|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:42 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل التاسع بكر عمران بالاستيقاظ تحدوه لهفتان: لهفة أولى لمشاهدة رجاء والتحدث معها. فقد استبدَّ به الشوق إليها. ولهفة ثانية لقراءة أسئلة الامتحان والإجابة عنها بما قدر عليه ذهنه وعقله.. ورجاء بكرت مثل عمران بالاستيقاظ والنهوض، من سريرها الخشبي المجاور للنافذة المطلة على بيت محمد الشحادة، وعلى الساحة الفاصلة بين بيت والدها وبيوت الجيران. صياح الديوك ملأ سمعها، وهي تهم بالنهوض، وظلَّ ملء سمعها، وهي تغسل وجهها وتمسح عن عينيها الذابلتين بقية النوم والنعاس.. عينا رجاء تشبهان فجراً ناعساً، يطل كسولاً من بين الأشجار والليل.. صياح الديوك وصل إلى سمع عمران كما وصل إلى سمع رجاء، وكأنه يحمل رسالة الصبح المقبل إلى كليهما. ارتدى عمران ثيابه، وانطلق باتجاه باب الغرفة، حيث السلَّم القديم، بدرجاته الخشبية، واقفٌ كحارس من نسيان وشحوب. والده وأمه سبقاه بالاستيقاظ.. وصياح الديك العالي القادم من بيت الدجاجات المجاور للمطبخ لم ينقطع. صبَّح والديه بالخير. وردا لـه تحيته بتحية مماثلة، وتمنيا لـه التوفيق والنجاح. ولم تنس أمه أن تطلب منه أن يأكل قبل الخروج: ـ كل يا عمران قبل أن تذهب إلى الامتحان. ـ لا أجد عندي الرغبة.. ـ وقفت في مسعاك.. لم يأكل. وترك لمخيلته أن تشبع من خيالات رجاء.. أوسع الزمان لها.. تقاعس عن الأكل ليظلَّ الوقت رهناً لرجاء وهواجسه المتعلقة بها.. فتح عينيه فبان لـه السهل الواسع المترامي، تقسمه السواقي وترسم تخومه. وبانت لروحه ابتسامة رجاء كنجمة على مدخل الصبح والسهل.. وبانت شامة وجهها كغيمة من بهاء تهمس للأفق والنهار، همس المحبين.. وقامة رجاء تشمخ شجرة باسقة في حلمه ورؤاه.. يراها في كلِّ ما يرى.. في جهات السهل وفي البساتين.. وعند المفارق وأمام بيوت الجيران، وقرب السواقي... انحدر عبر الدرب المؤدي من بستان المواسم إلى بستان الملتقى.. ورجاء ظلَّت تخالط صورة الفجر الطالع من الليل.. وتنشر في باله ظلالاً خضيلة، وبهاءً وحبّاً... وهي ـ أيضاً ـ لم تترك سانحة لأيِّ صوت أن يقطع عليها سماعها صوت عمران.. ولم تفتح نافذتها المشرفة على بيت محمد الشحاده والساحة، خوف أن يأخذ منها مشهد بيوت الجيران صورته. وهي تعرف أنه سيأتي إلى أمام بيت والدها، ليصعد مثلها في السيارة، باتجاه المدرسة، حيث يقدمان الامتحان.. صياح الديوك.. يقبل من كل مكان، لكن بال عمران لم ينشغل كثيراً به، لأنّ هواجسه ظلت منشدّة إلى دنيا رجاء: إلى صوتها وابتسامتها، وخيالها. على أنّه يفتن بصياح الديوك.. سمعت رجاء سعال محمد الشحاده، وسمعت بعض حديثه مع زوجته، دون أن تفتح النافذة: ـ برهوم الحبيب لم يرجع من المدينة يا أم أمين؟ ـ رجع أو لم يرجع لا خير من ورائه. ولا نفع لأحد من رجعته أو من بقائه.. ـ صمت محمد الشحاده، لأنه انشغل بإشعال لفافته.. لكن زوجته لم تصمت: ـ أراك مسحت حذاءَك ولمعته كعادتك كلَّ يوم؟! ـ لا أعرف أن أهدأ في البيت يا ست شيَّاله ـ وماذا تعرف؟! ـ ... سكت محمد الشحاده لعلمه أن شياله انزعجت عند سماعها اسم برهوم الحبيب عادت إلى الكلام مع زوجها: ـ سيارة سرحان بعدها بمحلها.. تأخرَّ سرحان اليوم بالاستيقاظ؟! ـ لا أعرف لماذا تأخر عن السفر.. انتبهت أم أمين إلى جهة الدرب والساحة، فرأت عمران جابر العبود قادماً.. قالت لزوجها: ـ عمران السنة في الشهادة؟ نظر محمد الشحادة إلى عمران وقالت لزوجته: ـ عمران في الشهاده، ورجاء بنت سرحان في الشهادة، وهذا هو سبب تأخر سرحان.. لأنه سينقل رجاء وعمران وبقية أولاد الشهادة إلى المدرسة حيث تقديم الامتحان. ابتهج محمد الشحادة لمرأى عمران.. وناداه وهو بعد بعيد عن الساحة: ـ عمران يا ابن جابر العبود.. تعال إلى عند عمك محمد الشحاده!! سمع عمران صوته وسعد لسماعه، وأقبل إلى حيث جلس، قريباً من الشجرة، التي أمام البيت. فتحت رجاء النافذة حين سمعت اسم عمران وهو يناديه محمد الشحاده.. فتحتها، وابتعدت عنها قليلاً، لتعاينه دون أن يراها أحدٌ من الجيران.. أحسَّت شياله أنَّ النافذة الشمالية لبيت سرحان العيسى انفتحت، وراودها الظنُّ بأن رجاء هي التي فتحتها، بغية أن ترى عمران العبود.. وقف محمد الشحاده احتراماً لعمران، ومدَّ يده قبل أن يصل، استعداداً للتحية والمصافحة. وبقي ماداً يده وكأنه يصافح النسيم، حتى وصل. صافحه بحبٍّ ودعاه للجلوس على المقعد الخشبي، لكن عمرانَ لم يجلس، لأنه شاهد أم أمين مقبلة من جهة باب البيت المفتوح. اقترب منها وصافحها. قال محمد الشحاده وهو ينظر إلى عمران، وكلاهما واقف.. وأم أمين تسكب الشاي في الكأس، التي أحضرتها لعمران: ـ أصبحت طويلاً وذا صحة أكثر من عمك محمد الشحاده؟! قال عمران: ـ البركة فيك يا أبا أمين.. شباك غرفة رجاء يعرفه عمران معرفة المحب، ويعرف أنه لا يفتح إلاّ في أوقات متباعدة: حين يروق لرجاء أن تنظر إلى التلال والبيوت.. أو حين تسمع أصواتاً لا تحدد أصحابها، وتريد معرفتهم.. لم ينظر إلى محمد الشحاده، ولا إلى كأس الشاي، التي ملأتها لـه أم أمين.. سرقه الشباك. عاين رجاء وهي تحاول أن تخفي نفسها وراء الشباك.. وهي ترسل نظراتها إلى الساحة وبيت محمد الشحاده. وكيف لرجاء أن تخفي نفسها عن عمران، وهي ملء نفسه؟؟ أعاد صوت محمد الشحاده عمران من ذهوله، الذي سبّبه لـه شباك الغرفة: ـ تفضل اشرب الشاي.. ـ توجه عمران بيده اليمنى إلى كأس الشاي، لكنًّ نظراته ظلَّت معلقة بالنافذة. محمد الشحاده رغم اهتمامه بعمران، فقد وجد نفسه منصرفاً إلى مسح حذائه بالخرقة التي يحملها في جيبه دائماًَ. النهار دخل في تفاصيل الوضوح: بانت الأشجار والتخوم والبيوت. إلاّ أن الديوك لم تقطع صياحها، وكأنها في شوقٍ إلى ذلك.. لا يهدأ.. أم أمين انشغلت بكسر العيدان وتقديمها للنار المشتعلة، تحت القدر الموضوع على الأثفيه.. أطعمت النار الحطب، وعادت إلى حيث زوجها وعمران العبود.. سألت عمران: ـ كيف كان سعر البندورة مع والدك في البارحة؟ ـ سمعته يقول لأمي: إن السعر سيء وبخس. محمد الشحاده أنهى مسح حذائه للمرة العاشرة، ورفع رأسه ليتحدث مع عمران.. شباك غرفة رجاء أغلق على معل، فعرف عمران أن موعد نزول رجاء من غرفتها حان. وهذا يعني أن عليه أن يودّع محمد الشحاده وزوجته والأثفيه والنار المشتعلة والقدر. حين وقف ليودعهما، شاهد سرحان العيسى وهو يتجه إلى اليسار.. قال عمران: ـ السلام عليكم! ردَّ محمد الشحاده: ـ وعليك السلام وطيب الكلام يا همام يا بن الهمام.. ارتفع صوت محرك سيارة سرحان، وارتفع معه دخان أسود، عكرَّ مزاج الصبح، ومحمد الشحاده، وزوجته.. وعمران العبود، الذي اتجه عبر الساحة إلى حيث السيارة.. مشت رجاء متمهلة باتجاه الساحة، وعلى صدرها يستريح كتاب ودفتر احتضنتهما بكلتا يديها، وعلى شفتها سحر ابتسامة غافية، وبقايا كلام حميم.. أمهات وقفت على الدرجة الأخيرة، وقالت لها: ـ وفِّقت يا رجاء.. ازداد فرح عمران وخوفه: تنضَّر حلمه، و اهتزت خطواته. النجمة التي ملأت روحه ضوءاً هي الآن قريبة من عينيه. والابتسامة التي ظلت حكاية الهاجس ورغبته، هي الآن صبح على مقربة من اللهفة.. رجاء القامة المشدودة كشجرة معلقة أغصانها بالأفق، وجذورها راسخة في التراب الخصيب. هي الآن تقترب من عمران، وهو أيضاً يقترب منها، وهي تحمل لـه الحبَّ المحاط بالرهبة، وهو كذلك. من حيث لا يدري ابتسم عمران حين رأى رجاء وهي تقترب منه.. وابتسم حلمه حين سمه صوتها:ظ ـ صباح الخير يا عمران. ـ صباح الخيرات يا رجاء.. ـ كيف حالك؟! ـ مشتاق.. كلمة "مشتاق" نزلت على روح رجاء كمطر صيفي حنون مرتقب، يهمي على رعاة أتعبهم حرّ الهاجره.. خبأتها في زاوية آمنة في الروح، ووعدت نفسها أن تعود إليها حين تكون وحيدة"، لأنَّ وقتها الآن زاخر بالشوق والكلام والأحلام: الحقيقة ممزوجة بروح الحلم والحب والانتظار. قالت رجاء بعد أن اطمأنت على كلمة "مشتاق" وما تحمله من كنوز: ـ كيف دراستك.. وكيف استعدادك اليوم للامتحان؟ ـ كيف استعدادك أنت؟ ـ قرأت.. وسهرت.. والباقي لا أعرف عنه شيئاً.. ـ وأنا قرأت وسهرت.. وكنت كلَّ مساء أراك على سطح بيتكم وأنت تقرئين ماشيةً. ـ وأنا شاهدتك أكثر من مرًّة وأنت على سطح بيتكم. وشاهدت نافذة غرفتك، وشاهدت أمك في البارحة حين جاءت وجلست عند زوجة محمد الشحاده.. واليوم فتحت نافذة غرفتي، وشاهدتك وأنت تشرب الشاي. لم يدم حديثهما، لأن سرحان فتح الأبواب، ونادى عليهما أن يصعدا. قالت رجاء: ـ أين تصعد؟ سمعها والدها.. فسبق صوته جواب عمران: تجلسان عندي في المقعد الأمامي.. * * * كاد أن ينسى سرحان العيسى أن يرفع يده أو صوته بالتحية لمحمد الشحاده، لولا أن سعل سعلة عالية، كعادته، فشقّت دربها على عجل، إلى سمع سرحان، وخاطبت وجدانه: ـ هل يعقل يا سرحان أن تنس محمد الشحاده من التحية؟! سعال محمد الشحاده مميّز، ومتنوع: بعضه يأتي طبيعياً، وبعضه يفتعله، ليعبّر من خلاله عن موقف يريده، أو لينّبه غافلاً إلى أمر من الأمور. تنبه سرحان إلى ضرورة أن يرفه صوته ويده بالتحية لمحمد الشحاده. وفعل ذلك.. ولم يرضَ بأن يجيبه من بعيد، بل اتجه إلى حيث المقعد الخشبي، وصافحه.. وسأله عن حاله: ـ كيف الحال يا أبا أمين؟؟ ـ الحال في اضطراب يا سرحان.. وقف أمامه، فبدت قامته القصيرة، وبدا شعر رأسه الكثيف. أما محمد الشحاده فبدا طويلاً وبدا الانحناء على قامته، وبدت علامات السنين على ملامحه .. قال: ـ ما رأيك بأن تشرب فنجاناً من الشاي يا سرحان؟! ـ اليوم امتحان. ورجاء وعمران معي في السيارة. نار أم أمين ظلت مشتعلة، وظلَّ دخانها ينضم إلى دخان لفافة محمد الشحاده. أمّا سرحان، فقد تنبه إلى أنه يجب أن يلفَّ لفافته، ويشعلها فودَّع محمد الشحاده، واتجه مسرعاً إلى سيارته.. * * * الساحة التي أمام بيت ماري لا تخلو من الناس.. وماري لا تفرغ من صاحب، حتى يجيئها صاحبٌ آخر.. وزوجها يندر وجوده، وهو معنيٌ بصحة البغل والعربة الخشبية، وأحوالهما أكثر مما هو معني بزوجته وأحوالها، وأصحابها. وقفت السيارة في الساحة بانتظار من يريد صعودها من الركاب.. ماري شاهدت سرحان وهو يفتح باب السيارة وينزل.. وتمنت أن تكلّمه، بحجة أنها على قلق منذ سمعت خبر أرض محمد الشحاده الجديد. أذناه التقطتا كلمات، متفرقة من كلمات ماري والرجل الذي وقف أمام الباب: ـ بر هو م الحبيب باع أرض محمد الشحاده المجاورة لأرضه.. ويقولون: إنه باع أرض حاصد الدروك؛ وأنه وعد ببيع كل أراضي بستان الحبيب. تأثّر سرحان بالكلام الذي سمعه، وخاف، وبان خوفه، واضطرابه على ملامحه. ورغب في تلك اللحظات أن يكلم ماري، ويستوضح منها ومن الرجل الواقف معها عن قصة أرض محمد الشحاده، وقصة بيع برهوم الحبيب لها. لكنّها تهيّب أن يقبل على ماري، ويسألها. لأن الناس إن رأوه وهو يحدثها، سيقولون: إن ماري جرّت سرحان من أنفه. عاد إلى السيارة وهو مغضب مضطرب.. تحرق روحه نار النقمة على برهوم. مشت السيارة، لكن سرحان لم يحدد إلى أين سيتجه بها.. هل يذهب عائداً إلى حيث بيت جابر العبود، أو هل يرجع إلى عند محمد الشحاده. لكن هذا المحمد الشحاده: ماذا يمكنه أن يفعل سوي مسح حذائه، والسهر عند رجل واسع الظل، والمساءات كجابر العبود ويروي الروايات، ويحكي الحكايات عن البساتين؟ * * * ترك محمد الشحاده زوجته، حتى دخلت إلى بيت الدجاجات، لتجمع البيضات، وانطلق باتجاه بستان المواسم. لا يعرف أن ينام إن مرَّ يوم، ولم يرَ جابر العبود.. عادته هذه يرجع عمرها إلى سنوات وحياة وحكايات، ل تمحّي من النفس آثارها وظلالها.. شياله زوجته انشغلت بجمع البيضات، وفي ظنها أن زوجها جالسٌ على المقعد الخشبي يشرب الشاي، ويلفَّ لفائف التبغ ويشعلها، وينتظرها، لتذهب معه. خطواته ليست عادية. بل هي خطوات واسعة، تختصر المسافات، وتقرب البعيد. يضع قدماً على الأرض والقدم الأخرى يبتعد بها باتجاه مساحة جديدة من الأرض.. والدروب بالنسبة لـه متعة لا توصف.. لم تطعن السنون همتّه، رغم اضطراب حياته. وظل متماسكاً.. وظلت خطواته واسعة عبر دروب البساتين.. وأمله بأن تعود أرضه التي سلبها منه بالحيلة برهوم الحبيب، أملٌ واسع كخطواته، وكحبه جابر العبود، والجلوس معه. سرقه التأمل..، وهو يسير باتجاه بستان المواسم أو بستان جابر العبود كما يحبّ أن يسميه: تأمل الأشجار والبيوت المنتشرة في الجهات.. وضفة الساقية والطيور المحلقة في السماء القريبة من الأغصان.. والمستريحة في أعشاشها. واستوقفه مشهد حمامات بيت أحد الجيران، وهي تنقر الحب عن الأرض، ثم تطير باتجاه أدواحها وأعشاشها فوق العتبات. عبَّ نفساً من لفافته العريضة ، وراح يردّد بصوت خافت: "هبت رياحك، يوماً يا محمد الشحاده، لكن برهوم الحبيب اغتنمها.. وذهب بها وشتتها" ظلّ يتمتم بهذه الكلمات، وهو يقطع المسافة، والأشجار من حوله تمدُّ أغصانها، في جهات الدرب والتخوم. والطيور تطير من شجرة إلى شجرة وتحلق في الأفق، وترسل صداحها في الأمداء. وحمامات البيوت لا تهدأ: ترفُّ بأجنحتها باتجاه الأرض لتنقر الحب، ثم تعود إلى أعشاشها القريبة من العتبات. قال في نفسه، وهو يعاين الأشجار، والمدى.. والطيور الفرحة بالأغصان والصيف: "ما ألعن العيش، وما أمرّ الحياة!! إلى متى سأظل بائساً: حالي كحال الحمامات، بل أسوأ؟! آكل وأشرب، وأبحث عن مساء يتسع لي.. ثمَّ أعود لأنام. أين أحلام الأيام؟ أين الكلام الذي تعلمناه.. وحكيناه؟ ضاقت عليَّ الدروب!!؟ جن ليلي، ولا أرض لي، ولا ولدر يمكنني أن أستند إليه: الأرض أخذها برهوم بالمكر والحيلة.. والولد أخذه الفشل والخراب. أمين ليس الأمل يا محمد الشحاده! ما تبقى لي في هذه الدنيا الفسيحة الضيقة إلا أنت يا جابر العبود. لولاك لأويت إلى أيّ بيت من بيوت البساتين أرعى عند أصحابه الغنم والبقر.. وكنت كعشّ مخرّب، لا تسكنه الطيور، وقشُِّه ضعيف، ومرآه يوحي بالأسى. هاجس الحزن داهمه، وهو يصعد درب المواسم. نظر إلى بيت جابر، فلم ير دراجته، فعرف أنه غير موجود، لأن وجوده مرتبط بوجود الدراجة، وغيابه مرتبط بغيابها. تساءل: هل يكون في أرض النبع، يسقيها، أو يقطف ما نضج من ثمارها؟ ثمَّ أجاب: لا أظنّه في أرض النبع. ولو أنه ذهب إليها، لسمعت صوت دراجته. انعطف عائداً حين رأى أن دراجة جابر غير موجودة. ولم يذهب إلى أي بيت آخر من بيوت المواسم، لأنه لم يجد في نفسه الرغبة والمودة الكافية للتحدث مع أي رجل من رجالها سوى جابر.. لعلّها الألفة والعادة والمعاشرة الطويلة بينهما، جعلته يشعر بالطمأنينة والسعادة إلى جواره. قال وهو ينظر إلى بيوت الجيران: "لا أكره أحداً من أصحاب هذه البيوت، لكنني لن أجد أحداً منهم مثل جابر: الصديق الوفي، والأخ الكريم الذي لا يضيق صدره، والرجل المقدام والعنيد القوي في وجه الظلم.. والعقل العارف، والنفس الطيِّبة مع أصدقائه ومحبيه وأهله، لا لن أجد في جيرانه أحداً مثله. عاد محزوناً باتجاه الملتقى.. والطيور كعادتها ظلّت تصدح في جهات الأشجار والتخوم والدروب. وحمامات البيوت لا تهدأ ترف باتجاه الحب، تنقره، ثم تعود إلى أعشاشها. لم ينسجم مع الدنيا المحيطة به، وغاب عن باله أن يردّد الكلمات التي رددها أثناء قدومه، قبل وقت قصير. غاب عن باله أنن يقول: طيري يا طيور الصيف. وغاب عن باله الصداح الحنون، لأن باله امتلأ بالكمد.. والخيبة.. من حيث يدري ولا يدري.. لأسباب بعيدة وأسباب قريبة: لم يحدد أيّ أمر، ولم يفهم أية حالة من حالاته.. ولم يجد في نفسه الهمة لتفسير حالة الغمّ التي سيطرت على حلمه وهاجسه وروحه.. * * * ـ أراك اليوم هنا في الأرض، على غير عادتك يا سرحان؟ ـ ألا ترى مثلي أن الأشجار والمزروعات عطشت عطشاً: شديداً يا جابر العبود! ـ والركاب من سينقلهم؟ ـ العطشان من كل الآبار يشرب، وصاحب الحاجة يصل إلى حاجته.. ـ أرضك وأشجارك ومزروعاتك عطشت فعلاً.. وعليك أن تسقيها.. وقد أحسنت بانقطاعك اليوم عن نقل الركاب، ومجيئك إلى أرضك. قال كلماته وانصرف إلى معاينة الشجرات، وشتلات البندورة، المثقلة بالأقراص الحمراء. انشغل سرحان بجرف التراب من أمام الماء، لكن عينيه ظلتا ترقبان جابر ومزروعاته. وقد استوقفت انتباهه كثر الأقراص الحمراء على شتلات البندورة. استوقفت انتباهه وفرح لذلك.. وعاد إلى الحديث مع جابر: ـ الأقراص الحمراء أكثر من الخضراء، فلماذا لا تقطفونها؟ ـ اليوم في المساء سنبدأ بقطفها، وفي الغد سأنقلها إلى البازار.. سمع سرحان صياح الديك: جاءه عالياً مرناناً من جهة بيته، فالتفت إلى جهة البيت، فرأى زوجته أمام البيت، ورجاء بنته البكر إلى جوارها. وعلى الدرب المقبل من الساحة رأى محمد الشحاده يمشي كعادته بخطوات واسعة.. شاهد جابر انشغال سرحان بالنظر إلى بيته. قال لـه: ـ ما بالك نسيت أن توسع للماء مجراه، ليجري. هل اشتقت إلى أم البنين.. ألا يكفيك الليل للحبّ وبث الأشواق؟ ابتسم سرحان ابتسامته المعهودة، التي تضيع بين شفتيه العريضتين وأسنانه الملوّنة كقوس قزح ألواناً شتى. رفع يده اليمنى إلى رأسه وأرسل أناملها في شعره، تسرّحه، أو تعبث به. وقميصه البني ترسل عليه الشمس أشعتها، فيلمع كأنّه علامة حربية. عيناه لا تفرحان الناظر إليهما، لأنهما جاحظتان في كلّ الأيام والأسابيع والشهور. ووجهه لا يتناسب تكوينه معها: شكله الهندسي مضطرب اضطراباً شديداً، كسائر بدنه.. إلا أنّه يعوّض عن فشل الخالق في خلقه بذكائه، وطبعه الدمث، ولباقته وأسلوبه المطاطي مع الآخرين. وزوجته، التي يسميها "أما البنين" ألفته.. وصارت ترتاح لوجوه. سحب سرحان أنامله من شعره، وتناول المجرفة الصغيرة، وراح يجرف بسرعة التراب من أمام الماء. ثم وقف ثانية، وقد هيأ الردّ الودود على سؤال جابر: أما البنين تبقى في البال، في الليل والنهار. أمّا الذي أخذ نظراتي هو محمد الشحاده: ـ أين هو، حتى يأخذ نظراتك؟ نظر إلى حيث أشار، فرآه وهو يجتاز الساقية بخطواته الواسعة. عاد سرحان إلى الكلام: ـ محمد الشحاده وقع في مصيبة كبيرة يا جابر العبود! ـ ما هي المصيبة الكبيرة يا سرحان؟! ـ باع أرضه برهوم الحبيب.. ـ إذن.. هذا الأمر هو سرّ سفره إلى المدينة، معك منذ فترة من الزمن؟! ـ وأرض حاصد الدروك باعها كأرض محمد الشحاده. ـ برهوم الحبيب يخبئ في نفسه أموراً صعبة، ومكايد لا تحمد عواقبها.. وسرّه ألعن من الظاهر من أفعاله. برهوم الحبيب يخوّف يا سرحان العيسى، ولن يترك بستان الحبيب ينجو من شرّه. عاد سرحان العيسى إلى الماء.. عاد يجرف التراب من أمامه.. لكن ذهنه ظل مشغولاً بحكاية أرض محمد الشحاده وحاصد الدروك وبكلام جابر العبود. وقف جابر قرب شجرة زيتون، فلامست أغصانها رأسه. ابتعد برأسه قليلاً عن أغصانها.. ومسح عن شعره الغبار، المتساقط من الأغصان: شعره يشبه روحه، متناسق ومتين.. ولا يزعج تناسقه إلاّ الدراجة، لكنه لا يعرف أن يتخلى عنها، إلاّ إذا يُسِّرت لـه السبل، وامتلك السيارة. لم يغب جابر عن عيني سرحان، وقد رأى رأسه، والأغصان تلامسه، وقال في نفسه: جابر طويل ورجل بين الرجال.. وصحة.. ومنطق.. ومعرفة.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |