فوارق كبيرة فكرية تحول بيني وبينك. أنتِ تجدين متعتك في الحرية بلقاء الذكر، وأنا أجد متعتي بالامتناع عن الأنثى خارج الحدود الشرعية، وثقي أنني لن أسقىَ أيّ أنثى قطرةً واحدة من مائي، إلاّ عندما تكون لي أرضاً تخصب.‏

ـ نبيل. كل شيء مباح في هذا العالم المفتوح، والاستباحة أمر طبيعي ومألوف، ونحن في مدينة مفتوحة.. وأنا أريد أن أمارس فيها صباي وشبابي.. أريد أن أنعتق من هذه السلاسل التي تكبّل الفتاة في الشرق... نبيل. أريد أن يعلم الجميع بأنني أريد أن أحيا حرّة كما أشتهي.‏

ـ اسمحي لي أن أقول إنكِ لا تعبّرين إلاّ عن طنين. عن عدم انتماء إلى مكان أو زمان أو مجتمع أو عقيدة. أنت تتحلّلين من القيم الإنسانية الجليلة. روعة. هذه ليست حرية. هذا تفكّك وتخلخل وتيه!. وأنتِ تتجاوزين كثيراً حدود الحرية التي يطالبون بها للمرأة في بلادنا. ماذا ينقصك؟. أنتِ ترتعين في بحبوحة من العيش نادرة. ترتدين أجمل الثياب وتقتنين أغلى أنواع العطور.. تتابعين دراستك الجامعية. أبوكِ وأمكِ لا يسألانك ـ أنتِ وأختكِ ـ لماذا تأخرتِ ولا أين كنتِ.. تدخنين وتشربين وتسهرين بلا قيدٍ ولا شرط، فعن أيّ سلاسل وحواجز تتحدّثين؟!.. الحياة يا عزيزتي ليست في إرواء الرغبات. الحياة أرقى من ذلك وأسمى بكثير.. ثم إن هذا الانفتاح العصري هو الذي يبعث الخوف في أوصالي، ويدفعني للتحفّظ. يا روعة. ليست البطولة في الاجتراء على الخطيئة، وإنما البطولة في حفظ النفس من الوقوع في الخطيئة. وأنا أشعر بمتعة الطهارة والنقاء، أكثر مما تشعرين أنتِ بمتعة تحقيق الرغبة، ولو كنتِ تعلمين ما أنا فيه من المتعة، لجالدتني عليها بكل ما تملكين من قوة!. ثم هل ننسى أننا في مجتمع لـه خصوصيته التي تميّزه من باقي المجتمعات؟. ومن المستحيل المستحيل مهما غزانا الغرب بحضارته وطباعه، ومهما قذف إلينا من أفلامه الإباحية، أن تستطيع مدينة الأوربيين هدم أسوار الحيطة التي جُبلنا على تسييج شرف الأنثى بها.!. يا روعة.. في المجتمع الداعر تمارس المرأة الجنس مع من تقتنع به، ولكنها في المجتمع العربي المسلم، تحسب لتلك الممارسة حسابات كثيرة، فإذا ما أخطأت، فلابد من أن تأتيَ اللحظة التي تشعر فيها أنها مخطئة، وأن حرية الجسد التي كانت تسبح في مياهها ليست سوى تمدّن زائفٍ موهوم، وأن نزوتها كادت تكون قاتلة، عندها ستحتقر نفسها على الرغم من أنها لم تكن تعرض جسدها للبيع.‏

تلمس في كل نظرة وحركة منه مدى اشتهاء الذكر للأنثى، فتصرخ الأنوثة في داخلها، وتتراقص فراشةً فاجأها الربيع، فتقترب منه، وتجلس على الأرض مستندة إلى ركبته جاعلة شعرها يفترش حضنه. ضاربة بآرائه عرض الحائط:‏

ـ نبيل. أنا أشتهيك وأنت تتوق إليّ، فلماذا تخادع نفسك وتتقوقع داخل شرنقتك؟!..‏

نبيل. أنت مشتعل من الداخل ولكنك تتكلّف الانطفاء.. أنت تنظر إلى العالم بالمقلوب، وقد حان الوقت كي تهزّ هذا الرأس الجميل قليلاً لتتساقط عنه هذه الأفكار العنكبوتية!. ألفُ قيدٍ يقيّدك. أنت مسكون بأوهام من رواسب الماضي المنقرضة التي تعشش في داخلك.. ألفُ حديث يرجف قلبك.. نبيل لماذا لا تمتلك نفسك وحريتك وزمانك؟. لماذا لا تعيش الحبّ؛ حبك أنت، وتتقبل حبّ غيرك لك؟.‏

ـ يا روعة. الحب شيْ والجنس شيء آخر، وأنتِ بدعوتكِ هذه تحولينني إلى ناسك وقدّيس؟.‏

لم تعبأ به. نهضت وجلست على مسند كرسيه، ثم مدّت يداً طوقت بها عنقه، وأرسلت أخرى إلى صدره، وبدأت تستمتع بأحاسيس لمساتها.‏

أوقف تغلغل أصابعها... فزحفت وجلست على ركبتيه:‏

ـ نبيل. بادر وقبّلني. ضمّني إليك. لا تكن ذابلاً كزهرة فارقت أمها؟.. هل تجد متعَتك في النظر من دون اللمس؟.‏

لا يستطيع أحد أن يعقلن النساء، وكل النساء روعة وليلى و... ومع ذلك فقد أحسّ بتوق شديد إليها، وهو البارود الذي لم تمسسه نار!. ولكنه لا يملك الجرأة على الزنى:‏

ـ روعة. أنتِ أكثر من رائعة، وأخشى إن استجبتُ لكِ أن نضيع معاً...‏

ـ نبيل. لماذا كل هذا الاغتراب؟!. لماذا لا تحب وتعشق وتشرب وتدخّن وترقص وتحلم وتتخدّر؟! لماذا لا تدع الأمور تأخذ مجراها الطبيعي. لماذا تعرقل دائماً المسائل بنظرتك المغلوطة؟. نبيل. أنت لا تحسّ بمعاناتي.‏

أنا بحاجة إلى يد تعصر خصري. تُشبع الرغبة في جسدي. تُبعد عني شبح العزلة... وأنت إنسان واع تدرك رغبات الشباب، وتؤمن بطبيعة العصر والمستقبل...‏

ـ لأني عاقلًُ واعٍ ومؤمنٌ أيقنتُ بأن العلاقات الطبيعية في جوّ غير طبيعي، تجعلنا نبدو مضحكين بطبيعتنا.‏

مالت بشفتيها تمرّغهما على عنقه، ثم تزحف بهما نحو وجهه. حاول إيقاف زحفهما، فتشبّثت به. لم تدعه يفلت منها. أخذت يده وأدخلتها في صدرها.. شعر أنه يغتسل تحت شجرة جوز في صيف لاهب الحرارة. تذكّر صبابات السيدة ولورا، فأيقن أن الشهوة عندما تتحرك تختصر البلدان والحدود والأديان والأسماء وتزيل فوارق الطبقات والأعمار، وقد "تنوّعَتِ النسوانُ والهمُّ واحدُ. لكن مخمل نهدها أشدّ صلابة واكتنازاً من نهد السيدة."‏

وقع أسير الذهول، وهي تسعى نحو الدفء المثير، وتتغلغل نحو الأعماق، وشفتاها السكرى تقترب من شفتيه. "إلى أين يأخذنا هذا الجسد!. تبدو كل الحواجز كاذبة!. "ارتعش. تزلزلت القيم في كيانه. ضعف.‏

ـ نبيل...‏

صحا على نغمة صوتها الموسيقي فانتفض؛ لأول مرةٍ يمعن التفكير في معنى اسمه، أليس الاسم هو أول إشارة لوجوده، وهذا يعني أنه لن يكون بوسع مصيره أن يتغّير، ويصبح (آخر) بين آخرين لأنه مكبّل إلى (نبل) هذا الاسم ودلالاته إزاء ظمأ المعاني "أستغفرك ربي..".‏

ومع ذهولـه وخدره وصحوه، أدرك الآن مدى ما ترفل به حياتها من فوضى، وأيقن أنها لا تملك أيّ رؤية لسلوك مستقبلي، وأن ممارستها لحريتها ستؤدّي بها إلى الهاوية. تخلّص من براثن أنوثتها الجامحة، لكنه وجدها تندفع من جديد بشهوة المغامرة المجنونة، فهتفت من أعماقه: "لن ترغمَني ثورتُها الطاغية على ارتكاب المعصية، ولن آبه بدعوتها إلى شجرة الخلد وملك لا يبلى." فأنقذه نقرٌ خفيف على الباب، أرغمها على ترك حضنه خائبةً.‏

ـ ادخلي بتول.‏

سلّمت عليه. شدّت على يده، وهي ترى احمرار وجهه، وخمّنت ما يمكن لأختها أن تكون قد فعلته به.. جلست إلى جانبه، بينما انطلقت روعة تعدّ القهوة.. رنّ جرس الهاتف. ردّت بتول.. أخبرته أن ليلى أقلقها تأخّره، وتمّنت ألاّ يتأخر...‏

تحدّث مع بتول.. رسوب متكرر في الثانوية. ويأس كامل من الدراسة. شجّعها على العودة إلى الكتاب، فعبّرت عن اشمئزازها من الدراسة، وأخبرته أنها تنفر منها كما تنفر قطة من أفعى تداهمها على حين غرّة: "الدراسة عبء. أنا أكره المدرسة!." "لكنك لا تزالين في مقتبل العمر، فماذا تفعلين في وقت الفراغ، وماذا تنتظرين؟" "انتظر.. شاباً مثلك يخطئ وينقلني إلى عالم الراحة والاستقرار. تجاوزتُ العشرين.." "لابدّ من أن يأتي النصيب. أنتِ فتاة جميلة ومرغوبة..." "مرغوبة؟!..إذاً لماذا لم تمدّ يدك إليّ مرة وتعبّر عن رغبتك" ضحك.. "كلكن من طينة واحدة!. سامحك الله يا بتول.."‏

عادت روعة بالقهوة. تأملتهما. وجدتهما باردين، فبدا عليها الارتياح لأنها صارت في الآونة الأخيرة تخاف على أختها، وتتصور أنها بعد رسوبها الأخير على استعداد لأن ترمي بنفسها إلى الشيطان، لعله يخلصها من حالتها النفسية الحرجة. رشف قهوته، ثم نهض. دعته للمبيت عندهم.. فأعلن: "ليلى لن يغمض لها جفن إذا لم أعد."‏

في الطريق، عندما تذكّر أنه تحدّث عن القيم، وخصوصية الفتاة الشرقية، ضرب جبينه بيده، وندّت عنه صرخة ندم مكتومة: "كل مرةٍ تنسى؟!. كيف تعلّمها القيم، وأنتَ جعلت بنات المدينة في بيروت يقلدن بتسريحاتك انغريد بريغمان وبريجيت بارود ومارلين مونرو، وستجعلهن في الشام يقلدان تسريحات الشباب والنساء في عالم التمثيل.. ثم تتحدّث عن الفتاة الشرقية، وأنت تقصد المسلمة تحديداً؟!. أهذا هو المثل الأعلى؟!.‏

تنفّست ليلى الصعداء لعودته.. "بصراحة نبيل. صرت أخاف عليك.. أخاف عليك من نسمة الغروب..." تمدّد على الأريكة. غطّته جيداً، ومضت إلى سريرها، وأخذت تستجرّ النوم إلى عينيها فلا تستطيع إلى ذلك سبيلاً.. شعرت بالبرودة تلسعها.. غطّت جسمها جيداً. ازداد الفراش صقيعاً.. فتحت عينيها. طالعها النور الخفيف, تحرّكت متململة. اهتزّ السرير.. احتدمت الرغبة في نفسها, تاقت للدفء... قفزت كقطاة. هرعت إليه. ركعت بجانب رأسه.‏

مدّت أصابعها تخلخل الليل عن شعره وترعاه. انتبه. أمسك يدها. لفحته أنفاسها. مرّغت وجهها في صدره.. نهض. "ما بالهن الليلة فائرات؟!." ارتمت عليه. فقَدَ مقاومته. استسلم لها متضايقاً. بقي أسيرَ لهفتها لحظاتٍ خالها دهراً. لم تتوقّف, تراخى على الأريكة. حاولت إحكام الطوق حوله.. لكنه أوقفها "يكفي الليلة!." اقتلعها من عالمها السحري، فتراجعت كسمكة أخرجها الصياد من الماء، ورماها على الصخرة..‏

توسّل إليها أن تخلد للنوم.. استجابت لحظات لتوسّله، لكنها ما لبث أن عصفت بها الشهوة من جديد، فاندفعت عائدةً إليه بجنون. أطبقت على شفتيه، هصرت جانبي رأسه بين يديها. وشدّته إلى جسدها الفائر، وراحت تمرّغ جسدها به، فبعثت فيه الخدر، وجعلته يستسلم ويحسّ بدوّار غريب، ويحلّق به مع طيور سلبت منه إحساسه بالزمان والمكان.‏

فجأةً انتفض، وهتف مبتعداً "إياك أن تسقط. أو تنحرف!."..‏

حين وجدته ينفلت منها، أحست أن الشهوة في عروقها ستقتل، وشعرت أن متع العالم كلها ستُسلب منها عنوةً، فهاجمته كنمرة جريح، وقذفت جسدها عليه من جديد، لكنها فوجئت بقوة هائلة توقف زحفها، وترغمها على النكوص، فجلست لاهثة وأخذت تنظر إليه بحنق!..‏

اعتراها ذهول غريب، وأحست بالهزيمة.. تغلغلت نظراتها في وجهه "آهِ. كم يصعب عليه، إدخال الجمل في سُمّ الخياط!.".. تنتبه على صوته الواجف:‏

ـ ليلى. الرجل لا يكفّ عن مراقبتي كلما دخلت وخرجت. واليوم اقترب مني وحذّرني من العودة إليك!. وقال لقد نفد صبره.‏

لم تستمع إلى مخاوفه. لم تفهم ما يرمي إليه. أجيج الشهوة يصمّ حواسها، وهي إذا لم تخمدها هذه الليلة، فستدّمر نفسها. صعّدته بنظرات شرسة، ثم ما لبثت أن عاودت الهجوم، فاقتلعته من أريكته، وأخذته عنوة إلى غرفتها.‏

مدّدته على السرير، وتمّددت إلى جانبه، وابتدأت الحفر في الأرض الصلدة، مصمّمة على الولوج إلى كنوز الحكمة المخبّأة.. أفرغت كل ما في جعبتها من أنوثة ومداعبات وتوّهج، محاولة أن تبعث فيه جذوة الحياة.‏

لم تعتد من قبلُ على مثل ما تبذله الآن معه، فقد كانت تتلقى الغزل، وتستقبل مداعبات الآخر لها، فتشتعل، وهاهي الآن تقوم بدور جديد، تظن أن جسدها وفحيحها قادران على اشتعال أعتى الرجال. ولم تيأس.‏

أشبعته قبلاً، غمرت رأسها في صدره، ثم تأججت وسط نشوة فرح وشرارات لذّة صاعقة، حين شعرت أنه بدأ يشتعل، ويلفها بذراعيه.. ازداد هياجها، وتأهّبت خميلتها العطشى لاستقبال الندى وأسراب الفراش والنحل والعصافير، وتاقت للولوج في غابات الورد المخملي، وإفراغ ملايين الأنساغ الحية.‏

وتوغلت.. تعبت حنجرتها. بحّث من المواء والهديل والتغريد والبوح والتأوّه!.. واحتجّ السرير، فهمد!...‏

أحست أنه يتخلّى عنها في أشدّ حالاتها الجسديّة لهفةً!.. فلا ورد ولا عصافير ولا نحل ولا قطط ولا كنوز فرح، ولا نشوة، ولا ولوج غابة.. والخميلة العطشى تتشقق بعد انتظار الندى، وقد استسقت جسده بكل ضراعة الأنثى. أذاقته ما استطاعت من حمى الجسد والأهواء، وكل ما ظنت أنها برعت فيه من فنون التعرية والإثارة والتشظّي.. فما باله بارداً مستسلماً بغير إرادة أو حركة، ولا يثغو ولا يموء ولا يفّح ولا يهمس ولا يعضّ، ولا يجرح، ويغدو كجندي خائف في المعركة يكتفي برفع الراية البيضاء؟!. حتى إنه لا يقاوم؟!.‏

توقفت لاهثةًَ. نظرت إليه بعيني بومة. شعرت نحوه بمقت شديد، ثم تجمّع حنقها في قدمها، فرفسته بلؤم رفسةً جعلته ينسحب ويخلي لها ساحة المعركة، فالفوران في جسدها يكاد يقضي عليها، وهي لا تريد أن تموت وجسدها عطشان!.‏

انسحب إلى غرفته يجرّ إحدى خيبات عمره المريره!..‏

قلبه يواصل خفقانه الشديد.. حاول النوم، فلم يطاوعه. حدّق في زخارف السقف.. تجاوز عن هفوتها لأنه تمادى معها. تاه في جدوى علاقاته مع النسوة اللواتي عرفهن.. لقد حاصرت مصطفى سعيد خمس نساء أجنبيات، فانتصر على أربعة وهزمته الخامسة، وهو أيضاً حاصرته خمس لكنه يشعر في قراره نفسه أنه أصلب عوداً من مصطفى سعيد بمقياس الدين والأخلاق.. لأن ذاك استنزفه الجنس، ولم يكن لديه مكان للأحلام الرومانسية، همه طغيان سلطان الجسد على الروح، وخوض مغامرات الجنس بصوت العقل الصاخب وحده، بينما هو لم يبدّد قطرةً واحدة من طاقته الجنسية، وسيحتفظ بها لخصب الحياة الزوجية.‏

وذاك كان يستدرج النساء إلى بيته، لينتقم لقومه بمصارعة الأوهام، بينما هو يشعر أن النساء يستدرجنه إلى بيوتهن بقصد المتعة، وعندما لم يتحقّق لهن ما يسعين إليه يعرضن عليه إقامة علاقات سوية، السيدة طلبت إليه الزواج مقابل الثروة، ولورا ربما طمحت إلى ذلك، وقد لمّحت لـه أكثر من مرّة، وروعة ربما فكّرت في أنه عندما يمارس الجنس معها ستضعه في النهاية أمام الأمر الواقع.. وبتول عبّرت عن رغبتها فيه منذ قليل.. أما ليلى... فكم تمنى لو كانت عذراء، أو أنها تفهمه، وتتخلى عن شراستها، فتصبر قليلاً وتتعقّل..‏

* * * * *‏

آخر لمسةٍ في تجهيز المحلّ، جلس يستعيد شريط معاناته.. لكنه من خلال رحلة التعب والعذاب شعر بسعادةٍ طاغية، فقد حقق بنفسه ما تعجز عنه مؤسسة كاملة.. كان الحداد والنجار والحمّال ومعقِّب المعاملات في الدوائر البلدية والمالية والصحية، أليست قيمة الإنسان فيما ينتج ويبدع؟!.‏

مع آخر لمسات الكفاح هانت عليه جميع الأتعاب سوى أمرٍ واحدٍ لم يهن عليه، حين خنقته البطالة، وتضخّمت في نظره الأزمة المالية، وتوجّه إلى شريف في مكتبه، تلك المرة اليتيمة، ليستدين منه مبلغاً، فأراق ماء وجهه أمامه... "كم كنت مخطئاً!!. كيف تتوقّع يا نبيل الخير من إنسان مجبول بالباطل؟!." عندما قصد مكتبه في الصالحية، وطلب إليه أن يساعده، أخبره شريف أنه اضطرّ لتوظيف أحد أصحابه فدفع خمسة آلاف دولار.. ونصحه بالتوّجه إلى صائغ يهودي في (باب شرقي) كي يحلّ أزمته المالية بالفائدة!." وهل تبيح لنفسك أن تتعامل مع يهودي أيها الخسيس؟!."‏

في المدة القصيرة التي قضاها في مكتبه، اندهش لضخامة المصالح التي يتحرّك في أجوائها, بدا أشبه بلولب آلي لا يهدأ. الهواتف لم تتوّقف. محلّ الأجهزة الإلكترونية في حرستا. دراسة مشروع للتلفريك في أم الكرز يربط بين ضفتي الوادي في الجنوب الشرقي عند جسر كفرلاته. مشروع القرية السياحية في جبل الأربعين.‏

أذهلته القدرة التي يتمتع بها، الابتسامة الدائمة، والأسلوب الناعم الأملس الذي يتحدّث به مع ضيفه وعبر الهاتف.. ولكن.. ولكن من أين لـه كل هذا، وعمره في الوظيفة لا يتجاوز سنواتٍ عجافاً؟. ومن يغذّيه بالسيولة النقدية؟. هل فتحت لـه نوافذ السماء ليلة القدر، أم هي أموال شايلوك الذي لمّح باسمه، أم إن كنز على بابا والأربعين لصاً قد فُتح لـه بعد أن حصل على كلمة السّر؟!..‏

أحسّ أنه تلقّى صفعة عندما قال لـه شريف:‏

ـ إذا أردت تصريف دولارات أو أي عملة صعبة، فأنا تحت أمرك، ومعارفي كثيرون.‏

ترك فنجان القهوة يبرد. نهض مودّعاً بفتور، وعشرات الأسئلة القلقة تعتمل في رأسه.." هل تكفي مستلزمات الوصول القذرة هذه ليتربّع الإنسان على عرش الليرة والدولار؟!.. تفوه!!!."‏

ـ 3 ـ‏

اليوم يبدأ فصل جديد من الكفاح.. أحسّ أنه وُلد من جديد، وأن العمر يورق زرعاً خصباً يوشي بيانعهِ أيام البطالة الجرداء، ويعيد إليه شبابه الغافي، وأنه كحقل الزيتون يؤتي ثماره في موسم معاصر الزيت. اليوم يفتتح المحلّ..‏

دخلت ليلى تحمل مزهرية ملأى بالقرنفل الأحمر، وضعتها في الزاوية، ثم قبّلته وجعلته يتلذّذ بنكهة الشوكولا، ومنذ تلك اللحظة عشق القرنفل الأحمر، كما عشق من قبلُ نكهة الشوكولا في شفتيها.. ثم تبعتها روعة بسلّة من الورد المزّين بالقصب، وقد شجعتها ليلى، فقبلّته مثلها. تبادلوا عبارات المودة، ثم صعدت ليلى إلى الكرسي فروعة، فبرع في تسريح شعرهما.‏

في اليوم التالي زارته روعة وأمها وبتول وسمر... باركوا لـه، وضعوا هداياهم وشدّوا على يده مهنئين، ثم بدأ يصنع لهن تسريحات جميلة، يتوّج بها رؤوسهن... عاتبته أم روعة "هل نهون عليك؟ لقد نسيتنا" "أبداً لم أنقطع عنكم. منذ يومين سهرت في غرفة روعة بحضور بتول... الابن لا ينسى أهله.. وفضلكم عليّ لن أنساه ما حييت!."‏

عندما جلست بتول على الكرسي.. داعبها بكلماته الترحيبية الغزِلة. سألها عن السهر في المرابع الليلية، وعن صديقاتها، وعن التسريحة التي تحبّذها، فأبدت رغبتها في تسريحة السد العالي، لكنه أعلمها أن هذا القميص الأحمر، وهذا العنق المتلع تناسبه عقصة شعرٍ وذيل حصان، فافترّ ثغرها عن ابتسامة عذبة، ثم شرعت يداه وأنامله تتحكّم بإتقان غريب في تشكيل الشعر. عيناه تلاحقان رؤوس الخصلات الوضاءة باحثةًَ عن الجمال الذي يختزنه الشعر الأنثوي بين طياته. "نعيماً آنسة" وحين همّت بالنزول. اقترب من أذنها حتى ظنت أنه سيقبّلها، وهمس:‏

ـ بتول. حرام عليك تعاطي حبوب" ل. س. د.".‏

وقعت كلماته عليها كالصاعقة. فغرت فاها، وارتجفت...‏

ـ بتول. أنت تفهمينني جيداً. وثقي أنني لا أقول هذا الكلام إلاّ بدافعٍ من حبي وغيرتي.‏

امتقع لونها. نزلت عن الكرسي مشتتةً.. صعدت سمر فقبّلها.. "سأغني لك أغنية الطفلة المتفوقّة في صفها" وابتدأ يترنّم على أنغام المقص والمشط:‏

يُحكى أن البنت الحلوه‏

قالت يوماً للأستاذ‏

أحظى دوماً في تقديري‏

جيّد جداً أو ممتاز‏

في الليل عبّرت ليلى وروعة عن إعجابهما بخطوة نبيل الجبارة، ورأتا أن المحلّ بحاجة إلى دعاية لإشهاره، فطمأنهما بأن "طائر القطا لا يحتاج إلى من يرشده إلى مكان الماء."‏

كعادتها كل ليلة، تموء ليلى كقطة في أوج الإخصاب.. تمكّنت من تأجيج الثورة في جوانحه، فخاف، وسألها:‏

ـ ليلى. ألا تلاحظين أنكِ تطاردينني بعنف؟.‏

ـ نبيل. أنا مطلّقة. هل تدرك ما تعني المطلّقة!.. تعني أن العزوبة دهراً أسهل من الترمّل شهراً. نبيل. لقد حكمت على جسدي بالجفاف... أنت تقتل الرغبة في عروقي كل يوم!.‏

ـ يا ليلى. افهميني. أنا لا أجرؤ على المعصية..؟ الزنى حدّه الرجم...‏

ـ يا حبيبي لا تزنِ ولا تعصِ ربك. تزّوجني بشرع الله وسنة رسوله..‏

صمت:‏

ـ طيّب. ارحميني الآن. شهران مرّا وأنا أعمل في النهار، وأرهق نفسي بالدراسة في الليل..‏

ـ أنا لن أزيد من تعبك وإرهاقك. نبيل أنت سترتاح على صدري. ستنسى أعباء السنين في ليلة واحدة..‏

اقتلعته عن الأريكة. سحبته إلى غرفة نومها. كشفت اللحاف. صعدت. تمدّدت. ثم شدته.‏

هتف من أعماقه "مستحيل!."‏

ـ تعال. لا تخف. تمدّدْ إلى جانبي فقط، كي أشعر معك بالأمان على الأقل، وتشعر معي بالراحة والسكينة..‏

ـ ليلى, سألتك الله. دعيني.‏

أُحبطت. ما مغزى هذا التوسّل الصاعق؟.." لماذا؟ ماذا حدث؟!."‏

ـ زوجك السابق. أمسكني اليوم من تلابيبي عند المدخل، وهزّني بعنف. وهو يتوّعد: "ابتعد عن ليلى.. ابتعد عنها. سأقتلك!. سأقتلك في يوم ما!."‏

ـ 4 ـ‏

زارته في الأسبوع الأول بعض النسوة.. لابدّ من الصبر.. أول الغيث قطر ثم ينهمر.. ظلّ في الأسبوع الثاني يعمل بالمجان...‏

دخلت امرأة مزهوة تتيه خيلاء. رحّب بها. تأمّلت المحل. لم يبدّ عليها الارتياح.. جلست على الكرسي.. وشيئاً فشيئاً بدأت تُطرب لضربات المشط ورقصات المقص. طأطأت رأسها. أثارتها النغمة المنسجمة. تمنّت ألاّ ينتهي من ملامسة شعرها, أهرق عليها البرفان. ربط شعرها الذهبي ملموماً بربطة سوداء، وترك نهاياته على ظهرها على شكل ذيل طاووس. نزلت عن الكرسي مزهوّة مرتاحة لشكلها الجديد في المرآة. اعتذر عن أخذ الأجر. شكرته.‏

شعر بالغبطة، وقد استكان إلى يديه رأس امرأة دمشقية من الطبقة الاجتماعية الأولى... دخلت ليلى وروعة. سلّمتا عليه. لمستا البشاشة في وجهه... تناولوا القهوة وانطلقوا مشياً على الأقدام.‏

* * * * *‏

ابتدأ العمل..‏

توافدت عليه بعض النسوة، وقد أبدين إعجابهن بأسلوبه.. كشفت الغربة عن خفايا موهبته، وفجّرت طاقته للعطاء والإبداع، فدرّت عليه حباً وسنابل ذهب!.‏

تضاحكت على الكرسي امرأةٌ ممتلئة الجسم. بدت لـه معتزّة بنفسها وجمالها.. وجدته يدور حول رأسها كما تدور نحلة حول زهرة، فانتشت، بعد أن طربت لأنغام مقّصه وأُخذت بلمساته.‏

ـ هل هذه طريقتك في التجميل مع جميع النساء؟.‏

مال عليها حتى لامسَ شعرها بوجهه:‏

ـ عندما تكون بين يديّ امرأة جميلة، فإن أصابعي تتحرّك من دون‏

إرادة مني.‏

ـ ولكن الجميلات كثيرات.‏

ـ صحيح. ووسائل التجميل متوافّرة، والشركات تبعث كل يوم بجديد إلى وجه المرأة وشعرها.‏

ـ وهل تتساوى لديك النساء؟.‏

ـ لابدّ من أن ألامس كل يوم رأس امرأة متميّزة على الأقلّ. والمتميّزات نادرات.‏

ضحكت، وقد أخرجها إطراؤه عن طورها:‏

ـ وأنا من أيّ نوع؟.‏

عاد إلى أذنها يهمس:‏

ـ سيدتي. أنت أكثر من متميّزة. سبحان الخالق فيما يبدع!.‏

أسكرها ثناؤه. رغبت في سماع المزيد...‏

ـ أهكذا تراني؟.‏

ـ وهل تشكيّن في ذلك؟. لابدّ من أن زوجك يقف كل يوم مصعوقاً، يتعبّد في محراب هذا الجمال الصارخ!!.‏

ـ مع الأسف.. الزوج مسافر. غائب منذ شهور!.‏

ـ وأنتِ... لابدّ أن يكون لك صديق يؤنس وحدتك..‏

ـ مع الأسف أيضاً.‏

ـ لماذا؟.‏

ـ لا أؤمن بصداقة الرجل.‏

ـ ولكن كثيرات ممن يجلسن مكانك، يعلنّ عن اعتزازهن بمثل هذه العلاقات الإنسانية.‏

ـ إذن...‏

ـ أجل سيدتي. الصداقة ظاهرة حضارية.. أستغربُ أن تعيش سيدة جميلة من طبقة اجتماعية مرموقة في هذه المدينة، من دون زوج وأصدقاء...‏

ـ تقول الصداقة علاقة إنسانية، وظاهرة حضارية في هذه المدينة؟!. حسناً. هل تقبل أن تكون صديقي، فنقيم معاً علاقة إنسانية نثبت فيها أننا متحضّران؟.‏

ـ وهل يستطيع رجل أن يرفض صداقة امرأة فاتنة؟.‏

أزاح المنشفة عن صدرها. "نعيماً سيدتي."‏

رمت إليه ورقة نقدية، وبطاقة عليها رقم هاتفها. وانصرفت منتشية.‏

* * * * *‏

عاد من العمل المسائي سعيداً على الرغم من تعبه. يخطر في سيره منتشياً كأنه يسير على درب بستان مزهر تنام الشمس بين أعشابه، ويغّرد على أغصان أشجاره الطير.. بنات البلد المترفات من رواد صالونه يبسطن أرديتهن الرقيقة على عقله. بنات البلد ثيابٌ ملونة طائرة الذيول، وشفاه توّاقة، وعيون مفعمة بالجرأة الهشّة، وقلوب يخدرها الغزل، وأجساد لدنة طوّعتها المدينة..‏

وضع ما حمله من الطعام في المطبخ الإيطالي الذي أحب الجلوس فيه، ثم أخبرها: "أنا أعدّ طعام العشاء" جهزّه وحمله إلى غرفة المائدة. همس في أعماقه: "الآن صار للوقت طعم!." نظر إليها وجدها في غرفة الجلوس مستغرقةً في حديث هاتفي، فأخذ كتاباً، وجلس يقرأ.. أجل صار للغربة معنى. أينع شوك التشرّد ورداً!.‏

جاءت إليه يسبقها إيقاع خطواتها، وجدته يقرأ. لم يحرّك دخولها شيئاً لديه، وظلّ منصرفاً عنها وراء سطور كتابة يتلهّى عن حرمانه وحرمانها معاً بكلمات بدت لها معاديّة للحبّ، فظهرت ملامح الامتعاض على وجهها، وتلاشى الدفء الذي يفيض به جسدها، وهتفت بانزعاج واضح:‏

ـ ليس لك شغف إلاّ بالكتاب؟!.‏

أزعجته عباراتها، لكنه ابتسم، وقال بجدّ:‏

ـ ليلى أنت لم تعاني من الفراغ والفقر والظلم.. والثقافةُ حياة وتجدّد وثراء. أنا أمقت الحياة الراكدة التي لا تتغيّر.. ليلى. القراءة أولى طلائع التغيير. متعتي الضياعُ بين صفحات كتاب. الثقافة زاد وخصب وجمال. هي كامرأة العشق. ثراء الأيام والرحمة وإخاء العمر.. عندما وجدتك مشغولة بالهاتف، سحبت الكتاب أتسلى به ريثما تعودين، فماذا في ذلك؟.‏

جلست إلى المائدة، وبدأت تأكل بغير شهية، وقد أذهلها بهمّته المتوثبة دائماً للارتقاء.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244