|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:42 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس استقبلت ماري حاصد الدروك، ودعته للجلوس على الكرسي المقابل لكرسيها. وقبل أن تجلس، حملت الأغراض الكثيرة التي جلبها معه.. سألته، وهي تنهض بالأكياس: ـ أين سيدك برهوم؟؟ ـ أرسل الأغراض معي،وسيجيء في المساء.. ـ وأنت كيف جئت؟؟ ـ جئت على دراجة أحد جيراننا.. ـ أنت قدتها.. أم هي قادتك؟! ضحكت ماري وغنجت، وغمزت غمزة سريعة، اتبعتها بغمزة أخرى أحنّ وأبهى..، وانطلقت تغنج في مشيتها وتهزّ عجيزتها هزاً ظريفاً، أسكر خيال حاصد الدروك، وحرّض في روحه الرغبة والجرأة على البوح لماري، بتمنياته تجاهها.. قال حاصد في نفسه: "هذه هي ماري صبية الصبايا، من يوم يومها.. يوم جاء برهوم وجاء معه العتلُّ وأخذني معه برهوم.. يومذاك زرنا أهل (ماري) في بيتهم القريب من حارتنا.. وشاهدنا ماري الصبية الفتية، وقد ألبستها أمُّها ثياباً جميلة، تسرُّ النفس، وتشدّ الانتباه...". عادت ماري وعاد معها زهوها وغنجها.. فانتبه إليها حاصد، وودَّع خيالاته وذكرياته.. أحضرت لـه معها فنجاناً من الشاي، وأحضرت لنفسها فنجاناً.. جلست قبالته لكنها لم ترفع تنورتها أمامه، كما تفعل في حضرة برهوم.. بعد أن رشف بعض الرشفات من فنجانه، سألته: ـ أين ستذهب الآن بعد أن تشرب فنجانك؟؟ ـ لا أعرف.. ـ ألا تريد أن تزور بستان الملتقى، وبيت سيدك رزوق، الذي تحدث عنه برهوم في المرة السابقة. ـ برهوم يكره رزوق الحامد.. ـ وأنت من تكره؟؟ أحسَّ حاصد بالسخرية التي أرادت ماري أن تقدَّمها، عن قصد ورغبة.. تلعثم حاصد، وهو يريد أن يتكلم. قد أربكه أمران: الأول جمال ماري الذي شغل عليه نفسه. والأمر الثاني، هو عدم معرفته، وعدم قدرته على الجواب، إذ تأكد من أن ماري غدت تعرفه، وتعرف تذبذبه مع برهوم حيناً ومع رزوق حيناً، ومع أيّ أحد آخر يرجو منه نفعاً ومصلحة. اكتفى حاصد بأن تلعثم وتلكأ بالكلام، ولم يتكلَّم.. إلا أن ماري سألته سؤالاً أصعب: ـ أريد أن أسألك يا حاصد سؤالاً يبقى سرَّاً بيني وبينك. ـ تفضلي. ـ في الزيارة الماضية.. وقد جئت مع سيدك برهوم في الليل ألم يرسلك إلى بستان القمح؟؟ ـ نعم أرسلني... ومن أخبرك بذلك؟؟ ـ سيّدك برهوم.. ـ أنت يا ماري، بجمالك ورقتك تأخذين ما تريدين.. ـ المهم الآن قل لي: لماذا أرسلك إلى بستان القمح؟؟ ـ أرسلني من أجل أمر يتعلق بأرضه.. ـ لا تكذب يا حاصد.. أنا أعرف البئر وغطاه. ـ أنت تعرفين الأسرار. وتنبشينها من أعمق الأعماق.. قال كلماته وابتسم ابتسامة التودُّدِ والطاعة.. وابتسمت ماري أيضاً ابتسامة، قيَّدت بها عيني حاصد ونظراته، وجعلته لا يرى سواها.. وسألته بإلحاح من جديد: ـ لم تقل لي الآن لماذا ذهبت في ذلك الليل الأسود إلى بستان القمح؟؟ ـ أنت تعرفين لماذا ذهبت.. لكنك تريدين أن تعرفي لماذا كلَّفني برهوم بسرقة بقرة عيسى الحميدة. ـ تذكرت ماري صورة عيسى الحميدة، وهي تسمع اسمه يلفظه فم حاصد.. وتذكرت بيته.. والدرب المؤدي إليه، وتذكرت البستان. وبدل أن تنظر إلى حاصد، رفعت رأسها قليلاً، وراحت تنظر إلى بستان القمح: إلى السفح.. والبيوت، والدروب.. لتتخيل كيف سرق حاصد البقرة، وكيف أمكنه أن ينجو من حُفَرِ الدروب، ومهاوي الليل الأسود.. وقد أحبت ماري أن يترك لها حاصد الوقت، لتتأمل، وتعيش مع خيالاتها.. تمنت أن يتركها ويخرج، لتبحث في ذاكرتها عن برهوم الحبيب، وألاعيبه، والحكايات الكثيرة التي سمعتها من أمها وأبيها والجيران عنه، وعن حيله، وفصول حياته. لكن الأمر الذي فاجأ حاصدَ وماري، وداهم خيالاتها وأفزع حاصد، هو أن سيارة مخلعَّةً، ممتلئة "بالدرك والبواريد"، وقفت في الساحة المقابلة تماماً لباب بيت محروس السطوف زوج ماري، والساحة المقابلة لباب بيت ماري. خافت ماري، وهي ترى السيارة المخلعّة، وترى فيها "الدرك والبواريد".. قال حاصد باهتمام وثقة: ـ هؤلاء يتبعون لعربش صهر رزوق. انتبهت إلى السيارة، وإلى حاصد الذي انجلى عنه الخوف انجلاءً يسيراً.. قالت لـه: ـ لماذا لم تقل: هؤلاء يتبعون لعربش صهر أُمِّ سائدة.. تأمل حاصد كلمات ماري، ولم يجبها، لأن السيارة انطلقت "تشخر" في دنيا البساتين. لم تودِّع الحيرة والمخاوف رأس وخيالات ماري، رغم الإيضاحات الكثيرة، التي أوضحها لها حاصد الدروك، حول الشرطة وعربش، ورزوق الحامد، وخلافه مع جابر العبود وجيرانه على ماء النبع.. سألت باهتمام: ـ منذ طفولتي أسمع الأحاديث عن النبع، وعن الدلبات التي تحيط به، لكنني إلى اليوم لم أر هذا النبع. ـ ياست ماري: النبع قديم، وهو الذي يسقي بمائه أرض جابر العبود، وأراضي الكثيرين من سكان بستان الملتقى، وسكان بستان المواسم.. ـ والخلاف بين رزوق الحامد وجابر العبود وجيرانهن على ماذا؟؟ ـ الخلاف هو أن رزوق، أحضر لـه صهره عربش رئيس "درك" البساتين، مضخةً، تضخُّ ماء النبع، وتحرم منه الآخرين.. وقد بنى رزوق جداراً عالياً في وجه مجرى النبع، بحيث لا يصل الماء إلى أرض جابر وغيره، إلاّ بعد أن يوقف المضخة. ـ رزوق ظالم إذن.. ـ رزوق.. رزوق.. لا أعرف عنه أيّ شيء. راقبت ماري الخوف في عيني حاصد، وقرأت في صوته المرتبك أنه لا يريد أن يفصح لها عن أية أسرار تخصُّ علاقته به.. قدَّرت ماري أن حاصدَ جبانٌ، وقد خاف على نفسه من الدرك، الذين جاؤوا، وخاف أكثر من ماري نفسها، إذ هي غدت تعرف كلَّ أمر كبير وصغير عن حياة برهوم، وعن حياته هو.. نظر إلى جسدها باشتهاء مجنون، وخاطب نفسه: "أنت الستُّ.. وأنت الأميرة يا ماري.. برهوم دمّر أحلاماً عديدة في حياتك.. ودمّر أحلام غيرك قبلك. لكن جمالك أنت أعطاك أموراً، لولا جمالك لفشلت في تحقيقها.. هنيئاً لك بحسنك، وهنيئاً لبرهوم وأمثاله بأنهم يلتذون بالعيش والعمر.. أما أنا بالنسبة لي فالأمر مختلف.". الضجّة.. وركض الناس.. والأصوات العالية، مزقت هدأة البساتين.. وبلغت سمع ماري وسمع حاصد.. قال حاصد: ـ رزوق اليوم في مواجهة جابر العبود.. ـ جابر العبود أليس مختاراً لبستان المواسم؟؟ ـ مختار المواسم، ومدير عام معارف وعلوم البساتين كلِّها، وقد سلَّم الإدارة بعده لغصن الحسون.. ـ إدارة ماذا يا حاصد؟؟ ـ إدارة مدرسة المواسم.. زمَّت ماري شفتيها، من غير أن تعلن استياءها أو غير استيائها.. فهي تسمع الأحاديث عن جابر العبود، وعن بستان المواسم، لكنها لم تقترب بعد من حياة وتفاصيل علاقاته مع الجيران، والبساتين. ولعلها لو عرفت أن جابر العبود هو ذلك الرجل الذي صادفته جالساً قرب سرحان العيسى، وحدّثها عن مختار بستان القمح بأسلوب أحبَّته، وأمتعها. لو أنها عرفت أنه هو، لكانت أعلنت تعاطفها الأكيد معه، ولكانت قالت صراحة: "إن رزوّق الحامد هو المخطئ، وجابر العبود هو المحق". حاصد لم يعنه أن جابرَ مختلفٌ مع رزوق، ولم يعنه أيضاً موقف برهوم من هذا الخلاف، لكنه فكّر بأن يسرع باتجاه النبع حيث أرض جابر وحيث بيت رزوق، وهناك يقرِّر ماذا يفعل.. أعاد النظر إلى جسد ماري الفتيِّ الممتلئ، ثم نهض خائباً.. تكسر جناح هِمّتِهِ الخيبة والحسرات.. ماري منذ البداية، أعلنت لـه أنها ستشرب معه الشاي فقط. وبعد أن ينتهي هو من شرب فنجانه، عليه أن ينهض، وأن يذهب. لكن السيارة المخلّعة.. والأصوات العالية، والحديث عن بستان القمح وسرقة البقرة، وعن برهوم أفسحت المجال أمام اصد، كي يجلس وقتاً أطول مع ماري الدريوسي: الصبية الحسناء، التي أسكرت بحسنها حلم البساتين، منذ أكثر من خمس سنوات. وحكاية ماري غدت مثل حسنها محطَّ دهشة البساتين.. بل حكايتها زادت من تألقها، أو من غرابتها على الأقل.. البساتين تعرف ماري.. التي زوّجها برهوم لصديقه الغني "العُتلّ".. ثم سافرت معه إلى المدينة، وعاشت في بيت كبير.. ثمَّ عادت. خيال البساتين صار يصيغ صوراً جديدة، ويبتكر فصولاً في حياة ماري، لم تعشها.. وهذا قدر الخيال دائماً. * * * صياح الديك لم يجيء إلى سمع جابر العبود، وروحه مفرداً، كعادته في بعض الأسحار.. بل جاء مختلطاً بالأصوات العالية التي سمعها في الأمس، وقد اختلف مع رزوق الحامد من أجل ماء النبع.. جاء صياح الديك، ومعه صوت محمد الشحادة، وهو يخاطب رزوقَ بكلمات، بعضها مفهوم، وبعضها غير مفهوم: ـ يا رزوق البزوق، أنت لا تعرف قدر جابر العبود في البساتين.. هو مدير العلوم والمعارف ومدير النبع والدلبات.. رزوق يا رزوق.. خنزير.. يا طبلٌ.. عليك تُطبِّل أمُّ سائدة، ولا يأتي منك فائدةْ.. وإذا كان صهرك عربش خربش زوج سائدة.. فجابر العبود سيّد أصيل.. كلمات محمد الشحادة، وصلت إلى سمع وروح جابر مع صياح الديك، وقد ثبّت في نفسه الضحك والحب لمحمد الشحادة، وقد ذكرته بالضجة العالية وبشكل رزوق: قامة ضخمة.. ورأس مفلطح، وشفتان سميكتان كجلد حذاء.. محمد الشحادة، حتى في أثناء الخصومة بين جابر ورزوق، أضحك الموجودين بكلماته، التي راح يُغِّنيها غناءً عجباً. عمران أيضاً، انتبه بسمعه وروحه لصياح الديك.. وقد راقه أن يمعن السمع والانتباه، ليمتلئ برنين الصياح الحميم. ويلوّن حلمه ببريق الفجر، الذي أخذ يمدّ عنقه، هارباً من الليل.. صورة رجاء العيسى كانت قبل الفجر، تعزف بهدوء على وتر أحلامه، وتوقظها.. على الشوق والفرح الهادئ، وأصوات المدرسين.. نسيم الربيع هانئ، لا يُفزِعُ بردُه، ولا يلسع، ويترك الفرصة متاحة أمام من يحب الاستيقاظ مع صياح الديك، ليستيقظ.. الدفء أنيس.. والبرد شرس، لا يصادق. اقترب الفجر أكثر، يبشرِّ به صياح الديوك المقبل، من كلّ البيوت، وكلّ البساتين. ديك دجاجات أمِّ غصن رفع صياحه، وكأنه يعاند ديك دجاجات أمِّ عمران، وبقية الديوك.. صياح يعلو من بيت دجاجات أم غصن، ثم ينقطع. يتلوه صياح ديك دجاجات أم عمران، ثم يتهدج ويغيب، فيجيء صياح ديك دجاجات أم أمين.. ثم يتلوه صياح ديك دجاجات أم البنين زوجة سرحان.. استوقف سمع عمران الصياح القادم من جهة بستان الملتقى، لاعتقاده أنه يحمل معه رائحة رجاء.. سمع عمران صوت أمه وهي تناديه: ـ انهض يا عمران.. صياح الديك ملأ الدنيا، وأنت تحب القراءة الصباحية.. ـ نعم يا أمي.. سأستيقظ.. وسأقرأ في غرفتي، ولن أفطرَ الآن.. ـ أبوك اليوم ذاهب إلى المدينة.. وأنت وأنا سنذهب إلى الأرض لنسقي الأشجار. قاطعها والده مسرعاً: ـ لا يا عمران. أنا سأذهب إلى الأرض، وفي الغد أذهب إلى المدينة. لم يستمرَّ حديث جابر وزوجته وولده لأن صوتاً من الخارج جاء حنوناً واضحاً: ـ أين أنت يا أمي.. و أين أبي.. وأين عمران؟!.. جاء الصوت حنوناً، مجبولاً بالحزن، والدمع.. مما دفع جابرَ إلى النهوض، والإسراع إلى الخارج.. ـ أنت يا سعدى.. وأنت يا شيبان، لماذا جئتما في هذا الوقت المبكر!؟.. عانقت سعدى قامة والدها الرشيقة، فأحست بأنه لم يزل شديد البأس، قوياً متيناً، فهاجرها الحزن، واستبدّ بها فرح غامر.. بعد أن عانقت سعدى والدها عناقاً لهوفاً، تركها، واتجه إلى صهره شيبان، وعانقه.. عرفت جابر أن شيبان وسعدى، سمعا بالخصومة الحادة التي نشبت بينه وبين رزوق، وعرف أن الخبر وصل إليهما وقد شابته الإشاعات، والمخاوف.. خاصة حكاية سيارة "الدرك" التي استوقفت انتباه الناس، وكذلك صوت محمد الشحادة العالي.. تذكَّر جابر الأرض والدلبات والنبع، وتذكّر رزوقَ الضخم.. وتذكر بحب صوت محمد الشحادة ولهفته.. وسعدى قبل زواجها، وهي تدرس.. وتذهب معه إلى المدرسة.. وإلى الأرض.. ولم تضع عيناه عن مشهد الفجر المقبل مكتسياً بالبهاء.. * * * بيت والد محروس السطوف، ليس بعيداً عن بيت محروس. بل هو قريب جداً منه، وقد كان فيما مضى يلتقي مع بيت محروس عبر الفسحة.. وكان الوالد يسعد في الأصباح والأمساء، حيث يجلس على الكرسي العريض وسط فسحة بيته وبيت ولده. وأم محروس، رغم قلة كلامها، وندرة أحاديثها مع والده، كانت تفرع بالجلوس قربه على أيّ كرسيّ تلاقيه.. إلاّ أن ماري منذ الأشهر الأولى، التي مرَّت على زواجها من محروس، أعلنت المقاطعة التامة لوالديه. ولم تكتف بذلك. بل كلفته أن يحضر لها الأحجار و"الإسمنت" وأن يرفع جداراً بين بيته الذي صار بيتها، وبين بيت والده عرنوس السطوف. أم محروس انتفضت كاللبوءة، وضربت ماري ما أمكنها، إلاّ أن ماري ردّت عليها، وضربتها، وحرّضت عليها محروسَ. ولم تطالب بإقامة الجدار وفصل بيتها عن بيت أهل زوجها، إلاّ بعد أن زارها برهوم الحبيب وحاصد الدرك زيارات عديدة.. شاهدهما خلالها عرنوس وزوجته غزالة، وجلسا معهما.. وبدأا مع برهوم أحاديث طالت، ولم تقصر. هذا الجو لم يرق لماري، الصبية الحسناء، التي تزوجها العُتلُّ صاحب برهوم، ثمّ تركها. وقد حرّض رغبتها عن الانفصال عن أهل زوجها، أن برهومَ لم يرتح لملاقاةِ عرنوس السطوف وغزاله، اللذين يعرفان عنه الكثير الكثير.. وقد شرح لها الموقف بوضوح في زيارته الثالثة: ـ يا ماري أنت صبية تعرفين الحياة، ويجب أن تعيشيها، كما يحلو لك.. وعليك بالانفصال عن كلّ جيرانك وعن أهل زوجك.. أنت أكبر من كلّ جيرانك.. ولا ينبغي عليك أن تنحدري إلى مستواهم. طربت لكلمات برهوم، رغم درايتها بأنه زائف.. ولا يريد لها إلا أن تمنحه نفسها.. وأن يكون مرتاحاً في زيارته لها. وبرهوم يدري، أيضاً حقيقة شعورها تجاهه.. يعرف أنها غير متأكدة من صدق إحساسه. لكنه لم يوقف إطراءه ومديحه لها، علماً منه أنها تطربُ لمديحِ جمالِها. * * * بيت محروس السطوف ظلَّ على حاله: ثلاث غرف صغيرة، وفسحه تجاور الدرب، ودكان صغير، استحدثته ماري بعد زواجها بوقت قصير. كعادتها، استيقظت، بعد أن علمت أن زوجها، انطلق باتجاه السهل لنقل الخضار من السهل إلى "البازار..". وقفت أمام المرآة، ترقب عينيها المتعبتين من السهر والنظرات الشائقة والحائرة والمعجبة.. أزعجها أن ترى شعرها منفوشاً، وعينيها متعبتين، ووجهها غير نضر.. فأسرعت الهرب من أمام المرآة، باتجاه المغسلة القريبة من الجدار. ترامى إلى سمعها صوت عرنوس السطوف وصوت زوجته غزالة، فوقفت تصغي إلى حديثهما: ـ محروس عبدٌ لماري.. ولا يعرف كيف يعيش، وهو جاهل.. ـ محروس مثل أبيه، لا يعرف أن يعيش، ولا يعرف أن يتدبر أموره. ـ وأنت يا غزالة صرت بنت ستين، ونفسك هي هي، قوية ولعينة. ـ وأنت نفسك يا عرنوس ضعيفة مثل نفس ابنك.. حاول عرنوس أن يردّ، فخنقت صوته الخيبة، وهدأ ولم يجب زوجته غزالة على كلامها القاسي، الذي ألف سماعه منها كلّ حين. ماري تقدمت على مهل باتجاه المغسلة، وراحت تمسح وجهها مسحاً رفيقاً بالماء والصابون. وأبت على نفسها، أن تصدر أيّ صوت, خشية أن تنبّه والد زوجها ووالدته إلى أنها استيقظت. غنجت أمام المرآة، وحاولت أن ترسم ابتسامتها الزاهية المرحة، فلم تفلح، إذ وجدت سيلاً من الذكريات السوداء والأحزان، تسدُّ على ابتسامتها درب الوصول إلى شفتيها الرقيقتين. عاد صوت عرنوس، يقرع سمعها وروحها كمطرقة خفيّة. قال لغزالة: ـ هل تعرفين يا أمَّ محروس ما سرّ العلاقة بين برهوم الحبيب، وبين زوجة ابنك؟! شدّت غزالة منديلها شداً يسيراً، ومسحت وجهها بكلتا يديها، وكأنها بذلك تمسح هماً وأسفاً عن ملامحها، التي كانت يوماً.. زاهية.. جميلة كملامح ماري.. تذكرت برهوم الحبيب، ووالده.. وتذكرت أيام صباها البائسة، في بيت أهلها المجاور لبيت أهل أم ماري، ووالدها الدريوسي.. سؤال عرنوس عن علاقة برهوم بماري، أجَّج في نفس ماري ناراً، كانت هامدة قليلاً، وأيقظ خوفاً، كان نائماً.. أيقظ خوفها من حِيَل برهوم، ومن حياته كلِّها.. وتساءلت في سرِّها، وهي تنظر إلى الأفق القريب: "عرنوس وغزالة والدا زوجي، يسألان هذا السؤال: ما علاقة ماري ببرهوم.. وغيرهما يسأل..". انقطع حديث ماري مع نفسها، لأن صوت غزالة جاء كنداء مجبول بالتعاسة، بكل صنوفها وفنونها: ـ أنت يا عرنوس. لا تعرف مثلي برهوم الحبيب وألاعيبه. ـ كيف لا أعرف برهوم الحبيب، وأنا الذي بقيت أعمل عنده عشرين سنة وأكثر.. ـ برهوم خبيث. وأن تشتغل عنده، لا يعني أنك تعرفه.. أنا أعرفه أكثر منك.. المرأة إذا أردت أن تعرف رجلاًً تعرفه، أمّا الرجل فلا يمكنه أن يعرف الرجل دائماً. وأنتم عائلة بيت السطوف، معرفتكم ضعيفة بالرجال والنساء.. انتبهت ماري إلى كلمات غزالة، وأدهشها أنها تعرف كيف تصف الناس، وأدهشها أكثر أن سمعت وصفها لعائلة بيت السطوف. عرنوس لم يردَّ بأية كلمة على غزالة.. وأشغل يديه بلفِّ لفافة تبغ، وأشغل عينيه بالنظر إلى البيوت القريبة والمسافات.. عادت ماري مرَّة أخرى للحديث مع نفسها: "غزالة وعرنوس، مثلي ومثل محروس: غزالة كلّ شيء، وعرنوس لا شيء.. وغزالة تعرف حقَّ المعرفة برهومَ وتصرفاته، أمّا عرنوس، فلا يعرف عن برهوم إلاّ أنه غنيٌّ.. وأنه اشتغل عنده عشرين سنةً.. وغزالة لعلّها لم تقع في شركِ علاقةٍ سيئة مع برهوم، مثلي أنا.. ولو أن ذلك حصل، لكانت البساتين عرفت الحكاية، ولكانت حكتها ألفَ مرّة ومرّة. أمّا أنا فلا أدري كيف سمحت لـه أن يزورني، ويسهر عندي، وهو الذي سبّبَ لي البلوى، منذ البداية.. هو الذي زوّجني من "العُتل".. قال لأبي: ماري صبيةٌ جميلة.. ولا تحتاج إلى دراسة في مدرسة البساتين، لأن الدراسةَ للبنت لا تجرُّ على والدها إلاّ وجع الرأس.. ما رأيك يا دريوسي بأن نُزوّجَها من رجل يُعجبك؟؟" نسيت ماري نفسها أمام المرآة، ونسيت أن تنظر إلى نفسها.. لأن اهتمامها تحول إلى الداخل.. سرقته الأفكار والذكريات.. والتأملات.. ولم يخرجها من ذهولها إلا صوت الغناء العالي، الذي جاء من سيارة سرحان العيسى: "رقة حسنك وسمارك". خاطبت كلمات الأغنية روحها ومشاعرها وانتشلتها من مستنقع الخيبة، والذكريات السوداء. * * * بكر ـ كعادته ـ محمد الشحادة بالاستيقاظ. لا يعرف لماذا.. نداء قلق يوقظه مع صياح الديك، وبعد ذلك لا يقدر على النوم. يتقلّب ما أمكنه أن يتقلّب، في سريره القلق، كأنه عاصفة هدأ هياجها قليلاً.. ثم ينهض باتجاه الباب، يخرج على مقعده الخشبي الملاصق لجذع الشجرة القديمة.. لم تستيقظ معه أم أمين، مما اضطره للاعتناء بنفسه. غسل وجهه على عجل، كمن يريد أن يُؤدِّب وجنتيه بلطف ورفق: ملأ كفيه ماءً وضرب بهما وجهه ضربات خفيفة متلاحقة، اعتقاداً منه أن ضرب الوجه، أثناء غسله، هو فنٌّ متطوِّرٌ من فنون النظافة.. حتى إن من يشاهده، وهو يغسل وجهه، يظنُّ أنّهُ وقع في معركةٍ، مع ذبابة، حطَّت على وجهه.. أو يعتقد أنه يُريد أن يُفزِعَ النُّعاسَ المتبقِّيَ من الليل.. لم يهتد محمد الشحادة إلى الشاي، والفناجين. ولم يشأ أن يوقظ زوجته، رغم رغبته بشرب فنجان من الشاي. إلاَّ أن مساعيه الحميدة للحصول على الإبريق، أوقعت الصحون جميعاً، فأصدرت ضجةً عاليةً، وصلت إلى سمع أم أمين، كصوت انهدام جدار ترابي تحت سقفٍ من خشبٍ وتراب.. صحت من نومها، يحاصرها الخوف.. ويطعن حلمها الرعب.. وقد سبقها صوتها: ـ أين أنت يا محمد الشحادة؟! ـ أنا هنا.. لا تخافي.. نظرت أم أمين إلى حيث زوجها واقف، يُرتب الصحون.. سألته بغيظ: ـ ما الذي فعلته: أراك كالنمرود واقفاً عند الصحون.. ماذا تريد من الصحون؟ ـ طوِّلي بالك يا شيّالة؟ ـ عليك لا أحد في الدنيا يُمكنه أن يُطوِّل باله: تستيقظ قبلَ صياحِ الديك، لا أعرف لماذا؟! ـ القلق يا أميرةَ الأنام، ودُرّةَ الأحلام، وحُلْوةَ الكلام والسلام.. ـ أراك تنطق بالشعر والفلسفة.. ويا ليت هذا المنطق تستفيدُ منه في إرجاع أرضك، وفي ترك التسلية والسهر عند الناس. أم أمين عرفت أن قلق زوجها سببه ضياع أرضه. لكنها بدل أن تداوي الجرح بالرِّفقِ، داوته بالجُرحِ.. ملأته ملحاً من حيثُ لا تريد ذلك. قال: ـ انهضي، واسقني فنجاناً من الشاي! وقصة الأرض، وعدني بها خيراً جابر العبود.. همّت أم أمين بالكلام البذيء لاعتقادها أن زوجها سيُحدِّثُها عن برهوم.. ثم لجمت أنفاسها، حين ذكر لها جابر العبود. خرج باتجاه المقعد الخشبي القريب من جذع الشجرة القديمة المطل على الساحة، ودرب البيوت.. والسر الذي تجذبه إلى المقعد أنّه يرى الناس، والفجر والبساتين.. لم تغب عن باله كلمات زوجته عن الأرض والسهر والتسلية.. وراوده قلق وشؤم، كادا يفقدانه نكهة الفجر الربيعي البهي. ولم يطب لـه أن يلفَّ لفافة التبغ، ويشعلها، قبل حضور فنجان الشاي، محمولاً على الطبق النحاسي، الذي خصَّصته أم أمين للفناجين حصراً. منظر فنجان الشاي أفرحه: كأنَّ البخار الصاعد منه، الذي لمحه، منذ خرجت به زوجته، من الباب، كأنه شعاع أمل، دخل إلى نفسه، وشتَّت السواد والخيبة، وأذاع طعم البهجة البسيطة، كحلم شجرة عطشى، لامس عروقها الماء. اتسعت لوحة الفجر، واتسع معها أمل محمد الشحادة. أم أمين لم تجلس على جواره، بل انصرفت عجولة إلى جهة الأثفيَّة.. جمعت العيدان اليابسة، ودفعت بها بين الأحجار السوداء المنصوبة، وراحت تبحث في جيوب ثوبها الكثيرة عن علبة الكبريت، لتشعل النار في العيدان، استعداداً منها للطبخ.. "جيوب" منتشرة في مجمل ثيابها: في الثوب الخارجي "جيبان" وفي الثوب الداخلي "جيب" آخر، تسميه "المكتوم".. بالقميص، الذي يلي الثوب الثاني، علقت حقيبة صغيرة بواسطة خيط شبكته بعناية.. تَوزُّعُ "الجيوب" وتعدُّدها عذبَّها قليلاً، حتى اهتدت إلى علبة الثّقاب، لتوقد النار في العيدان المجموعة تحت القدر.. صياح الديك، لم ينقطع: يجيء من شقوق الباب القريب من مكان محمد الشحادة.. ومن جهة بيت سرحان العيسى أيضاً، ظلَّ ينطلق الصياح عالياً، يُلوِّنُ هدأةَ الفجر بعرس الصياح الهنيء. عبَّ من لفافته نفساً عميقاً، ما أمكنه، فأحسَّ به طعم صياح الديوك ورائحة الفجر، المزدهي بالزهر والبساتين الفسيحة.. ازدادت لوحة الفجر اتساعاً، وازداد الأمل في نفسه، وازداد إحساسه بالصياح والكون القريب من عينيه، وروحه. وفنجان الشاي أعطاه الدفء الذي يملكه بخاره، فاستسلم بعد ذلك للبرودة، التي لم يحببها في الشاي.. لكنه لم يناد على زوجته أن تُقبل، وأن تغلي الشاي من جديد. أغناه عن الشاي النظرُ إلى جهات المدى والدروب. الساحة التي تفصل بيته عن بيت سرحان العيسى ظلت مقفرة إلاّ من الفجر الذي فرش ظلاله على الدنيا، ومن الصباح، الذي أحسَّه يصعد عبر الأفق، وينتشر عبر المسافة. ومن الجهة الثانية، حيث بيوت الملتقى والمواسم.. سمع محمد الشحادة أصواتاً وكلاماً، فالتفت إلى الشمال، فرأى سحرَ الزهيري، وبنتي بنته. ورأى وراءهما بعض الفتيان من أولاد الملتقى.. عرف أنهم جميعاً متجهون إلى المدرسة.. سحر الزهيري القامة الرشيقة، والوجه النضر سرقت انتباهه حتى خاطب جمالها في روحه اللهفة. كلمات سحر وسعاد حفيدة محمد الشحادة، بلغت سمعه. قالت سعاد: ـ غصن لن يكون في عمره مثل جابر العبود. ردّت سحر: ـ جابر العبود أستاذ غصن.. وأنت تحبينه، لأنه صديق جدك.. ـ وهو صديق والدك أيضاً.. لم تجب سحر ثانية على سعاد، لأنها رأت محمد الشحادة، وهو ينظر إليهما، وعرفت أنه يسمع كلامهما.. لم تخجل لأنها لم تقل كلمة غير لائقة عن جابر أو عنه.. * * * عبَّ محمد الشحادة نفَساً عميقاً من لفافته المشتعلة، ثم زفر ما تبقى في صدره من دخان، فرسم بزفيره الدخاني شكل غيمة صغيرة، قرب رأسه، لم تلبث أن ضاعت بين الأغصان القريبة.. ساحة الملتقى مقفرة إلاَّ من ظلِّ سحر الزهيري، وخيالها، الذي ملأ نفس وأفق محمد الشحادة.. فكّر أن يترك مقعده ويسير إلى بستان المواسم، فحضر ظلّ سحر الزهيري.. تراءت بقامتها النضيدة، وشعرها المجدول، ووجهها النضر.. لم يظن أول الأمر، أنه قد يُؤْخَذُ بجمالها، إلى حد التخيُّل.. اعتقد أنه يبهج عينيه بمرآها، وهي تسير من أمامه، ثمَّ ينساها. لكنه وجد نفسه منشدةً إليها. صوت أم أمين لم ينقطع: حيناً تنادي على الدجاجات، لتقبل على حبات القمح أو فتات الخبز المبلل بالماء. وحيناً تخاطب نفسها. وحيناً تتحدث مع زوجها، الذاهل.. الشارد خلف خيال صبية الملتقى، كما طاب لـه أن يسميها.. انجرت أم أمين طبخ "القمحية"، وهمّت بإنزال القدر عن الأثفية، أما الزوج بقي مع خيال سحر، التي وجدها في كل نظرة نظرها: وجدها في الساحة.. وفي جهة الدرب، وفي جهة السفح، وفي جهة النبع، وفي جهات روحه ونفسه.. ملأت أم أمين صحناً واسعاً من "القمحية" ونادته: ـ هل تأكل عندك على المقعد أم تأتي إلى هنا؟؟ لم يجبها على سؤالها، وأجاب روحه على تساؤلاتها: "هل يعقل من رجل بمثل عمري أن يعجب بصبية بمثل عمر سحر الزهيري؟! ـ عاد صوتها: لم تقل لي: أين تريد أن تجلس وتأكل؟؟ ـ أريد أن آكل هنا على المقعد.. أقبلت وفي يدها طبق القشِّ، وعليه الصحن الواسع المملوء "قمحية".. عاد محمد الشحادة إلى خياله ليرى سحر. وعاد إلى سؤال روحه: "هل يعقل لمثلك أن يعجب بسحر؟؟" ـ وأجاب روحه: "الجمال سرّ الأسرار. وصبية مثل سحر جميلة، يحقُّ لمثلي أن يعجب بها، وإلاّ فلا نفس عندي ولا روح فيَّ. عاين زوجته وهي تحمل الطبق، فتبدَّت لـه سحر في شخصها، فشعر بالفرح يغمر أنفاسه، إذ وجد متسعاً في روحه للجمال، رغم خيبته بأرض.. وبالكثير من آماله التي رسمها عبر الأيام.. أكل ـ على غير عادته ـ قليلاً، وعاد إلى علبة تبغه، فأخذها، ولفَّ لفافة عريضة، ثم أشعلها. بينما أم أمين بقيت تأكل بشهية وعجلة، وكأنها جائعة منذ أسبوع، والآن وُفِّقت إلى الطعام. صياح ديكة قليلة، بقي يزركش هدأة الضحى بالرنين، المحبب إلى نفس محمد الشحادة.. وأسراب طيور من جهات الساقية والدرب أخذت تخفق في الفضاء القريب من الأشجار، معلنة بذلك عن رغبتها بأن تبقى قريبة من الظلال.. لترجع غليها حين يتبعها حرّ الهاجرة، ويستبدُّ بأجنحتها تعب التحليق.. أنهت الزوجة رحلتها مع القمحية. أما الزوج فانصرف إلى حذائه الجلدي: يُلمِّعهُ، ويمسحه، ويهتم به.. ولم يبتعد بذهنه عن سحر مرجان الزهيري، بل ازداد حضورها فيه وازداد بريقها وألقها، حتى نسي أن زوجته أم أمين أكلت وشبعت، وحملت بعد ذلك الطبق والصحن والملعقتين. وكاد أن ينسى قصة أرضه التي باعها برهوم لصديقه العتل.. سأل نفسه وهو يحلم بسحر، ويتخيلها: "كيف قبلت صبية الملتقى بولد برهوم؟" وأجاب نفسه بسؤال أيضاً: "وكيف لا تقبل به، وبيته من أفضل البيوت وجيبه مملوء بالمال، وحاله في أحسن حال؟" انتهى من مسح حذائه.. وهمَّ ينفض الغبار والصدأ عن أحلامه، لينطلق، بعد ذلك في دروب الضحى.. لكن صوت سيارة سرحان العائدة من جهة البساتين، أخمد في روح هِمَّة الانطلاق، وأعاده إلى مقعده وأحلامه وحذائه. اقتربت السيارة، واقترب صوتها، لكن خياله, ظلَّ مأخوذاً بقامة سحر وبهائها.. ولفافته لم يهدأ دخانها.. يتسلل بين اللحظة واللحظة بين أوراق شجرة التوت. بانت لعينيه السيارة، وبان رأس سرحان، وهو جالس وراء المقود.. وبان قربه رجل، لم يعرفه، في تلك اللحظة. قال لنفسه: "لو كان لي مثل هذه السيارة، لكانت حياتي مختلفة، لكن واحسرتاه على الأيام، لم تعط، و أخذت". عبرت السيارة الساقية،ووصلت إلى الساحة.. وعيناه تنظران إلى السيارة،وعينا روحه تنظران إلى قامة سحر، التي عبرت عتبة الصبح، فأبقت صورتها على الأفق.. ليغازلها بشوق ولهفة محمد الشحادة، صاحب الروح المرحة، والإحساس النضير، والحبيب الفقير، والحال المرير.. كما راح يقول هو عن نفسه لنفسه، وهو يتأمل حاله وجمالها. شعر سرحان العيسى بالفرح يغمر نفسه، حين رأى جاره القديم لأنه في أيام كثيرة لا يوفق إلى رؤيته، إذ يذهب قبل استيقاظه، ويعود بعد ذهابه.. محمد الشحادة، لا يعرف أن يهدأ.. يحب الدروب والخطا.. ويحب حذاءَه. ولعلَّ علاقته الوثيقة بحذائه سببها حبّه للمسافات.. وروحه، رغم ما يحيط به من بؤس وشقاء، أنيق.. يمسح عنها غبار الكراهات، والأحقاد، كما يمسح عن حذائه الغبار والتعب وآلام السير الطويل.. وقف سرحان العيسى لحظات في الساحة.. صعد إلى بيته ثم نزل مسرعاً.. محمد الشحادة بقي على مقعده يرقب السيارة وسرحان الذي نزل مسرعاً من البيت. قال سرحان على عجل، وهو يفتح باب السيارة ليصعد إلى مقعده وراء المقعد: ـ أراك اليوم يا أبا أمين متأخراً عن الدروب؟! ـ تراني وأراك، ولا تجلس معي، ولا أجلس معك.. ـ إن بقيت حتى أعود، سأجلس عندك هذا النهار.. ـ لن عود.. ولن أبقى.. سيشغلك بحثك عن الركاب، وأنا ستشغلني حكاية أرضي، وسأسعى إليها عبر دروب البساتين. خرجت أم أمين من البيت، تريد أن تعرف مع من يتحدث زوجها.. لمحت السيارة وسرحان وهو جالس وراء المقود، وإلى جواره نجيب برهوم الحبيب.. عرفته من بعيد.. وتساءلت بصوت مسموع: ـ إلى أين يريد نجيب ولد برهوم أن يذهب مع سرحان؟؟ سمع محمد الشحادة كلمات زوجته، لكنه أوّل الأمر لم يفهم مقصدها.. وانطلق سرحان بالسيارة مسرعاً خشية أن يسمع نجيب كلمات أم أمين وشتائمها التي بدأتها منذ رأت نجيبَ. اقتربت أم أمين من زوجها، ومنديلها الطويل اقترب أيضاً. ومرَّ طرفه، فشمل لفافته وكاد أن يطفئها.. فانزعج وغضب: ـ مالك تتركين منديلك على هواه، وكأنه حبل من مسد؟! لم تفرح أم أمين لكلمة "مسد" لأنها لم تفهمها، واعتقدت أنها شتيمة.. فالتفتت إلى زوجها: ما هذا "المسد" ما تعني يا ابن الشحادة.. أنت تقول كلمة تحتاج إلى جبل، ليحملها.. قل لي: ماذا عنيت بالمسد؟! بحث عن معنى "المسد" فلم يجد في ذهنه معنىً لها، ولم يوفق إلى تفسير يرضي زوجته، فانصرف عن سؤالها إلى الحديث عن الشاب الذي كان مع سرحان: ـ سمعتك تذكريني نجيبَ ولد برهوم الحبيب، ما الذي جعلك تذكرينه في هذا الوقت؟! ـ الشاب الجالس في السيارة.. ـ لم أعرفه يا بنت الكرام. ـ ولو عرفته، ماذا كنت ستفعل؟؟! لم يجبها على سؤالها، لأنه انتبه إلى جابر العبود.. ضيّعت جرسها، منذ الشهر الأول، وصار على غزال أن يدور في جهات الساحة رافعاً صوته بالنداء والترهيب: الطلاب جميعاً إلى الصفوف، وإلاّ فالعقوبة شديدة.. أسرعوا وهلموا، بل طيروا أيها الطلاب إلى صفوفكم!! صوت غزال القوي يصل إلى كل مكان في جهات ساحة المدرسة، ويسمعه أكثر الطلاب ويجيبون على نداءاته بالضحك، والضجة، والهمهمة، فيزداد غيظه وغضبه. لكنه لا يحسن أن يعرف من هم الطلاب الذين يضحكون على كلامه، ويهمهمون حين يسمعون نداءاته الغريبة، وأوامره الأكثر غرابة.. رجاء سرحان العيسى وعمران جابر العبود وقفا قريبين من المكان المخصص لاصطفاف الطلاب.. أبقت على صمتها وهدوئها، ونظراتها.. وهو انشغل بالنظر إلى غزال، والاستماع على صوته القوي، غير المرنان.. رجاء ـ كعادتها ـ تلبس بدلتها الخاكية التي تعطيها شكلاً ظريفاً. وعمران ـ مثلها ـ يلبس بدلة تتشابه مع بدلتها من حيث اللون.. في الطرف المقابل من الساحة، وقفت سعاد حفيدة محمد الشحادة وسحر مرجان الزهيري التي بدا تميزها عن سعاد.. قال عمران: ـ لا أعرف لماذا تمشيان معاً؟ ـ ما الذي جعلك تسأل هذا السؤال؟؟ ـ سألت هذا السؤال وأنا أنظر إليهما. رفعت رجاء رأسها، وهي بعد، لم تُودِّع هدوءها الناعم، ونظراتها العاشقة، فرأت سحرَ وسعادَ تقفان إلى جوار سور الساحة، حيث شجرة المدرسة الكبيرة.. قالت رجاء لنفسها: "سحر فعلاً صبية بستان الملتقى، لكن زواجها من نجيب.. شتّت عليها دروب الحياة..". انتبه عمران إلى دهشة رجاء وانتبه إلى نظراتها نحوَ سحر وسعاد.. وأراد أن يتحدث معها عن أفكارها ودهشتها. نداءات غزال، ازدادت، وازداد معها ازدحام الطلاب في الساحة، مما جعل من المستصعب عليه الكلام الهامس الهادئ. غزال لم يغيِّر بدلته منذ أعوام، ولم يجرف عن جانبي فمه بقية اللعاب والكلام والأصوات العالية والنداءات المستغربة.. فظلت كشامة بيضاء، أو كبقعة ضوء مرمية وسط لوحة، من غبش ونعاس.. فلا هي من جوهر اللوحة، ولا هي من جوهر يخصُّها ويُميِّزها. وغزال لا يقلقه هذا الأمر بتاتاً، ولا يهمُّه، ولا يهمه شكله العام أو الخاص، أو ملامحه، أو شعره. وهو يعتقد أن هذه قضايا تخصُّ الفتيات الجميلات مثل سحر الزهيري، ورجاء العيسى. أمّا الشاب، فلا ينبغي عليه أن يتأنق. ورغم أنه كان يعجب بأناقة جابر العبود، ونظافته، وحسن هندامه، إلاّ أنه لم يجد نفسه يوماً، منشغلاً بتنظيف أسنانه وحلق ذقنه جيداً، وتسريح شعره الفاحم.. أو بارتداء بدلة جديدة تدلُّ على ملاحته وأناقته.. غزال يُعْنَى، فقط، بميلانه المحبب إلى نفسه، وبصوته القوي، وبطيبة نفسه، ونقاء سريرته.. ولا يهمل القراءة. يقرأ على هواه، ويفهم ما يقرأ على هواه أيضاً. ويطبِّق مفاهيمه على هواه. ولا يدع لأحد أن ينتقده، أو يعيّره، أو ينسب إليه النقيصة والعيب. وقف غزال مائلاً كعادته، أمام الطلاب، وإلى جواره وقف الأستاذ غصن الحسون مدير المدرسة الجديد، بعد جابر العبود، وإلى جواره يقف المدرسون، والمدرسة الوحيدة (لمى).. رجاء وسحر وسعاد اصطففن وراء بعضهن وعمران اصطف قبالة رجاء.. همست سحر في أُذن رجاء: ـ غزال ينظر إليَّ، وإليك، لأنه يعتبرني ويعتبرك من الفتيات الجميلات في المدرسة. فرحت سحر بالكلمات التي همستها رجاء في أذنها بحياء وخوف، وتمنت أن تفرغ إلى الحديث معها عن الحب، والبساتين، وحكايات الجيران عن جمالها وزواجها وعودتها إلى المدرسة.. عمران بقي واقفاً يتأمل سحرَ وهي تهمس في أُذن رجاء، ويتأمل غزالَ وميلانه، وشعره، وأسنانه، ويتأمل مدير المدرسة، الذي جاء بعد والده. لم يطل وقوف الطلاب وسط الساحة، لأن غزالَ أنهى لحظات الاصطفاف، وأمر الطلاب بالدخول إلى غرف المدرسة.. غصن انطلق باتجاه غرفة الإدارة، ولحقته المدرسة (لمى) ولحقه المدرسون الآخرون.. أما غزال، فبقي بين الطلاب، ينادي ويصيح، كأنه لا يعرف ماذا يقول، أو ماذا يريد أن يفعل.. ينادي ويدعم نداءاته باللعاب المتناثر من جهتي فمه ولا ينسى أن يُلوِّحَ بعصاه الناحلة الرشيقة المطواعة.. اقترب بلعابه وعصاه من رجاء وسحر اللتين سارتا متجاورتين، فخافتا من هيجانه، وخافتا من أن تصل عصاه إليهما، إلاّ أنه طمأنهما بابتسامة تشبه الخوف أكثر مما تشبه الابتسام، لكنَّهما فهمتا على ابتسامه، ولم تردا بالابتسام، بل اتجهتا بنظراتهما إلى حيث مدخل المدرسة الواسع، المقابل للساحة.. قالت رجاء باستغراب ودهشة: ـ إنها سيارة والدي.. لم تجب سحر، ولم تُعلِّق، واكتفت بالنظر.. صوت سيارة سرحان شتَّت صوت نداءات غزال أوضاع عليه فرصة التحدث مع سحر ومع رجاء.. وقفت السيارة أمام المدخل، وهدأ صوتها لكن أكثر الطلاب ظلّ ينظر باهتمام إلى جهتها، إلاّ أن غزال، لم يتوقف عن الصراخ، والإهابة بالطلاب لكي يدخلوا إلى غرفهم بسرعة. سيارة سرحان العيسى، لا تزور مدرسة البساتين إلاَّ لأمر طارئ: إما لإخبار مدير المدرسة بأمر عاجل، أو لأخذ طلاب البساتين إلى بيوتهم في الأيام الماطرة. تمنت رجاء أن تركض إلى جهة والدها، لتعانقه، وتسأله، عن سبب مجيئه إلى المدرسة. لكن زحام الطلاب وصوت غزال وقفا في وجه رغبتهما، وحرماها متعة أن تعانق والدها، وتسأله عن سبب مجيئه. اضطربت سحر، وأحسّت باضطرابها رجاء، لكنها لم تشغل بالها، وابتعدت عنها إلى حيث وقف عمران قريباً من باب الغرفة.. تأكدت سحر من أن مجيء سرحان العيسى إلى المدرسة يتعلق أولاً وأخيراً بنجيب برهوم الحبيب.. لكنها لم تصل بذهنها إلى شرح سبب مجيء نجيب إلى المدرسة، بعد أن ترك التدريس فيها. تذكرت الكلام الذي حملته لها ماري الدريوسي منذ أكثر من شهر منه: "فكري يا سحر بالعودة إلى نجيب!! لأنه سيترك زوجته الجديدة، وسيرجع إليك وحدك.. لا تترددّي يا سحر..". داهمها القلق والخوف وهي تسترجع كلمات ماري، التي قالتها بإيحاء ورغبة من نجيب.. داهمها القلق على مستقبل أيامها وحياتها، إذ تراءى لها عمرها المقبل محاصراً بالسواد، وعار الطلاق.. والخوف من الخيبة والفشل. * * * أم عمران عرفت أن محمد الشحادة متجه إلى المواسم، لكنها لم تعرف ما وراءه و ما أمامه من مقاصد وغايات. صبّحته بالخير، وردّ صباحها بأكثر من خير واحد، كعادته.. وسألها: ـ أراكِ تتجهين إلى أرض النبع، هل أبو عمران في الأرض؟ ـ بكّر بالذهاب.. ليسقي الأشجار والمزروعات، قبل أن يسبقه أحد إلى النبع. ـ مع صياح الديك، وأنا جالس أمام بيتي، لمحت قامة تسعى باتجاه النبع، لكنني لم أعرفه. ولو أنني عرفت أن تلك القامة هي قامة لناديته، ولكنت لحقت به، وساعدته بالسقي وآنسته، واستأنست بشخصه الكريم، وروحه الطاهرة. تبسمت، وهي تسمعه يصف زوجها، بكلمات فصيحة.. قالت في سرّها: "هذه هي عادة محمد الشحادة: يُحبُّ أن يتكلم بالفصحى، وأن ينطق بالفلسفة والشعر". انعطف محمد الشحادة عائداً عبر درب الملتقى، ولحقته زوجة جابر العبود.. تمهل، في خطوة، لعلمه الأكيد أنها لا تقدر على أن تسير مسرعة مثله، لكنه لم يطفئ لفافته، ولم يتوقف عن العبِّ منها، وزفر المتبقي من دخانها زفراً طويلاً.. السفح المنحدر باتجاه السهل.. أخضر، تنتشر في مداه الأشجار.. ثم تبدأ الكروم الفسيحة المترامية الجهات والأمداء.. من بعيد بدت شجرات الدلب العالية، فعرفت عينا محمد الشحادة، أن هذه الدلبات هي دلبات النبع. بيوت الملتقى تتوزع في جهات المسافة، كأنها غيوم حطَّت على غير هدىً، فوق السفح. والدروب المؤدية إلى البيوت، تتسع وتضيق.. تحيط بها الأشجار والأحفة، والمنحدرات. بيت سرحان العيسى الكبير بدا لعيني أم عمران، كأنه ناطور الملتقى، أو هو وجه من وجوه الملتقى.. محمد الشحادة لم ينس أن يعبَّ من لفافة تبغه أنفاساً متلاحقة، ولم ينس أيضاً أن يمتع ناظرتيه بالأفق، وألوان الأشجار الصفراء والخضراء والضاربة إلى الحمرة وإلى القاتم. جابر العبود بدا لعينيه وهو يجرف التراب بعزيمة، من أمام الماء المتدفق باتجاه المزروعات. وفي الجهة المقابلة للنبع شرقاً بدت شجرات أرض رزوق الحامد، وبدا بيته العالي، كأنه غابة من مطر واخضرار وسماء، امتزجت عبر الأيام.. صادفا زوجة سرحان العيسى، ومعها ولدها صديق، وبنتها الصغرى.. قال محمد الشحادة: ـ أنت يا أمَّ البنين تؤذين جمالك؟! تبسَّمت، ولم تجب وانصرفت عاجلاً إلى الحديث مع أم عمران، التي اقتربت منها، وصافحتها.. محمد الشحادة، رغم نه اجتاز أم البنين، وصديقَ وأخته لم يبتعد بنظراته عنهم..وحين لمح دخان سيكارة صديق يتصاعد عاد مسرعاً إلى جهته، وعلى ملامحه الغضب والغيظ. لم ينتظر حتى يصل إليه، فخاطبه من بعيد: ـ أنتم أولاد الملتقى، لا تقرؤون، ولا تعرفون أن تكونوا مهذبي النفوس.. أنت مثل ولدي أمين، تركت المدرسة، ولحقت الفوضى، وكأن الفوضى نعمة النعم.. هدأ صديق.. وصمت، واحمرّ وجهه،ولم يجب بأية كلمة عليه، لأنه حسب النتيجة، قبل الوصول إليها. قال في نفسه: "ماذا سأرد.. لا أعرف!!" زوجة سرحان العيسى، عاينت ولدها وسمعت كلمات محمد الشحادة، وهو يُوبِّخه على ملازمته الفوضى وتركه المدرسة والدراسة. جابر العبود المنشغل بسقي المزروعات والأشجار، بلغه أن محمد الشحادة صار قريباً منه، وبلغه أنه بدأ بلوم وتوبيخ صديق. بقيت نظرات زوجة سرحان العيسى متجهة إلى ولدها، وبقيت الحسرة تحزُّ في نفسها، حزّاً موجعاً. دخل السرور إلى نفس جابر العبود، حين رأى صديقه وجاره.. وسأله قبل أن يستمع إلى تحيته المركبة: ـ من أخبرك أنني هنا؟ ـ صياح الديك.. ـ صرت تفهم على الطير، ـ رأيتك وأنت تتجه قبل طلوع الفجر، وكان صياح الديوك يضجُّ في الكون.. لكنني لم أعرفك.. رأيت قامة ناهضة تسعى باتجاه النبع والدلبات.. يحيط بها صياح الديوك العالي، لكنني في تلك اللحظة لم أحددّ قامة من.. ـ من أخبرك ـ إذاً ـ بأن القامة الناهضة التي رأيتها تسعى إلى جهة نبع الدلبات مع صياح الديوك هي قامتي؟؟ ـ أخبرتني الخبر الأكيد أمُّ عمران، التي لقيتها وهي متجهة إليك. ـ وأنت إلى أين كنت متجهاً؟؟ ـ كنت متجهاً إليك أيضاً.. وقف محمد الشحادة، ومثله وقف جابر العبود، يرقبان حيناً الدخان المتصاعد من لفافة صديق، وحيناً أم عمران وزوجة سرحان، اللتين بقيتا تتحدثان عن النبع ورزوق، وعن البساتين، وعن ماري، وسحر، وعن محمد الشحادة وولده وزوجته.. كلمات أم عمران وأم صديق، بين الهنيهة والهنيهة تتضح فيفهمها جابر العبود ومحمد الشحادة. ثم تبتعد، ينقلها النسيم إلى جهة ثانية فيضيع عنهما فهمها. والنسيم، الذي أخذ يداعب الكلمات، فيتجه بها إلى هنا وهناك، أخذ أيضاً يتغلغل بين أوراق دلبات النبع، فيحركها، ويتحرك بينها، فتصدر أصواتاً هادئة حيناً وعالية حيناً. قال محمد الشحادة، وقد ارتاح لمرأى الماء المتدفق مع النبع باتجاه أرض ومزروعات جابر العبود، وارتاح أكثر، حين سمع صوت حركة أوراق شجرات الدلب.. قال: ـ دلبات النبع مثلك يا جابر، فرانة هذه النهار. ـ النبع صديقنا وصديق الدلبات. ـ صرنا ننسب النبع للدلبات، والدلبات للنبع، نقول: نبع الدلبات، فنعرف أيّ نبع نقصد؛ ونقصد دلبات النبع، فنعرف أية دلبات نقصد. ـ أراك اليوم مهتماً بنسبة النبع والدلبات.. ـ النبع كنية الدلبات، والدلبات كنية النبع.. عينا محمد الشحادة راكمت عليهما السنون تعباً زائداً وأبقت عليهما صدأ، ليس يسيراً على أحد، غسله، وتناسيه. إلاّ أن طريقته بالنظر، أكسبتهما مراناً، وأعطتهما مقدرة عالية على تجاوز الصدأ، والتعب.. تراقبان، أوراق شجرات الدلب، والتفاصيل، التي رسمتها عليهما الفصول والشرايين، التي خلقها النسغ واليخضور.. جذوع شجرات الدلب الراسخة، كأنها صوت النبع الصاعد من الأرض إلى الأفق.. كأنها حكايات ثرثرها النبع على صدر الزمان، فشمخت شجراً أخضر، تضج في أغصانه وأوراقه الحياة، وروح الأيام والإنسان، وروح التراب الخضيب. صوت مضخة رزوق الحامد، التي بدأت تضجّ في سمع المدى، قطع على محمد الشحادة، رحلة التأملات، وقطع على جابر العبود رحلة البهجة، التي ملأت نفسه منذ صياح الديوك، لكن روحه التي اغتنت بنضارة الحب والأرض والفكر والأحاديث، لم تخفها المضخة ولم تهزم فيها نداء الأمل. وبقي يجرف التراب من أمام الماء المتدفق.. مال ظلُّ شجرات الدلب مع الشمس التي أخذت دربها باتجاه كبد السماء. ومال سمع محمد الشحادة مع الظل، لأن صوت أم سائدة المكتنز أنوثة، صدح في أعماقه، كأنه يشتّت بقية الليل، ليبدأ دربه.. صوتها دخل إلى نفس محمد الشحادة كالنعاس، واستبدّ بكل مشاعره.. كانت تنادي زوجها: ـ يا رزوق.. يا أبا سائدة.. أسرع إلى البيت!! مع انتهاء حركة التاء، وغياب صوتها، بدا رزوق الحامد يمشي عجولاً عبر الدرب الصاعد، باتجاه البيت. قال محمد الشحادة: ـ رزوق لا يخالف نداء أم سائدة، ولا يتأخر عنها، حين تطلبه، لأي أمر.. لم يجب جابر العبود على كلام محمد الشحادة، بأية كلمة، لأنه انشغل بجرف التراب من أمام الماء، وانشغل أيضاً بزوجته التي أنهت حديثها مع جارتها. الأفق المزركش بالاخضرار ونكهة التراب البليل.. والسفوح المشرفة على السهل.. والصياح المتبقي عبر المدى، وصوت سحر الزهيري ملأ محمد الشحادة بهجة.. قال: ت حزيران هذه السنة جاء ومعه الخير يا جابر العبود.. التفت جابر إليه، فألفاه مأخوذاً بالنظر إلى الدرب حيث سحر الزهيري وسعاد الحمودة وآخرون. والتفت إلى زوجته فوجدها منشغلة باقتلاع العشب.. رزوق الحامد غاب عن النظر، وغاب صوته عن السمع. أما مضخته، فبقيت تضجّ في دنيا النبع، وبقي حاصد الدروك يعرج عرجاً يسيراً وراء الماء المتدفق، وفي رأسه تزهو.. وتكبر.. وتتنضّر قامة جابر، الذي لمحه، منذ قدم مع الفجر. حاصد الدروك، الذي ألف الإهانة، حتى صارت من روحه ونفسه، يعرف صفات الرجال، ويعرف أقدارهم، ويعرف النساء خير معرفة. يشمّ رغبة المرأة ويكشفها... ضجيج المخضة ظلّ يدوي، فيقتل في المدى الهدأة، ويذبح المتبقي من صداح وصياح، فيصير المدى صرخات مدوية، تطلقها مضخة رزوق.. قال جابر في نفسه: "الماء شحّن واليوم هو اليوم الرابع على التوالي، الذي أجيء على أرضي، لأسقي المزروعات، ورزوق لم يوقف مضخته، ما الذي نفعله معه؟! في المرة الماضية اختصمنا، وحاول أن يزعجنا بصهره عربش. ولولا وجود الناس الطيبين، لكان سبّب لي تعباً.. والآن هل أترك لـه أن يُميتَ مزروعاتنا؟!" تنبه محمد الشحادة، وعرف أن جابر العبود قلق بشأن المزروعات، وماء النبع، وقرأ في ملامحه الحيرة والأسئلة فبادره بالكلام: ـ ما رأيك أن أذهب إلى حاصد الدروك، وأطلب منه أن يوقف المضخة؟ ـ وهل يفعل ذلك؟ ـ يفعل ذلك، إذا كان بحاجة لك!! قال جابر، وهو يعاين مزروعاته وأشجاره، وقد استبدَّ بها العطش، وكاد الذبول، أن ينتشر في أوراقها، وأغصانها. قال: ـ حاصد الدروك، يريد مني أن أوظفه في المدرسة.. ـ وماذا ستوظفه؟ ـ آذناً.. ـ وهل ستقبل؟؟ ـ المهم الآن بالنسبة لي أن يثبت غصن الحسون مديراً للمدرسة!! ـ أليس غصن الحسون هو المدير؟ ـ هو المدير، لكنه ليس مستقراً، وبرهوم يسعى بكل مقدرته لإعادة ولده نجيب إلى المدرسة، وتسليمه إدارة المدرسة. ـ وهل يقدر على طرد غصن، وجعل ولده مديراً مكانه؟! ـ غصن تنقصه بعض الأوراق من الجامعة، سيحضرها بسرعة.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |