بنات بلدنا ـــ محمّد قرانيا

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس مرافئ الجسد الدافئة

-1-‏

جلست وداد في غرفتها وحيدةً تستعيد اللقطات الساخنة الأخيرة من شريط عمرها..‏

استعادت ذكرى ليلة رمضانية قضتها إلى جانب نبيل، وأمها قد أغفت، فمرّت ساعات الليل مسرعةً، لم تنتبه معه إلاّ على نقرات طبلة المسحّر وصوته الرخيم "يا نايم وحّد الدايم" ثم كانت أيام العيد سلسلة من لقاءات رومانسية عذبة، لم يغب فيها أحدهما عن الآخر إلاّ قليلاً..‏

لا تدري وهي في وحدتها الموحشة لماذا تهجم عليها ذكريات العيد مع نبيل في هذه اللحظات ربما لأن رمضان يقترب، مخبّئاً في عباءته ذكرياتها الرومانسية معه... والعيد في أم الكرز ابتهاجٌ وفرح فطري. مواسم طفولة وحبّ، وزيارات، وصفاء قلوب...‏

أيام العيد الأخير لا تزال ذكراها حيةً في خاطرها، وكأنها آخر أيام السعادة في عمرها، بعدما غدت من عالم الأحلام.‏

اليوم تحاول جاهدة أن تكون سعيدة، لئلا تعكّر نشوة الذكرى.. نهضت باكراً، وشمّرت عن ساعديها، وابتدأت العمل.. ثم تناولت بضع لقيمات يقمن أودها. وخرجت إلى الغرفة الثانية، فلما وجدت نفسها وحيدةً اكتأبت واعتراها الوجوم، وتلبّسها الحزن.‏

جلست على الكرسي تستمع إلى أغنية "سليمى" من المذياع يؤدّيها نجيب السراج بعتاب وحزن ولوعة:‏

بيت الشعر مبني يا سليمى طخني عاموده‏

واللي سعى بالفراق يا سليمى يعمى وأنا قوده‏

انهالت الدموع من عينيها. هذه أغنية من نشوة الماضي، يحبها نبيل!.‏

تناولت مجلةً قديمة من بقايا نبيل، وشرعت تقلّب صفحاتها من دون وعي... عاد إلى ذاكرتها بوجهه الطلق، ونظراته الحالمة، فعاشت لحظات ماتعة معه. نسيت حزنها ووحدتها، تذكّرت كلمات الشيخ خالد عندما زارها آخر مرّة، بدعوة من أمها لإقناعها بالعودة إلى بيت الطاعة، واسترجعت موقفه الإنساني حين بدا عليه التأثّر: "أبغضُ الحلال إلى الله الطلاق" فأجابته منكسرة النفس: "حتى أنت يا سيدي؟!". فما كان منه إلاّ أن ضرب الأرض بعصاه، وقال حانقاً: "هذا ظلم! ظلم!. الزواج سكينة ومودة ورحمة.. الزواج ليس تجارة، والبنت ليست سلعة.. البنت روح.. دعوا البنت دعوها!".‏

وتنداح الأفكار والخواطر في مخيّلتها، تغرّب وتشرّق خلف الأحلام الهاربة.. وتحاول أن تتخلّص من الكوابيس التي تحاصرها...‏

تمدّدت على الفراش.. تجسّمت في ناظريها الوحشة المريرة.. بدأت تبحث عن منفذ يؤدّي بها إلى النور والحياة والحرية؟!... شبّت في أعطافها ثورة جامحة... تمنّت لو أنها خُلقت صبياً!.. ولكن..‏

"حتّامَ ستبقى أسيرة هذا القيد الأنثوي؟ إلامَ ستظلّ رهينة أفكار الأم وحساباتها الشيطانية؟! ولماذا تبقى حبيسة هذه الجدران الطينية الصامتة التي تحكم عليها بالجمود والقحط والجفاف؟!".‏

عادت إلى التفكير في علاقتها بفاروق: "استعمر جسدي فسكتُّ. هذه عادة عندنا وهذا طبيعي. معظم بنات بلدي يصبحن مستعمرات من أزواجهن. لكن من غير الطبيعي أن يستعمر جسدي وأفكاري وسلوكي، ويحوّلني من مستعمرة شخصية خاصة إلى مستعمرة عامة يجوس فيها أصدقاؤه عبر خلايا جسدي بأصابعهم وزوائدهم الدودية. ألا يحقّ لي بعد ذلك أن أملأ صدري بصراخ مسموع ومكتوم لأفجّره في اللحظة التي ينفذ فيها الصبر!".‏

تبحث عن صرخة تمزّق بها خوفها وخنوعها، فلا تعثر إلاّ على أصداء ما زالت تتجمّع في الأعماق. سارت إلى النافذة. طالعتها قامات الأطفال الغضّة، بالثياب الجميلة، وهم يتوجّهون إلى المدارس وسط مظاهرة البراءة والفرح...‏

طفرت في عينيها دمعة حارقة. شعرت بغصة في حلقها... "هكذا أبدو الآن بقايا امرأة معزولة، والفرح يختال في الطرقات يحرّك الكبار والصغار والقطط وأغصان الأشجار. فكيف الخلاص من هذه الأشباح التي تحيط بي؟!.." "عادت إلى السرير مترنّحة... لو كانت شاباً لرحلت كما رحل غيرها، ولكنها الآن امرأة، ومن أم الكرز، وفي نفسها تقبع مخلّفات عصور مديدة.. مَن يوصل قضيّتها إلى العالم؟.... كيف ستجعل أمها تتفهّم وضعها؟. كيف تقنعها بأنها تودّ العيش على هواها، وأن تكون لها شخصية مستقلة؟!.‏

كان نبيل الأمل الوحيد الذي يشدّها إلى الحياة.. ألم تكن ورقته الملونة الوحيدة من بين جميع بنات البلدة؟... ولكن بعد أن رحل.. وصار بعيداً، هل لها من أمل آخر؟!.. لماذا لا تبحث بنفسها عن خلاصها؟... لماذا لا تواجه أمها، وتنضو عنها ثوب الخنوع؟!.‏

يتناهى إليها صوتها، فتقرع الطبول في أذنيها... طبول الغربة الدائمة. يعود صوتها ملعلعاً مغلفاً بغبار الأيام فتهتف من أعماقها: "تباً لها من أم تصرّ على تحويل ابنتها إلى داعرة؟!. كأنني لست قطعةً من لحمها!."‏

أحست بهمٍّ ثقيل يجثم فوق صدرها. يختصر حالات الشوق والحزن معاً، ويكثّفها في كلمتين "أم الكرز"‏

"ترى. كم أنثى مثلي تزوّجت مرغمةً، ويغتصبها زوجها كل ليلة؟!."‏

"كم أنثى (بيعت) سلعةً في أسواق النخاسة لمن دفع أكثر؟!.ً‏

"كم أنثى صارت بكلمة واحدة من أهلها، وورقة في محكمة مطيةَ رجل لا تحبّه، لكنها مرغمة على الاستجابة لرغباته ونزواته، وتقضي عمرها معه وحيدةً؟!."‏

"كم أنثى تخون نفسها فيها مع زوج لا تحبّه؟!."‏

"كم أنثى (بيعت) بالمال لمن لا تحبّ، فأخذت تنتقم بجسدها من الباعة والسماسرة؟!."‏

ولكن... أليس العذر أيضاً في الأنثى التي تستكين وتستسلم؟.. لماذا لا ترفض وتثور وتتمرّد؟.‏

لماذا لا ترفض السير مع القطيع؟!. لماذا؟! لماذا؟!!... الشرائع والرسل والقوانين والمنطق، كلها تقول للأنثى لكِ رأي في شريك العمر!."‏

عصفت برأسها دوامة من الخواطر النزقة... الله يشرّع أمام الناس الأبواب، وهم الذين يغلقونها بأيديهم... تريد أن تكون دودة قزّ تنتج الحرير الطبيعي، ثم تتقوقع داخل شرنقتها وتموت بأمان..‏

حاولت بالأمس إيجاد عمل تشغل به فراغها. ذهبت إلى الوحدة الإرشادية لصنع السجاد، فأعلمها المسؤول أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى عاملات الآن، وبإمكانها أن تترك عنوانها لدعوتها وقت الحاجة.‏

عادت إلى المنزل تجرّ ذيول الخيبة. حبست نفسها في الغرفة... ماذا بوسعها أن تفعل. الأبواب مغلقة، والأسوار عالية، وهي أنثى... في لحظة ضعف فكّرت في الانتحار، لكنها سرعان ما استبعدته لوازعٍ ديني، واستغفرت الله!...‏

فُتح باب الغرفة فجأة، توقّفت الدوامة. طالعها وجه أمها الصارم:‏

ـ انهضي، وتزيّني، والبسي ثوباً جديداً سيزورنا بعض الأقارب.‏

ـ .....‏

خرجت الأم... انتظرت ساعة.. فعادت هائجةً:‏

ـ أنت مجنونة، وتريدين أن تجنيني معك!...‏

وجدتها باردةً لا تتحرّك ولا تردّ.. هجمت عليها!. أمسكت كتفيها وهزّتها بعنف. رشقتها بسبابٍ جنسية رخيصة.. تطاير الشرر من عينيها.‏

ظلت بين يديها ليّنةً كقطعة عجين!..‏

ـ إذ كنتِ تفكّرين بنبيل فإن نجوم الظهر أقرب إليك منه!..‏

أفاقت من غفوتها. أمها تفتح أمام بصيرتها باباً جديداً يسهل العبور منه.. "نبيل".‏

ـ ماما. أرجوك دعيني، ودعي اليوم يمرّ بسلام.‏

ـ ما هذه اللهجة يا ست وداد؟!.‏

ـ ماما أبوس رجلك...‏

ـ هيا إذن. انهضي. وارتدي ثيابك.‏

ـ ليس بي رغبة...‏

ـ تعاندينني يا قح...!‏

وانتابتها موجة هياج. هجمت عليها، اقتلعتها من سريرها. هزّتها بعنف. أنشبت في وجهها أظافر حادّة، ثم شدّت شعرها، وأناختها إلى الأرض.. ضربتها بيديها ورجليها بغير هوادة، ثم انحنت فوقها تمزّق ثيابها، وتنتف شعرها، وكأنها أصيبت بمسّ من جنون!.‏

فجأة تركتها وخرجت مسرعةً، لتعود وبيديها محراك التنّور كأنه سيف مشهر بيد فارس. تقف بجانبها وهي تهزّ المحراك، مصحوباً بعبارات بذيئة:‏

ـ تحبّين نبيل ها؟!.. سأشطرك بهذا المحراك شطرين سأنتزع حبّه من...!!‏

وانهالت عليها ضرباً. حتى وجدت من يمسك المحراك من خلفها. التفتت، فوجدت زوجها...‏

ـ انظر. ابنتك خربت بيتها بيدها، ولا تريد أن يعمّر!!...‏

لم يكن وقع الضربات على جسم وداد أشد ألماً من عذابها الروحي فتغمض عينيها وتستكين حتى تغيم الرؤى في مقلتيها...‏

ـ ماذا حدث؟!.‏

ـ هذه الفاجرة لم نحسن تربيتها صغيرة، لذلك سنربيها متزوّجة!... سنربيها قبل أن يشيب شعرها، ويترهلّ بطنها، وتتشقق قدماها!...‏

حرّكها الأب. وجدها جثة هامدة، فاعتراه حزن شديد هتف مفجوعاً:‏

ـ قتلتِ البنت!!.. حرام عليكِ!.‏

ـ اِخرسْ أنت!. لو كنتَ رجلاً لأريتكَ أيضاً!!.‏

حوقل الرجل وبسمل، ودعا الله في سره أن ينتقم من زوجته، ثم ركع إلى جانب رأس ابنته ينتحب!!.‏

فتحت عينيها في الليل. وجدت نفسها ممدّدة على السرير تتأوّه.. تلمّست جرحاً تخّثر دمه في جانب الرأس، وتسربل جسمها بالعرق، فتأجّج في داخلها لهيب حارق!...‏

انطفأت الأنوار الباهرة، ولم تعد النوافذ والشبابيك ترسل سوى أضواء وانية باهتة. الليل يرخى سدوله، والكون مغمور بالعتمة، والسكينةُ تداعب أجفان الموجودات.. تغمض عينيها، وتروح من جديدة في إغفاءة هادئة.‏

تصحو.. تنهض إلى النافذة.. قوةٌ جبارة تدفعها للانفجار... لم يهمّها أنها امرأة.‏

ما يهمّها الآن أن تستطيع الحركة والركض.. إذ لم يعد يفصلها عن العالم الجديد سوى استعادة قوتها كاملة!.. كل عرقٍ من جسدها ينتفض كوترٍ مشدود يطالب بالانعتاق..‏

أرسلت بصرها عبر النافذة. نظرت إلى السماء. شاهدت نجمةً ترتعش بوهن. انتابها شعور بالاضطراب. تخيّلت نفسها معلّقةً بين السماء والأرض بخيط واه. تتأرجح في الفضاء، وستسقط لا محالة. تصرخ!. تستغيث!.. يتردّد الصدى.. فلا تجد سوى أمها، واقعاً حياً ماثلاً أمام عينيها...‏

ولكنها ستتجاوزها هذه المرّة! وقد انتابها شعور قوي بأنها ستقضي العيد إلى جانب نبيل.‏

"وقلب المؤمن دليله.!".‏

ـ 2 ـ‏

ـ تصبحين على خير حبيبتي.‏

تمنّى لها أحلاماً سعيدة.‏

تساءلت ليلى وهي متمدّدة على سريرها "إلامَ ستنتظر؟... وما نتيجة هذه العواطف المسفوحة، والقُبل المبحوحة.. جسدها بات شعلة متأجّجة سيحرق غيره إن لم يحترق!..." وتساءلت عما يمكن أن تفضيَ بها هذه العلاقة الممطوطة مع شابٌ لا يسهر ولا يسكر ولا يرقص ولا يدخّن، ولا يَقبَل المال، ولا يُقبِل على الجسد، ولا يعرف المرونة، ويحيّرها فلا تدري أهو فقيه أم صوفي أم زاهد أم درويش، أم هبيّ أم مجنون أم دونجوان!...‏

امتنعت في الآونة الأخيرة عن مفاتحته بليلة حبّ أو برغبة زواج، فقد اكتفت منه باستجابته للمداعبة، مع شعور متصاعد باليأس والملل.‏

حين تمدّد على أريكته، صحا عقله، تلبّسته روح الفقيه وانتابته رعشة مفاجئة، فقد أحسّ بالإثم يعتصر روحه... إنه يزني. يزني حقيقة... فأخذ يقرّع نفسه!. ويستعرض النساء اللواتي عرفهن... لورا والسيدة وليلى وروعة وبتول وروّادُ صالونه المترفات، هؤلاء النسوة كلهن من خارج أسوار عالمه. معظمهن عبثيات فارغات. مجرّدات من أيّ معنى. يعشن حياة عابثة خارجةً عن حدود الزمان والمكان، لا يجدن متعهن إلاّ خارج المؤسسة الزوجية. يترامين عليه بأجسادهن المترنحة، وهن يحملن بصمات الزمن المفتوح.. يلتصقن به كحلزونات لا يشغل عقولهن سوى الحرص على دوام لزوجة أجسادهن، وهو يخشى زنخ هذه اللزوجة، ويعترف بأنه ليس فحل هذا الزمن.‏

"نبيل: "حاول أن تجد لنفسك مكاناً وسط هذا الزحام.. ألا ترى أنكَ أشبه بنعجة مدلّلة. ما إن تفلت من مرعى امرأةٍ حتى تصحبك امرأة أخرى إلى مرعاها منجذبة إلى حليب ذكورتك؟.‏

هؤلاء النساء المترفات اللواتي أدهشنك ببشراتهن الناصعة، وأجسادهن المعرّاة، وجرأتهن في الكشف غير المشروط عن أنوثتهن، والتعبير عن شهواتهن التي لا تهدأ ولا تخمد، يبدّلن أزواجهن كما يبدّلن جواربهن، الواحدة منهن أشبه بدبور يفضحه أزيزه. ألا تلاحظ أن معظمهن جوفاوات، لا توجد بينهن واحدة عذراء بمعنى العذرية الحق، متهالكات تستهويهن بدرجة واحدة من الإثارة... وكلما خلوت بواحدة منهن انتابك شعور الطريدة أمام الصياد، وشعرت أنك بهذه المطاردة تغدو أشبه بشرقي غريب في مجتمع غربي مفتوح؟!.."‏

" هذا صحيح ولكن.. لا تنسَ أنك مع هؤلاء النسوة عرفت وجوهاً أخرى للحياة. عرفت معاني العفّة والدفء والعمل والمال.. لمست غوايات الأنثى عندما تريد الوصول إلى الذكَر، فلا تستطيع الصمت. يأسرها التوق للبوح، والتعبير عن انجذابها للوسامة، وجمال الشعر، وصفاء العينين، وطراوة الأصابع، وعذوبة الحديث، و... كنّ مجنونات بك، فشغلنك عن حبّك الأول، وأنسينك حبّ وداد، وزرعن في نفسك معاني جديدةً للغربة..."‏

"معظمهن جميلات شبقات وعاريات وثريات؟!. السيدة ولورا تُرهبك نظراتهما. وروعة... لم تفكّر بها كزوجة، وإنما نظرتك إليها تخترق جسدها الأنثوي، وأنت تخاف منها.. كلهن عاريات.. باستثناء عريِ ليلى التي تجذبك تُحَفُها بقدر ما يجذبك جسدها، ويشفع لها عندك أنها سليلة أسرة (الجلالي) العريقة، وهي الوحيدة التي تتمنّى امتلاكها، وتتمنّى عندما تقّبلك ألاّ تتركك أبداً.. وحدها ليلى تلقي في خلدك أنها تغمض عينيها بصدق معك، فتسمعك وجيبها الدافئ، وتشعر أنك ملاذها الآمن الأخير.. ليلى.. ليلى تغدو الأمل الوحيد في منظورك الأنثوي، فحياتها معك كفيلة بصهر جسدها القديم وتطهيره..."‏

تساءل عن سبب كثرة أعداد النساء الفارغات، وافتقاد البراءة في هذا الزمن فردٌ عليه هاجس من بعيد: "لا يغرنّك العدد. فهو يا هذا غثاء كغثاء السيل. لا وزن لـه ولا حجم.. وهو زبد زبد!"‏

عندئذٍ هجم عليه طيف وداد.. كان الحبّ الذي جمع بينهما عذرياً عفيفاً. وكانت كلما جلست إلى جانبه أمام حوض الحبق والنعناع في أرض دارها، تنظر إلى عينيه بشوق جارف، فإذا ما لامست يدُه أصابعَها وهي تناولـه كأس الشاي، انداح الهوى في الروحين، وحلّقا في عالم أثيري، لا يدريان معه أيرشفان الشاي أم يغرفان من نهر الكوثر، في جنة واسعة، فيها من الجمال والنشوة فراشات وطيور وأزاهير..‏

ومن أصداء طيف وداد، تردّدت في خاطره صورة والده، فانتفض، وأنّب نفسه، وصرخ:‏

"عفوك يا رب السماء والأرض. أنا ولدٌ عاق!."‏

نهض لتوّه، فارتدى ثيابه. وكتب ورقةً وضعها على الطاولة، ثم خرج في هدأة الليل يبحث عن سيارة تنقله إلى أم الكرز.‏

ـ 3 ـ‏

على الرغم من شعوره المرير تجاه بلدته في الآونة الأخيرة، إلاّ أنه ما إن استوى على مقعد السيارة حتى تجلّت لـه أم الكرز في أبهى وشيٍ وزخرفَ، فاسترجع شطراً من طفولته فيها.. يحلّ الربيع بأرضها فتغدو صبيةً فاتنةً، ترتدي أجمل ما لديها من ثياب وحليّ لتأتلق الحقول بألوان ساحرة، ويضجّ الكرز والمحلب في مواسم جديدة من الحسن والخصب.. فتتوافد مواكب العشق إلى دروبها. أما إذا ما حلّ الصيف فإنها تغدو مقصد الناس من كل حدب وصوب، للتمتّع بمصاطب مصيفها، وتنسّم عليل هوائها والابتراد بمراوح قممها العالية التي تصطاد الجمال في لوحات يشكّلها النهار في رحلتي الشروق والغروب على أنغام عصافير العنب والتين، وهو منذ غادرها كأنما غادر البراءة والفطرة، فلم يُمتّع ـ بعدها ـ ناظريه بإطلالة شمس، ولا بشاعرية ليلة مقمرة.‏

وصل إليها مع إطلالة الشمس، فاستقبلته بصباحها المشرق "وما أسعد الصبحية!." أسلمه الجبل إلى منعطفاتها الندية، نظرَ شرقاً فأخذه البصر إلى سهول حلب القشيبة، واتجه بنظره إلى الغرب، فأنعشه نسيم البحر المحمّل بعبق مروج سهل الروج بعد أن تُصفّيه جبال الساحل. أما الشمال فبساط لازوردي من الكروم القشيبة والخضرة الآسرة، تصله بسهول ممتدّة من إسكندرون في الغرب إلى حلب في الشرق، ولا يقف البصر في عروس مصايف الشمال إلاّ عند حدود بلاد الشام، حيث الثغور المدوّنة نقوشها في سجلات التاريخ، وحين أرسل بصره إلى الجنوب وجد الجبل رابضاً كأسدٍ هصور، وقد تكلّلت بعض هاماته بأشجار السرو والصنوبر والسماق والكرز والزيتون التي تمدّ أيديّها لتغرف من سهول حمص وحماة حفنة من صلة الجوار. ثم ينحدر مع السفح نحو الدور المتشحة بالزرقة "يا للروعة!. أغمضْ عينيك إنك في الوادي المسندس ندى!.."‏

* * * * *‏

لم يجد والده في البيت. انتظر حتى عاد من صلاة الضحى في المسجد. لم يطل انتظاره. شاهده قادماً من رأس الزقاق. خفّ لاستقباله. عانقه. قبّل يده، فانخرط الأب في البكاء...‏

مرّت لحظات قبل أن يهدّئ من روعه. طالعته أثار شيخوخةٍ متقدّمة.. سأله عن أحواله" الوحدة قاتلة يا نبيل.. أطبخ بنفسي وأغسل الصحون بنفسي، وأنظّف ثيابي بنفسي!... "أعلمه أنه يخجل من قيام العجوز التي كلفها الشيخ خالد بالإشراف عليه بهذه الأعمال.‏

داعبه مازحاً ليخفف عنه:‏

ـ هل أعيد إليك زوجتك؟...‏

ازداد نحيبه: "ماتت!" "من هي؟!." هزّ رأسه.. "ماتت منذ أسبوع!." "ماذا؟. ماذا حدث لها؟!." "قالوا قويَ عليها داء السكر.. وقعت في الفراش. قطعوا يدها في البداية.. وبعد أيام قطعوا رجلها. ثم ماتت بقية أجزاء جسمها!."‏

ـ اللهم لا شماتة في الموت!. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله!.‏

بعد صلاة العشاء قصد منزل الشيخ خالد.. استقبله بحرارة. جلس أمامه. وجده متعكّر المزاج. لأول مرّة تفارق البشاشة ملامحه. دار الحديث في موضوعات شتى "وداد تبحث عمن يعرف عنوانك في دمشق. العلاقة بينها وبين أمها سيئة!." سأله الشيخ عن عمله "ادعُ لي يا سيدي أن يجنّبني الله الغواية. العمل مع النساء أقسى من عقوبة الأشغال الشاقة!" "وهل حفظت نفسك حتى الآن؟." "أنا أتلوّث كل يوم!. لم أقع في حدّ الكبيرة، ولكني أقبض على جمر!." "حسبي الله ونعم الوكيل!. اللهم متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا.. صحيح أنك تعمل يا بنّي. لكن طبيعة عملك غير ذات نفع عام. ليس لها مردود يعود بالنفع على المجموع، أرجو الله أن يجعل لك من ذلك مخرجاً في الحقوق، ويرزقك من حيث لا تحتسب.".‏

ـ وأنت يا سيدي. لماذا تبدو على غير عادتك؟...‏

ـ آه يا بني.. منذ خمسين سنة أعظ الناس، وكأني أصرخ في واد!..‏

ضحك:‏

ـ وهل اختلف الناس عن بعضهم؟.‏

ـ لا أدري! كل يوم تزداد المشكلات من حولنا.. الناس يلهثون حول المادة والزيف، ويتركون الروح خواء!.‏

ـ لعلها طبيعة العصر.‏

ـ شهدتُ نقلات متعدّدة في هذه الدنيا، لكني لم أشهد مثل ما يحدث هذه الأيام. ظننت أن نكسة حزيران ستؤثّر على الناس فيرتجعون إلى الله. لكنّ الله ـ سبحانه ـ ظلّ بعيداً عن حساباتهم.. لم أتوقّع أن يصل الأمر إلى هذا الحدّ في أم الكرز. تخلخلت القيم والمعايير وغلب الزيف، وانقسم الإنسان إلى اثنين أو أكثر. في نكبة فلسطين انهزمنا. كانت الجيوش العربية في بداياتها، وكانت الأسلحة فاسدة، لكننا في نكسة حزيران انهزمنا وعندنا جيوش نظامية وصواريخ وطائرات.. بعض عميان البصائر، اليوم يحوّلون الهزيمة إلى نصر... لم يستفيدوا شيئاً من دروس النكبة والنكسة.. تسمع عن موظّف يرتشي، ثم تراه يوم الجمعة في المسجد لاوياً عنقه، ولسانه يتمتم كأنه قطب، وآخر يتاجر بالمحرّمات، ويكتب فوق باب بنايته "هذا من فضل ربي". كثرت حالات الطلاق، وازداد الفسق والفجور. صار الشباب يجاهرون بالمعصية، والبناتُ يفاخرن بالثياب القصيرة.. المراهقون تشيع بينهم الفاحشة.. وبعض الرجال يبيعون الخمر في البيوت.. تنتشر دعاية في البلدة أنهم أيام العيد سيستوردون عاهرات. يقولون إن سبع دور ستتحّول كل واحدة منها إلى مبغى. في الماضي كان الذي يتعاطى الميسر يختبئ عن أعين الناس، واليوم يعقدون حلقات القمار على البيدر ـ والعياذ بالله!. ـ في وضح النهار. في بعض الأحيان يساورني الشكّ في نفسي، وأيأس من أبناء البلدة. منذ خمسين عاماً وأنا أعيد دروس كتاب الترغيب والترهيب. انظر ماذا كانت النتيجة!. بنات المدارس يكتبن الرسائل العاطفية، والفتيان كأنهم يدرسون على يديْ غيري كتابَ رجوع الشيخ إلى صباه... الشباب لا يعنيهم الدين، ولا تهمّهم من ثورات العالم سوى الخلاعة والثروة. جيل يبدو منخوراً، والعياذ بالله!.‏

ضحك ثانية:‏

ـ احمدْ ربك يا سيدي أنك تسكن في أم الكرز!. وسط هذه الطبيعة البكر..‏

ـ أم الكرز تلوّثت كغيرها.. في القديم كانوا يطلقون عليها "الأزهر الصغير" ويعجبون من أبناء الأسر الحلبية الذين يتوجّهون إلى الأزهر الكبير في مصر، ويتحملون عناء السفر، ولا يأتون إلى الأزهر الصغير في أم الكرز لتلقّي العلم.. كان القادم إليها من بعيد يطالع منارات المآذن، وقباب المساجد، واليوم لا يرى القادم إليها سوى هياكل المقاصف، وأماكن اللهو والمطاعم... ناهيك عما يحدث فيها من مجون وخلاعة!..‏

ثم حلّق في عالم أثيري، ما لبث إثر ذلك أن تجهّم، وعقد ما بين حاجبيه، وتمتم:‏

ـ ويل لأمة جيلها مبتور الجذور، وويل الويل لأمة تُسيّر مصالحها الرشاوى، والويل والثبور لأمة شرطتُها ومسؤولوها سباعٌ ضارية. يراهم المواطن فيرهبهم ويزدريهم في آنٍ!.‏

نظر إلى الأرض.. اعتمل في نفسه سؤال يحتاج إلى فتوى، لكنه خجل من طرحه. خيّمت لحظات صمت، رفع بعدها بصره إلى وجه الشيخ النوراني، فتذكّر أنه " لا حياء في الدين" عندئذ تشجّع، وسأله:‏

ـ سيدي. ما كفارة قبلة المرأة؟.‏

ابتسم الشيخ، وقال "لا حرج ـ إن شاء الله ـ يا بنيّ" ثم نهض من مجلسه، وأحضر مجلد "تحفة الأحوزي" وقلّب صفحاته، ثم توقّف عند واحدة وقال:‏

ـ اسمع ما ورد في هذه المسألة: "حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، أخبرنا يَحْيَى بن سَعيدٍ عن سُلَيْمانَ التّيْمِيّ عن أبي عُثمانَ عن ابنِ مَسْعُودٍ" أَنّ رَجُلاً أَصَابَ مِنَ امْرأَةٍ قُبْلَةَ حَرَامٍ، فأَتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنْ كَفّارَتَهَا، فَنَزَلَتْ الآية: (أقِمِ الصّلاَةِ طَرَفَيْ النّهّارِ وَزُلَفاً مِنَ الّليْلِ إن الحسناتِ يُذهبن السيئات( ، فقال الرّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ يَا رَسُولَ الله؟. فقال: "لَكَ وَلِمَنْ عَمِلَ بها مِنْ أُمّتِي".‏

انحنى يريد تقبيل يد الشيخ، لكنه جوبه بالرفض، فما كان منه إلاّ أن نهض، وطلب منه الدعاء. ثم وضع في يديه مبلغاً من المال، لإيفاء دينه، وإنفاق الباقي على مشروع المشفى الخيري في البلدة، ثم ناوله مبلغاً آخر لإنفاقه على والده، وبالبحث عن معيل جدّيّ يشرف عليه. "ثم سيدي. إذا وجدت لـه امرأةً مناسبة، تشاركه في شيخوخته.. فلك الأجر والثواب!." وقبل أن يهمّ بوداعه سمع الشيخ يسأله عن شريف فضحك مرّة أخرى، وسرد لـه جانباً من سيرته ونجاحه، وأعرب عن شكوكه: "تألّق في التجارة، وغدا مع زوجته نجماً من نجوم السهر في ليل العاصمة، لكن أشدّ ما أخشى منه هو شبكة علاقاته التي لا تعرف الحدود، والغريب أنه يعرف شخصاً يهودياً يتعامل بالفائدة!." عندئذٍ انتفض الشيخ خالد : كأنه أصيب بمسٍّ، وانطلقت من لسانه الاستعاذة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!."‏

ـ 4 ـ‏

عاد إلى دمشق يلاحقه طيف وداد "لماذا تسال عن عنواني؟!."‏

لم يكفّ الطيف عن ملاحقته إلاّ عندما غرّدت ليلى بطلعتها المشرقة:‏

ـ كيف وجدت الأهل والبلدة؟. ولماذا عدتَ بهذه السرعة؟!.‏

ـ لأني لم أطق البعد عنك.‏

قبّلته شاكرة، وقادته إلى الداخل.. أعلمته لو أنه دعاها لمرافقته لزيارة الأهل. فضحك وقال: "لن تستطيعي النوم بيني وبين دجاجات أبي!." فضحكت ونهضت تفتح الخزانة، فتعبق في الغرفة رائحة الندّ والصندل. ثم تمضي لتعدّ القهوة، وما إن تعود حتى تجلس ترمقه، وينبجس هاجسها المؤرّق:‏

ـ نبيل متى نتزوج؟‏

ـ أغيب وأعود، وليس في فمك سوى هذه المعزوفة؟.‏

ـ وهل في الوجود شيء تنشده المرأة غير السكينة والاستقرار؟. نبيل أنا أتلهّف إليك لتمنحني الأمان والدفء والحنان؟.‏

ـ الزواج تغيير شامل، وأنا غير مستعدّ لـه الآن، ومع ذلك اطمئني سنتزوّج.‏

ورقصت جوانحها:‏

ـ متى؟.‏

ـ قبل العيد.. أيامٌ معدودات. استعدّي. جهّزي نفسك!.‏

اقتربت منه بشفتين مرتعشتين. ماج العطر برأسه، فأغمض عينيه مسترخياً على الأريكة.. أحس بأنفاسها تلفحه.. خاف. ارتعش. وضع يديه على فمها "ليلى. ماذا تفعلين؟!.. قلت لكِ سنتزوج، ولكن ليس الآن. انتبهي.." تراجعت" "متى؟!." ."أيامٌ معدودات.. ليلى.. مطلّقك اعترض طريقي عند الدخول. وهدّدني!..‏

ـ لا تهتمّ بديوث!. دعني أنم على صدرك حتى الصباح!.‏

ـ ولكني عائد من السفر..‏

ـ ماذا تعني..‏

ـ جائع!. أريد طعاماً..‏

ـ حسناً... وأراك بحاجة إلى حّمام..‏

ـ أحضرتُ طعاماً جاهزاً. هيا افرشيه..‏

أعدّت المائدة. أكلا.. شربا القهوة.‏

ـ والآن هيا إلى الحمام.. سأغسلك بيدي.‏

ـ مستحيل!.‏

مدّت يديها تفكّ أزرار قميصه فمنعها. أصرّت فقاوم. رنّ جرس الباب. دخلت روعة:‏

ـ ما بكما تلهثان؟.‏

حكت لها الحكاية. تضاحكت روعة "لابدّ من الحمّام بعد السفر. هيا نتعاون على إزاحة ثيابه عنه (بالعافية) حسب تعبير إخوتنا المصريين.."‏

اتخذ سمة الجدّ، وقف كجنديّ يدافع عن حصنه الأخير...‏

ـ اسمعا جيداً!. لم أعد أحتمل هذه الألعاب الصبيانية.. أرجو أن تعقلا، وتفكّرا باتّزان.. أما سئمتما من لعبة القط والفأر؟!. روعة عزيزتي. وأنت ليلى روحي.. انسيا مرّة واحدة شهوة الجسد، وتصرفا بحكمة العقل.. ونبيل ليس ككل ذكرٍ تنيخه رغبة الأنثى. نبيل ليس قصبة سكّر تقشرانها وتمتصان حلاوتها!. اجلسا لأذكر لكما حادثة طريفة..‏

همدت الرغبة في جسديهما.. وتلهفتا للسماع.‏

ـ يوم الثلاثاء. جاءتني سيدة لتزيين شعرها، وقد أغرقت وجهها بالدهون والأصباغ. دار الحديث حول المشاعر العاطفية وقراءة الأفكار، فأعلنتُ لها أن للعيون لغةً تعبّر عن حالة المرأة، كما أن للشفاه لغةً أيضاً قد تكون أقوى من لغة العيون، ولمّا شرحتُ لها طريقة استنطاق الشفاه، وأن وسيلتها القبلة. طلبت إليّ أن أقرأ لها مشاعرها، فأحلتها إلى زوجها، عندئذ أخبرتني أن ضرّتها الجديدة قد حرمتها من الزوج. فرجتني أن أقبّلها، ولمّا اعتذرتُ، أخرجتْ قطعةً نقدية بمائة دولار. وقالت اقرأ مشاعري، وهي لكَ، فما كان منّي أن قلت لها: أنا لست فّتاح فال..‏

تضاحكتا. طلبت روعة فنجان قهوة، واغتنمت خروج صديقتها:‏

ـ هل القصة صحيحة؟.‏

ـ مائة بالمائة.‏

وفجأة هجمت عليه. قبّلته بعنف قبلةً طويلة، وحين تخلّص منها.. تضاحكت بخبث. وقالت "قبّلتني بالمجان!." فصفّقت ليلى وهي تقف بالباب، وأعلنت أنه لا يوجد لديها بنٌ...‏

امتعض نبيل. نهض خارجاً. صفق الباب خلفه، ظنّتا أنه ذهب ليحضر البنّ. انتظرتا.. اعترى ليلى شحوب حزين وهتفت ملتاعةً: "لن يعود نبيل الليلة!!". "وأجهشت بالبكاء، فأمسكت روعة بالهاتف، وأعلمت أمها أنها ستنام عند ليلى.‏

أرقت ليلى طويلاً.. لقد وعدها بالزواج قُبَيل العيد، ونبيل شهم لا يكذب. إذا وعد وفى.. فهل يتبدّد حلمها الذهبي برعونة روعة؟!. آه لو أنها تعرف أين هو الآن!!.‏

ـ 5 ـ‏

نهضت روعة باكراً، وأيقظت ليلى.. سألتها عما إذا عاد نبيل، فاعتصمت بالصمت، وخيّم الوجوم!...‏

ـ ليلى.. اليوم موعدنا مع السيدة ولورا؟..‏

ـ لكن الإنسان الذي سيلمّ جمعنا غائب!.. أنا متشائمة.. يجب أن يعود إلينا.. هذه أسوأ ليلة تمرّ بي في حياتي.. روعة لقد أخطأتِ. كان حصارك لـه في غير محلّه. أنتِ فشلت معه على السرير. والقبلة منه لا تغتصب اغتصاباً. تُرى. أين قضى بقية الليل، وقد عاد متعباً من سفره؟!.‏

ـ لا تضخّمي الموضوع.. سنعيده.. هيا نلبس ثيابنا، ونخرج.‏

ـ إلى أين؟.‏

ـ إلى "نبيل وليلى".‏

خرجتا معاً. دخلتا المحلّ. وجدتاه يرشف القهوة وحيداً. نهض مرحّباً بهما، وكأن شيئاً لم يحدث. ذهب يعدّ القهوة.. قدّمها إليهما كنادل محترف.. أُعجبتا بتسامحه وتهذيبه...‏

ـ أنا آسف. خرجت من دون إذن. أعلم أنني سبّبت لكما إحراجاً.. ولكنني تضايقت [ثم نظر إلى روعة بثقة وأردف] كنتُ قبل أن أدخل عالم النساء مصمّماً على أن أظلّ إنساناً نقياً طاهراً. لن تمسّ يدي أنثى بعد أمي إلاّ الأنثى التي ستكون شريكة حياتي وفي ساعة الزفاف.. ولكنني أعترف. اعترف لكما أنني تلوّثت.. سقطت.. وسقوطي غير مبّرر... ليلى. روعة.. صدّقاني بأنني لم أسعَ إلى أنثى في حياتي، وسقطاتي كانت اغتصاباً من الأنثى.. سأفضي إليكما بسرّ.. السيدة التي سننطلق معها اليوم في نزهة إلى شلالات تل شهاب.. أغرتني. أثارتني.. طلبت مني أن أنام معها مرة. ليس بمائة دولار. هل تتصوران ما الثمن.. كم تقدّرين روعة؟. وأنتِ ليلى؟. حدّدا رقماً مالياً كبيراً.. الثمن يا عزيزتّي هو وزني ذهباً.. نعم وزني ذهب.. ومع ذلك رفضت أن أبيع شبابي. رفضت أن أساوم على مبادئي مع أنني كنت بأمس الحاجة للقرش الواحد... روعة يجب أن تضعي في خلدك أنْ ليس كل الطيور يؤكل لحمها. ليلى... على الإنسان أن يكون صاحب موقف ومبدأ.‏

ارتاحت ليلى كثيراً "أين نمت؟. ""احزرا" "هنا في المحل" "لا" "في الفندق" "أيّ فندق؟". احزرا.. نمت بين السيدة ولورا".. بدت الدهشة عليهما.. انقذهما مما فيه دخول بسمة.‏

..جلست. أعدّ لها القهوة.. رشفتها بهدوء. شكرته. ثم ما لبثت أن نهضت مستأذنة.‏

ـ ما قصة هذه المهندسة؟.‏

ـ آخر المعجبات.. تأتي بين حين وآخر للسلام ورشف القهوة... والآن.؟ هيا انهضا، وتوجّها إلى فندق أمية. السيدتان بانتظاركما، وسألحق بكما الساعة الثانية. وريثما أعدّ مستلزمات النزهة. سأجهّز كل شيء... لننطلق من هناك...‏

ـ 6 ـ‏

في صالة الاستقبال، تمّ العناق، وارتفع صوت القُبل..‏

اغتنمت لورا فرصة غياب نبيل فأثقلت الطاولة بالمشروبات الروحية... شربن.. تبادلن الأحاديث الخفيفة. تمازحن. حكَين نكات مضحكة وجنسية.. وحدها كانت ليلى تشاركهن، لكنّ عقلها وعينيها كانتا تتركّزان حول السيدة التي سبقتها في محاولة اقتناص نبيل، وإغرائه بوزنه ذهباً! ... تأمّلتها ملياً.. إنها سليلة أسرة الشهابيين الملكية التي حكمت لبنان عشرات السنين، وحرصها للحصول على نبيل في محلّه. ونظرتها صائبة.. "أنا لو كنت مكانها لما فكّرت بغير ذلك.. نبيل لا يساوي الذهب فحسب، وإنما المال والروح أيضاً..! وأنا نفسي عرضت عليه المال في وقت أزمته المالية، فاعتذر بكل إباء وترفّع؟!.. هذا الشاب الفقير المشرّد المقطوع من شجرة نبيلٌ بكل معنى الكلمة!.. عندما منحه والداه هذا الاسم كأن الله قد كشف عن بصيرتيهما الحجاب، فاكتشفا نبله منذ ولادته. ولو أنه لمُ يمنح هذا الاسم لما اخترت لـه غيره.. أليس نبيلاً أن يرفض الفقير الذهب حفاظاً على مبادئه؟!..."‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244