|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
وانطلق الركب في سيارتين.. وقفوا أمام الشلالات فوق مرجٍ أحضر نديّ. ماء سلسبيل يتدفّق عازفاً حكايات مئات السنين. ليس بوسع المرء أن يلمّ نثاره الأزلي، ولا يملك إلاّ أن يستسلم لجماله الإلهي. انتعشوا بالنسمات الندية، واستمتعوا بالموسيقا الصاخبة المنبعثة كجوقة كورال، بل الألحان أعذب وأحلى!. نظروا إلى السماء الصافية الزرقاء فانتشوا برؤية أسراب طيور صغيرة، تغرّد بتناغم لا أروع منه ولا أمتع، وتقوم بحركات استعراضية، وتشكيلات فطرية رائعة، فسَرت في جوانحهم نشوة الحلم، وتمنّت السيدة لو تظلّ في هذا المكان، بعيداً عن أجواء المدن الصاخبة... دار المكان بالرؤوس... إلهي "خلقت الجمال لنا فتنة وقلت يا عبادي اتقون!. وأنت جميلٌ تحبّ الجمالَ فكيف عبادك لا يعشقون؟!." ... غفرانك ربي!. هاهي الأنثى والخضرة والماء والجمال... كل شيء هنا يعود إلى طبيعته. يتسربل بعفويته المطلقة. يغدو حراً طليقاً كما الطيور في سمائها. نظر فيما حوله، راعه أن يكون ـ هو ـ راعي هذا القطيع من النسوة، فضحك في سره، وركّز نظراته على أنثى ترفّ ابتسامتها، وتبرق غمازتاها، ويتطاير شعرها، ليصنع أجنحة لازوردية تطير بها، وتحلّق في سماء صيفية كما تحلّق الحمائم. تألّقت ليلى. أضفت على الرحلة كثيراً من روحها ودماثتها، فأبدت السيدة ولورا إعجابهما بها وبجمال الطبيعة، والهدوء الشامل الذي يسمح للشلال بالصخب اللذيذ.. وظهر الارتياح على نبيل/ ذكَرِ النحل الوحيد في مملكة الإناث. أعادته الأجواء المخضلّة إلى طبيعة أم الكرز. وألحت عليه المخيّلة باستدعاء صورة وداد، لكنه سرعان ما استبعدها. ساورته مشاعر متباينة. لكنه سعيد. سعيد. وقد بات لزاماً عليه أن يسمح لمبادئه بالتخلخل، وكما قالت فتنة: "نحن في الآن في الشام" فأجواء المدينة، ومعاشرة النساء تفرض عليه أن ينسلخ عن جلده، ويلبس لبوس الحالة والموقف والبيئة، لأن التعامل مع بنات البلد يتطلّب منه أن يكون بنتاً وشاباً ودونجواناً، وعاشقاً ومحدّثاً من الطراز الأول. سأل السيدة عن أحوال بيروت، فردّت مبتسمةً بأنها تبشر بالخير، وقد هدأت لغة الرصاص، وهناك مؤشرات على فورةٍ تجارية راهنة لم تشهد لها البلد مثيلاً منذ أمدٍ طويل، ففرح لعودة الحياة إلى المدينة، وتمنى أن يعود إليها شأنها كأشهر مدن الشرق، تعمل على تحويل طابعها (الخدمي) الاقتصادي إلى فلسفة متميّزة، تعيد فيها دوره كوسيط تجاري وثقافي للشرق العربي، وقد أخبرته السيدة أنها يمكن أن تعود مع لورا الأسبوع القادم. وضعت ليلى شريطاً غنائياً في آلة التسجيل، وجعلت الجميع يصفّقون بحرارة ويردّدون على ألحان الرحابنة، وصوت فيروز: قالوا لي كنْ وأنا رايح جنْ أحبابي يما يايما نار بروس الجبالِ أشارت لورا إلى ليلى أن توقف آلة التسجيل، ثم أطلقت حنجرتها بالغناء مدّت أشرعةً بيضاء أمام الأنظار بلون المحبة لكنها ممسوحة بالحزن. طافت بعيداً مع الحبّ واللوعة والفراق.. وعرّجت على بيروت، والجنوب وحاصبيا وطرابلس وانطلياس وجارة الوادي، وترنّمت بالأرز والروشة والسهل والبحر والشاطئ والميناء... كابرت من ألم الغربة. غنّت للسلام والمحبة والأديان والقدس مالت على بتول وهي تغني "يا جارحة قلبي".... أيّ عذوبة تنبعث من أعماق النفس الإنسانية، وأيّ صوت مبحوح مفعم بالعاطفة والشوق والحنين، يلعب بالرأس، ويثير المشاعر؟!. يا مينا الحبايب يا بيروت. مالت عليه. أشاح بوجهه متجنّباً وقع نظراتها الحزينة، مدّ يده إلى العشب يعبث به من دون وعي. غاب لحظات يستعيد ساعات معها في بيروت. نقلته بصوتها المخملي إلى عالم الرحابنة... غنّت بصوت فيروز، الذي لا يستطيع أحد أن يجد تفسيراً لـه، والذي ربط العالم بآهة الطرب العذب، فكان غزواً ثقافياً جميلاً، يسبق الزمن، ويحمل البعد الفلسفي للهوية اللبنانية التي تغني الأحلام، وترقص على الثلج وحدائق الورد. انتهت من الغناء. صفّقوا لها بحرارة... شدّت بتول إلى الحلبة فنهضت بـ "بنطالها" الضّيق الذي يعيق جلستها ويكاد يتمزّق عند العجيزة، فرقصت على نغم شعبي: الشب الأسمر جنّني مدّت ليلى سماط الطعام.. تعاونوا على صفّ الأطباق.. أكلوا.. شربوا القهوة. نظفوا البساط الأخضر. ثم امتدّت يد ليلى إلى آلة التسجيل بشريط جديد، فانبعثت موسيقا راقصة شرقية... نهضت إلى وسط الحلبة، وقد غمرها شعور بأن هذه حفلة زفافها، فغمزت روعة، وسرعان ما ربطت شالاً على وسطها، وابتدأت الرقص... تموّج شعرها الحريري. رسم هالةً رائعة حول رأسها... تنفس نبيل بعمق. رمقها بعينين ملؤهما الدهشة. "تباركت يا رب!.. ما هذه الفتنة؟!". استخفها الطرب. رشقت شعرها في الهواء شامخة برأسها كشجرة نخيل... طارت.. حلّقت في سماوات لازوردية. استقام جسدها برشاقة. تلوّى بليونة كلهيبٍ ناري. ضربت الأرض المعشبة بحذائها / أنتِ أمنا/ تردّدت أصداء الصبا والشباب.. ثنت ركبتها. دارت حول نفسها. أنَّ العشب تحت قدمها. نزّ ماءً. انحنت إلى الأسفل. بدت كأنها ستسقط في حضنه... ارتفعت. انتصبت شامخة. هزّت ردفيها وعادت تدور لولباً راقصاً من لحم ودم... تألّقت جسداً وروحاً... تثّنت بأناقة أنثى حالمة بنعومة ورهافة وانسياب... صهل الرجل الكامن في أعماقه مهتاجاً. رمى بصره بعيداً في المدى الواسع. كبح جماحه.. استغرق الرقصُ روحَه. غمره بشفافية ضبابية.. نظر إليها. رقصٌ تعبيري ينمّ عن احتفاء الجسد بثرائه الأنثوي الباذخ، فيتوهّج عبر لغةٍ حميمية متأجّجة تجعل الناظر إليه يحبس الأنفاس، ويتقلّب على جمر الشهوة. احمرّت عيناه. ارتعشت شفتاه. شيء في داخله يمور. يدفعه للانقضاض عليها... يتصاعد الأوار.. طوّحت ساقها في الهواء. أضاء الفخذُ الفاتنُ حنايا رجولته فأسكره. طوّحت الساق الثانية. ارتعش.... عطس.. أغمض عينيه... لم يكن يتصوّر أن تكون ليلى بمثل هذه البراعة. تنطلق بخفة ورشاقةٍ وسط الحلبة تتلوى لينةً بمرونة مذهلة. تنثني كراقصة باليه حتى لتكاد تُطوى، وترتجف كغجرية حتى يخال أنها ستطير.. يا لتناسق الجسد البديع!... ترقص والموسيقا تصدح مجنونة.. ترقص. تدور. تنحني. تتمايل.. تستقيم. تصنع شلالاً ملوّناً بشعرها. يعطس. تهزّ وركيها. تدور. تقترب منه. تنحني. ترمي شعرها عليه. تنهض يتلوّى جسدها بحركات مَوجيّةٍ. تدور حول نفسها. تنتصب منتفضةً. تدور. تدور. يدور معها الكون.. "تباركت ربٍّ!. ما أروع تكوين الجسد الأنثوي!." تدور على مقربةٍ منه على قدم واحدة. العرق ينبثق غزيراً من مساماتها... استغرقها الرقص. تثنّت ببراعة أذهلت الجميع.. كل جزء من جسدها يتوهّج. يؤدّي دوره في الحركة. تتثّنى "يا تثّني الريحان!.." "سكر الندى بها وجنّ الخمرُ وانسفح الملابُ، فتلفّت الملهى وخاف على طهارته الترابُ، رقصت ورشَ الطيبُ في الخطوات والألقُ المذابُ وتدور تخطئها العيون الراصدات فما تصابُ، وتقصّفت جسداً تكاد عليه تحترق الثيابُ، شفّت غلائله وكيف يُحْجِبُ الشفقَ الضبابُ؟!" تتدفق فتنةَ. تقطر جمالاً وفناً وغوايةً. تملّى من لدانتها. خالها ترتعش.. ترتعد.. ترقص على حافة الهاوية!. تبتعد عنه. تندفع نحوه بعنف. تتراجع. تقترب. تكرّ. تفرّ. تُقبل. تدبر. تدنو كأملود غصنٍ شفّه الوجد من فمِ. تلفحه بعطر شعرها. ترفع يدها إلى شعرها. ترّقصها في الهواء تضمّ قدميها. تتثنّى. ترفع ساقها. تدور على رجل واحدة. يُصدر العشب هسيساً متوجّعاً. ترسم هالات دائرية في الهواء. ترفع ساعديها بضراعة. تميل برأسها إلى الخلف. تنتفض فينهار شلال الشعر من جديد حول الوجه، ويصنع قناعاً يغار منه العنق، فيثور النهدان ويطالبان بالانطلاق. كأن ما يحدث.. يحدث في الحلم... عرك عينيه. رمقها بنظراته المسحورة من جديد. وجدها ترتعش. ترتعد مفاصلها. تهتزّ كلها من قمة رأسها إلى أخمصي قدميها. تترنّح قربه. تمدّ يديها. تلفهما حول عنقه.. تغيم نظراته. يغيب لحظات عن الوجود... يفتح عينه. الموسيقا المجنونة تصكّ سمعه. وحركات ليلى الرشيقة تسدّ عليه منافذ وعيه. يركّز نظره عليها. تخلع حذاءها. ترقص حافية القدمين بحيوية مطلقة. القدمان كأنهما تتحلّلان من جاذبية الأرض. ترتفع. تهبط. تدور. تحلّق. يسري سحرها إليه. يتخدّر. ينتقل إلى عالمها الداخلي. يتخيّل عرساً صاخباً داخل أضلاع صدرها. تتثّنى كراقصة قادمة من أعماق التاريخ. يتمايل الجسد الفوّار... تميل عليه. تلفحه بشعرها. يغمض عينيه. يحبس أنفاسه. يتملّكه شعور بالخوف "أهذه أنثى ترقص أم روح هائمة تغازل الحياة؟!" مدّت إليه يداً ليّنة ثم تراجعت. انتفضت مع الإيقاع الموسيقي الصاخب. دارت حول نفسها عشرات المرّات. صنع ثوبها الفضفاض مظلّة واسعة... لم يعد يتمالك نفسه، أمسك بجهاز التسجيل. أوقفه بعصبية. هدأ كل شيء... سكن الفحيح الموّار.. توقفت الأرض عن الارتجاج. كفّ العشب عن الهسيس. انتقلت الطبول إلى داخل الرأس. زاغت العينان. ارتمت الراقصة على الأرض هامدة!... تعالت أنفاسها كصفير ريح مجنونة.. هجم عليها. أخذها في حضنه. ناداها. عبّر لها عن شكره. لم يخالجه أدنى شك بأن الرقص كان من أجله. "ليلى... ليلى" تأوّهت بين يديه كتلةً ساخنة من اللدانة الأنثوية. استطابت هذه الاستراحة بعد هذا الفحيح الطويل..." ليلى. ليلى!." داعبت روعة وجنتيها... انتعشت قليلاً. عاودها الصحو. نهضت من حضنه. أفلتت الشال المربوط على خصرها.. وقد تحلّقت النسوة حولها، وغمرن وجهها بالقُبل. آخر الليل حين سكن كل شيء. سعت إليه. أرسلت أريجاً مسكراً من شعرها.. اعتدلت. انتصبت أمامه كتمثال نادر "نبيل. كنتَ رائعاً اليوم!" "أنتِ الرائعة!" "بل أنتَ. أنتَ الذي أغريتني بالرقص. كنت أحسّ أن كل حركة أقوم بها إنما كانت بإيحاء منك.. نبيل. ما بك صامتاً؟. هل أنت نائم؟" "وهل ينام الجائع. والطعام الدسم إلى جانبه؟." "ولكنه يخشى أن يمدّ يده إليه!" أدار لها ظهره..." نبيل سأطعمك وأسقيك. أنظر إليَّ". كل ما تطلبه من الحياة هو الوصول إليه... ماذا تريد أكثر من شابٌ وسيم؟. ماذا تريد أكثر من عاشق عذري لم يعرف جسد الأنثى قبلها، ولم يفلح الذهب في إغرائه.. تقترب منه، تداوره. تحاول أن تفجّر التوق في شرايينه فيتراخى!. تشعر أنها أمام مريض يحتاج إلى منعش، يفيض في عينيها هوى باكٍ، تمتزج فيه الكبرياء الجريح بذلّ الحبّ.. فتتركه مكرهة على أمل اقتراب العيد. ـ ليلى... ورنت إليه بعينين متوهّجتين.. طالع في وجهها المشرق جميع رغبات التوق الأنثوي. انتابته رعشة ساحقة. "اشتعلت الرغبة والتهبت. فكيف تطفئها يا نبيل؟!." .. نهض إليها. حملها بين ذراعيه. سار بها إلى سريرها. "الشجرة دانية الأغصان. ناضجة الثمر. فهل أتجرأ وأقطف ثمرة محرمة؟!.. إني فتى كالبرتقالة شاحب، والبرتقالة لا تخافْ، لكنما يصفّر وجه البرتقالةِ كلما قرب القطافْ!. مدّدها على السرير، ثم ابتعد خطوتين، وأرسل بصره كفنان يتلذّذ بمنظر أنموذجه الفني، وشرع يتملّى من هذا النبع الذي يفيض جمالاً، والمترع أنوثةً. يتملّى من الجسد، يتذوق مغاني الروح التي تشع منه، فيحسّ لها نكهات علوية يسبح معها في عالم شفاف من النشوة.. ينظر بإمعان إلى الشفة فينأى بنفسه عن أن يدنسها بقبلة أو يمتصها كقطعة حلوى، وينتقل إلى الساعد، فيترفّع عن أن تعتصره أصابعه كثمرة الدراق.. ينبثق في داخله طفل بريء ساذج يرى أمام ناظريه ناراً متأججة، فيبعد أصابعه عنها خوف الاحتراق... يتمنّى ألاّ تُزاح عن الجسد غلالاته لئلا تُنتهك تلك الحلاوات والفتون الباعثة في النفس آلاف الصور العذرية العذبة. وهي في استلقائها السحري جميلة كما هي في حالات وقوفها واستسلامها للعناق... نظر إلى وجهها فسمع همس الغمازة السكرى، وهي تفضح السرّ الذي يخفيه الثغر، ويكاد يقرأ حكايته على وميض البسمة الساحرة التي غمرت وجهها الحالم فآثر أن يطرد شيطان الغواية، وألاِّ يُخدش طهر الأنوثة بعاطفة جائعة يمسّها تيهٌ من الاندفاع فلا تعرف أين تنحدّ. وهل يبيح الفنان لشهقات الغلمة أن تكسر التمثال الذي يوشّي عالمه بالإبداع؟. تباركت يا إله الجمال والجلال!!.. هاهي الحواس كلها تتوهّج... ثمة شعورٌ مبهمٌ لا يمكن دائماً رصده. الرهبة الممتزجة بالضعف الإنساني أمام جسدٍ يملأ العينَ كمالُه وتشكيله، تكوينه في أحسن صورة، وأبهى تضاريس، في تلاوينه وعطائه!... يخيّل إليه أنه يتأمل جسد أميرة من فاتنات التاريخ، لم يُنِقض الزمن من روعتها شيئاً. بل أصبح لا يتخيّل سمير أميس إلاّ على صورة هذه الأميرة العصرية الفاتنة، الشامخة من دون أن تدري. سبحانك ربي!. تتناهى لوحة حواء في كيانه، ويتسامى الجمال الأزلي الخالد، يضجّ في عينيه بألوان الصور. حواء القدم لم تنزل من ملكوتها، ولم تتزلزل في عليائها، ولا عكّر شفافيتها التفاح والزمن. براءة شفافة كالأحلام. فكيف يتأتّى للشهوة أن تدنّسها بالإثم؟!. كيف تتجرأ العين فتجعلها موضوعاً للجنس؟!. بل كيف يجترئ المخلوق على إباحة مقدّس الخالق؟!. لوحة إلهية.. لو خُيّر بين اللوحة وصاحبتها لآثر اللوحة. إنها هي ما يجمع الكيان والروح، ويخلّد الصبا والصبابة والفن، وهي أعظم من أن تدنّسها شهوة، وأكبر من أن يقيّدها مكان أو زمان، وأجدر أن تظلّ نشيداً يتردّد، وحلماً يراود الجفون ولا يتحقّق، ليعلّم الناس معنى الفنّ والسموّ والبراءة. انحنى فوقها، وأخذ يربّت على كتفها ويهدهدها، حتى نامت على هدهداته كطفل صغير!. غطاها بأناة.. وضع عليها وشاحاً شفافاً أضفى عليها مزيداً من الخفر والحلم.. ـ 7 ـ في بداية العمل الصباحي، دخلت فتاة في المرحلة الثانوية ترتدي لباس الفتوّة. جلست على الكرسي، وقد افترش شعرها على مجمل ظهرها... تملّى من الأنوثة المبكرة التي تصرخ في مسام الوجه والعنق المترف، ونزل ببصره مرغماً نحو النهد النافر "تبارك الخلاّق!." طلبت إليه أن يقصّ شعرها، فانتفض معتذراً... ورجاها أن تنزل عن الكرسي، فنزلت ممتعضةً، وغادرت المحلّ تجرّ أذيال الخيبة!..... جلست امرأة ـ قدمت للتوّ ـ على الكرسي، أخذّ يسرّح لها شعرها... فلمح طالبة الفتوة تعود منكسرة النفس. أشار إليها بالجلوس على المقعد الجانبي، فلما انتهى، أعدّ القهوة، وجلس إلى جانبها. وأخذ يرشف السائل الدافئ معها.. ـ لماذا لم تقصّ لي شعري؟!. ـ يا آنسة حرام عليكِ. الشعر نعمةٌ من نعم الله.... وقد حباك الله هذه النعمة، فكيف تشوهينها؟!.. ـ ولكني أحبّ أن أظهر قصيرة الشعر. ـ لماذا؟ هل الشعر القصير أجمل من الطويل؟... ـ ربما... "موضة". ـ أبداً يا آنسة. اسمعي رأي شابّ في جمال الأنثى... عندما تكونين مع عددٍ من زميلاتك خارجة من المدرسة، وهناك في الجهة المقابلة شابّ قادم من بعيد ينظر إليكن، فماذا يلفت نظره؟. لن تلفت نظره ذات العينين الجميلتين، أو الوجه النضير، وإنما تستأثر بنظره ذات الشعر الطويل... ثم هناك إجماع على أن تقصير الشعر ينمّ عن نقصٍ في الأنوثة، وأنتِ. سبحان الخلاّق!. ألم تقرئي ـ وأنت طالبة في الثانوية ـ قول عمر أبو ريشة، في جارة رحلته الأندلسية في الطائرة، التي لم تلفت نظره إلاّ بشلال شعرها: وحيالي غادة تلعب في شعرها المائج غنجاً ودلالا ثم ألم تترّنمي مع بنات الجيل وشبابه بأبيات نزار المغنّاة: ماذا أقول لـه إذ جاء يسألني إن كنت أكرهه أو كنت أهواه ماذا أقول إذا راحت أصابعه تلملم الليل عن شعري وترعاه ألم تتأثّري بالأغاني التي تتغزّل بصاحبة الشعر الحرير الذي يهفهف على الخدين، أو بتلك الفاتنة التي أبحر معها الشاعر عبر فنجان قهوتها المقلوب مع الشعر الغجري المسافر نحو الأعمق؟!.. الأنثى ـ يا عزيزتي ـ تعبّر بتشكيل شعرها عما في داخلها من مشاعر الحبّ والفرح والترف والطيش والحزن أكثر مما تعبّر عنه بالعيون والكلمات. شَعرُ الأنثى عندما يهفهف على خديها، ويطير على كتفيها يمنحها جمال الحلم وشفافية الطيف. هو رمز الأنوثة الجميلة التي تجذبنا إليها. يا آنسة.. ثقي أنني لا أجرؤ على مسّ هذا الشعر الجميل وندبِ خصلاته الحريرية التي تترعرع وتتهدّل على كتفيك... أما سهرتِ طويلاً على رعايته، وتفنّنتِ في تسريحه أمام المرآة؟. أما غنّت أمك الأغنيات الجميلة لضفائرك الذهبية وداعبتها بلمساتها الساحرة أيام الطفولة؟. ضفائرك التي خبأت أمك فيها حكايات الطفولة نمت وتطاولت وازدادت جمالاً. غدت اليوم أرجوحةً للحب وشراعاً للهوى.. فكيف تحكمين عليها بالزوال؟!. ابتسمت وأبدت إعجابها بحديثه الطلي وثقافته. كلماته مسكونة بالحلم والدفء والمتعة. تغلغلت عيناها في وسامته. انتشلها سؤاله: ـ من أدخل في عقلك مسألةَ قصّ الشعر وتقصيره؟. شعرت أنها مدفوعة للاعتراف: ـ بصراحة.. صديقي... قال إنه يحبّ أن يرى شعري بشكل صبياني. ـ هل تقبلين برأيي؟. نظرت إليه وقد ملك عليها مشاعرها.... ـ أتمنّى يا آنسة أن يكون لصديقتي شعر طويل بطول شجرة الحور، حتى أتوارى خلفه. احذري من صديقك هذا لأني أخشى أن يكون منحرفاً. ثم سحبها إلى الكرسي، وسرّح لها شعرها وهو يُسمعها الأشعار التي تتغزل بالمرأة وجمال شعرها، وعندما انتهى من تسريح الشلال وتلوينه، اعتذر عن تناول الأجر، فشكرته وخرجت سكرى من حلم لذيذ!. * * * * * في الليل تاقت بتول للسهر مع نبيل، فسعت إلى أختها، وأعلنت لها عن رغبتها، فاتصلت بليلى ودعتهما للسهرة. احتجّ نبيل بأنه متعب... لكن إلحاح روعة أرغمه على الانصياع.. فنهضت ليلى وغابت ساعةً في غرفتها، ثم عادت بأبهى زينة تحمل حقيبة يدها. نظر إليها.. وقف أمامها مبهوراً، وهو يرى هذه الكتلة الأنثوية الجميلة المتفجّرة ذهباً وجواهر، فأصدر صفيراً مسموعاً، وذُهل عن العالم، مما جعلها تتيه أمام إعجابه. لكنه بعد أن استعاد وعيه، أشار إليها أن تعود وتغيّر ثوبها القصير جداً لأنه صبياني، عندئذٍ شعرت بالانزعاج، وكمد البريق في عينيها، ووجدت نفسها ترضخ لرغبته مكرهةً، وتعود لتبديله بثوب طويل، لكنها فجأة أحست بشعور بالرضا ينتابها.. تطالع صورتها في المرآة، فتعزف في نفسها ألحان الفرح، وتعود إليه بألق جديد، وتهمس: "أهكذا يرضيك؟!. "فيهمس "يا إله الجمال والجلال!." ثم تناول الشال ووضعه على شعرها، وهتف مذهولاً: "هكذا أريدك أن تتربعي على عرش قلبي!." عندئذ خرجت معه أميرة من أميرات الأحلام مخدرةً، كأنه يقودها إلى عليين!. في الطريق لاحظت صمته، فقالت ليلى: "أفهم سبب احتجاجك على السهر... لقد أخطأت روعة!." ضحك: "لكن الشيء الذي يحيّرني أنكِ ـ أنتِ ـ لم تستفيدي من درس زوجك السابق.. ليلى. أنتِ قلتِ إنه هو الذي ابتدأ بالخيانة. صحيح؟" "صحيح" إذن. ماذا كانت النتيجة؟." "الطلاق". "حسناً إذن يمكن القول إن كل علاقة تقوم على الخيانة تنتهي بالطلاق. جميل هذا المنطق. أنا وعدتكِ أمس بالزواج.. وهذا يعني أننا خطيبان.. لو فرضنا أنني أنا الخطيب ومشروع الزوج دخلتُ غرفتك، ورأيتكِ تقبّلين صديقي. تُرى. كيف ستتصوّرين موقفي؟... ليلى. تكلّمي بصراحة... كيف يمكن أن يكون الموقف؟!.. أعتقد أنك لا تقرّين بالخيانة، وأنا لم أبادر بها، فكيف صمتِ، وصفّقتِ جذلى لروعة التي مصّت شفتي بشبق وكأنها تمصّ قطعة حلوى تدمن عليها؟... كان الأجدر أن تندّ عنكِ شهقة استغراب تهرب من حنجرتك، وتعبّرين عن عاطفةٍ تنغل في أعماقك؟!.. ليلى. أليس في قلبك غيرة؟. وهل هذا هو الموقف الذي سنعامل بعضنا على أساسه؟. إذا تزوجتك، ودخلتِ. ورأيتِ روعة أو غيرها في حضني، هل ستصفّقين وترقصين؟!. هل صفقتِ لزوجكِ من قبل؟!.. أما أنا إذا دخلتُ ورأيتُ زوجتي في أحضان رجل، فأعتقد أنني لن أكون كمسخٍ أوربي، وإنما قد أرتكب جريمة. أو أقتل نفسي!." قالت ليلى وهما يدخلان: "محاضرتك جليلة.. أعدك أن أجعل منها منهج حياة.".. رحّبت بهما روعة، وشدّت بتول على يده (فاستعاذ بالله من الشيطان الرجيم) جلستا وهما تتعمدّان إظهار مفاتنهما.. شعر بالكآبة.. سأل "أين سمر؟. أين أمك؟" "سمر. نامت" "أيقظيها. كيف تنام من دون حكاية؟!.." "سأخبر أمي بوجودك".. جاءت أم روعة.. اتجهت السهرة منحى آخر.. لكن الأم ما لبثت أن انسحبت معتذرة.. سُمعت جلبة.. جاءت سمر زوبعةً.. قفزت إلى حضنه كأنها وجدت كنزاً، تبادلا القُبل والعناق. "سمر" هذا البرعم المتفتّح لو أتيح لـه أن يتعهّده ساعةً بعد ساعة، ويوماً بعد يوم لجعل منه وردة ناضرة تزهو على جميع الورود الطبيعية والصناعية. ثم أغمض عينيه.. وابتهل إلى الله في ضراعة وتبتلٍ أن تكون باكورة ذريّته بنتاً. فتبارك الله أحسن الخالقين. ومن دون مقدّمة بدأ يحكي لها الحكاية متجاهلاً الجميع: "كان في قديم الزمان ملك ظالم، وبينما كان ذات يوم، يستمع إلى أخبار الناس، قيل لـه إن في المدينة امرأةً واحدة لا تكذب. فأمرهم بإحضارها. وعندما صارت بين يديه، تحدّث معها، وأُعجب بصدقها، فقال لها: ـ هل تتزوجينني؟. [ حانت من نبيل التفاتة إلى الإناث الثلاث، فأسعده أن يجدهن طفلات مصغيات للحكاية كسمر، واختلس نظرة خاصة من ليلى.. فوجدها تلقي رأسها إلى المسند. تنفث دخان لفافتها، وتتابع حلقاته لعلها تقف على المغزى المقصود من الحكاية. فأخذ اللفافة من بين أصابعها وسحقها في المنفضة بهدوء أعصاب] تابع الحكاية: قالت المرأة: ـ لا. سألها الملك الظالم: ـ لماذا؟. ـ لأنك ظالم، والله لا يحبّ الظالمين. فضحك، وسألها ثانية: ـ هل تشترينني؟. ـ أجل. ـ كم تدفعين؟. ـ ألف دينار. ولكن هذا ثمن تاجي الذهبي فقط. ـ وأنا لا أفكّر إلاّ في تاجك. ـ لماذا؟. ـ هل تمنحني الأمان؟. ـ نعم. عليك الأمان. تكلّمي، ولا تخافي. ـ لأنكَ من دون تاجك لا تساوي فلساً واحداً... صفقت سمر، ثم تعلّقت برقبته، وغمرته بالقُبل، ثم نزلت من حضنه، وقالت "سأنام الليلة سعيدة، هانئة البال." وعبّر الجميع عن تأثّرهم بالحكاية.. كانت بتول تتابع كل كلمة يلفظها. تعجَبُ من الطاقات الهائلة التي يمتلكها، والثقة التي تندّ عن كل حركة ونأمة منه.. ما هذا؟.. شيء غير طبيعيّ.. ردت الثوب المفتوح على رجليها.. وواظبت على تأمله بإمعان.. انتبهَ إليها. التقت نظراتهما. غضّ من بصره.. عادت سمر. ووقفت بالباب تغنّي بصوتٍ ناعم: يا حلاّق اعمل لي غرّه فرّح لي قلبي شي مرّه تا حرقص ابن الجيران ياللي عيونه لبرّه صفقّ لها الجميع مندهشين، فهتفت: "نبيل.. تعال.. تعال." وعندما وجدته ساكناً على مقعده، ركضت إليه وشدّته، فانصاع مستغرباً، ثم وجدها تسحبه إلى غرفتها... أجلسته على المقعد بجانب سريرها. وتمدّدت "غطيني جيداً" غطاها "انتبهْ نبيل، وأجبني بصدق. لماذا لا تتزوّج؟.. "أدهشه سؤالها. لا تزال صغيرة على المسألة" نبيل. أنت صريح وصادق. لماذا لا تتزوّج!؟" أعدك أن أتزوّج" "من ستتزوّج؟." "لا أدري" "نبيل. هل تحبّني؟!." "أحبّك لكنك صغيرة." ضحكت "تحبّني بصدق؟" "أكثر من روحي؟" "إذاً كنتَ تحبّني، فتزوّج ليلى" نظر إليها مندهشاً. لقد كبرت سمر!.." أرجوك نبيل. إذا كنت تحبّني، فتزوّج ليلى" "أمركِ حبيبتي، ولكن على شرط" "ما هو شرطك؟" "أن تخبريني عمن طلب منك أن تتدخّلي من أجل ليلى" "بصراحة؟" "بصراحة" "احزر" "ليلى؟" "وروعة أيضاً" "لماذا.؟!" قال في قرارة نفسه "لتكون ليلى طعماً!".... ولكن. لماذا يدخلون الطفلة في دهاليزهم الرطبة؟. هذه الأرنب التي اعتادت القفز في ملاعب البراءة مرحاً وفرحاً، يجدها الآن تتغيّر، لعل المدينة تغسل عنها طفولتها، وتجعلها تقفز قفزةً ليست في الحسبان. عاد إليهن محمرّ الوجه. نظرن إليه كأنه عائد من جولة عاطفية.. نهضت بتول، فقدّمت إليه كأس العصير. تابع في انحناءتها سعة الصدر.. "استعاذ الله"... عادت سمر من جديد، وقالت: "نبيل حكايتك جميلة. سأحكيها غداً في المدرسة أمام المعلمة والتلميذات" فعبّ من وجهها البريء وعينيها المفعمتين بالفرح، وقال: "هل أنتِ شاطرة في الدراسة، كما أنت شاطرةٌ في الحكايات واللعب؟." قالت لـه: "اليوم أخذنا درس الصحيح والمعتل. اسألني." ـ حسناً: اذكري لنا جملةً مفيدة. نظرت إليه بجدٍّ، ثم أخذت تمشي رائحة غادية، واضعةً إصبعها على جبينها، وأسنانُها العلوية تعضّ نصف شفتها السفلى، وقد ظهرت عليها علامات التفكير... ثم تضحك فجأة بشيطنة متلذّذة، وتسكن قائلةً: ـ نبيل يحبّ ليلى!. فخفق قلبه بشدّة، وتدفق الدم حارّاً إلى وجهه، وتوهّج بحمرة الخجل. اعتذرت بتول، منسحبةً إلى غرفتها.. يخيّل إليه أن الوضع غير طبيعي.. نهضت روعة وأحضرت ثوباً جديداً أرته ليلى... فجأة فتحت سمر الباب.. "نبيل.. تعال.. تعال." ثم ما لبثت أن ركضت إليه وشدّته، فسار معها منصاعاً من جديد... سحبته إلى غرفة بتول، وأغلقت عليهما الباب.. فوجئ بها ترتمي على صدره!.. هدهدها.. مسح على شعرها وكتفيها. سحبها إلى الأريكة. وجلس إلى جانبها، ثم أخذ يعاين حبّ الشباب في وجهها عن كثب: ـ ما بكِ بتول؟!. ـ لا أدري!.. أكاد أختنق. أختنق. لم أعد أطيق الفراغ. لم أعد أطيق وحدتي. لم أعد أحتمل غربة جسدي!.. أتوق للامتداد في الفضاء الواسع. أريد أن أتمرّد على النواميس!.. أريد ألاّ يحدّني جدار ولا يغطيني سقف!!.. أحسّ أنني بحاجة إلى إنسان.. إنسان يكون لي وحدي يوماً واحداً على الأقل!.. لا أحد يشعر ما بي.. نبيل.. في جسدي طاقات تحتاج إلى تفجير.. شهوات صاخبة تبحث عمن يرويها أو يلجمها. مشاعر وأحاسيس أحب أن أبوح بها. نبيل أنا ضائعة.. ضائعة. أحس أنني أتلاشى يوماً بعد يوم.. أنا خائبة. فاشلة. لم أُفلح في الدراسة، لكنني قد أنجح في مسائل أخرى.. نبيل أنا مهملة!.. مهملة!. أبي يهتمّ بسيارته أكثر مما يهتم ببنت من بناته.. أمي تعاني من الضغط.. وروعة.. أنتَ أعلم بها مني.. نبيل أنا إنسانة بحاجة إلى رعاية. بحاجة إلى من يقف إلى جانبي.. بحاجة إلى من ينتشلني من الهاوية التي أغرق في مستنقعها.. نبيل. أنا خائفة!. خائفة!. أنا صغيرة بحاجة إلى الاحتماء بصدرٍ دافئ أبكي عليه.!!. وانخرطت في موجة من البكاء.. هدّأها.. واساها بعبارات واعدة.. ـ نبيل. أنت اكتشفتني قبل أيّ واحد من أهلي.. نصحتني فتحدّيت.. عرفت الحبوب المخدرة والسحاق. و.. وأخيراً جرّبت الـ..!. مشكلتي الصاعقة ـ يا نبيل ـ مع جسدي. أحسّ أنه يدمرني. صار لا يرتوي من هذه التفاهات القذرة. إنه دائماً يطلب المزيد، ولم أعد أستطيع التحكّم برغباته!. ـ حرام عليكِ!.. أنتِ تسمّمين حياتك بفهمك المبهم للحرية وهذا التجريب الأرعن!. إن ما تفعلينه بنفسك يا بتول يمكن ألاّ تُجدي معه وسائل الإصلاح والإسعاف!." "لا حول ولا قوة إلا بالله!.." سحبها إلى سريرها. غطّاها. لكنها تعلّقت به بعيون تعبّر عن اللوعة. انتابه شعور بأخوّةٍ حقيقية. "أعدك أن أكون إلى جانبكِ ما أستطيع، وحسبي الله ونعم والوكيل!." عاد إليهما منقبض النفس.. "آه. يا بنات بلدنا!"... لم يعد يستطيب السهر، فنهض مع ليلى. في المنزل، سألته عما إذا كان يحسّ بالجوع مثلها، فنهض معها إلى المطبخ لتجهيز الطعام. "أما فكّرتِ بالاستعانة بخادمة" ضحكت: "كأنك تقرأ أفكاري، أتيت بخادمة، وعلى الرغم من أنها تجاوزت الأربعين، إلاّ أنني اكتشفت أنها جعلت من المنزل عشّاً للقاء عشيق فطردتها، واستقدمتُ فتاةً صغيرة، لكنها ما إن اعتادت العمل حتى اكتشفت أنها تسرق تمثالاً صغيراً لنفرتيتي. عادا بالطعام، قال لها بعد تفكير حادّ: ـ ليلى صارحيني بالسبب الحقيقي لطلاقك. فاجأها السؤال، فتوقّفت عن الأكل، وامتقع لونها، ثم قالت: ـ أعترف أنني عشقته في البداية، لكنه تكشّف لي بعد شهر على حقيقته، حين ملّ من جسدي.. تحوّل إلى ذكَر نحلٍ. يدخل بيتي. يأكل ويشرب وينام على سريري. وقد رضيت بذلك في البداية، لكنني فوجئت ذات مرّة بعلبة تبغ نسوية. تفحّصت منفضة السجائر، فوقع في يدي الدليل الأحمر الناصع على بقايا الشفتين على أعقابها... عندئذ صحوت.. شممت في غرفة نومي رائحةً فاستنفرت أعصابي، وصرخت "أنت تخونني!" فخاف ولم يجرؤ على الدفاع عن نفسه... عندئذٍ امتدت يداي بغير وعي إلى صدري تمزقان ثيابي، ثم تهالكت على الكرسي شبه عارية، وأنا أردّد نظري في وجهه وعينيه. قلت لـه: "لماذا تحتقرني.... أنا مهرة فلماذا تصنع مني فأرة؟!. انظر إليَّ جيداً. أنا لا أزال مرغوبة ومثيرة.... ما أزال مهرة تجيد الصهيل "ثم انطلقتُ إلى المرآة، أجعلها شاهداً على جمالي، حينئذٍ لم أتمالك نفسي. ضربتها بيدي، فتناثرت شظاياها خناجر مغموسة بالدم. ورأيته يتحرّك كتمثال مقرور. ليقدّم لي قدح ويسكي، فاختطفته منه، ورشقت به وجهه!. خفّف من غلوائه مدّةً قصيرة، لكنه ما لبث أن خلع الحياء بعد ذلك، وصار يأتي بالساقطات إلى البيت.. نبيل. إن ما أختزنه في نفسي من الكره تجاهه لا يمكن وصفه. تصوّر.. حتى ابنه الذي زرعه في صلبي أسقطته بعملية إجهاض لأتخلص من أيّ شيء يذكّرني به. ثم نظرت إليه كمذنب يطلب المغفرة. وهمست: ـ قبل أن ألتقي بك بأسبوع رفضت أميراً خليجياً لأني أكره أن أكون محظيةً في حظيرة الحريم. ولا أحبّ أن أقيّد بسلاسل الذهب. في الليل تابع الظلال التي ترسلها أضواء الشارع على زخارف جدران الغرفة وسقفها، فانبثق وسطها وجه ليلى جميلاً كمرج أخضر. عذباً كالطفولة. شفّافاً كنسمة صيف.. وجدها تنجذب إليه. تدين لـه بالهوى. تتلبّس شخصيته. تؤمن بما يؤمن به كما آمنت بطلةٌ من بطلات تشيكوف، حين كانت تلبس ثياب أزواجها ثوباً بعد آخر، حتى إذا ما انتهت إلى الربيب الصغير الذي يدرس في كتّاب القرية، لبست لبوسها الجديد، فأصبحت تلميذةً، قلباً وقالباً ولساناً، وعادت معه إلى طفولتها وشبابها الغضّ الأول، تتلذّذ بقضم قطع الشوكولا. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |