النبع ـــ حسين عبد الكريم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس

ذاكرة جابر العبود لا تنام، ولا تمَّحى الأحداث والعناوين منها: هي كالأشجار في البساتين؛ يتذكَّر بشجاعة، كما يعيش بشجاعة.. ويحتكم، حين ترجع به ذاكرته إلى الأيام والأحداث والناس، إلى نفسه وثقافته؛ حتَّى لا يخطئ في التقدير؛ أو يجوز في المحاكمة.. حتى لا يعطي الحزن إلاَّ ماله.. وللحبور ماله، ولنفسه ما لها، وللآخرين ما لهم.‏

مشاهدته لسحر الزهيدي، أثناء وقوفه مع المدرسين وغصن، أعادته إلى الأيام، وذكَّرته أحداثاً لم ينسها، لكنها كانت بعيدة عن مدار اهتمامه ومرامي أفكاره ومشاغله الحياتية والنفسية.‏

راقه أن يمرَّ على البيوت القديمة في بستان المواسم.. التي لا تنفصل عن البيوت الحديثة، في المواسم إلاَّ ببعض التخوم والأشجار..‏

مشى متمهلاً، وفي رأسه تسرح ذكريات وأحداث.. تجاوز بيت أهل غصن الجديد، ولم يكد ينظر إلى الفسحة التي أمام البيت، ولعلّه نظر من زاوية عينه، فلم يلمح أحداً، فاستمرّ في مشيته، أو لعلّه وجد نفسه مع ذكرياته وأيام طفولته وحياته..‏

بيت أهل غصن القديم، أول البيوت القديمة.. يليه بيت الزهيري.. ثمّ بيت العبود.. الشجرة القديمة، المتبقية أمام بيت الزهيري على حالها، لم تتكسّر أغصانها، ولم تيبس.. حين رآها، أحسّ بتيار قوي يتحرك، فينقله إلى أيام الدراسة والبيوت القديمة..‏

الشجرة هي لم تنتقل من مكانها، لكن أهل مرجان الزهيري ليسوا ـ هنا ـ تحت الأغصان.. وأخت مرجان ـ أيضاً ـ ليست قرب الحائط، تنظر إلى جابر وهو ذاهب إلى المدرسة، وهو عائد إلى البيت.. وتستذكر أيامها مع زوجها الذي تركها، بعد سنتين من زواجهما.‏

عادت صورة الأيام إلى رأس جابر، وعادت إلى نفسه رائحة العيش، والتراب القديم..‏

تذكر أخت مرجان الزهيري: كم جلست، بعد سفر أخيها، وكم بكته، وكم أسفت عليه، لأنه لم يكمل تعلّمه.‏

أوتار بعيدة، علت نغماتها في نفس جابر، وهو يقترب من بيت الزهيري، والشجرة القديمة والدرب القديم. قال جابر في سرّه: "تُركت هذه البيوت؛ وبيت مرجان متروك قبل غيره: هجره مرجان وهو في مُقتبل عمره، وترك الدراسة والتحق بالجيش، ولم يعنه أسف أخته الطويل عليه لتركه الدراسة!؟".‏

بيت والد جابر يجاور بيت والد مرجان، وساحته تفضي إلى ساحة بيت والد مرجان.. ويوم بدأ جابر القراءة في مدرسة البساتين القديمة، بدأ معه القراءَة مرجان، لكن مرجان لم يستمر في التعلم.. عاش وقتاً غير قصير مع ماجد شقيق جابر، سهرا معاً، وهربا من القراءَة معاً..‏

جابر ـ وحده ـ تابع القراءَة، أحبّ الكتب والتاريخ، وبحث عن التفاصيل، التي هي في صلب حياة البساتين، وتميز في الدراسة. وماجد ومرجان تميّزا بالبحث عن الحب والكلام العاشق.‏

كان ماجد يسرق ريشة جابر، ويجمع كلَّ الكلمات، التي يراها على الأوراق، ويرسمها، كما هي، ويحاول أن يتفَّنن بكتابتها، ليحملها إلى سهراته، حيث يلتقي بمن يحب. وكان يقدم الورقة المكتوبة إلى الحبيبة، التي لا تعرف القراءَة بتاتاً.. فتربطها بخيط، أو تلفُّ عليها طرف وشاحها، اعتقاداً منها أنها تحفظها وتحميها، كي يستمرَّ حبّهما.‏

رسالة من هذه الرسائل، عثر عليها جابر منسية في أوراقه: شجر التوت كثر في البساتين، لأن أوراقه تصير حريراً طبيعياً، وهو نوعان بريّ لا يثمر، وآخر يثمر.. والبيوت القديمة أكثرها تتجاوز، وأشجار التوت.. فلا تكاد ترى بيتاً من البيوت، إلاّ ترى أمامه شجرة أو شجرتين أو شجرات عدة.. والموسم الذي تنتج فيه الدودة الحرير، محدّد، يعرفه أهل البيوت القديمة، ويحرصون، في أثنائه، أن يراقبوا أشجارهم.‏

وصارت أشجار التوت، إضافةً إلى كونها مصدراً للحرير الطبيعي، صارت ظلالها مستراحاً للجالسين في الهواجر أمام بيوتهم.. وكثيرون علقوا القناديل في الأغصان القريبة من أيديهم؛ وسهروا على ضوئها، ورووا الحكايات، وغنّوا الأغاني والمواويل.. وأقاموا الأعراس، وسواها.‏

والدرب تمرّ قريبة من هذه الأشجار، فتكون الأشجار كالمحطات.. ورجال كثيرون صارت أشجارهم تنسب إليهم، وعائلات هكذا ـ أيضاً ـ صارت الأشجار تُكْنَى بكُنَاها.. فيقولون: شجرة مرجان، وشجرة غزال.. وشجرات بيت العبود.. وشجرات بيت الحسون، وشجرات بيت الشحادة..‏

نقل ماجد هذا الكلام عن دفتر من دفاتر أخيه جابر، وقدمه لحبيبته في بستان الحبيب، اعتقاداً منه أنه كلام في الحب، أو أنَّ كلَّ الكلام، يصير حباً، إذا كتبه محب لحبيبته؛ التي لا تعرف أن تفكّ الحروف.‏

مرجان لم يوفق كماجد إلى كلام يكتبه، على الورق، ويقدمه لحبيبته..‏

بيت الزهيري وبيت العبود متجاوران: النافذة على النافذة، والحائط على الحائط، والساحة تفضي إلى الساحة.. والألفة قوية والوداد متين بين أهل البيتين. وماجد يحب مرجان، لكنَّ أنانية المحب سيطرت عليه، فحرم مرجان من أن ينقل الكلام عن أوراق جابر، وخصّص الأمر لنفسه، ليتميّز في عيني حبيبته.‏

* * *‏

قال مرجان، وعلامات الحزن تطعن الأمل في نفسه وملامحه، قال لسرحان وقد انطلقت السيارة:‏

ـ أختي زهرة تأسف عليَّ، لأنني تركت المدرسة، وسافرت.‏

قال سرحان:‏

ـ أختك على حق يا مرجان، لكنك مثلي لا تحب القراءَة.‏

ـ كيف سأحب القراءَة، ونحن لا نملك إلا بيتنا الترابي القديم وبعض "الفرنكات" تركتها والدتي لي ولأختي.. ونملك أرضاً، تحتاج إلى من يعتني بها، ويشقى، حتى تنتج؛ وقد لا تعطي إلاَّ الشقاء والتعب.‏

ـ التراب، لا يقال عنه: إنه يعطي أو لا يعطي.. التراب حنون يا مرجان.‏

ـ من أين تعلمت هذه الكلمات اللطيفة عن التراب؟‏

ـ تعلمتها من جابر العبود..‏

ـ جابر شاب يعرف ما لا نعرفه.. وأختي زهرة تقول لي دائماً:‏

سر على درب جابر، ولا تسر على درب أخيه ماجد.‏

قال سرحان، وقد أدركته الابتسامة:‏

ـ لكنك لم تلحق جابرَ، لأنه لا يسهر مثل ماجد، في البيوت، من أجل الحب.‏

ـ الحب مقدس عندي، لكنني لا أعرفه.. وماجد عرفه أكثر مني، وصار يكتب من أوراق أخيه جابر كلاماً جميلاً، يقدمه لمن يريد، ولا يسمح لي بالوصول إلى الأوراق جابر.‏

استمرت سيارة سرحان القديمة عبر درب البساتين، المؤدي إلى المدينة البعيدة، واستمر مرجان يحكي عن أسف أخته زهرة عليه.. وعن خوفه من المدينة والعمل فيها والعيش فيها.‏

قال سرحان:‏

ـ أعرف بيت واحد من أقرباء برهوم الحبيب، أوصلك إليه، وأطلب من صاحبه أن يعتني بك، وأن يؤويك في بيته، حتى تسير أمورك.‏

في المساء وصلا إلى بيت عباس الحامضة، ولد خالة برهوم الحبيب. بيته في أقصى الشارع الغربي، في المدينة، يجاور النهر، وهذا ما أفرح، قليلاً، وروح مرجان، المعذبة بالأسف، والشعور بالضياع. بيتّه يشبه إلى حدٍّ بعيد بيوت البساتين، يشبه بيت الحسون وبيت الشحادة وكلَّ البيوت القديمة.‏

مرجان كان يظن أنَّ بيوت المدينة تختلف عن بيوت البساتين، وأن المدينة غير البساتين، فتبين لـه أن الحياة متقاربة في المدينة وفي البساتين.‏

أوقف سرحان سيارته قرب النهر، ونزل, ومثله فعل مرجان.. مط مرجان قدّه المديد، ليؤكد لنفسه أنه على خير ما يرام، وليفرِّق بين رشاقة قدّه، وتعاسة قدِّ سرحان: أكثر طولاً، وأكثر ملاحة من سرحان، أما لباسه لا يفضل لباسه: حذاء مشقَّق، وبنطلون كئيب، وسترة لا تليق بأحد، إلاَّ بعمّال الموانئ أو المشتغلين بالتنظيفات العامة.. قال لنفسه: وهو يعاين ثيابه التعيسة: "هذا قدر من لا يملك المال".‏

حاول قبل أن يدخل إلى بيت عباس الحامضة، أن يدفع بعض "المال" كأجر لسرحان. لكنّ الثاني رفض أن يتقاضى الأجر منه في هذا الوضع الصعب، بالنسبة لمرجان:‏

ـ كيف أقبل أن أتقاضى منك أجرة السفر معي، وأنت لم يستقرَّ وضعك ولم يسر أمرك بعدُ.‏

جاهد مرجان جهاد المتأسِّف المحزون، من أجل أن يدفع الأجر، لكنَّ سرحان رفض كلَّ الرفض قبول الأجر.‏

بيت عبّاس الحامضة غرفتان وفسحة، يسدُّها باب خشبي عريض..‏

ضرب سرحان الباب الخشبي بقبضة يده، لعلمه الأكيد، أنّ هكذا باباً عريضاً ومخلعاً، لا تؤثر به النقرات الخفيفة، وبذلك لا يصل الصوت إلى الداخل، ويبقى الضيف واقفاً أمام الباب.‏

ضربات بلغت سمع عباس، وسمع بنته "هاجر":‏

قال عباس لبنته: اسألي: من على الباب؟؟‏

لبّت رغبة والدها، وأقبلت عبر الفسحة باتجاه الباب:‏

من أنت؟؟‏

ـ أنا سرحان يا آنسة هاجر.‏

عرفت، وعلى عجلٍ سحبت المزلاج، ودعته للدخول. وقد استرعى انتباهها أن رأت خلفه شاباً أكثر منه رشاقة وملاحة.‏

فغنجت بأنوثتها قليلاً، ثمّ اتجهت إلى الغرفة الثانية، بينما والدها وقف بباب الغرفة، يدعوهما للدخول:‏

ـ تفضّلا!‏

ـ لماذا لا نجلس في الفسحة خاصة أنّ الجوّ حارّ، حتى هذه الساعة؟؟‏

ـ جلس سرحان ومرجان وعباس على الكراسي المتروكة دائماً في الفسحة.‏

قال سرحان:‏

ـ أنت لا تعرف هذا الشاب الذي جاء معي؟؟‏

ـ أهلاً بك وبه.‏

ـ هذا من بستان المواسم.‏

ـ من أية عائلة؟‏

ـ من عائلة الزهيري.‏

ـ هل يكون قريب زهره؟؟‏

لم يجب سرحان، لأنَّه لم يتأكد أنَّ مرجان شقيق زهره، وهو لا يعرف من هي زهره. لكن مرجان سارع بالإجابة:‏

ـ زهره أختي.‏

ـ تزوجت قريبي، ثمّ لم أرها بعد زواجها منه، لأنّني انقطعت عن البساتين.‏

ـ تركته، وهي الآن في البيت.‏

ـ بيتكم في المواسم؟؟‏

ـ يجاور بيت العبود.‏

ـ والدك على قيد الحياة؟‏

ـ لا يا عباس..‏

سرحان سها على الكرسي سهواً يسيراً، و كاد أن يتنفس تنفسه العالي، لولا أن سمع صوت هاجر ينادي:‏

ـ هل أضع الطعام يا أبي؟؟‏

ـ نعم.‏

أجفلت المخاوف، وابتعد الذعر، الذي كان مسيطراً على مرجان، حين أحسَّ أنه لم يزل قريباً من البساتين، وازداد إحساسه بنفسه حين أبدى عباس بعض الاحتفاء به، إذ قال لـه:‏

أختك ـ كانت ـ طيبة وكيّسه، لكن قريبي كان غير مستقر في حياته، وهذا ما جعله يختلف مع أختك.‏

شغلت هاجر بال مرجان، وهي تقبل، بقامتها المعتدلة، وأنوثتها المحببة إلى النفس.. أما عباس والدها، فكان لا يفتأ يمصُّ شفته السفلى، إثر كل جملة يقولها: ورأسه مفلطح.. وكأنَّ جبروته تجمع في تفلطح رأسه،‏

وهذا ما جعل مرجان يتساءل في نفسه:‏

"من أين أخذت هاجر جمالها؟؟"‏

* * *‏

صياح ديوك، جاء كالنداء الحنون إلى سمع وروح مرجان، وقد أيقظه.. أما سرحان فبقي نائماً، وتنفسه في علوٍّ وانخفاض.. وقلق واستقرار.. ألف النوم، في بعض الأيام، بل في أكثر الأيام خارج بيته؛ أمّا مرجان فهي السفرةُ الأولى، التي ينام خلالها خارج بيته.‏

ثيابه لم يبدلها في النوم، ولا حاجة لتبديلها، لأنَّ أية حالة، لن تزيدها سوءاً وتعاسة.‏

بعد طول إصغاء إلى صياح الديوك، أقبل الفجر من الفسحة، فازداد فرح مرجان.. وأقبل مع الفجر صوت حذاء عباس.. وهو يتحرك عبر الفسحة.. وقد نادى على سرحان:‏

ـ ألا تستيقظ؟؟‏

استيقظ مع النداء الأول، لأن مرجان عاون نداء عباس بلكزة أو أكثر من اللكزات المركزة في خاصرته، مما جعله يستيقظ نطاً، كالملدوغ.‏

ازداد صحو مرجان إذ سمع صوتاً أنثوياً، فراقه أن يرى صاحبة الصوت..‏

خرج من الغرفة إلى الفسحة فسمع هاجر تقول لوالدها: هذه أم نجود جلبت لنا الأرغفة التي أخذتها البارحة.‏

شاهد عباس مرجان، وهو يقبل على الفسحة، وشعره منفوش، وهمه على ملامحه منقوش، وكل ثروته فرنكات وقروش.. فقال لـه قبل أن يحييه:‏

"هذه جارتنا أم نجود، كانت زوجة "العتل" صديق أقربائي في بستان الحبيب.. وهو تاجر الحرير، والحبوب المعروف في البساتين..‏

نهض سرحان عجلاً، يريد أن يسمع الكثير عن أم نجود زوجة العتل الشابة، وعن العتل وتجارة الحرير والحبوب.‏

هاجر أدهشت مرجان، وأشعرته بأناقة أنوثتها، ورشاقته.. وأدهشه كهاجر، صبر سرحان، على الدنيا، والسفر، والتلاؤم مع كل الحالات وجميع الناس، وعبّأ نفسه عبقُ التراب، والنهر القريب من بيت عباس.‏

رائحة التراب وأنوثة هاجر، أشعلتا في روح مرجان نار حنين، كانت غائبة، قبل الآن..وصياح الديوك المتبقيّ، يقدم من جهة النهر والبيوت المجاورة لبيت عباس، ظلَّ يذكِّره بأسف أخته زهره وشقائها من أجله، ومن أجل حياتها، ومن أجل البيت والأرض.‏

كأس الشاي التي شربها في الفسحة، على عجلٍ، شرب فيها رائحة التراب، ورائحة أسف أخته زهره، وصوت هاجر سرحان سبقه في ارتشاف كأسه، ووقف في وسط الفسحة، إعلاناً منه عن استعداده للسفر..‏

قال عباس، بعد مصَّات متلاحقة لشفته:‏

ـ نذهب معك، إلى حيث السرايا، وهناك نودّعك.‏

ـ تفضَّ..‏

مصّ عبّاس شفته، واكتفى بذلك رداً على "تفضّل" سرحان، وتوجه بالكلام إلى هاجر: أنا ومرجان نرجع ظهراً.. وأنت انتظري أمك وأختيك في البيت!‏

مرجان لم يستفسر عن وضع عباس العائلي، وبقي يرمق هاجر بحب وشغف.. وهي ابتسمت لـه ابتسامة شفيفة، لا أكثر. لكن واحداً مثله، لا يحمل إلا رائحة أسف متعب، وقروشاً قليلة، يشعر بهكذا ابتسامة كشجرة في صحراء، أو كجرّة ماء في ظمأ شديد.‏

سيارة سرحان تشبه عباس حامضة، وهي سيئة الهيئة كسرحان وباهتة الأناقة كثياب مرجان..‏

مشى عباس، كالفاتحين، يعرج عرجاً خفيفاً في رحله اليسرى، وشفته السفلى، تعاني أشد المعاناة من مصّه المتلاحق، وكأنه كتب عليها الشقاء والمصُّ. أو كأنس عباسَ حُرِم المص والرّضاع، منذ ولادته، فعوّض عن حرمانه، بمصِّ شفته وإتعابها.‏

النهر يسير بين البيوت، وعلى بعد أمتار تبدأ تخوم الأرض ذات الشجر العالي، وكأن البساتين جاءت إلى هنا..‏

قال مرجان لعبّاس:‏

ـ سكنك هنا قرب النهر والأشجار مريح.‏

ـ بدلت أكثر من بيت، حتى وفقت إلى هذا البيت..‏

حاول سرحان تشغيل السيارة، فلم يوفق، مما دفع عباسَ ومرجان إلى دفعها، لعلَّها تعمل.‏

أم نجود وقفت وراء نافذة غرفتها، ترقبُ السيارة وعباسَ ومرجان وهما يدفعانها، ما أمكنهما الدفع، لعلها تعمل.‏

أخيراً مشت.. ومعها مرجان وعباس الحامضة.‏

* * *‏

التحق مرجان بالخدمة في المكان نفسه، الذي يخدم فيه عبَّاس.. والثاني سهّل السبيل أمامه..ويسّر الأمور، ما أمكنه، ورفض أن يستأجر غرفة أو بيتاً، إلاّ بعد أن يفكّر بالزواج.‏

ابتسامات هاجر، كانت كالإشراقات والآمال، تُفرح مرجان وتنسيه الأسف والبعد..وقد أثمرت حبّاً، أرَّق مرجان، وأسعده، وجعله يسرع في استئجار بيت صغير قريب من بيت عباس وأم نجود.‏

عرف عباس بحب مرجان لهاجر، ولم يعبر عن استنكاره أو عن قبوله، واكتفى بمصِّ شفته، والنظر إلى مرجان حيناً وهاجر حيناً.‏

أشرفت أم نجود على علاقة مرجان بهاجر، وقد نصحتها بالقبول به زوجاً، إذ أعجبها شبابه، فغدت تحسّ بالارتياح تجاهه.. وهذا ما جعلها تحرِّض هاجر على الزواج منه.‏

أم هاجر هي الأساس والركن الأقوى في بيت عباس، ولولا مصّ عباس لشفته، لكان دوره في الحياة الدنيا غير موجود.. ثمّ إنه صلة الوصل أحياناً بين جيرانه وجيران زوجته وأقربائهما في البساتين والمدينة.‏

لم تزر هاجر بيت مرجان.. بل كانت ترسل لـه المراسيل مع نجود وكان لا يفهم من المراسيل إلاّ أن هاجر تحبه.. أما مواعيدها، فلم يكن يعرفها إلا بعد شرح وتفسير من قبل أم نجود.‏

قليل من مرتَّبه كان يرسله مع سرحان، ليوصله إلى أخته زهرة، والمتبقِّي منه ينفقه على حبيبته هاجر، وعلى أم نجود وعلى بيته.‏

عبّاس كان يعمل في وقت راحته عند "العتل"، ينقل لـه البضائع أو يذهب إلى بيته، لتأمين حاجاته، وكان حذراً من أن يشاهد بناته، لعلمه الأكيد أن "العتل" لا يهمُّه إلا نفسه، تعس الآخرون، أو فرحوا. وحذر عباس، رغم قلة نباهته، مصدره أمُّ نجود وأحاديثُها الطويلة العريضة عن العتلِّ وكذبهِ الدائم:‏

"العُتلُّ لا يعرف أن ينام قبل أن يكذبَ، ولا يعرف أن يأكل قبل أن يكذب، ولا يعرف أن يسافر قبلَ أن يكذب.. دمه كذب.. وحبّه كذب، وعمره كذب بكذب".‏

اصطحب عباس مرجان معه إلى حيث يعمل عند العُتلِّ، وقد أخبره عنه كلَّ الأخبار، وقال لـه: هذا صديق قريبي برهوم، وصديق والده قبله.. ووالده كان صديقاً لبرهوم ووالده.. ولولا برهوم وقرابتي به، لما قبلني عاملاً عنده.‏

سأل مرجان:‏

وأمُّ نجود كيف تزوجته؟؟‏

ـ والدها كان يعمل عنده، وكان سكيراً.. وقد زاره العُتلُّ في بيته، وشاهد أمَّ نجود! وهي كما تعرف، صبية حسناء! فدفع لوالدها بعض المال، وأغراها بالحياة المرفَّهة، والهدايا الجميلة، فضاعت ألعنَ الضياع فتزوجها، واشترى لها بيتها الذي تسكنه، وتركها هي وابنتها.‏

* * *‏

بيت مرجان أقلُّ حسناً وشأناً من بيت عباس، ولا يجاور النهر مجاورةً مباشرةً: غرفة واسعة وأخرى صغيرةٌ وضيّقة ضيقاً قاسياً، ويلاصقها المطبخ وملحقاته.‏

بعد الأيام الأولى من انتقاله إلى غرفتيه، ازداد حزنه، وصار يتذكَّر أخته بلوعة, ويسأل نفسه أسئلة صغيرة: كيف حال بيتهم؟! والشجرة الكبيرة، التي بقيت من أيام أبيه، هل يبست؟ والدجاجات.. وأشجار الزيتون.. والنبع، والدلبات وأبو أمين وجابر وماجد؟؟ أسئلة وتأملات مصحوبة بالأسف وشعور غريب باللهفة إلى كلِّ معالم البساتين التي عرفها وألفها.‏

يتمنى أن يذهب كلَّ عشية إلى بيت عباس، لكن الحرج يحول دون ذلك: يبقى يومين أو ثلاثة لا يزورهم، إلاّ إذا جاء إليه عباس، ودعاه، أو أرسل في طلبه. أمُّ نجود لم تنقطع زياراتها وأحاديثها السلسةُ كثيراً والشائكةُ؛ التي تبدؤها كلَّ مرَّةٍ حول الحب والزواج والأولاد والبيت:‏

هل تفكِّر بالزواج من هاجر، أم تودُّ الرجوع إلى حيث بيتكم القديم؟‏

ولا تنسى أن توقظ في حواسه الوعي باتجاه نباهة المرأة، ورويداً رويداً تكشف الغطاء عن خبرتها ومعرفتها وتجربتها مع "العُتلِّ، وأهله وجيرانها، لكنها لم تتح لـه أيّ فرصة للتفكير بها كأنثى جميلة، تبحث عن شاب. رغم أنها تشعر بالارتياح وشيء من السرور، حين تلتقيه عند جيرانها أو في الشارع، أو حين تجلس عنده في الفسحة التي أمام الغرفة الواسعة مع أمِّ هاجر وعباس.‏

لم تنم لهفة مرجان وصبواته تجاه "هاجر" التي حرَّضت في غربته الشغف والمؤانسة..‏

وتواصله مع البساتين ظلَّ على أشدِّه: مرَّة يحمل لـه سرحان الأخبار والتحيات والبيض والتين اليابس والزيت.. ومرّة يلتقي بأقرباء عباس وزوجته الآتين إلى المدينة..‏

وفوجئ بزيارة الكثيرين.. بيت عباس كمثل "نزل" صغير، يأوي إليه الأقرباء والجيران.‏

وأمُّ نجود شاهدة على عش وحياة هاجر وأمِّها، وكلِّ الشباب الذين يجيئون من البساتين، حاملين الحاجات ورائحة التعب والتراب.‏

أمرُ سرحان وسيارته أمرٌ عجيب: لا يقدم مرَّة من البساتين، إلاَّ يجيءُ معه جار أو قريب، وبيت عباس هو المأوى..‏

وعباس وزوجه وهاجر وأختها وأختها لا يشعرون بالضجر الشديد، لأنهم يلاقون الأنس، ويسمعون الأخبار المتنوعة عن أحوال الناس والحياة.. وسرحان لا ينسى كلَّ مرَّة أن يحمل معه بعض الأغراض والحاجات..‏

* * *‏

بعد أكثر من ثلاثة أشهر سافر مرجان إلى البساتين، وسافر معه عباس وبناته واستقبلهما في بيته في المواسم.. سافروا جميعاً مع سرحان، ورفض أن يتقاضى الأجر منهم.‏

استقبلت زهرة أخاها وعباس وبناته بالترحيب، وقد أتعبت نفسها في خدمتهم..‏

زار عباس حارته وبيت والده القديم في بستان الحبيب، وزار برهومَ قريبه، وحمل لـه رسالة من العُتلِّ، ولم يصطحب معه بناته إلى حارته في البستان، خشية، أن يروق لبرهوم الزواج من واحدة من بناته، ويقع، بعد ذلك في خلاف شائك، معه؛ يرتدُّ عليه أذىً ومضرَّة.‏

أخبر مرجان أخته بحبه لهاجر، وأخبرها برغبته بالزواج منها:‏

ـ أريد هاجر يا زهرة!‏

ـ أطلب وأتمنى يا مرجان!‏

هاجر وأختاها كانتا مثار إعجاب المواسم. وقد أعلن ذلك صراحة، ماجد العبود، إذ زار صديقه مرجان فور وصوله..‏

جابر لم يزر مرجان وضيوفه، بل استقبلهم جميعاً في بيت والده، ورحَّب بهم؛ وقد راق لأختي هاجر، أن يختار جابر واحدة منهما.‏

تعب ماجد العبود في إحضار غداء مميز لعباس وبناته ومرجان، وقد ساعدت زهرةُ أخوات ماجد وجابر في إعداد غداء الحب، الذي أقيم على شرف عباس وبناته. بل لنقل: على شرف وأناقة بنات عباس.‏

مرجان قال لماجد:‏

هاجر ستكون زوجتي.‏

* * *‏

عبّاس حامضة ليس ذا أهمية في حياته الدنيا، ولا في حياته الأخرى، وقد أدهشته زيارة رزوق الحامد قريب أمه وقريب زوجته.‏

قال رزوق:‏

ـ أنت قريبٌ حبيب، وزوجتك كأخي وهي أغلى..!!‏

رحبت أم هاجر أشدّ الترحيب بزيارة رزوق، واعتبرتها عنواناً جديداً في حياتها. هي تعرف واقع حاله وواقع حال والده، وتعرف غناه وسعة أملاكه، ولهذا وافقت على طلب زواجه من بنتها رشيدة.‏

وماجد العبود طلب الزواج من بنت عباس الثالثة، ووفق عليه زوجاً..‏

عباس اكتفى ـ كعادته ـ بمصِّ شفته. أمَّا أمُّ هاجر، فهي التي قررت القبول بماجد.. والحال هكذا كانت بالنسبة لمرجان ورزوق.‏

أم هاجر هي كل بيت عبَّاس، هي ترفض وهي تقبل، هي تقول وهي لا تقول.. وهي حدّدت المكان الذي يبني مرجان بيته فيه.. وحددت كذلك لماجد؛ ولرزوق.‏

وهي على عكس عباس شفتاها لا تمصُّهما أبداً.‏

مرَّت هذه الحياة في رأس جابر، وهو يعاين بيت مرجان.. وأخته زهرة، التي رفضت أن تهجر بيت والدها القديم، والسكن عند أخيها في الملتقى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244