النبع ـــ حسين عبد الكريم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع

انزل سرحان الركاب في كراج مدينة بستان الملتقى بناءً على طلب برهوم:‏

تنزلني في كراج مدينة الملتقى..‏

غصن لم يرتح لأسلوب برهوم في تحديد وجهة السيارة، لكنه لا يستطيع فعل شيء..‏

قال بهدوء:‏

يا سيد برهوم: أنا وكل الركاب ذاهبون إلى مدينة المواسم، وأنت وحدك الذاهب إلى مدينة الملتقى.. هل يعقل هذا؟؟‏

ـ يعقل يا بن أخي غصن، لأنني سأدفع أجرة السيارة بأكملها، وبعد أن يُوصلني سرحان يمكنه أن يوصلكم..‏

ـ يتأخر علينا الوقت..‏

ـ وقتك ليس من ذهب. ولو كان من ذهب، كنت فعلت مثلي:‏

دفعت أجرة السيارة وحولت رحلتها إلى أيّ مكان تريد الذهاب إليه.‏

* * *‏

بعد مشقة ومكابدات وصل غصن إلى مدينة المواسم، وصل قبيل ترامي الليل وغياب علامات المدينة والنهار.. فتّش في ذاكرته عن عناوين أصدقائه وأقربائه، فلم يهتد إلى أيّ عنوان يفرح النفس، أو يدعو البال للراحة..‏

تذكر أمين ولد محمد الشحادة زميلة أيام المدرسة والجامعة، لكنه لم يعثر في الذاكرة على عنوانه.. قال في سرّه ولون العشاء يقبل كلون غيمة أدركها السواد والخوف، فلّمت شالها إلى غير مدىً محدد...: "أمين ترك سكن الجامعة.. ولا أعرف الآن أين هو؟" وقف حائراً على رصيف الليل.. فكّر بالنوم في أيّ فندق من فنادق المدينة، لكنه لم يجد نفسه راغبة في ذلك.‏

خاطب نفسه: "رغم أن المدينة ليست متخمة جداً، لكنها تصفع الأحلام بالغربة. قد تشبه بستان المواسم، وقد لا تختلف عنه كثيراً.. لكنها لا توسع المجال للقادم، ليستقرَّ باله فيها، ويهدأ..‏

بعد تفكير وتأمل رأى غصن أنه لن يوفق إلى عنوان لصديق أو قريب، وأن عليه أن يسعى إلى أيّ فندق يؤويه حتى الصباح، فالليل لا ينتظره.. وهو سيحاول أن ينهي العمل الذي جاء من أجله: إحضار الأوراق الثبوتية المطلوبة من الجامعة التي درس فيها، ونال شهادته منها.‏

* * *‏

وماري ترتب الكراسي الخشبية، التي تبقيها أمام دكانها وبيتها، عاد سرحان العيسى بسيارته عشاءً. شاهدها بتنورتها القصيرة.. وتمنى في تلك اللحظة لو يحظى بلقاء معها، لا يدري به أحد، لأنه يعرف أن ماري دخلت دائرة الضوء بل دائرة الشمس في أكثر من بستان، فشمست، وصار من يقصدها ويمكث لديها، ولو وقتاً قصيراً، يتهم بعشقها، عشِقَها, أو لم يعشقها.‏

رغم أسفاره الدائمة، على مدينة الملتقى والمواسم وسواهما، فهو لم يعرف النساء سوى زوجته.. على أن البساتين تعرف سيارته جيداً.. وتعرفه. وقف أمام بيت ودكان ماري لينزل بعض الركاب.‏

رمقته وهو يفتح الباب، وينزل، لكنها لم تكلّمه، ولم تكثر من النظر إليه.‏

ماري ترغب بالاقتراب منه ومصاحبته؛ لكن رغبتها ظلت كرغبة طائرة صغير يريد أن ينقل حجراً كبيراً.‏

انصرفت نظراته إليها، ثم عاد إلى الركاب. قال في نفسه وهو يرقبها وهي تكنس الفسحة التي أمام البيت و ترتب الكراسي بحذاء بعضها:‏

"زوجتي هي وحدها راحتي وحبي، وغيرها هباء بهباء".‏

صعد السيارة، وأسند ظهره بثقة وأمسك بالمقود..‏

انطلقت السيارة.. وسبقها صوتها باتجاه السفح المؤدي إلى الساقية فبستان الملتقى، تراءى لسرحان من بعيد رجل.. بان ظله، كشفه ضوء السيارة العالي.. لم يعرفه أو الأمر. تابع السير باتجاه السفح، والظل اقترب أكثر أمام الضوء. حين رآه عن كثبت قال لنفسه:‏

"إنه حاصد الدروك؟!"‏

لم يتمهل سرحان قرب حاصد، ولم يعره انتباهاً، حتى ظن حاصد أن سرحان لم يره.‏

أضواء بيوت بستان المواسم ظهرت لعيني سرحان، وهو ينحدر باتجاه الساقية، وظهر لـه بشكل واضح ضوء بيت جابر العبود..‏

* * *‏

محمد الشحادة وعيسى الحميدة وولد أخيه وجابر العبود جميعاً جلسوا أمام بيت جابر، بعضهم، جلس على الكراسي، وبعضهم جلس على المقعد الخشبي.. واستراحت أمامهم مائدة أم عمران السخية ما أمكنها: طبق القش الواسع تزدحم عليه الصحون.. والكؤوس.. وإلى جوارهم تستريح دراجة جابر الحمراء المعذبة.. وإلى يسارهم بيت الدجاجات، وأمامهم يترامى السهل فسيحاً يغطيه الليل، فلا تظهر منه إلا الأضواء العالية..‏

محمد الشحادة لم ينتظر حتى يدعوه أحد على شرب كأسه. بل تناولها قبل الجميع: أخذها بكلتا يديه، ورشف منها رشفة ملأت حلقه.. ثم أعادها إلى طبق القش.‏

عيسى الحميدة ظل مطرقاً كبغل مرهق، هدّه الظمأ والجوع. وابن أخيه فعل مثله: لم يشرب، ولم يأكل. لكنه لم يطرق. بل أشغل عينيه بالنظر حيناً إلى السهل، وحيناً إلى محمد الشحادة، وحيناً إلى ملامح جابر العبود الصارمة، التي أشعرته بأن التخوم تبدأ من هذه الملامح وتنتهي عندها، وأن أحداً لا يمكنه زلزلة جابر العبود ودحره، وإن الخلافات لا تنتهي إلا في حضوره، وأن بستان المواسم هو بستانه.. وكل البساتين المجاورة تشهد لـه بالحزم والثقة والدراية واحترام الجيران.‏

بعد الرشفات الأولى المتلاحقة التي رشفها من كأسه، نسي محمد الشحادة أن يعاين حذاءه الجلدي، ليتأكد من نظافته.. وأحس بالصدأ الذي يكبّل روحه يتفكك. نظر بمودِّة: إلى جابر فرآه يمضغ بعض الطعام على مهل.‏

قال لـه وقد استبدّ به الشوق إلى الكلام:‏

ـ أنت يا ابن العبود سيرة محمودة، وهمة مشهودة، ونظرة غير محدودة، وكلمة معدودة. تبسّم جابر فبانت أسنانه وقال:‏

ـ أراك انطلقت بالفصاحة.‏

ـ لا بدّ من الفصاحة في حضرة الصراحة..‏

قال محمد الشحادة كلماته وأشار بيده إلى جابر. عيسى الحميدة لا يعرف أن يتكلم لا بالفصاحة ولا بسواها، وشكله يُنبئ عن خراب بشري قادم: عيناه تشبهان جرنين صغيرين ي صخرة، وأنفه عريض ومتقدم في وجهه كأنه بندقية قد تنطلق نارها في أية لحظة على الحاضرين.. وشعر رأسه مائل إلى الصفرة، وكأنه صُبغ بالروث اللزج وشيء من الوحل الرخو كثيراً..‏

وثيابه ليست أحسن حالاً من شكله.. وروحه استمدت خصائصها من شكله وثيابه.. وابن أخيه رغم فتوته ليس خيراً من عمه، من حيث النشأة الروحية والاجتماعية.. بعد هدوء قطعته الأصوات المنطلقة من السهل أو من بيت جابر العبود، تكلم مجيد الحميدة:‏

أنا وعمي عيسى جئنا إلى عندك يا أبا عمران، لنحكي لك حكاية البقرة التي سرقت منذ وقت وعثرنا عليها..‏

قال جابر:‏

ـ كنت يومها مستيقظاً.‏

ـ نسيت أنك ساعدتنا في البحث عنها في ذاك الليل.‏

ـ والآن ما هي حكاية البقرة الجديدة؟‏

ـ الحكاية أن ولدها مات، وأن الذي سرقها عرفناه.‏

ـ من هو؟‏

ـ هو حاصد الدروك.‏

ـ أعرفه.. لكنني لا أعرف إن كان هو سرقها أو سواه..‏

أكد مجيد:‏

هو نفسه سرقها.. وأخبرنا بذلك من شاهده وهو يسرقها.‏

تدخل محمد الشحادة، وقد دارت الخمر في رأسه دوارها الحميم إلى نفسه:‏

ـ ألا تذكر حاصد: يوم اختلفت أنت ورزوق بسبب ماء النبع؟!‏

قال جابر:‏

ـ كيف لا أتذكر يا محمد؟‏

عاد مجيد الحميدة إلى الكلام:‏

ـ ما الحل برأيك يا سيد جابر؟؟‏

لم يجب جابر العبود على سؤال مجيد. بل انصرف إلى التفكير بحاصد الدروك وبرهوم الحبيب ورزوق الحامد وماري. ثم عاد إلى الكلام بعد صمت وتأمل قصيرين:‏

ـ من أخبركم أنّه هو الذي سرق البقرة؟؟‏

ـ أخبرنا غزال موجه المدرسة.‏

ـ أية مدرسة؟‏

ـ مدرسة المواسم.‏

ـ عرفته أيضاً يا مجيد، لكنني لم أجد الحل.. والأفضل أن تناموا على حكاية البقرة وسرقتها، وإلاّ ستقعون في نزاع ومشكلة.. وأنا من طرفي أعين عمك بشيء من ثمن ولد البقرة.‏

رفع عيسى الحميده رأسه، ولم يتكلم؛ تعبيراً منه عن رفضه لإعانة جابر. حين رأى مجيد عمه وهو يرفع رأسه عرف أنه يرفض معونة جابر فقال:‏

ـ عمي لا يقبل الإعانة.‏

عيسى الحميده لم يتكلم، بل أشار برأسه لابن أخيه؛ لينهض، معلناً بذلك انزعاجه، من أنه لم يجد حلاً يعيد لـه ولد بقرته.‏

وقف مجيد ومثله وقف عمه عيسى، ومحمد الشحادة وجابر العبود..‏

ازدادت علامات التميز والتفرد عند عيسى حين قام، فبانب قامته القصيرة، ورقبته الغارقة بين كتفيه، وظهرت "فردتا" حذائه المختلفتان، اليمنى صفراء مثل شعر رأسه والثانية سوداء.‏

محمد الشحادة جميع سترته، وأدخل أزرارها في عراها، ومدّ يده إلى رأسه، فرفع بأنامله البقية الباقية من شعره؛ وانصرف بنظراته إلى حذائه، ليتأكد من سلامته الفنية ومن نظافته..‏

جابر العبود كعادته يلبس دائماً بنطلوناً متيناً وسترة تتناسب وملامحه العامة ، ويلبس حذاءً جلدياً ليس ممزقاً، لكنه ليس نظيفاً كحذاء محمد الشحادة.. قامته أكثر طولاُ من قامة محمد الشحادة، لكنها أكثر امتلاءً وانسجاماً وتناسقاً.‏

محمد الشحادة لا تنيجم يداه مع كتفيه، بل تبدوان كأنّهما متصلتان بكتفين غير كتفيه. وصدره كشباك خشبي على مدخل الريح، وساقاه لا تلتقيان ولا تتقاربان، كأن كلّ ساق تعمل باتجاه مختلف.. أهم ناظم ينظمٍ، ويعطيه ميزه: حذاؤه الملمّع في كل الفصول، وقلبه الواسع للحب والفقر والكلام والذكريات..‏

ودع مجيد وعمه عيسى جابر ومحمد الشحادة وانطلقا عبر ليل البساتين باتجاه بستان القمح. قال مجيد:‏

ـ تصبحان على الخير‏

ورد جابر:‏

ـ وأنتما بخير!‏

ومحمد الشحادة لم يترك حصته بالوداع، وهو اللهوف إلى الوداعات والكلام:‏

ـ بوركت يا بن أخي يا مجيد الأيام، وبورك الأهل والأقرباء..‏

ضحك مجيد.. وعمه عيسى فكر بأن يضحك. ولعله ضحك. لكن شفتيه لا يظهر عليهما الضحك، وأسنانه كذلك.‏

أسنانه سوداء من كثرة الأوساخ المتراكمة والدخان، وشفتاه سوداوان منذ سقط من بطن أمه كما تروي سيرته والبساتين. والضحك من الصعب عليه أن يظهر وسط السواد:‏

يضيع ويتلاشى.. ولا يبدو للناظر، وإن بدا فيظنه من يراه أنه نوعٍ من اللعاب المصنّع خصيصاً لعيسى، أو أنه بقية حذاء أسود، تعثَّر في مضغه عيسى، فظلًّ يعلكه ويلوكه من غير طائل.‏

مشى مجيد وخلفه مشى عمه باتجاه الساقية، الحدّ الفاصل بين بستان القمح، وبستان المواسم. مجيد أمسك بيده المصباح الصغير، ليضيء لـه ولعمه الدرب المنحدر، المحوّط بالأشجار، وليضمن لنفسه ولعمه السلامة من الأفاعي، التي تسرح في الليل، وتنام في النهار.. وأحياناً تسرح في الليل والنهار. عيسى يعرف كيف يقتل الأفاعي حين يراها.. لكنها إن لدغته قبل أن يلمحها فالأمر مختلف. وليس يسيراً على أية أفعى أن تلدغه!!‏

جابر العبود ومحمد الشحادة عادا إلى جلستهما، وأمامهما الكؤوس والصحون وإبريق الماء والخبز.‏

تناول محمد الشحادة كأسه بيده اليمنى، وأقبل بها على فمه، فعبَّ منها ما التذَّ به، ثم أعادها..‏

جابر أخذ كأسه بهدوء، ورشف منها رشفة يسيرةً، وأكل بعدها قطعة بندورة قال لمحمد الشحاده وهو يشير بيده إلى صحن البندورة:‏

ـ أراك لا تمد يدك إلى صحن البندورة !! ذقها.. إنها من أرضي التي قرب المنبع.‏

ـ نسيت أن أمدَّ يدي إلى صحن البندورة وأي صحن غيره، لأن حديث مجيد وعمه شغلني.‏

ـ لا تشغل بالك كثيراً بحديث مجيد وعمه.. بيت الحميده هذه هي طباعهم دائماً: نفوسهم صغيرة، ويختلفون مع بعضهم من أجل أي أمر.. فكيف إذا كان الخلاف مع حاصد الدروك؟!‏

ـ مجيد هذا كان مسافراً.. متى عاد؟؟‏

ـ يسافر ويعود على هواه.‏

ـ مرّةًَ منذ شهور حدثني عنه أحد المسافرين.‏

ـ ماذا قال لك عنه يا سيد محمد.. وإلى أين كنت مسافراً قبل أشهر؟؟‏

ـ كنت مسافراً إلى ولدي في المدينة.‏

ـ إلى ولدك أمين؟‏

ـ نعم..‏

ـ جابر في هكذا جلسات ليليّةٍ يعيش بهجة خاصة.. يعيش هانئاً هادئاً.. بسيطاً.. متدفقاً كجدول ماء يضحك.. ويحكي.. ويروي سيرة الناس والأيام والليالي والبساتين..‏

أسند ظهره جيداً إلى جدار بيت الدجاجات. ومحمد الشحادة راح يروي كيف التقى بالرجل الذي حدثه عن مجيد الحميده، وعن أفعاله وأموره:‏

سافرت يومها في سيارة سرحان العيسى. جلس إلى جانبي رجل في منتصف عمره.. لا يدخن.. طلب مني أول الأمر أن أمتنع عن التدخين:‏

ـ هل يسمح العم بأن أطلب منه طلباً خاصاً؟‏

ـ تفضل يا بن أخي.‏

ـ أتمنى منك أن تمتنع عن التدخين، لأنني مريض.‏

ـ أنا بأمرك يا بن أخي.‏

ـ من أين أنت يا عم؟‏

ـ أنت لست من هنا.‏

ـ أنا من هنا، لكنني تركت البساتين منذ سنوات.. أنا لا أذكر أية ذكرى لي في كلّ البساتين، لأنني يوم هاجر أهلي كنت طفلاً صغيراً لا أعرف طلوع الشمس من غروبها.‏

ـ أنا من هنا من بستان الملتقى.‏

ـ أهلاً بك.‏

ـ وبك أكثر.‏

ـ أريد أن أسألك عن رجل من هنا؟‏

ـ من أي بستان وما اسمه؟‏

ـ اسمه مجيد الحميده. قال: إنه من بستان الملتقى.‏

ـ .. ماذا تريد أن تسألني عنه؟؟‏

ـ أين هو الآن؟‏

ـ لا أعرف.. لماذا لم تذهب إلى أهله وتسأل عنه.‏

ـ سألت أهله عنه.. قالوا لي: إنه غائب منذ فترة.‏

ـ وهل ديّنته ديناً، وجئت تطلبه منه؟؟‏

ـ أكثر من الدين: قصدنا يوماً في المدينة..‏

قال لنا لي ولأمي وأبي: إنه يدرس في الجامعة،.. وإنه متضايق يريد أن يسكن، فأسكناه في بيتنا.. ثم غاب فترة وعاد، فأسكناه..‏

والمعروف هذا الذي قدمناه لـه أعاده لنا شراً وسوءاً.‏

ـ ماذا فعل بكم؟‏

ـ ذهبت أنا إلى عملي.. وأمي وأبي بقيا نائمين.. وأختي ذهبت إلى دراستها.. وأولادي وزوجتي كانوا في غرفة مجانبة لبيت أهلي.. في هذا الوقت، وأنا غائب فتح مجيد الخزانة وأخذ كل ما وجد فيها. حتى الثياب أخذها.. بحثنا عنه طويلاً فلم نجده.. جئت أنا إلى هنا، إلى حيث أهله فلم أجده، وقالوا لي: نحن لا نعرف عن مجيد شيئاً.. وأنت كاذب في أقوالك عنه..‏

أنهى محمد الشحادة كلامه، وجابر مسند ظهره إلى جدار بيت الدجاجات يصغي إلى الحديث.‏

أم عمران في الداخل لم تنم، وسمعت كلّ كلمة قيلت: سمعت حوار مجيد وجابر ومحمد الشحادة، وسمعت الحديث عن مجيد.. وتذكّرت الحكاية الدائرة في البساتين التي روتها لها أكثر من مرّة أم أمين عن أقرباء بعيدين لعائلة بيت الزهيري، هاجروا من بستان الملتقى منذ وقت بعيد.‏

وجد جابر العبوبد نفسه، يتأمل وجه محمد الشحادة، الذي رسمت عليه السنون تجاعيدها وغضونها. ولم ينس أن يعاين وجه المساء المقبل، كأنه قوافل تجرجر وراءها ذيول غبش ومتاهات..‏

جابر العبود بعدُ لم يشب شعره، وملامحه لم تطعنها سهام الأيام طعنات قاسية. بينما محمد الشحادة ظهرت آثار الخيبات على ملامحه.. وهو أكثر سناً من جابر.. وأشدّ بؤساً، وحاجة.‏

جابر إذا وجد نفسه أمام أمر صعب غليظ، وبعيد مناله، يبتعد بنفسه عن ذلك. قد يؤنس روحه بالقراءة، أو بالكتابة. ولا يترك المجال متاحاً أمام المكابدة ومرارة الفشل.. أما محمد الشحادة، فلا يعرف كيف يهرب من أصغر الانتكاسات. وترجيعه إزاء الأمور سريع. ولا يحسب حساباً للقضايا الأساسية في حياته..‏

قال جابر:‏

ـ أراك ـ على غير عاداتك ـ اغتظت، وبان عليك الإرهاق، وأنت تحكي حكاية الرجل، الذي لقيته في السيارة، وحدثك عن الغدر.‏

ـ تذكرت نفسي، وغدر برهوم الحبيب.‏

محمد الشحادة عاد إلى جلسته المعتادة.. عبّ نفساً عميقاً من لفافته، ثم رشف من كأسه رشفة واسعة، ذهبت بنصف الكأس.. جابر لم يشغل نفسه كثيراً بكأسه، بل تجاهلها، ولم يشرب منها إلى رشفات يسيرة.. بقي ينظر إلى مدى البساتين، وإلى الظلام، الذي بدأ ينسج عباءته السوداء، وينشرها عبر الآفاق.‏

سأل:‏

ـ هل عرفت الرجل الذي حدثك عن مجيد؟‏

ـ قال لي: إنه من الملتقى..‏

ـ نعم هو من الملتقى..‏

تأمل محمد الشحادة كلمات جابر، وقرأ في عينيه سراً بعيداً، لكنه لم يجد الفصاحة الكافية في نفسه للاستفسار من جابر عن السرّ الذي بدا في عينيه لكن لم يترك الحيرة تأكل نفس محمد الشحادة، وعاد إلى الكلام:‏

ـ الملتقى واسع يا محمد الشحادة، لكن واحداً مثلك ينبغي أن يعرف كلّ أسراره وكلّ حكاياته وأحداثه.‏

ـ ذهاب أرضي ذهب بذاكرتي وعقلي..‏

ـ حكاية أرضك لا تختلف كثيراً عن حكاية جد الرجل الذي حدثك عن مجيد الحميده.‏

حاول أن يسأل عن حكاية جد الرجل لكنَّ صوت مرجان الزهيري، وغصن الحسون، جاء من شرفة الأفق فسدَّ الحكاية والحديث.. نهض جابر، واتجه إلى حيث بقي صدى صوت مرجان الزهيري:‏

ـ أين سيد القوم، وحارس نبع الدلبات، وأستاذ مدرسة البساتين؟!‏

الصوت خاطب في روح جابر أياماً كانت غائبة عن باله، وأحيا في أنفاسه حكايات، كانت في طور الصدأ، والنسيان.. مرجان وجابر من جيل واحد، وبدأا الطفولة وسنوات المدرسة الأولى معاً، إلاَّ أن مرجان أخذته الشقوات، وريح الأيام إلى مداراتها.. وجابر العبود نهج نهجَ الحياة والدراسة، وبنى في ربوع الأيام اسماً، صار مع الأيام،ن كالقلعة.. بكرّ جابر العبود في الصحو والشجاعة.. وبكرت في روحه فصول المعرفة والبساتين.‏

قال جابر:‏

ـ صحتك جيدة يا مرجان.. وروحك أيضاً جيدة..‏

ـ أنت سيد الأسياد..‏

قامة الليل بدأت تتقدم بأشباحها.. وبدأ المساء يغيب رويداً في جحر الليل.. بدا ينحسر.. ليصير واحداً من أفراد عائلة الليل.. وصخب البساتين أخذ يتعب.. ويضيق ويتلاشى..‏

عاين جابر الليل وهو يفرش لحافة الأسود الواسع على المدى والجهات، أحسّ به كغاية من ظلام فسيح، تتسع، وتترامى..‏

وجه مرجان الذي غضَّنته الأيام، وجرحت فيه الشجاعة، وأدمت في ملامحه عناوين الشباب والتألق، بقي يوحي بأن هذا الرجل يضمر في أعماقه حباً كبيراً لجابر العبود، ويضمر جرأة خاصة، ووفاءً خاصاً..‏

غصن الحسون، لم يفاتح الليل بأيّ كلام أو تحيات، وأوى إلى الكرسي المجاور لكرسي محمد الشحادة وراح ينظر حيناً، إلى الحاضرين.‏

الفسحة التي أمام البيت، واسعة، وتشرف جيداً على سفح بستان الحنطة، وعلى الدرب المؤدي من بستان الحنطة، إلى بستان الملتقى.. وعلى بيت والد غصن.. وعلى السهل، وشجرات النبع..‏

قال محمد الشحاده:‏

ـ غابت شجرات النبع وسط الليل، لكن صوت مضخة رزوق الحامد لم يغب.‏

أنصت جابر، فسمع صوت المضخة.. وشاهد ضوءاً كسولاً، يتحرك في جهات أرضه.‏

صوت المضخة، يضجُّ في مسمع الليل، ومسمع جابر العبود، ومحمد الشحاده، أمّا مرجان الزهيري، فقد وجد نفسه منشغلاً كلَّ الانشغال، بحكاية بنته سحر، ومحاولات نجيب برهوم الحبيب، إعادتها إلى بيته.‏

غصن، رغم انشغاله، بقصة أوراق الجامعة الثبوتية، التي طلبت منه، ورغم اهتمامه بأمر سحر مرجان الزهيري، التي وعدته، بأن تُفكِّر بأمر حبه لها، وأن تجيب على اهتمامه، بالرفض أو القبول، وألاّ تزعجه بهذا الشأن. رغم اهتمامه بسحر والأوراق، فقد بقي يتسلّى بالنظر إلى الجالسين، وكأنه وجد في ذلك عملاً وتسلية..‏

قال مرجان:‏

ـ كيف أمر ولدكم يا أبا أمين؟؟‏

أجابه محمد الشحاده:‏

ـ ولدنا أمين لا يهمه من الدنيا إلاّ أن يأكل، ويشرب، وينام. وزوجته كفلت لـه كلّ ذلك..‏

ـ وزوجته ماذا تعمل؟؟‏

ـ تعمل موظفة؛ ولديها مأوى، يأوي إليه ولدنا، متى تعب من السهر. ومتى وجد نفسه لا مكان لـه سوى بيت زوجته..‏

ـ أنت يا محمد الشحاده، ذاكرة بستان الملتقى، ووجه من وجوهه المعروفة، وولدكم أمين فرع من أصل..‏

تهلل وجهه، وازدادت الغيمة البيضاء، التي أتت إلى روحه، اتساعاً ورذاذاً..‏

جابر عرف أن مرجان، يريد أن يُحرِّض محمد الشحاده، ليبدأ الكلام عن البساتين وأحداثها.. قال في سرّه: "محق مرجان، في تحريضه لـه، لأنه يروي الحكايات والأمور، التي يسمعها، ويعرفها، ويحسّ بها، ويؤولِّها، ويعطيها أبعاداً، ويشرحها شروحاً مختلفةً. وهو بذلك يسلِّي الحاضرين، ويحكي لهم سيرة البساتين، والناس".‏

أعاد محمد الشحاده، كأسه إلى موقعها، ورمى ببقية لفافته، التي بللها لعابه، وأتعبها عضُّه، وبدأ الكلام:‏

ماري بنت الدريوسي، من أجمل صبايا البساتين، أعرفها منذ كانت طفلة، وأعرف قبلها والدها وأمها، وأعرف حارتها، وحارة أهلها.‏

وأعرف قصتها كاملة: والدها من يوم يومه ذليل، وتعيس، ورعديد، وخادم عند برهوم الحبيب: يعمل في أرضه ويخدمه ويخدم ضيوفه. ولا يرفض لـه طلباً أو رغبة.. وزواج ماري من صديق برهوم :"العُتل" لـه حكاية طويلة، يعرفها جابر العبود، وتعرفها البساتين.. أما زواجها الثاني من محروس السطوف، فحكايته أعجب من حكاية زواجها الأول من "العُتلِّ"..‏

انقطع محمد الشحاده عن الحديث، لأنه انشغل بلف لفافة جديدة، ولأنه لم يرد أن يتابع حديثه، وجابر العبود غائب.‏

أم عمران سرقها النعاس، فغفت وهي جالسة، تستمع إلى الحديث.. ونسيت أن تغلي ـ كعادتها ـ الشاي لولدها عمران.‏

أحسّ جابر بالأسف يضجّ في روحه، إذ رأى زوجته تغفو من ضجرها ووحدتها. أحس بالخطأ، لأنه أبقاها وحدها، ولم يشاركها مساء ها، أو يترك لها فرصة السهر عند أم غصن، أو سواها من جاراتها.‏

ليل البساتين الذي نشر عباءَته الواسعة، فغطى المدى، والجهات، لم يداهم حلم جابر.. ولم يشعره بالتعب، ومثله ولده عمران، الذي بقي يقرأ حيناً، وينظر من النافذة حيناً، وكأنه بنظراته هذه يرضي شوقاً عارماً في نفسه:‏

هو شوقه للقاء رجاء.. ولم يبتعد بسمعه عن حديث محمد الشحاده، ومرجان، بل وجد أذنيه راغبتين بالإصغاء أكثر..‏

عاد جابر إلى كرسيه، وترك أم عمران نائمة. ونسي أن ينادي عمرانَ ويسأله عن حال دراسته ويدعوه إلى الجلوس.. لم يفعل ذلك، لأنه نسي، ولأنه في لاوعيه، يتمنى لعمران أن يكون متفوقاً في دراسته وأن يكون الأول في صفه..‏

من جديد شرع محمد الشحاده بالحديث عن ماري والبساتين وشرع مرجان وغصن بالإصغاء.. إلاّ أن صوت ماجد العبود جاء كالرعد:‏

ـ أين أنت يا جابر؟؟!!‏

* * *‏

مرجان الزهيري لم تنقطع علاقته بالمدينة: بين الشهر والشهر يزور أهل زوجه حاملاً الأغراض والحاجات، وظلّ الممثل القوي لـ عباس حامضة في البساتين. وأم هاجر ظل على صلة وثيقة به وبابنتها هاجر أكثر من صلتها بـ رزوق وزوجه.‏

ومجيء مرجان وغصن إلى بيت جابر سببه مجيد الحميده، وفعلته السوداء التي فعلها بخزانة جيران عباس حامضة، يوم استضافوه..‏

الخزانة أكثر أغراضها ثياب وحاجات لا حول لها ولا قوة في دفع البؤس عن أحد، لكن الأذى بشعٌ ومخيف في جميع أحواله وأشكاله.‏

والمصادفة أن الصهرين ماجد ومرجان استنفرا همتهما، وحضرا إلى بيت جابر، وطلبا منه أن يحلَّ مشكلة سرقة الخزانة، التي حصلت منذ سنوات. جيران عباس لم يفقدوا الأمل في استرداد الأغراض أو التعويض.‏

وزوج عباس أرادت أن تمتحن واقع حال إطاعة صهريها لبنتيها:‏

مرجان بالدرجة الأولى، وماجد بالدرجة الثانية، أما رزوق فقد فقدت الرجاء بالاستفادة منه، لأنه على قدر كبير من الشحِّ والتعاسة، مما جعل أم زوجه الطمَّاعة تنأ ى عنه، رغم ثرائه.‏

أم هاجر تشعر بشيء من المسرّة إزاء مرجان:‏

عندما يبدأ قطف الزيتون، لابدّ أن يخصص لأهل زوجه ما يكفيهم من حبات الزيتون الخضراء المنتقاة..‏

وفي موسم التين لا ينسى أن يحمل لهم سلتين أو ثلاث أو أكثر..‏

وإذا طاب لأم هاجر وعباس زيارة ابنتهما، فهو يحتفي بهما أيما احتفاء، ويصطحبهما إلى بيوت الأقرباء، وإلى الأرض القريبة من الساقية، حيث شجرات التين والعرائش ذات العناقيد، السوداء، التي تطلبها أم هاجر:‏

عناقيد عريشة أرض الساقية لها طعم ألتذّبه، ومثلي عباس.. أليس صحيحاً؟!‏

وتتبع سؤالها بنظرة حادة، فيفهمها عباس، ويجيب عليها الإجابة التي تريدها..‏

يفهم نظراتها فهماً سريعاً. وإذا يخطئ تمطره بوابل اتهامات وإهانات وشتائم.. لا يعنيها كثيراً أو قليلاً إلاّ على هواها ورغباتها وهو راضٍ ومقتنع.‏

إذا أرادت أن تهديه مسرّة صغيرة أو ابتسامة خاطفة، لا تقدم المسرّة أو الابتسامة إلاّ على طريقتها وبعد أن تقبض مقابلها المزيد من المديح منه، والكثير من المذلة، يعلنها بين يديها.. وهذه العلاقة التي عرفتها هاجر بين والدها وأمها، حاولت إنجازها بينها وبين مرجان، وقد نجحت.. حتى أنه غدا ظلّها: يضحك ويحزن، يزور الجيران أو يبقى في البيت. يوافق على زواج سحر أو يرفض كما تريد هاجر..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244