النبع ـــ حسين عبد الكريم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثامن

ـ "آب اللهاب" يا أم أمين لا يترك البندورة لا أسبوعاً ولا أياماً، حتى يجعلها ناضجة.‏

ـ سعرها في / البازار/ جيد؟؟‏

ـ جابر اليوم أخذ كلّ الذي "حوشناه"، إلى /البازار/ ونتأمل أن يكون السعر جيداً، وأن يتيسَّر جابر بالبيع.‏

ـ جابر رحل مكين، ويعرف / البازار/ وحركته، ولا يمكن لأحد أن يلفَّ عليه ويدور.‏

ـ لكننا هذه السنة وقعنا في ضائقة، وجابر ـ كما تعرفين ـ لا يوفِّر قرش اليوم الأبيض لليوم الأسود: الذي يصل إلى جيبه تنفقه يده.‏

ـ هذه عاداته يا أم عمران من يوم يومه.. وقبله كان أبوه مثله..‏

ـ نتأمل الخير واليسر والتوفيق.‏

ـ مع من أخذ الصناديق.. مع سرحان العيسى، أو مع زوج ماري؟؟‏

ـ مع زوج ماري، لأن سرحان سافر بالركاب مع صياح الديك.‏

ـ معنى هذا أنّه سافر إلى المدينة..‏

ـ لولا أنه منطلق إلى المدينة كان تأخر في سفرته.‏

ـ سرحان وزوجته وبنته وأولاده لا يسيئون للجيران، ويحترمون الناس.‏

ـ الحق يحق والباطل يبطل: جاورناهم سنين وسنين، ما رأيت منهم إلاّ كلَّ خير..‏

ـ وسرحان يقدر زوجته، ولا يخونها..‏

ـ لم أسمع عنه: أنّ عينه زائغة، أو أنه يحبّ السوء.‏

ـ سمعت أن (ماري) أرسلت إليه المراسيل، وطلبت منه أن يزورها، لكنه لم يردّ على مراسليها، ولم يزرها.‏

ـ ماري لا تترك أحداً ينجو من شرورها وخبثها.. وزوجها كالبغل لا يحلّ ولا يربط، ولا يعرف ما الذي تفعله ماري.‏

ـ وإذا عرف، هل يمكنه أن يفعل أيّ شيء معها؟!‏

ـ ولا يجرؤ على التكلم معها بأيِّ أمر من الأمور.‏

ـ هو كلب.. ولولا أنه كلب، هل كان يترك زوجته للرائح والغادي؟!‏

أم عمران وأم أمين ملأهما ظلُّ أغصان شجرة التوت شعوراً بالراحة، وهما تعانيان الهاجرة المقبلة باللهيب والحرِّ الشديد,. أم عمران تمنت أن تكون استمرت في مشيتها، حتى وصلت إلى البيت، ثم استراحت. أما الآن، وقد همدت همتها، وتفيأت من حرِّ "آب اللهاب"، استطابت الجلسة، وأحسّت برغبة زائدة بالبقاء، وبالنوم على المقعد الخشبي المجاور لشجرة التوت. لكنَّ صوت أم أمين، ظلَّ يقطع عليها سهوها: كلما سرقها الغفو، يجيئها صوت أم أمين:‏

ـ كيف دراسة عمران؟؟‏

ـ بخير.. وجيدة.. عمران يتعب على نفسه.. فهو هذه الأيام يسهر كثيراً، ولا يأكل إلا قليلاً..‏

ـ رجاء مع عمران في صفٍّ واحد..‏

ـ رجاء صبية الصبايا.. تشبه أمها: طويلة مثلها، وشعرها يصل إلى أسفل ظهرها.. ووجهها منضَّر، وهي خجولة، والخجل في الصبية زينه..‏

ـ إن تشبه أمها خير لها من أن تشبه والدها، لأن سرحان قصير، وحظه من الجمال قليل.‏

جمعت أم أمين منديلها على رأسها، ونهضت باتجاه مدخل البيت.. فتحت الباب الخشبي العريض، واتجهت إلى حيث الإبريق.. والكاسات..‏

أما أم عمران، فقد غفت على المقعد، ونسيت أن تسند رأسها إلى الخشبة العارضة، فظلَّ يتأرجح: تسهو فيهبط رأسها باتجاه صدرها، فتستيقظ، وتعيده إلى وضعه.. فيعود إلى الهبوط.. إلى أن عادت أم أمين، ومعها الإبريق وكأسان.. قبل أن تجلس قالت لها:‏

ـ شايفتك نمتِ يا أم عمران؟‏

ـ بكّرنا اليوم بالذهاب إلى الأرض!‏

ـ مسحت أم عمران وجهها بكفيها، ونظرت إلى أم أمين، وقد حملت الإبريق وكأسين، فعرفت أنها ستسقيها الشاي أو (الزوفا). إبريق أم أمين مسودٌ كثيراً، حتى لا يعرف الناظر ما هو لونه الحقيقي..‏

قالت أم عمران:‏

ـ خائفة من أن يكون عمران نسي أن يفتح باب بيت الدجاجات.‏

ـ تأملي الخير ولا تتأملي الشرّ يا أم عمران.‏

ـ عمران هذه الأيام لا ينتبه إلى شيء إلى لقراءته.‏

سمعت رجاء كلمات أم عمران، وسمعت كلمة عمران وهي تردّدها، فعرفت أن الحديث يدور حول الدراسة والبيت.. نظرت من وراء الشباك إليهما.. لكنها لم تظهر نفسها لهما..‏

* * *‏

وصل زوج ماري ومعه الصناديق، فوجد جابر العبود ينتظره عند أولّ /البازار/.. ضرب زوج ماري البغل ليسرع باتجاه جابر.. ونزل عن العربة الخشبية التي يجرها البغل حيث تراصت الصناديق فوق بعضها.. نزل وأمسك لجام البغل، ليضمن حركته حيث يشير لـه جابر.‏

سأل جابر زوج ماري:‏

ـ لماذا نزلت عن العربة؟؟‏

ـ لأن البغل تفكيره ضعيف، ولا يسمع الكلمة..‏

أشاح جابر بوجهه عنه، ليخفي ضحكته، التي لم يقدر أن يغمدها، إلا بعد لحظات..‏

على البوابة البازار العالية والعريضة كتبت كلمات قليلة:‏

/بازار/ المواسم العام.‏

قرأها جابر، ولم يقف عندها.. بل أسرع إلى حيث وقف نصر يراقب حركة البيع والشراء، والصناديق..‏

من بعيد لمح نصر جابر، ولمح وراءَه محروس؛.. وعرفه.. وكيف لا يعرفه وزوجته ماري، أشهر من نبع ماء على مدخل صحراء، لكن النبع آسن؟! زوج ماري ظلّ ـ كعادته ـ يرفع رأسه، ويشفط الهواء من أنفه، فيصدر صوتاً غير مستحبٍ.. يرفع رأسه ويميله.. ويتنفس الهواء من أنفه، ثم يغمز، من حيث لا يدري، عينه اليسرى، وكأنه يشير للبغل إشارة ذات معنى بعيد، لا يفهمه إلا البغل.‏

وصل ووصل البغل وهو يجر العربة الخشبية المثقلة بالصناديق.. حين وصل إلى حيث نصر رفع صوته المعهود مخاطباً البغل:‏

عندك.. لا تتحرك.. اسمع الكلمة..‏

ضحك نصر، ومثله ضحك جابر العبود، ومثلما ضحك /غزال/ موجه المدرسة.‏

شاهدهم زوج ماري وهم يضحكون، لكنه لم يعرف لماذا يضحكون، واستمر يخاطب البغل:‏

ـ قلت لك مئة مرَّة: خليك قدّام الخلق والعالم مثل الخلق والعالم.‏

ازداد الضحك.. لكن زوج ماري ظلَّ لا يعرف لماذا الضحك في مثل هذه الهاجرة الحارَّة جداً.‏

بغل زوج ماري ليس متين البنية، وعمله كثير: لا يهدأ منذ الفجر المبكر، وحتى العشاء، وأحياناً، لا تدع ماري زوجها وبغله يستريحان في ساعات الليل: تكلف زوجها بنقل الحطب أو الحجارة، أو تطلب منه أن ينقلها إلى بيت إحدى قريباتها أو أحد أصحابها.. وهو في كلِّ هذه الأوقات النهارية والليلية، وهو يعمل، وهو ماشٍ وهو جالسٌ على العربة الخشبية، لا ينقطع عن هزّ رأسه والغمز بعينيه، وإصدار صوت غير مستحب من أنفه..‏

ماري لا تواجه زوجها، بل لا تترك سانحة للمواجهة بينها وبينه.. تطعمه وتؤمن لـه لفائف التبغ الرخيصة، وأحياناً تمنحه نفسها.. وبعد هذا لا تترك لـه أن ينظر إلى أبعد من أنفه. وهو لا يعرف أن ينظر حتى إلى أنفه.. وماري خبيرة به وبطباعه.. فهي منذ بدايات زواجهما، تدرك أن زوجها لا يجيد الأحاديث مع الناس، ولا يفهمه ذلك. وتدرك أنه حين بتكلم يتكلم بصوت خشن مخيف، كلاماً لا معنى لـه ولا نفع منه، وأنه حين يصطدم بأحد، أو يختلف مع أحد لا يتمهل برفع يده أو رجله والضرب والركل..‏

إنه يشبه بغله شبهاً واسعاً.. وماري تعرف عن زوجها ما ليس يعرفه سواها.. جربت في يوم من أيام زواجهما أن تقنعه بأن يقصّ شعره؛ لأنه طويل، فامتنع عن ذلك، وحين ألحّت عليه، ضربها ضربة كادت أن تميتها..‏

بقي جابر واقفاً، وزوج ماري راح ينزل الصناديق عن العربة، وغزال لم يقطع حديثه مع نصر صاحب الدكان، ولم يوقف لعابه المتناثر من فمه باتجاهه، حتى وجد نفسه مشيحاً بوجهه عنه، وهو يحدثه، جزمة زوج ماري صارت تصدر أصواتاً كأنها الصرير أو الضراط.. كلما أنزل صندوقاً عن العربة وجعله على كتفه، أو أمسك به بكلتا يديه أو جعله على بطنه، تبدأ /جزمته/ بإصدار الأصوات، وكأنها تشتكي من جوره، ومن سوء طالعها؛ لأنها ابتليت برجل لا يكاد يخلعها من قدميه النهار وأكثر الليل.‏

ترك نصر صاحب دكان /البازار/، واقترب من جابر العبود بمودّة واحترام. سأله:‏

ـ كم عدد الصناديق اليوم؟؟‏

ـ عددها بين الخمسين والستين، والأفضل أن تعدّها..‏

بدأ نصر يعدُّ الصناديق، وجابر اتجه إلى زوج ماري، ضربه على كتفه لينتبه ويسمع:‏

ـ كم تريد أجرة نقل الصناديق وتنزيلها؟؟‏

ـ تلعثم زوج ماري، لأنه لم يجد لديه أية كلمة يقولها..‏

عاد وخاطبه جابر؛ لكنه لم يجب بأية كلمة،ن وظل يهز برأسه ويغمز بعينيه، وينخر بأنفه..‏

مدَّ جابر يده إلى جيبه، وتناول منها مبلغاً يزيد عن أجرة زوج ماري ربع المبلغ تقريباً، قدمه لـه..‏

نظر زوج ماري إلى المبلغ، فعرف أن جابر زاد لـه في الأجرة.. أخذ ما أعطاه إياه، ورفع يده محيياً وشاكراً، وأسرع بعد ذلك باتجاه العربة الخشبية. صعدها، ثم لكز البغل لكزةً قوية أسرع بعدها في خطوه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244