|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ذات ليلة عصفت الشهوة بجسدها، فتحرّشت به. حاولت تحريكه فلم يستجب لها. امتعضت: "ما أشدّ برودتك!. أنت صنم. شجرة يابسة!!. كأنك مخصيّ!." مسّت كلماتها شغاف قلبه: ـ حبيبتي. لا تذهب بكِ الظنون بعيداً. أقسم لكِ إنني إنسان من عواطف متأججّة. أذوب كلما شاهدتُ أنثى أو سمعت أغنية عاطفية. تأسرني المقلُ النجلُ ويسحرني شلال الشعر على الكتفين.. وبي أضعاف ما بك من الرغبة واللهفة!... أحسّ أن في جسدي طاقةً كفيلةً بإرواء عشر نساء هذه اللحظة. ـ إذن ماذا تنتظر؟!. ـ علّمونا منذ الصغر "من أحبّ فعفّ، فكتم، فمات، مات وهو شهيد" ـ أنا أحدّثك عن الحبّ فتحدّثني عن الكتم والعفة والموت, يا حبيبي. كن واقعياً مرة واحدة!. انسحبت إلى غرفة نومها، وابتدأت تحلّق في فلكه بامتعاض.. امتدت بها رحلة الحلم والتوق طويلاً، ولم تعد تدري من أمرها سوى أن هذا الطيف المسيطر على خيالها وعواطفها يتمدّد هذه اللحظة في الغرفة الثانية، وأن الوصول إليه ميسور، والإمساك بالحلم في متناول يدها.. عادت إليه حافية القدمين. اقتربت منه بهدوء. عبق في أنفها أريج الرجولة.. انحنت على الكنز الذهبي الممدّد، أحسّت بأنها أمام وثنٍ حيٍّ يعتريها في (حضرته) الخشوع ويطيب لها التبتل، فبدأت رويداً رويداً تمرّر شفتيها في تعبّد وتلاشٍ مبتدئةً من مرمر القدمين حتى أهداب الجفنين المسدلين، ثم مدّت أصابعها بأناة إلى شعره تستمّد نشوة اللمس الشفيف الصامت... ...تسرّبت إلى جسدها ارتعاشات الحبّ..." الأنثى التي تنظر إلى وجهه تشعر أنها تحلّق في سماء وردية. تشعر أنها عاشقة وإن لم تجرب الحب!." اعترتها لهفات وأشواق وجنون لاحتضانه، لكنها تراجعت، وجثت على ركبتيها أمام التمثال. أسندت رأسها على صدره.. وتمنّت.. تمنّت لو يتجمد الزمن عند هذه اللحظة.. ولو أنها تفنى على مهلٍ.. في الزمن المتجمد. حين عادت إلى سريرها وهي أشدّ عطشاً، فكرّت من جديد في هذا النبيل. تمنّت أن تصل إلى مفتاح قلبه، وفجأةٌ التمعت في خاطرها فكرة, شعرت على إثرها بالكآبة. ـ 5 ـ أصيل اليوم التالي كانت تجلس وحيدةً، يساورها شعور بالإحباط وإحساس بالامتعاض والنفور. لم تعد تستطيع الانتظار، وقد تركت الليلة الماضية وجعاً في نفسها، بعد أن عجزت عن زحزحته عن موقفه. هتفت لروعة. جاءتها على عجل، وجدتها مكتئبة، قالت و هي ترشف القهوة: ـ روعه. أفكر في قطع علاقتي بنبيل!. ـ ماذا حدث؟! بالأمس كانت عيناك تطفحان بالعشق!؟. ـ أشعر أنني عاجزة أمامه. اكتشفتُ أخيراً أنه يجد فيَّ ماضياً أسود. وهو إنسان يتطهّر، ويريد أنثى نقية عذراء!. ـ أكاد لا أصدق أن مثل هذا الكلام يصدر عنكِ، أنت التي تتحدّين المجتمع والذكورة، وترفضين التقاليد والأعراف، وتحقّقين رغباتك من دون أن تعبئي بالعالم!!. ـ كنت في الماضي!. في البداية، كانت روعة تخاف من الرجل. تخشى من أيّ شابٌ يحاول الاقتراب منها، وحين عبرّت عن مخاوفها لليلى قالت لها يومئذٍِ: "كلنا كنا كذلك في البداية" ونصحتها بأن تنطلق، وتبحث عن الصداقة والحبّ، فقد يمرّ الزمن سريعاً، وتجد نفسها وحيدةً، وقد يتجاوزها القطار.. ومنذ تلك اللحظة بدأت.. بدأت روعة تفكّر في دخول العالم الجديد، ثم شرعت رويداً تتصرّف كبقية زميلاتها، فاستملحت اللعبة، وما لبثت أن انطلقت بحريّة وراء صداقات صغيرة.. وها هي الآن تدرك معنى أن تحافظ الفتاة على عذريتها.. فحمدت الله أنها ما تمادت.. وهمست مستنكرةً: ـ أنسيت ليلى كيف زرعت الجرأة في نفسي، ودفعتني للسباحة على شاطئ التجربة؟!... ما الذي جعلك تتغيّرين؟!. ـ نبيل لم يغيّر قناعاتي فحسب، وإنما جعلني أحتقر نفسي إلى درجة الاشمئزاز، وأنا أدور حوله كل يوم كفراشة تدور حول نار... خيّمت لحظة صمت ثقيلة. فكّرتْ بهدوء، ثم قالت: "هل تتخلّين لي عنه الليلة؟." "لماذا؟" "دعيه لي. سأختبره. دعيني أتصرّف به. ألا يكفيه أنه يزهق عواطفنا؟. "صمتت لحظةً ثم قالت: "شريطة أن يكون الاختبار هنا. على سريري" "حسناً. اختبئي في الحمام عندما يأتي". جاء آخر السهرة. استقبلته روعة مرحّبةً، بقامتها الهيفاء وخصرها الضامر، تتواثب بثيابها الشفافة القصيرة جداً، فجعلته يتلمّظ وهو يراها تتراقص حوله مهرةًَ يهزّ عطفيها دفءُ نيسان. أخبرته أن ليلى ذهبت مع بتول إلى نادي الشرق لحضور حفل زفاف.. وأنها بقيت في المنزل لتسليته.. وقف مفكّراً. لم يرتح للموقف.. جهّزت القهوة. رشفتها وهي تجلس إلى جانبه.. أرسلت إليه نظرات مثيرة.. سألته عن مدى علاقته بليلى. صعّدها بنظرات مستغربة "نبيل. بصراحة. أنت تجلد ليلى كل يوم!.." "لماذا؟!." ـ الأنثى جسد ورغبة، فلماذا لا تستمتع وتُمتع غيرك؟. أنا أستغرب كيف تستطيع العيش من دون علاقة عاطفية!... ـ روعة. انتبهي. أنت تقولين كلاماً خطيراً!. أنتِ تدعين إلى الإباحية.. إذ سادت نظرتك هذه، فإن العالم يتفكّك وينهار!.. ضحكت مستهجنة: ـ كن مرتاحاً يا حبيبي. العالم سيظلّ متماسكاً، وأنا لا أدعو إلاّ إلى الحياة.. الواقع هو على هذه الحال.. تعال معي إلى الجامعة لترى بعينيك... من النادر أن تجد فتاة ليس لها علاقة مع صديق أو صديقة ، والغشيمة المحافظة تمارس العادة السرية.. نبيل. لو فتحتَ حقائب البنات لوجدت تسعين بالمائة منها تحتوي على واقيات ذكرية، وحبوب منع الحمل. ـ صحيح أن كل شيء يتغير. قِيَم تنقلب وقناعات تتبدّل، ولكن لن يضيع من هذا الكون كل ما هو حميمي وصاف وشفّاف. هناك دائماً الجميل والجليل والبريء والنقي والعفيف والطاهر.. روعة إن ما تتصورينه مخيف جداً، وأعتقد أنه لا وجود لـه إلاّ في خيالك!... هل يعقل أن تكون من بين عشر بنات في البلد بنت واحدة نقية طاهرة بريئة؟!. أعتقد أنك تبالغين، ولا تنظرين إلاّ إلى القسم الفارغ من الكأس، والدنيا لا تزال بخير.. يا روعة. حرام!. الجامعة ليست مبغى، وطالباتها لسن مومسات. إنهن جسد الوطن المتعلم والمثقف!. نظرت إلى صدره.. تنزّى منها شوق جارف وجوع عتيق، ولحظت بلمحةٍ خاطفة أن رغبة خائفة تستعر في عينيه وصدره.. طلبت إليه أن يغّير ثيابه. أحضرت لـه (البيجاما).. تحسّست يده. وجدته بارداً حاراً، فانسكب البوح في عينيها.. أرغمته على النهوض. مدّت يدها إلى القميص، تفك أزراره. فأوقفها بعنف. همست: "ألا تثق بي فقط هذه المرة؟. اخلع ثيابك، وتحرر من الخوف الذي يسكنك، دعني أشعر لحظةً أنني مع رجلٍ حقيقي، وأعدك ألاّ نتجاوز الحدود الحمراء. "حلّت الأزرار بين ممانعة ورضا، تحرّك وجهه بقنوط ونفور ورغبة، مثل من يقبل على عملٍ مرغوب لكنه محفوف بالمخاطر، موجع لكنه محّبب. ..ثم بدأت تتعرّى وترمي ثيابها بغير اكتراث. أُسقط في يده "حتى أنتِ يا روعة؟!" وقف أمامها مشدوها. صفعته بجرأتها. تبدو عارية عابثة لا تخجل مما آلت إليه من كشف مفضوح، كأنها ستلقي نفسها في بركة سباحة!.. شمّ عطرها فتخدّر. طوّقت عنقه فتجمّد مذهولاً. مرّغت شفتيها بوجهه وهي تفحّ "آه!!." قال وهو يحاول الابتعاد عنها: "ظلّي في نظري وردة.. وردة لم تُقطف. "أصمّتْ أذنيها عن ترميزه. سحبته إلى غرفة النوم، ثم تمدّد جسمها الرائع على السرير فاهتّزّ وأصدر أنيناً مموسقاً... شدّته فأوقفها، فحّت بمكرٍ "تعال نجرب هذه المرة فقط. ثق بي مرةً واحدة؟." في تلك اللحظة الجاهزة للانفجار كان الاقتراب والتماسّ مع الجسد يستوي مع الهاوية!.. لحظة الحسم تقترب من مكمن الجسد في احتراقاته المتواصلة نحو النبع. بدا لـه جسدها شبحاً خيالياً.. همس وهو يحجم عن الإقدام: ـ يا روعة!. نحن بعرينا ضعيفان، فلماذا لا نكون أقوياء؟. لماذا نجعل من أنفسنا شهوداً على الذّل والضعف والعريّ... أنا سأشعر بالندم كلما تذّكرت أني شاهدتك عارية ومارست معك فعلاً محرّماً!.. يا روعة الأفضل أن تكون حياتنا جميلة مثل ليلة صيف صافية. ـ نبيل. حرّرْ نفسك من قيودك. العريُ لازم لنا. والجسد لا يزال مجهولاً في واقعي وواقعك. فلماذا لا نجّرب ونحاول اكتشافه. نتأمله ونتعرف إليه.. ألسنا في زمن نمتلك فيه إرادتنا وحريتنا؟. اقتربْ مني. هيا. أنا فرس. تعال اركب لنسافر إلى المطلق. ولا تُشوّه جمال اللحظة بفلسفتك العقيمة.. بدت لـه في عريها جسداً رخواً مثل عري امرأة ساقطة: ـ يا روعة. منذ وعيتُ، وأنا في حربٍ مع هذا الجسد، أكتم رغباته. على الرغم من أنه الشيء الوحيد الذي أعتقد أنني قادر على امتلاكه، فكوني عوناً لي على طهارته!. فحّت متوسلةً: ـ إذن امنحني إياه مرّةً. مرةً واحدة، ولن تندم. هيا. كن فارساً واركب الفرس!. وشدته إليها.. هيّجته. حاولت إثارة مواطن الشهوة في جسده. جذبته لكنها اصطدمت بارتعاش مقرور: ـ نبيل. ما بك؟. تعال اركب. فار التنور!. ألا تحترق؟!. صار بين يديها كالمنوّم. تخيّل نفسه يحلم: "ولكن. من أنت، وماذا تريدين؟!." "هذي أنا أوَ ما ترى تسريحتي؟. "تقدّم. انزل واسبح!." "ولكنكِ فتاة عذراء!." "لا تهتمّ. أنا جسد انزل ولا تمسّ عذريتي. هيّا انزل وانزلق واجمح. ثق بي، ولا تخف!." ـ أحسّ أننا عاريان وسط ساحة المدينة!. شدّته إليها بعنف، وقالت "تعال اقترب، وادخل بوابة السحر!." "كيف؟!." "وشدّته: "هكذا!." ....حاولت تحريكه. جذبته وهزّته. أرهقت نفسها بغير جدوى. أحسّت بالتعب.. قالت يائسة: ـ هيّا نبيل. مالك كلما شددتك تبتعد؟. اقترب. تعال إليّ. أنا جسد فائر!.. وأنا وأنت وحيدان هنا. ـ أحسّ أنه سينهار، لكنه تماسك.. قال وهو يرتعد: "خطأ يا روعة خطأ. نحن لسنا وحيدَين. نحن اثنان والله ثالثنا.. أنا أعترفُ أن للأنوثة سلطاناً وقوة.. ولكن. هل تصدّقين يا روعة أن أعظم الشروخ التي تصدع العالم عندي شرخٌ تُحدثه عذراء بنفسها، وأنا قد عاهدت ربي على ألاّ أضع زرعي إلاّ في رحم يخصب.!" * * * * * كانت ليلى تنظر من مكمنها, وحين شاهدته معها وهي شبه عارية اشتعلت فيها الغيرة. أليست الغيرة نزعة للتملّك؟... "يا إلهي!." .."كيف أدفع روعة بنفسي لمضاجعته؟!!. ألم أقرّر أن يكون لي وحدي، ولن أدعه يعرف غير أنوثتي؟!.. "اشتعلت فيها النيران وهي ترى روعة تجعله ينحني فوقها وتشدّه إليها.. تحرّكت في نفسها الرغبة للخروج من مكمنها والحيلولة بينها وبين نبيلها.." يا للمصيبة!. كيف أدفع بها للمضاجعة بيدي وعلى سريري وأنا التي تطّلعت..؟!.. تطلّعت لأن يكون نبيلُ شريكَ حياتي؟!!." تلاحقت أنفاسها. أمعنت النظر في المشهد المسرحي الحيّ. تمنت لو أن نبيلاً ينقضّ عليها، يصفعها وينفلت من بين يديها.... يا إلهي!." لماذا يخيّب أملي إذن؟!. أتراه يحبّها أكثر مني؟! وهل يضاجعها حقيقةً، وتنكشّف مواقفه السابقة عن تمثيل وخداع!؟. أتراه يستجيب لها وتذهب ادّعاءاته أدراج الرياح؟!... تناهت إليها همسات روعة المبحوحة تدعوه للولوج في جسدها فازدادت الغيرة في نفسها اشتعالاً!. وألقت باللوم على نفسها. كيف تدفع حبيبها إلى أحضان صديقتها... ألا يعني هذا ضياعها وفقدان حبيبها وصديقتها من بين يديها؟!! "يا لتعاستي!. لقد ارتكبت خطأً فادحاً سأندم عليه طوال حياتي... ليتني لم أُوافق على هذه الخطوة... وليتني اكتفيت من الحبيب بالنظر والسهر والحبّ العذري.. ألا يكفيني أنه انتشلني من الرجس الذي كنت أغرق فيه، فكيف أدفعه بيدي إلى الرجس!. آه لو أنني الآن معه وحيدةً في قمة جبل مرتفع أعيش معه هناك ولا يصل إلينا أحد..؟!." * * * * * ذُهلت روعة وكلّت قواها، حين وجدته ينتفض فجأة!!. يصحو من حلمه، فيتخلّص منها، وأنفاسه تتلاحق كصبي مقرور تعصف به رعشات ألمٍ ولذّةٍ وخوف!!. ثم يدير لها ظهره ويهدأ!. أُحبطت. امتعضت. أرسلت نظراتها إلى السقف... نظرت إليه بأسى. سمعت انتظام أنفاسه. هدأ. نام... ليس أمامها سوى الاعتراف بالخيبة!. انسّلت خائبةً، ومضت إلى صاحبتها في صالة المسرح، نكّست رأسها، وأعلنت بإحساس الفاجعة، أن هذا الذي يتشهّيان وصاله ليس سوى مَلَكٍ إنسانيّ كريم، ولا يمكن الوصول إليه إلاّ بالاغتصاب!... "ما رأيك في اغتصابه؟." * * * * * استيقظ صباحاً كاد عقله يطير من رأسه، وهو يجد ليلى تحتضنه شبه عارية!... تلبّسه شجن، وفحيح روعة لا يزال يسدّ عليه منافذ وعيه "تعال.. تقدّم.. اركب.. أنزل!." "اللهم أنزلني مُنزلَ صدقٍ.. هؤلاء النسوة المترفات ليس لهن هدف سوى تدنيس طهارتي، وكأن العفة والطهارة، عدوٌّ لهن يحاولن القضاء عليه!." نَهَرَها بشيء من القسوة. استيقظت مستغربةً، قال وقد فقَدَ صوابه: ـ ليلى. هل خدّرتماني؟!.. أعتقد ذلك. حسناً. لماذا لا نصحو ونتجاوز كوابيس هذه اللعبة، ونجرب حالة البراءة والطهر؟. لماذا لا نلجم هذه الوحوش الهائجة في نفوسنا، ونمنعها من إرغامنا على خلع سراويلنا؟!!.. ـ آه يا نبيل. متى ستخلع الخراب عن روحي، وتلقيه إلى الخارج، وتشكلني كما تشاء وتشتهي؟. ـ 6 ـ أحسّ بالضيق من تواصل الملاحقة التي صارت لعبة كل ليلة. ما إن يتخلّص من ليلى، حتى تحلّ روعة محلها. ماضيه يعيد نفسه، قصر السيدة في بيروت، ومنزل ليلى في دمشق.. وأجساد مترفة لا تفكّر في جوع أو فقر أو مرض أو مستقبل أو حلال أو حرام!.. فكّر في هذه المهزلة. لو أنه استجاب لكل أنثى اشتهته لتحوّل إلى داعر دولي. استعادت ذاكرته الوجوه الأنثوية التي علقت بها، أيقن أنها على الرغم من تغيّر الأمكنة، وتباين الاتجاهات، ليست سوى أجساد ظمأى متساوية في البحث عن الماء، والوصول إلى الواحة الظليلة، للخلاص من سراب الزمن الأنثوي المؤرق.. بسمة مهندسة البلدية الشابة التي قامت بإجراء الكشف على المحلّ لمنحه الترخيص. انجذبت إليه. دعته إلى حفلة شاي في منزلها، وتعريفه بأهلها، وقد زوّدته بالعنوان، ورقم الهاتف، ووعدته أن تكون صديقة دائمة لـه.. عندما صعدت إلى كرسي التجميل. أحست أن أصابعه التي تدعك شعرها بالشامبو تدغدغ أحلاماً سرية، فتنتشي وتستسلم كلياً، وحين انتهى من تسوية تسريحة الرأس، ظلّت مستندةً إلى الكرسي، وقد تخدّرت على همسه: "نعيماً آنسة" فلا تردّ، ولا تتحرّك. عندئذٍ حرّكها: "آنسة بسمة. هل نمتِ؟" فتجيبه بهمس حالم "أنتَ خدّرتني.. لم أعد أقوى على النزول عن الكرسي. آه. لو تحملني وتطير!!." * * * * * آه. يا بنات بلدنا!... تعجّب كيف تشيع في المدن الكبرى الدعوة إلى الانطلاق التام، والتحلّل من القيود المتصلة بالجسد، وهذا ما استدعى إلى ذاكرته تسويغ الكثيرين من المبدعين والفنانين لهاثهم المحموم خلف وهج المدينة، فكانت صورتها لديهم جذابةً قريبة المنال، لأن المدينة كنسائها تمنح نفسها للغرباء بسهولةٍ. نساءُ المدن يعشن في مجتمع منفتح، يستطيع الغريب فيه، في ليلة واحدة، أن يتعرّف إلى أكثر من واحدة، وفي أسبوع يصبح واحداً من أفراد الأسرة التي يدخل إليها... وحدها أم الكرز تنغلق على نفسها، ولا تقبل فتح أبواب أسوار بناتها، لأنها تفهم ماذا يعني الانفتاح. * * * * * قرّر كسر الرتابة هذه الليلة. أعلن لليلى على مضض أنه اتفق مع شريف لزيارته. رحبت بالفكرة وقدِمت روعة، فجلست مع نبيل تنتظر ليلى ريثما تنتهي من زينة وجهها. أشعلت سيجارة، وبدأت تنفث دخانها، وهي تتملّى من وجه نبيل, انتهت السيجارة. سحقتها بعصبية "تأخرّتِ ليلى!." ضحك نبيل، سألته عن سبب ضحكه، فصمت. نادت: "ليلى أسرعي!." ازدادت ضحكته. سألته ثانية عن سبب ضحكه. دخلت ليلى: "هيّا بنا" قالت روعة، وقد بدا عليها التأثّر: "ليس قبل أن نسمع من السيد نبيل جواب سؤالي." ردّدت ليلى نظرها بينهما، فقال مبتسماً: ـ الحقيقة أنني ضحكت لتباطؤ ليلى في (المكياج) وإلحاحك على السرعة، فتذكرّت قول" موباسان "للنساء: "هيّا لمعنَ أقراطكن أيتها الجميلات لن يكون في النهاية غير ارتفاع التنانير" فابتسمت الاثنتان وتقدّمتا لارتفاق ساعديه، لكنه توقّف ينظر إلى شعر ليلى لحظات، ما لبث بعدها أن أخذ رأسها بين يديه وحلّ الشريطة الزرقاء من شعرها، وقال: "دعيه هكذا متحرّراً ينسدل شلالاً على الكتفين." فعضّت روعة شفتها من غيرة حمقاء، ثم خرجوا واستقلّوا سيارة، انطلقت بهم باتجاه أوتوستراد المزة. قدّم لهم شريف زوجته فتنة التي تهلل وجهها، فاسترخت أصابعها في كفه معبرة عن ترحيب ونشوة. دارت تعبيرات ترحيب ومجاملة. أظهرت فتنة اهتماماً زائداً. نظر إلى شريف باشمئزاز حين رآه بهيئته الجديدة كالغراب الذي صبغ ريشه، بتسريحة المارينز، يمضغ الشيكلس بميوعة، ويتدلى على شفتيه شارب فالنتينو، وقد ارتدى بنطال البتلز الضيّق، ثم حوّل نظراته إلى فتنة. لأول مرّة في حياته يجلس أمام امرأة غرّاء فرعاء من بلدته، تسترخي أمامه بارتياح تامّ ينمّ عن إصرار على الغواية!.. إنه يعرف فتنة جيداً، منذ أن كانت تلعب مع أترابها في الحارة الغربية، إلى أن شبّت عن الطوق. عرفها طالبةً بثوبها المدرسي، ثم جلس إليها وشاهدها بعد الزواج مرات كان آخرها عندما رآها بثوبها الأحمر، لكنها لم تكن أبداً على هذه الصورة من الجمال والإثارة. "سبحانك ربي. فتنة دمشق تختلف عن فتنة أم الكرز" هل المدينة أكسبتها هذه الفتنة؟!. أم أن ما يبرق في عينيها ليس سوى إثارة وشقاوةٍ وبطرٍ!؟ "يا رب الخصب والنماء غفرانك!.." كم استدارت وامتلأت. آه يا طفلة الأمس. تغمض عينيكَ عنها وتفتحهما، فتجدها قد نضجت أنثى ريانة متفجّرة الجسد. .. تذكّر سيرة أبويها.... يقال عن أبيها الآغا إنه كان يرغم المرابع الذي يعمل عنده على سحب زوجته إليه ليضاجعها، والويل لـه إن هي لم تستجب، أما عندما تعصف الشهوة بأمها ذات الأصل التركي فلا شيء يردعها، وقد أُغرمت في كهولتها بشاب من أبناء المرابعين، ذاك الذي وضع زوجها النير على رقبته ليحرث الأرض مقابل الثور الذي نفق، فأقسمت ألاّ تنام تلك الليلة، إلا بعد أن تأتي بالشاب لتختبر فحولته!. نظر إليها جيداً. في المرات التي كان يزورهما في أم الكرز، كانت تجلس أمامه عاديةً جداً، أما الآن فتبدو آثار المدينة واضحةً على ملامحها. عبّ من سفورها الصارخ. تجلس متبرجة كأجمل ما تكون عليه المرأة. لشدّ ما أثار ذلك غريزته.. وزوجها شريف الذي كرهه كثيراً من دون أن يقطع صلته به، يزهو إلى جانبها كديك منفوش الريش على مزبلة، وقد أسكرته حمى الوصول إلى قمة الهرم، من دون شهادات عالية. تبادلوا الابتسامات.. سأل نبيل: "ما آخر أحداث لبنان؟." وكان يعلم أن مضيفه ليس لـه أدنى اهتمام بالسياسة، باستثناء معرفة الدارج من الحياة اليومية. تحدّث شريف بلسان الحزبي العالم بكل شيء، فلم يختلف أسلوبه عن صيغة نشرة الأخبار. أثبت وهو يتحدّث أنه بوق دعايةٍ رسمي منصوب على رأس بنايةٍ ضخمة، كما أثبت أنه ببغاءُ ماهرة في ترديد الشعارات التي اكتسب مهارة في ترديدها برشاقة. تدخلّت روعة: "لا تحوّلوا السهرة إلى ندوة سياسية!" لم يُصغِ شريف لاعتراضها. أكمل حديثه عن ربط الأزمة اللبنانية بالقضية الفلسطينية. اعترضت فتنة: "هيه شريف. أنت لست في اجتماع حزبي!." انصاع مبتسماً. سأل: ـ أيّ واحدة زوجتك يا نبيل؟. ضحكوا جميعاً. ـ إنهما صديقتاي الحميمتان. غمز بعينه، وعلّق: ـ من يحصل على الحليب بالمجان، لا يفكّر باقتناء عنزة. ـ ألا تؤمن بالصداقة؟. ـ الصداقة بين رجل وامرأة مستحيلة من دون... أكملت فتنة: ـ الصداقة مستحيلة من دون حبّ!. اصطحبت فتنة ضيفتيها، ودارت بهما على غرف المنزل، ثم عادت معهما بعد قليل يرتسم البشر على وجوههن، واسترخت في مقعدها الوثير من جديد.. انحسر الثوب عن مساحة غير قليلة من جسدها. بدت أمامه شبه عارية. سرت في عروقه دماء حارة. في حياته لم يقع طرفه على فخذ فتاة من بنات بلدته. قفزت إلى مخيلته صورة وداد... نهضت فتنة. تحرّكت بحيوية.. وزعت أطباق الفاكهة.. أخذ نبيل برتقالة وبدأ يقشّرها بهدوء. تذكّر عندما كان شريف طالباً في امتحان الثاني الإعدادي ضبطه مدرّس التربية الإسلامية يغشّ في الامتحان، فاقترب منه، وأمسكه من أذنه، وشدّه للأعلى, وقال لـه جملته الشهيرة "أنت إذا توظّفت، فستنهب المواطنين وتُفلّس الخزينة" ثم ضربه على قفاه، وسحب ورقة الامتحان منه، وأخرجه من القاعة، وعندما تجمّع الطلاب حوله في الباحة، لم يكن حزيناً كما توقّعوا، وإنما قال لهم مطمئناً: "إنه يعرف جيداً كيف يعتذر، وسيرضي المدرس." وضع قطعة برتقالة في فمه.. راقب فتنة جيداً. التقت نظراتهما.. غمزته بعينها.. ظن ذلك حركة طبيعية. غَََضّ من بصره. نظر إليها ثانية، وجدها تغمزه من جديد.. أصيب بالذهول.. لو أنه قرأ رواية تلاحق النساءُ فيها البطلَ في كل مكان يحلّ فيه لعدّ ذلك مبالغة من الكاتب. قالت لـه "ألا ترغب في التعرّف إلى منزلنا. قمْ كي ترى اللوحة الزيتية التي رسمها رشاد قصيباتي؟." فاعتذر. وضعت رجلاً فوق أخرى، فبان قسم آخر من اللحم المستور. كرّرت ذلك وهي تتعمّد أن تجلس في مواجهته.. نكّس رأسه. صفعته بابتذالها. شعر بالامتعاض.. توقّف عن مضغ قطعة البرتقالة. إنه لم يسمع أحداً في أم الكرز يلوك سمعتها في علاقة محدّدة مع أنها متحللة، وتذكّر لهفتها المجنونة في آخر لقاء معها في البلدة "وأنتِ يا فتنة مثلهن أيضاً!." تشتّت الحديث وتشعّب.. سأل شريف: "هل من جديد في مشكلة وداد" صمت. علّقت فتنة: "مسكينة. حظّها تعيس. لا الزواج أسعدها، ولا الأهل يفهمونها.. لكن الله أخذ لها حقها من زوجها. ألقي القبض عليه مع عصابته التي ترّوج أفلام الدعارة" تنفّس الصعداء. وجّه الحديث باتجاه آخر. سأله عن أخباره. انتفش من جديد كالديك الهندي "أنا سلطان زماني. وقد ندمت على كل ساعة ضيّعتها في البلدة.. أنا أرتع هنا في خيرات لا تحصى!... سهرة واحدة في "الكاف دوروا، أو في الفور هندر" تساوي عندي الكرز وأمه. "مشروع حيوي لاستيراد أجهزة الكهرباء اليابانية يعادل موسمي الكرز والزيتون في البلدة كلها، آه يا نبيل. لو اشتغلت مرّة بالسياسة." ـ لماذا.؟ لأحترق؟!!. السياسة محرقة!.. اضطرب شريف. ارتعد. دارى اضطرابه خلف ضحكة باهتة.. هتفت روعة: ـ دعونا من السياسة. عادت فتنة بالقهوة. تميس بقدّ أهيف، وحركات مغناج... جسدُها كله تحوّل إلى شعلة من الإثارة. ابتدأت بتقديمها إلى ليلى، فروعة فزوجها، ثم انحنت أمامه، حينئذ انفلت النهدان أمام عينيه من قيدهما، فارتعشت يده واصطدمت بالفنجان، لتغتسل بالسخونة السوداء. اعتذر خجلاً، فشدّته من يده، وسحبته إلى المغسلة.. عصرت أصابعه بيدها. وقفا وجهاً لوجه. طالع في عينيها شبقاً مجنوناً "غمزتُك ثلاث مرات، ودعوتك لرؤية الغرف واللوحة الزيتية، ولم تستجب لي!." "كيف استجيب؟!" "اغمزني!" "لماذا؟!" ـ لماذا؟. لأمرين هاميّن: الأول رغبة شريف في تعيين موظف يدقّق لـه حساباته، وقد رغبت في أن تكون أنت في هذه الوظيفة، ولم أشأ أن أطرحها أمام صاحبتيك. ابتسم وسألها عن الأجر الشهري، فلما سمع الرقم تضاحك، وأخبرها أن هذا الرقم هو دخلُ يومٍ واحد في المحلّ، وأن تزيين رأس عروس واحدة قد يفوقه بكثير: ـ والأمر الثاني... أنني لم أعد أتمالك نفسي أمام هذه الوسامة الشّابة!. كأن مياه الشام تجمّل الشباب. نبيل.. منذ كنا في أم الكرز كنت أتطلّع إليك!. وقد لمّحت لك في آخر زيارة لنا هناك. ـ فتنة. حرام عليك!. ـ نبيل. نحن لسنا في أم الكرز. وأمسكت يده.. فسحبها كالملسوع. سألها: "وزوجك؟!." "قوّاد مأفون!. عنّين أنت خير من يعرفه!." ـ تقصدين...؟! هزّت رأسها، وحاولت إعادة لمس يده، فامتنع بقسوة: ـ نبيل. لولا وجود المرأتين معك الآن، لما تركتك تفلت قبل أن!.. ـ أهكذا بسهولة؟!. أنا لا أصدّق أنك من بنات أم الكرز!! ـ وماذا في ذلك؟. أنا وأنت الآن في الشام، ألسنا نعيش في هذه المدينة؟!.. نبيل. في نهاية السهرة بعد أن تعيد الجميلتين، عد إليّ.. لكَ صديقتان، وأنا الثالثة. ـ لماذا؟!. ـ لأشعر معك بالأنس ليلة واحدة!.. ـ وشريف؟!. ـ أيّ شريف، وأيّ سخيف؟!.. لا تهتمّ سأمنحه إجازة ليلية. سأنتظرك!. ـ أهكذا بهذه الثقة والبساطة؟! هل الأنس مع الغريب قهوةٌ في فنجان، تتلذّذين بها كلما اشتهيتِ؟! كأنكِ لم تأكلي من كرزها، وتدّهني بزيت زيتونها المبارك. هيّا نعد إليهم!.. * * * * * أخبرته ليلى أنها ستسافر إلى حمص صباح الغد الباكر، لزيارة أمها التي تقيم مع زوجها الثالث الذي تزوجته بعد عودته من المهجر الأمريكي.. وطلبت إليه أن يظلّ في البيت، يستمتع بيوم العطلة، ريثما تعود في الليل، فاكتأب. سألته عما به فصمت. أرسلت أصابعها تخلّل شعره، وسألته ثانية عما به، فقال: ـ كيف سأقضي نهاري وأنت في بلد ثانٍ بعيدة عني؟. فقبّلته وأخبرته أنها ستعود إليه في الليل على جناح الشوق. وجدها فرصة نادرة. ينام وحيداً ويقرأ طوال النهار على سرير وثير، متجرّداً من قيود الزمان والمكان والناس. متحرّراً من جميع ما يعيق أفكاره وحركاته. ظلّ متمدداً حتى العاشرة. ثم نهض نافضاً عن كاهله الكسل، وقصد الحمام. دخل حمامها أول مرة. تجّول بناظريه في القاعة الفسيحة ذات الجدران العالية، والكوى الزجاجية الملّونة التي تتسرّب منها أشعة الشمس بألوان قوس قزح. نزل ببصره إلى الأرض عبر مربعات الرخام الأبيض المؤطّر بالخضرة والزرقة... ثم التفت نحو المغطس المتمدّد على عرض الحائط من الزاوية إلى الزاوية، والفراشات تزّين الجدران إلى جانب مرآة بلا حدود... حين تعرّى، شعر بالارتباك، فأسرع إلى الماء يداري ارتباكه.. في الماء أحسّ أنه يتأرجح بغير توازن.. برزت صورتها من بين الماء.. نغمة صوتها العذب تملأ سمعه. تضحك فيتشرّب وجهها حمرّة حلوة في الخدين ويغدوان تفاحتين حان موسم قطافهما.. دغدغته نبضات الماء الدافئة بأناملها السحرية وتسلّلت إلى جوانحه الداخلية، وغطس فرمشت لـه عيناها ثانية مروجاً واسعة لا نهاية لاخضرارهما.. تلامح طيفها يسبح في بحيرة الحلم، ترشقه بالرذاذ، فيتمازج مع إشراقة جسدها البضّ، ويحاول أن يسبح خلفها ليمسك بها، لكنها تستحيل طيفاً وتتلاشى بين يديه... تناول عبوة "شامبو الياسمين" ودعك رأسه، صنع إكليلاً من الرغوة. استكان إلى النعومة المخدّرة. ثم فتح رشاش (الدوش) وبدأ يصغي إلى موسيقا الرذاذ مستسلماً إلى الرطوبة المنعشة. "ما أعذب أن يعيش الإنسان في حبّ ودفء!. "شعر بنعمة الماء" وجعلنا من الماء كل شيء حيّ." و"الحمَّام نعيمُ الدنيا" كما كانت تقول أمه: "صحيح يا أمي، ولكن ليس في الطست كما كنتِ تغسّلينني، وأنا صغير في عتبة البيت." سرعان ما لبّى رغائبه... تمدّد في المغطس. ارتفع منسوب الماء، وفاض على الجوانب. تساءل: "ماذا لو حدث الطوفان من جديد. ألا تغتسل المدينة من أدرانها؟!." تمنّى لو يستطيع أن يصنع فلكاً يحمل فيه الأحبّة، ويصمّ أذنيه عن نداءات التافهين.. خرج من الماء. وقف أمام المرآة عارياً. يا للصفاقة!.. يا للوضاعة!!.... أهذا هو شكل الجسد، حمد الله الذي جعل الليل لباساً، تعمّد ألاّ يرتدي ثوب حمّامها للتنشيف، ارتدى ثيابه، ثم حلق ذقنه. وتطيّب.. عاد يحدّق في المرآة يسألها، فأرته صورة شاب متناسق الجسم بوجهٍ مريح ينضج فتوة وشباباً، وشعرٍ أسود تفنن الخلاّق في صنعه. فأُعجب بنفسه. لكنه انتبه فجأة فهتف: "نرسيس... خفّف من غلوائك" "إنك لن تخرق الأرض، ولن تبلغ الجبال طولاً" ثم عاد إلى الغرفة وافترش سجادة الصلاة وصلى ركعتي الضحى. ماذا يفعل الآن؟. لا شيء غير القراءة. أمسك كتاب الأحوال المدنية الذي أعاد قراءته خمس مرات، لكنه ما لبث أن ألقاه جانباً، فهربت الرسالة الفاضحة من بين صفحاته، وجعلته يرتعش!.. دسّها بين الصفحات ثانيةً، ثم تناول رواية البؤساء ، وانتقل إلى غرفة النوم.. أسند ظهره إلى سريرها واسترخى. ابتدأ يتابع "سيرة جان فالجان" و "كوزيت"... كان عندما يفكّر في حالته يخال أن معاناته لا حدود لها، ولكنه عندما وقف على هذه التراجيديا الإنسانية، أيقن أنه من السعداء في هذا العالم، وأن معاناته تكاد لا تُذكر أمام معاناة المعذبين في هذا الكون الواسع. سمع حركة في قفل الباب الخارجي. أرهف السمع. المفتاح يدور بالقفل. خاف.. من سيأتي الآن؟! خشيَ أن يكون مطلّق ليلى، وهذا يعني وقوع كارثة!. استبعد الفكرة.. هل يأتي لصّ عَلِم بسفر ليلى؟!.. فُتح الباب. "يا إلهي!" دخلت فتاتان سرعان ما تبيّنهما.. بتول تتبعها مثيلتها السمراء. بحث عن مخبأ.. لم يجد غير عمود المشجب الذي تتدّلى منه غابة من ألبسة ليلى في الزاوية. اختبأ خلفه.. شمّ روائح الثياب الأنثوية وهو يراقب الفتاتين تدلفان متعانقتين. تقود بتول مثيلتها إلى غرفة النوم، ثم أرجحت حقيبتها في الهواء وأفلتتها، فاستقرت على المقعد الجانبي. بدأتا تعريان بعضهما. أذهله جسد بتول الفائر!. غدت عاريةً وهي تضحك مثل طفلة مبهورة، ثم حرّكتها الزنجية بلمسات مثيرة، فتلّوت بين يديها بجسد ممشوق كغصن بانٍ، وصهل الجسد الطفلي بنزق الشهوة الدافقة، ثم امتطت السرير. وتمدّدت متحفزةً، فبرزت قبتا صدرها!. وتمدّدت الكتلة الهائجة جنبها، فهيّجتها وفجرّتها صخباً وضجيجاً، وتبدأ المطاردة!. "يا إلهي!." يشعر كأنه أحد النظّارة أمام خشبة مسرح مضاءة!. أغمض عينيه. أحسّ بدوار. أمسك بالعمود جيداً.. صعقه الفحيح والأنين والتوجّع والارتفاع والانخفاض.. قلبه يخفق بشدّة. عاتب نفسه؛ لماذا حصر نفسه في هذه الخانة الضيّقة؟!. كان بإمكانه أن يثبت لهما وجوده، ويمنع هذه العاصفة الساحقة!.. يسترق النظر مشمئزاً ويغمض جفنيه!. يفكّر في منعها من بلوغ الذروة، وهو يعلم أن منعْ أنثى من تحقيق رعشتها أقسى عليها من وقع هزيمة على قائد عسكري في معركة.. ثم يسود الصمت.. عندئذٍ يغمض عينيه ويحسّ بحاجة ماسّة للعطس العنيف لكنه يتمكّن من كتمه!. ماذا يفعل الآن؟.. هل ينسلّ خارجاً، وهما مخدّرتان؟ أم..؟. يكاد يذوب خجلاًَ... يتجمّد في مخبئه.. تنهض بتول تسحبها إلى الحمام.. يراهما من مخبئه، بوحهما يصل إلى أذنيه: "الحمام يعيد إليّ ذكرى معرفتي بكِ أول مرّة، يوم عرّيتني، وأنا أرتجف، "كنت خائفة!. "لم أفهم رسالتك في البداية خرجتا من الحمام ملتفّتين بالمناشف البيضاء.. أعدّت بتول القهوة. جلستا ترشفانها. عبّرت السمراء عن سعادتها في منزل المتعة هذا، وقالت بتول إنه يوم خالد من أيام المتعة الفريدة.. تمنّت أن تسافر ليلى كل يوم.. سألت السمراء: "والدراسة؟" "بلا دراسة بلا زفت. أنتِ كتابي ومدرستي.. وأنت التي تمنحينني الشهادات العالية التي توصلني إلى أعلى المراتب.. هل تصدّقين يا حبيبتي أن ما من مُدرّسةٍ وقفت في الصف أمام السبورة، إلاّ رسمت لها في خيالي عشرات الصور." دبّت الغيرة في نفس السمراء: "ونبيل؟" "نبيل. نبيل هذا الشاب الوحيد الذي أخاف منه" "لماذا؟" "لأنه ليس من طينة البشر" "قديس؟!" " إذا كان في هذا الزمن قديسون، فهو قديس زماننا" تضاحكت "ما رأيك في استدراجه إلى هنا لنسلب منه القداسة، ونحوّله إلى بشر؟" "مستحيل!." "لماذا؟" "لأنه نبيل!." عند الثانية عشرة أرادتا ارتداء ثيابهما. الداخلية فوجدتاها مقصوصةً نظرتا في وجهي بعضهما.. ارتدتا بقية الثياب، ووضعتا القطع المقصوصة في حقيبتيهما مندهشتين.. اتجهتا إلى الباب. أمسكت بتول أكرة الباب الخارجي، وأدارتها، فامتنعت عن الحركة. شدّت بقوة، فأسقط في يدها.. جربت السمراء، ولكن من دون جدوى. بحثت بتول عن المفتاح في حقيبة يدها.." من قفَل الباب؟ ومن أخذ المفتاح؟!" ..عادتا تبحثان عنه في كل مكان جلستا فيه.. تلوبان في الصالون. الحمام. المطبخ. غرفة النوم. السرير. "بتول.. انظري. السريرُ مرتّبٌ بعناية، وقد تركناه يغرق في الفوضى... وفوق الوسادة وردتان حمراوان، بينهما مقص. "ما هذا؟! ما معنى ذلك؟!. هل المنزل مسكون بالأشباح؟!." شعرتا بخوف شديد!. ـ ماذا نفعل؟. ـ أشعر أننا صرنا سجينتين!. ـ لقد تأخرّتُ. أمي ستقلب الدنيا عليّ إذا لم أعدّ الآن.. فكّري في طريقة نخرج بها من هذا المعتقل.. افعلي أيّ شيء. اكسري القفل!!.. ـ ما رأيك في استدعاء الشرطة؟ شرطة النجدة. ـ مستحيل. هذا قد سيعرّضنا للتحقيق والفضيحة.. سأتصل بروعة!. أدارت قرص الهاتف. "يا للمصيبة. حتى الهاتف. ميّت لا حرارة فيه!." أصيب بشيء من الهيستريا... ضربت المقعد بقبضتها.. وانخرطت في البكاء!!.. * * * * * الساعة الخامسة مساء.. اتصل بروعة من هاتف قرب محل التجميل.. سألها إن كان لديها رغبة في السير على الأرصفة. تلقّت دعوته بلهفة حارة. خرجا يتمشّيان كعاشقين مترفين... اتجها شرقاً. تحدّثا عن العمل والتجميل والدراسة. قطعا مسافةًَ طويلة.. اقتربا من منزل ليلى: "تعالي. نمّر بمنزل ليلى. لعلها تكون عادت من سفرها." صعدا معاً الدرجات القليلة. ضغطت روعة الجرس، وسرعان ما جاءها صوت مبحوح من الداخل. لكنه ليس صوت ليلى.. نظرت إلى نبيل: "من تراه عندها؟. هل عادت ومعها ضيوف؟." لكن الصوت المبهم في الداخل اقترب، ونمّ عن بحةٍ أنثوية تكاد تعرفها، وأخذت صاحبته تضرب على الباب. كأنها تطلب الاستغاثة. انتابها الخوف!.. نظرت إليه مستجديةً حلاً وتفسيراً.. لم تظهر عليه اللهفة "حسناً. لديّ مفتاح. "فتح... صفعتهما السمراء بخوفها الرهيب، وكأنها صمّاء بكماء... ثم أشارت إليهما بالتوجّه إلى غرفة النوم... أسرعا إليها. شاهدا بتول ممدّدة على السرير مغمىً عليها.. فانتابت نبيل قشعريرة مخيفة، وارتعد، وأثّر الموقف على روعة. سلب منها القدرة على التفكير، فتهالكت على الأرض منهارة الأعصاب. وبات على نبيل وحده أن يعيد الفتاتين إلى حالة الصحو. ـ 7 ـ مع تباشير الصيف ابتدأ العدّ التصاعدي في المحلّ، وتحرّرت أجساد النساء مما كان يعيقها من الألبسة بسبب البرودة، وتضوّع الياسمين عطراً على أسوار المنازل، دفئت أجساد النساء فخرجن يبحثن عن الأزياء، وصعدت كثيرات منهن إلى كرسي التجميل، ليصنع لرؤوسهن تسريحات تتناسب مع الثياب وتباشير الصيف والطبيعة. انتشر خبر افتتاح صالون (نبيل وليلى) فانجذبن إليه، وعقدن صداقات مع الشاب الوسيم، استرخين على كرسيه، وعشقن براعته في المؤانسة، ودماثته وهو يدور حولهن برهافة بعثت في أوصالهن الرونق والفن والحياة.. إذا قالت السيدة بين صويحباتها إنها على موعد مع نبيل، فلن تسأل واحدة: من نبيل؟.. لأن نبيلاً غدا في عالم التجميل نمطاً فريداً، ليس في المدينة من يضارعه فناً ومهارة وذكاءً ولطفاً وذوقاً وجاذبية... فتوافدت عليه بنات المدينة أسراباً. عندما تنتهي سيدة من لمساته، تجد نفسها امرأةً جديدة أكثر أنوثة وأشدّ جاذبية. لقد أبدع نبيل وتفنّن، ومزج الخيال بالرومانس والحلم، وطوّر كثيراً من أشكال التسريحات الغربية، وبرع في تسريحات نجوم السينما، فكانت اللمسات السحرية تستهوي الباحثات عن الجمال والصرعات الجديدة. جلست ذات الشعر الزنجي على كرسي التجميل. وتمايلت غنجاً يمنة ويسرة، فقال بعصبيةٍ محّببة: ـ اثبتي قليلاً. دعيني أعرف كيف أسوّي هذا الشعر المتمرّد. ردّت متضاحكة: ـ لم أعتد في حياتي على الثبات والكفّ عن الحركة لحظة واحدة. ـ لماذا؟. ـ شيء في داخلي يدفعني. يحرّكني كرقّاص الساعة. ـ في المرّة القادمة، سأعرف كيف أجعلك تثبتين. نظرت إليه غير مصدقة: ـ كيف؟. ـ سأشدّ وثاقك إلى الكرسي بحبل. صخبت ضحكاً، وازدادت حركتها فتحرّك معها الكرسي. عندما انتهى فتحت حقيبتها لتدفع الأجر، فدفعه حبّ الاطّلاع لرؤية محتوياتها. أرسل نظره إليها ـ على غير عادته ـ: ـ ما بك؟. ـ فضول دفعني للوقوف على أشيائك الخاصة. يقولون إذا أردت أن تتعرّف إلى حقيقة امرأة عصرية فانظر إلى محتويات حقيبتها. فتحت الحقيبة أمام ناظريه "إذن. انظر. هل أثار انتباهك شيء؟. ـ بل شيئان. ـ ما هما؟. ـ تفضلي الآن بالانصراف. ثمة سيدة تنتظر. ـ ليس قبل أن أعلم ما الذي أثار انتباهك. ـ طيّب احزري. ـ مفاتيح السيارة. ـ لا. ـ أدوات التجميل. ـ لا. ـ لم يبق شيء. قل أنت ما الذي أثار اهتمامك؟. ـ العلكة، وحبوب منع الحمل.. ضحكت. سألته عن أسباب اهتمامه بهما، فأخبرها بأنهما يلتقيان عند هدف واحد هو إسكات رغبتي الجسد "وكل يوم وأنت طيبة." |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |