|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:42 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل العاشر عبرت أم عمران الساقية الفاصلة بين بستان المواسم وبستان الحنطة والصافي، باتجاه بيت بنتها. بعد ضفة الساقية بمسافة ليست بعيده، تبدأ تخوم بستان الحنطة.. وبيوت بيت الحميده أول بيوت "الحنطة" من جهة الساقية.. تنتشر على جانبي الدرب. البيت الأول بيت عيسى المتقطع والخشن، وكأنّ في صدره سيارة تشخر، أو حماراً ينخر؛ وهو يلتهم عشباً يابساً سمعته وهو يقول: ـ ماري لا تستقبل في بيتها إلاّ الرجال الذين يملكون أرضاً ومالاً رد قاسم: ـ حاصد الدروك حالته ما هي بالحالة الجيدة وكلّ يومين أو ثلاثة يأتي إلى عند ماري.. قال مجيد: ـ حاصد تستفيد منه ماري في أمور وأمور، وهي تعرف أنه يعرف برهوماً، ورزوقاً، وأنه مثل البرغشة يدخل من أيّ مكان وإلى كلّ مكان. ردّ آخر بلهجة مازحة: ـ وأنت يا مجيد هل يمكنك أن تزورها، وأنت تدخل وتخرج كإبليس. ـ نخر عيسى نخرةً تشبه الضراط، وبدأ يلوك الأحرف قبل أن ينطقها، كبقرة تستريح في الهاجرة فتعيد ما رعته.. كذلك عيسى الحميده.. راح يجتر الكلام،ن ويلوكه، قبل أن يتكلم ثم، بعد النخر والشخر نطق: ـ ماري.. زياراتها تساوي عندي هذا البغل المربوط،ن وأشار بيده إلى حيث البغل المربوط بشجرة التوت القريبة من البيت. نظر الجميع إلى عيسى الحميده، فألفوا عينيه مبلقتين كعيني بقرة عذبتها الهواجر والنظرات الجائعة والعطشى، ورأوا شعر رأسه يشبه إلى حد بعيد صوف خروف، نسيه الراعي، فلم يغسله فصلاً كاملاً؛ وشفتا عيسى ليستا خيراً من عينيه وشعر رأسه، وشكله العام وكلامه الذي يجتره، ويلوكه، يزيدانه سوءاً على سوء في نظر ماري وغيرها.. وقال قاسم في سره، وهو يعاين ولد عمه عيسى: "هل يعقل أن ماري تسمح لواحد كابن عمي عيسى أن يزورها؟! عاد مجيد إلى الكلام: ـ أنا سأزورها.. وحاصد الدروك لا يمكنه أن يكون في عمره مثلي. نظر قاسم إلى مجيد، فشعر بالازدراء تجاهه، وأحس الفارق الواسع بين مجيد وحاصد، رغم تعاسة وسوء حاصد. قال عيسى بعد أن لاك الكلمات وشخر ونخر: ـ برهوم الحبيب ما هو أحسن مني. ردّ قاسم: ـ برهوم أموره في الأعلى.. رد مجيد: وأمور عمي عيسى في الأعلى. صمت قاسم.. وصمت الآخرون، لأنهم رأوا أم عمران، وهي تصعد الدرب المؤدي إلى بستان "الصافي".. حيّت أم عمران الموجودين، وتابعت سيرها. ردّ الموجودون التحية بحالات متباينة. قاسم وقف ورد تحية أم عمران؛ بينما مجيد سخر منه: ـ شايفك وقفت يا سيد قاسم!! ـ وقفت احتراماً لزوجها، ولأنها تقدر الناس. لكن مجيداً لم يكفَّ عن سخريته وضحكه الملوك ككلام عمه عيسى: من هو زوجها، حتى تقف إكراماً له؟. هل وعدتك بشيء؟ وزوجها هل وعدك بشيء؟؟ ردّ قاسم بغيظ وقسوة خاف منه مجيد: ـ أنت يا مجيد لا تعرف من الدنيا إلاَّ الكذب والسرقة.. زمَّ عيسى شفتيه كحمار آذت شفتيه الأشواك، وصمت، وكذلك فعل مجيد.. لأنه عرف أن جبنه وكذبه لن يفيداه في مواجهة قاسم، إن قرر صفعه وركله.. نهض الرجلان اللذان امتنعا عن المشاركة في الحديث عن أم عمران وزوجها.. قال قاسم: ـ ألا تذهبان معي إلى بيتي، لنشرب عندي الشاي. سمعت أم عمران جدال قاسم ومجيد الحميده، ورأت الرجلين حين مشيا مع قاسم إلى بيته، وعرفتهما: قالت في نفسها:ظ "هؤلاء من بستان الحبيب، ومن أقرباء برهوم وحاصد الدروك". حرّ شمس أيلول الشديد، لم يعذب أمِّ عمران، ويجعلها تتعب، وتستريح، وهي في طريقها إلى ابنتها، لأن الأشجار منتشرة على امتداد الدرب المؤدي إلى بستان الصافي. ومنديلها المعصفر المربوط على رأسها بإتقان لا يدع للأشعة المتساقطة من بين الأغصان، وأحياناً المسلطة كالسيف.. أن تصل إلى رأسها. وقد ألفت الدرب وحرَّ الهاجرة والمشي إلى بيت ابنتها وأقرباء زوجها، وأقربائها. وتساعدها على تفادي حرّ الهاجرة خطواتها المتلاحقة السريعة. لاح بستان الصافي لعينيها، وبدا بيت ابنتها وسطه، تحيط به الأشجار، وتسرح قربه الدجاجات.. التفتت إلى الوراء، فرأت بستان المواسم عالياً، ورأت بيت زوجها في أعلى البستان، رأته بعيداً.. ورأت بينها وبينه مسافة من الحب والأشجار والدروب والمنحدرات.. تابعت خطواتها العجلة باتجاه بستان الصافي حيث ابنتها، والهاجرة لم ينقص حرّها، بل ازداد. عند نبع الساقية شاهدت قريبات زوجها، وهن يملأن الصفائح والجرار، ويصعدن بها باتجاه بيوتهن في جهات البستان.. لم تكن ابنتها معهن. وقفت بنت عمه وبنت أخته وبنت أخيه، وقفن قرب النبع.. ينتظرن زوجة جابر العبود، قريبهن. قالت بنت عمه: يا ليت سعدى جاءت معنا، لكانت شاهدت أمها. ردت بنت أخت جابر: المسافة المتبقية، حتى تصل إلى البيت صارت قصيرة، وهي ذاهبة إلى عندها.. وستشاهدها وتشبع من مشاهدتها. قالت بنت أخيه: لكن المشاهد قرب النبع أحلى من المشاهدة قرب البيوت. قالت بنت أخته: المشاهدة عند النبع أحلى بالنسبة لك، أما نحن فقد تزوجنا وغربت شمسنا. * * * صعدت شياله درب السفح المؤدي إلى الساحة وبيت ماري، وقد شعرت بالتعب، من شدة انحدار درب السفح، ونال من عزيمتها حرُّ الهاجرة الشديد.. لكنها لم تسترح، وتابعت سيرها صعوداً وفي يدها اليمنى السلة المملوءة بيضاً، لم تنقلها إلى اليد الثانية، خشية أن تتكسر أية بيضة. حين وصلت إلى أعلى السفح أحست بالارتياح،وطالعها بيت ماري. بيت ماري غرفتان وفسحة تغطيها أغصان شجرة التوت. وإلى جوار الغرفة الشمالية رفعت ماري ألواحاً من التوتياء، ركزتها على العيدان.. وفعلت في السقف كما فعلت في الجدران. مدّت عيداناً طويلة تصل بين رؤوس العيدان المنصوبة، وجعلت عليها ألواحاً من التوتياء.. في الجانب الغربي داخل ألواح التوتياء، قام زوج ماري، تحت إشراف زوجته بجلب الحجارة وترتيبها وتطيينها على شكل مقعد. وفي الجهة المقابلة للمقعد الطيني الحجري، جاء زوج ماري بالرفوف الخشبية ورتبها فوق بعضها تاركاً بينها مسافات متفاوتة، وأمام الرفوف رفع لو حين خشبيين متقابلين غطاهما بلوح ثالث، ليشكل حاجزاً بين أغراض الدكان والمشترين. هذا هو دكان ماري؛ الذي تستقبل فيه المشترين، والعشاق، ومشاريع العشاق. وصلت شياله زوجة محمد الشحاده وسلتها القصبية المملوءة بيضاً، وماري واقفة على باب الدكان، لاوية خصرها، شاهرة عجيزتها. سوّت وقفتها ورحبت ورحبت بشياله: ـ أهلاً بأم أمين.. انقطعت عني فترة. ـ قلَّ بيض الدجاجات يا ست ماري. ـ دخلت ماري باتجاه الحاجز الخشبي، فتحت بابه الصغير، ودخلت إلى حيث الأغراض.. تناولت من أم أمين السلة. وقبل أن تنزلها من اللوح الخشبي سألتها: ـ كم بيضة جلبت لي اليوم؟ ـ 45 بيضة... أنزلت ماري السلة إلى الأرض، وراحت تفرغها من البيضات.. بيضةً بيضةً ظلت شياله واقفة، ومنديلها على رأسها لم تفكه؛ رغم شعورها بالحر، ورغم تعرقه، خوف أن يبين شعرها الأشيب. أنهت ماري نقل البيضات من السلة إلى الوعاء الخشبي المجهز لذلك ونهضت. رفعت شعرها عن وجهها بكلتا يديها، فبان جمالها.. وجه مورد، نضر، وعينان ناعستان، تضجان بالأنوثة، وشعر طويل مسترسل، وشفتان شهيتان، ونهدان نافرتان، يثيران اللهفة وخصرها رغم امتلاء عجيزتها وسائر جسمها، خصر واضح. عاينت أم أمين ماري ملمحاً ملمحاً. وراحت تخاطب نفسها، وهي تعاينها: "ماري ظلمت بزواجها من واحد جاهل مثل محروس، وظلم جمالها، فصارت كالجيفة، تأتي إليها الكلاب، ورائحتها سيئة في محيطها وجيرانها، والبعيدين عنها والقريبين منها، ولولا أن في حياتها أمراً خطيراً غير معروف لما رضيت بمحروس زوجاً لها.." ماري شاهدت عيني شياله، وهي تعاينها ملمحاً ملمحاً، وكادت أن تسمعها، وهي تحكي لنفسها.. عينا شياله كادتا أن تنطقا، وتقولا لماري: ضاع الجمال.. وضاعت الكيسة.. وخربت الوردة.. خربتها الزنانير، و الحشرات الضارة. قطعت ماري تأملات شياله بصوتها الأنثوي المرنان الذي لا تتخلى عنه.. تخاطب به النساء والرجال: ـ يا أم أمين.. نادتها برخاوة وترخيم، مما أثر بأم أمين، وأزعجها، وقالت: ـ نعم يا ماري، شو راح تحكي؟؟ ـ تفضلي ثمن البيضات.. أخذت أم أمين الليرات التي أعتطها إياها مار وخاطبتها: في عينيك كلام يا ماري تريدين أن تقوليه، قوليه. وأنا أمينة على كلّ كلمة تقولينها. ـ الكلام الذي سأقوله ما هو سر.. وستسمعينه من غيري، وغيري سمعه من غيره، والحقيقة صارت واضحة. ـ ما هو هذا الكلام؟؟ ـ أرض محمد الشحاده، باعها برهوم الحبيب. ـ من أخبرك؟؟ ـ قريبه وقريب حاصد الدروك. صمتت أم أمين صمتاً، فيه من المرارة والشعور بالخيبة أكثر مما فيه من التأمل. عادت ماري إلى الكلام: ـ وأرض حاصد الدروك باعها برهوم أيضاً.. أرض حاصد المتاخمة لأرضكم.. قالت أمُّ أمين بأسف ومكايدة: ـ من اشتراها؟؟ تذكرت فجأة أم أمين برهوماً، وسفرته في سيارة سرحان.. وتذكرت حديث محمد الشحاده. ـ برهوم سافر إلى المدينة.. وتذكرت ردها عليه: ـ سافر أو لم يسافر، لن ينفع أحداً منا في سفره أو في رجوعه. كادت أم أمين أن تترك العنان لدموعها، لولا أنها قدرت أن واحدة كماري قد لا تقدر مشاعرها، ولهذا تماسكت، وأغمدت في صدرها الأسى والخيبة والدموع وعادت تكلم ماري وهي محزونة لكن دون دموع. الساحة ضيقة التي أمام دكان وبيت ماري، مقفرة.. لأن حرّ الهاجرة لا يدع لأحد لأن يسرع ويسعى. أما أمين ازداد شعورها بالقيظ، وازداد إحساسها بوحشة الهاجرة والساحة القريبة. وماري، ليست، كما اعتقدت أم أمين، شامتة، وقد دخل إلى نفسها شعورٌ بالقلق، والأسف، جراء حديثها مع أم أمين عن الأرض وبيعها من قبل برهوم. ماري ذات شفافية وذوق، لكن حياتها السابقة لزواجها المعني دائماً بالبغل وشؤونه، وبالعربة الخشبية وشؤونها، دمرت في روحها الأحلام، وسرقت من صوتها رنينه الأنقى.. وغير هذا.. فقد شغل بال ماري التفكير بسؤال أم أمين: من الذي اشترى الأرض يا ماري؟؟!!. أخذت أم أمين بعض الحاجات، رمتها في قعر السلة، وقمطت منديلها جيداً على رأسها، وانطلقت لا تلوي على شيء، باتجاه الملتقى. وقد رافقتها ماري حتى نهاية الفسحة التي أمام البيت، وودعتها بأجمل كلمات عثرت عليها في حلقها: ـ مع السلامة والأمان!! وأتمنى لك كلّ الخير يا أم أمين. ـ تسلمين من الشرّ وأولاد الحرام!! ماري تشعر بالطمأنينة حيث تشاهد أم أمين، وتتمنى أن تتوثق علاقتها بها، وأن تجد السبيل مفتوحاً في وجهها، لتكوين علاقة مع محمد الشحاده، لتقدر من خلاله أن تصل إلى جابر العبود، وسرحان العيسى. فهي تعرف أن هؤلاء، لا يضمرون لها الشرّ، ولا يتركون لألسنتهم أن تنوي تجاهها نوايا سيئة،وهي على دراية أن جابر العبود يعرف تفاصيل هامة في حياتها، يعرف أمها وأباها، ويعرف طفولتها؛ والبيت الذي عاشت فيه، ويعرف زواجها الأول، وكيف تم زواجها منها، وكيف هربت من بيته في المدينة.. نسيت ماري أنها واقفه بباب الدكان، وتاهت مع ذكرياتها.. تذكرت زواجها الأول، كيف تمَّ، تذكرت وجه زوجها الأول الملوّن بالمكر والزيف، يوم جاء بصحبة برهوم، يتبعهما حاصد ككلب ينتظر أن يحظى ببقية طعام يمضغها، صارت تحدث نفسها دون أن تدري. "كنت يومها في أول العمر.. وكان بيتنا عند المفترق الذي يؤدي من بستان الحبيب إلى بستان الصافي.. كان بيتاً صغيراً مؤلفاً من غرفة وفسحة ضيقة، وأمامه شجرة كبيرة.. أمّا كيف قبلت الزواج لا أعرف، كيف سافرت مع الرجل الذي جاء مرات متتالية بعد جيئته الأولى مع برهوم وحاصد لا أعرف، وبيته، الذي أدخلني إليه إلى الآن لا أعرف أين هو بالتحديد.." صحت ماري من ذهولها، فرأت أنها لا تزال واقفة على الباب.. نظرت إلى الجهة الشرقية فألفت أم أمين قد ابتعدت. ونظرت إلى الجهة الثانية فلمحت زوجها والبغل مقبلين.. عادت ماري إلى ذكرياتها وأفكارها، وقالت في نفسها: "برهوم باع أرض محمد الشحاده وحاصد الدروك لرجل من المدينة. من سيكون هذا الرجل؟! وبرهوم كيف يلعب هذه الألاعيب، وكيف يضيع الناس، ويهدر أرزاقهم؟! ألا يوجج من يردعه ويمنعه عن أفعاله؟ جابر العبود واجه رزوق الحامد وأخمده، وأعاده إلى موقعه صاغراً، وأخذ حقه من الماء، رغم أن صهره "عريش" حاول أن يدعمه في مواجهته لجابر، ورغم أن زوجته رسمت لـه الخطط للسيطرة عليه، والطمع على أرضه، وأخذ ماء النبع كاملاً، لكن حبَّ جابر العبود لأرضه دحر رزوقاً، وشجاعة جابر العبود دحرت عربشاً وشرطته، ومعرفة جابر بأمور البساتين ودرايته الواسعة بالحياة، وثقة الناس به، أفشلت كل ترتيبات زوجة رزوق.. ماري لأول مرّة تجد نفسها منشغلة، بهذه الأفكار.. بأرض محمد الشحاده وحاصد الدروك، والرجل الذي اشتراها، وبمواجهة جابر العبود لرزوق الحامد من أجل ماء النبع وسقي المزروعات والأشجار. تركت ماري أفكارها وتأملاتها، وذكرياتها، وانصرفت إلى المطبخ لتهيئ لزوجها الطعام قبل أن يجيئها صوته الخشن: وين الأكل يا ماري؟؟ جلس زوجها على المقعد تحت أغصان شجرة التوت هرباً من حرّ الهاجرة.. بعد لحظات من جلوسه سرقه النعاس، فغفا لكن شخيره لم يغف، بل استيقظ وعلا علواً لا يفرح سمع سامعيه. ماري لم تفاجأ، لأنها لم تسمع نداء زوجها الملحاح من أجل الطعام، لأن شخيره وصل إلى سمعها وأخبرها بأن زوجها قد نام على المقعد الخشبي تحت الأغصان. هيأت ماري الطعام لزوجها،ن وانصرفت بذهنها إلى أفكارها وأحلامها وتأملاتها وتذكرها، ورغم شعورها بالمرارة، والأسف، فلم تشعر بالحب تجاه زوجها، لأنها ظلت تراه بليداً، لا يليق به إلى الإشفاق عليه، والمرأة لا تحب من تشفق عليه، ولا تحب لزوجها أن يكون محط شفقة بالنسبة لها. تحبه أن يكون في موقع عال، لتحاول هي أن تصعد إليه دائماً. المرأة كالطفل تحب الفرح والضحك والأوهام، وتحب للآخر الذي ترتبط به أن يكون جداراً تستند إليه، وتلجأ. وماري أنثى في أوجها، تتمنى كأي طفل جميل وذكي ومعذب بالحرمان، أن تمتلئ بالحياة.. وأن تأخذ من عالم الحب ما يكفيها، لكنها بدل أن تمتلئ نفسها من هذه العوالم، طعنت.. أخذت فرحتها، وسحقت أنوثتها، وسرق حبها، ونهارها، ولم تعثر على رجل تلجأ إليه كأنه الحلم والشجاعة والحنين.. * * * استطاب جابر العبود وسرحان العيسى ومحمد الشحاده الجلسة قرب نبع الدلبات.. استطابوا الرطوبة المنعشة وسط حر الهاجرة الشديد، واستمتعوا بشرب الشاي وبالحديث. نبع الدلباب يشرف من عل على مكانهم تحت شجرة الدلب الكبيرة، وماؤه يجري قربهم، تلامسهم برودته، وأمامهم أرض جابر وسرحان، وفي المدى تلوح لأعينهم بيوت وأشجار البساتين. قال سرحان لمحمد الشحاده: ـ عادت أم أمين، انظر إلى جهة الساحة . نظر محمد الشحاده إلى حيث أشار سرحان، فرأى زوجته تسعى باتجاه البيت، ومنديلها على رأسها، لم يتغير حاله، ولم تتبدل ربطته. قال محمد الشحاده: ـ أخذت البيضات إلى دكان ماري. قال سرحان: علاقة أم أمين بماري طيبة، أما علاقة أبي أمين بماري لا نعرف كيف هي. لم يرد أبو أمين على كلام سرحان، لأن إحساسه بأن أرضه وأشجاره بيعت، سيطر على روحه سيطرة مطلقة. جابر العبود سمع كلام سرحان ولم يجب عليه، بل أخذه التأمل بعيداً. قطع صوت أبي أمين تأملات جابر: ـ أرضي وأرض حاصد الدروك باعها برهوم يا جابر العبود، والرجل الذي اشتراهما أتمنى لو أعرفه.. ـ لم يجب جابر بأية كلمة، لأن تفكيره ظل منصرفاً إلى ماري وزواجها الأول، وإلى برهوم والرجل الذي اشترى أرض حاصد ومحمد الشحاده. قال سرحان: ـ حاصد كان واحداً من كلاب برهوم، وغدر به، وباع أرضه. قال جابر بهدوء: برهوم تربى على الغدر.. وبقي يعيش على الغدر وحاصد وغير حاصد لا يعنيه أمره؛ أمّا الرجل الذي باعه الأرض، قد عرفته: دهش محمد الشحاده، وسرحان العيسى، وتمنيا أن يتابع جابر حديثه عن برهوم والرجل الذي اشترى الأرض؛ لكن صوت أم أمين باغت الأفق، وجاء كأنه النذير: ـ يا محمد الشحاده!! أين أنت؟؟ سمع محمد الشحاده صوت زوجته القوي المضطرب ثانية: ـ يا محمد الشحاده أنت لا يهمك الهم، ولا يغمك الغم، إذا كان حذاؤك يلمع، وكانت علبة الدخان ممتلئة، وجلست مع جابر العبود. وجابر على الرأس والعين. ماري ـ كعادتها ـ فتحت باب الدكان، وانصرفت إلى ترتيب البيت، وأحلامها المضطربة، التي شغلت عليها نومها، وهدأت بالها الخاصة.. وصوت عرنوس والد زوجها، زاد من اضطرابها، وأربكها، فلم تقدر على ترتيب شيء، وضاعت روحها في لجة صاخبة.. كلام عرنوس السطوف، لم يكن بعيداً عن كلام أحلامها، التي ملأ سمعها ونفسها أثناء نومها.. ولهذا وقفت قريبة من الجدار الذي رفعته، ليفصل بين بيت زوجها، وبيت والده وأمه.. قال عرنوس: ـ سمعت مرجان الزهيري يقول لمحمد الشحاده: ـ إن الذي اشترى أرضك وأرض حاصد الدروك هو "العتل" صديق برهوم.. سألت غزالة زوجها، ومحمد الشحاده ماذا قال؟ قال: ـ العتل صديق برهوم، وهو زوج ماري الدريوسي الأول.. فتحت غزالة فمها، وتنفست الصعداء، وزفرت من روحها زفرة مرارة وتعب وغيظ: ـ اللعنة على محروس، وعلى حظه.. ارتفعت الضجة في أعماق ماري، واتسعت دائرة الخوف، حتى احتوتها، وضاقت عليها الدوائر الأخرى، وقد أمعن في إزعاجها وتخويفها صوت عرنوس القلق على ولده، وتنهيدات وتأوهات غزالة على ولدها، المضيع، كما يحلو لها أن تصفه دائماًَ. أقبلت سيارة سرحان العيسى، وسبقها صوتها العالي، فألفت ماري نفسها منشدة إلى معاينة السيارة، وركابها.. في المقعد الأمامي بدا جابر العبود، بقامته المشدودة وبدا إلى جواره ولده، وبدت رجاء بنت سرحان إلى جوار أبيها.. وقفت السيارة وقفتها المعتادة، وسط الساحة.. فصعدها غزال، الذي وصل للتو عبر درب بستان الصافي المؤدي، إلى بستان القمح.. نظرت ماري برغبة وحب إلى السيارة، وجابر العبود، الذي انشغل برد تحية غزال، واستقبال لعابه المتطاير من فمه وكلامه.. بدلة جابر الضاربة إلى اللون الرمادي زادته ألقاً في عيني ماري. غزال لم يعن بنظرات ماري، ولم ينظر إليها، لأنه لم يرها، بل أنشد إلى حيث جابر.. قال لـه: سعدى بخير، واليوم رأيتها، وقلت لها: ـ إن عمران مثل والده، مجتهد،ومهتم بالدراسة والكتب.. التفت عمران بسرور إلى غزال، وحيّاه بعينيه الفرحتين، وعاد سريعاً إلى الحديث مع رجاء.. سرحان وحده بادل ماري النظر.. وراقه أن يحدثها، لكنه خشي الفضيحة.. خاصة أن حكاية زواجها الأول عادت إلى الأذهان، مع ظهور العتل، وشرائه أرض حاصد ومحمد الشحاده.. خاطب سرحان غزالاً بلطف: سيد غزال.. يمكنك أن تصعد إلى السيارة، لأننا سننطلق، لأن الوقت ـ كما تعرف ـ كالسيف، إن لم نقطعه، يقطعنا.. قال جابر لغزال: استجب لطلب سرحان قبل أن يقطعك الوقت كالسيف!! انطلق غزال عجلاً إلى المقعد الخلفي، أمّا جابر فقد التفت إلى الساحة ودكان ماري الدريوسي، وقد استرعت انتباهه، بوقفتها، وحسنها، وأربكته نظراتها اللجوجة؛ فهرب بنظراته إلى بستان القمح، وبيوته المنتشرة في الجهات.. تمنت ماري أن تلتقي نظراتها بنظرات جابر، وأن تقول لـه بعينيها كلاماً جميلاً، يحبه، وهي لم ترد، ذلك، فقط، لأنها أحبت شجاعة جابر، ورجولته، وبهاء منطقه، وحسن هيئته، بل هي غدت تحب جابر العبود، لأنه قويٌ في وجه برهوم الحبيب، ولأنه يمثل صوت الخير في البساتين.. هذا الإحساس ترسَّخ في نفس ماري، واتضح، منذ عرفت أن برهوم باع الأرض لـ (العتل) زوجها السابق، الذي عذّبها بحياته، ثمَّ أجبرها على تركه.. ماري لم تعد تشعر تجاه برهوم بأيّ شعور احترام أو حب، وقد آلت على نفسها، ألا تفسح لـه المجال للتسلي عندها، أو للقائها كما كانت تهيئ لـه في سابق أيامها. بيت عيسى الحميده، يتوسط بيوت بستان القمح، يجاوره بيت ابن عمه قاسم، ومن جهة أخرى يجاوره بيت والد مجيد.. والدرب المؤدي إلى بيت عيسى، هو الدرب الأوسع في البستان.. وشجرات بيت عيسى وأقربائه، بدت واضحة لعيني جابر، وميّزها، وميّز البيوت.. انطلقت السيارة، وجابر لم يحد بنظراته عن بستان القمح: ينظر إلى البيوت، فيعرفها، ويعرف أصحابها، ويقف عند ملامحهم وصفاتهم، وحياتهم.. غزال، وجد، لعجيزته على ملامح ماري، لم يذهب نضارتها، وغزال نظر إليها بلهفة، وظلّ ينظر إليها، إلى أن ابتعدت به السيارة، فالتفت إلى الركاب. التفت إلى الركاب، لكنه بقي ينظر إلى صورة ماري، التي سكنت مخيلته.. ينظر إلى عينيها المليئتين بالبوح، وينظر إلى جسدها المكتنز أنوثة وحيوية.. حاول أن يهرب من الحصار الذي فرضته ماري على مخيلته، لكنه لم ينجح في محاولته، ولم يقدر على الهرب. وكيف يقدر، وروحه ظامئة إلى المرأة،وماري امرأة توقظ في النفس الرغبة واللهفة؟!؟ نسي غزال إلى أين هو ذاهب وغابت عن باله قصة الامتحان، وقصة الطلاب، وجابر العبود، الذي صار مديراً للمعارف.. نسي أمه وأباه وجيرانه، وانشغل باللهفة الخائبة.. شغل بتمنيات، لا حول لها ولا قوة.. بستان القمح الذي استوقف جابر العبود، وشغل باله، لم يستوقف غزال، ولم يشغل باله. * * * عرنوس السطوف وزوجته غزاله، ظلا جالسين، وظلا يحكيان وجعهما. قال عرنوس: ـ محروس ولدنا الوحيد، وسمحنا لـه أن يتزوج من واحدة كماري الدريوسي؟! ـ آخ ومئة آخ يا عرنوس على محروس وحظه!! ـ ماري يا غزالة صبية حلوة، لكنها بزواجها من صديق برهوم الحبيب، خربّت سمعتها، والسمعة، في البساتين، مثل موسم الزيتون، إذا ساءت حالته، يسوء الزيت ويصيب التسوس الثمار، والجذوع.. "السمعة" نسمع عنها كثيراً، ولا نعرف ـ دائماً ـ كيف نحميها! ـ والمصيبة الكبرى أنك: تترك الفضيحة وتبتعد عنها، والفضيحة لا تتركك.. تجاور وتلتصق ولا تبتعد: تمشي مع المفضوح كالظلِّ، أو كلون وجهه، أو شكل أنفه وعينيه.. والفضيحة تدمّر "السمعة" وتتركها مشوّهة، وتعيسة، ومكروهةً.. تصور ـ يا عرنوس ـ أن ماري تركت صديق برهوم وبيته، وجاءت إلينا، وتزوجت ولدنا، وقلنا: إن الأمر انتهى، لكن صديق برهوم، اشترى أرض محمد الشحاده، وحاصد.. وقد يشتري أرض ماجد العبود، القريبة من أرض حاصد ومحمد الشحاده.. ـ ماذا تقولين يا غزاله.. هل صديق برهوم سيشتري أرض ماجد العبود؟؟ ـ برهوم إبليس، ولن يترك جابر العبود مرتاح البال.. ـ جابر العبود، هل يستطيع أن يقف في وجه كلّ هذه الأمور: ألا يكفيه رزوق الحامد وصهره عربش، وعيسى الحميده وولد أخيه مجيد؟! ـ جابر.. جابر.. العبود يستحق الخير، والتوفيق.. قالت غزالة كلماتها، وانصرفت باهتمامها إلى حلم قديم، علق في بالها، منذ وقت بعيد.. طفرت دمعة من عينها، وشحبت ملامحها، فعرف عرنوس أن زوجته عاد إليها حلمها القديم الصعب، الذي يُعذِّبها ويبكيها، وأحياناً، يلحُّ عليها، حتى يسلمها إلى يدي المرض.. ترك عرنوس زوجته لعلمه الأكيد، أنه لنُ يقدِّم ولن يُؤخر حيال حلمها الأسود، الذي عرفه، منذ السنة الأولى من تاريخ زواجهما. يدا غزالة ـ رغم انشغالها بحلمها الأسود القديم ـ ظلتا تمددان قشَّ القمح وتلفانه بدراية، ليصير طبقاً من القش؛ تستخدمه، لحمل الصحون والأطعمة.. عرنوس مثل زوجته، يشغل أيام فراغه بصناعة القصب، ويداه تعرفان جيداً كيف تُصيِّران القصب أوعية جميلة، تستخدم لأمور ذات معنى في حياة البساتين: السلَّة القصبيه، التي يشبك أطرافها بأوسطها، تصير متينة، وقادرة على حمل الثمار، والحاجات.. ويتفنن في لفِّ أعواد الريحان باتجاه بعضها، لتغدو بيتاً لعيدان الدّبق، وغير ذلك. وهو على دراية جيدة بمصاحبة الطيور، وفهم طباعها، ومعرفة ما يلزمها. وعيدان دبقة مشهود لها بالنجاح، في إمساك العصافير. وزوجته تقول لـه دائماً: أنت خبير بالقصب والدَّبق، ولا تعرف شيئاً آخر. ويسأل نفسه: هل أنا غير نافعٍ في أي أمر غير الدبق والسلال القصبية؟ عرنوس شعر بالغم يملأ نفسه، لكنه لم يضعف كزوجته، ولم يهزَّ أعماقه حلم أسود كحلمها.. نظر إلى جهة اليمين، فرأى جدار ماري، الذي فصل بيت ولده محروس عن بيته، فازداد غمُّه.. وأشاح بنظراته عن الجدار، وراح يعاين الساحة والدرب.. بيت عرنوس السطوف صغير، مستقل، يطل على الدرب القادم من بيوت بستان القمح.. وهو البيت الأخير في بيوت بستان القمح، بعده مباشرة تبدأ تخوم بستان المواسم، وبستان الملتقى.. وهو كالعديد من بيوت بستان القمح، أغراضه بائسة، لكن عيني عرنوس ـ رغم بؤسه المتوارث ـ تنظران جيداً إلى الدرب والبيوت والناس، وتعرفان الألوان، وتحددان الأشكال والهيئات، وتقدِّران الأحجام والأبعاد.. لكنهما لا تقويان على فعل شيء آ خر، كعيني ماري ـ مثلاً ـ اللتين ترشقان الرجال بالأنوثة والإغواء.. غزالة بقيت تمدد القشّ وتلفُّه، حتى يصير طبقاً، وبقي حلمها الأسود يلحُّ عليها، فتدمع عيناها.. لم تشأ أن تنظر إلى عرنوس، لعلمها الأكيد، أنه لا يقدر على فعل شيء، في الدنيا، سوى لفّ القصب اليابس، وربطه وهندسته، وأحياناً، تبلغ به الشجاعة حداً بعيداً، فيترك القصب، ويتجه شرقاً، إلى محمد الشحاده، ليحكي لـه الأمور ويشرح لـه الأحداث، ويروي ما يمكنه أن يروي لـه من سير وقصص.. عرنوس يعرف محمد الشحاده حقّ المعرفة منذ أربعين عاماً... ويجد في الإصغاء إلى حديثه ورواياته عن الناس والبساتين ملاذاً، وراحة لنفسه المطعونة طعنات مبرِّحة من الفقر والدنيا والأيام والناس.. تمنَّى وهو ينظر إلى زوجته ودموعها، التي لا يقدر على إيقافها، تمنى أن يتجه شرقاً إلى محمد الشحاده، ليحكي، ويصغي. لكنه لم يحقق لنفسه أمنيتها، لأنه تذكر أنه قطع لقاسم الحميده وعداً أكيداً، بإنجاز وعاد قصبي كبير. ماري شغلت عينيها بالدكان، والساحة، وشغلت سمعها بالإصغاء إلى حديث عرنوس وغزاله، والدي زوجها. وقد أدركت أن غزاله، داهمها حلمها الأسود، الذي يلحُّ حضوره عليها، عندما تحزن حزناً عميقاً، وحين تشعر بأن الأفق قد انسدَّ في وجهها، وأن أمراً صعباً ألمّ بها أو بزوجها أو بقريب من أقربائها، أو بجار من جيرانها.. وقد نشرت ماري خبر حلم غزاله، ما أمكنها ذلك، وحاولت أن تتهمها بالجنون. لم تعتن ماري ـ كعادتها ـ بهندسة ملامحها، ولباسها، لأنها وجدت نفسها كسولة، تحاصرها المخاوف من الفصل الجديد في فضيحة زواجها الأول من صديق برهوم.. لكنها رغم هذا الانشغال بمخاوفها، بقيت أنثى تبدو عليها علامات الحسن والفتوة.. أرض محمد الشحاده وحاصد في بستان الحبيب، بل هي تتاخم أرض ماجد العبود في بستان الصافي، وتتاخم أرض نبع الصافي، والدرب المؤدي من بستان الصافي إلى بستان القمح.. جدار ماري الفاصل بين بيت عرنوس وغزالة، وبينها لم يعزل الصوت ولم يكتم الكلام: كلّ كلمة من كلمات عرنوس وصلت إلى سمع ماري، وساهمت في تعذيب روحها وتخويفها، من المصير القادم، الذي ينتظر حياتها وزواجها من محروس.ومرأى أرض محمد الشحاده وحاصد الدروك والأشجار المتروكة لليباس، جعل ماري تخاف أكثر. ولم يبق لها من متكأ تتكئ عليه إلا جمالها ورشاقة نظراتها وأنوثتها. وقد خاطبت نفسها: "برهوم الحبيب، كما وصفه جابر العبود، لا يترك لأحد أن يعيش هانئاً أو سعيداً، إلا حين تكون هناءته وسعادته تعود عليه بالهناء التي يريد، وبالسعادة، التي يبتغي.. ولا تقتنعي يا ماري بأن برهوم يريد لك الخير، وهو إذ يطلب منك إبعاد عرنوس وغزاله عنك، إنما يطلب ذلك ليحقق نفسه غايات خاصة، يرجوها منك.. أنت على حق يا جابر العبود.. برهوم أراد أن يبعد عرنوس وغزاله عن البيت، ليجعل من بيتي مأوىً لـه ولأصدقائه، حين يريدون ذلك.. لا يا برهوم لن تحقق بعد اليوم أيّ أمر من خلال علاقتك بي، بل سأقطع علاقتي بك. لكن "العتل" زوجي السابق، لماذا بعته أرض حاصد ومحمد الشحادة؟!" عرنوس وغزاله بقيا جالسين: عرنوس منشغل بالقصب، وغزاله منشغله بالقشِّ وبحلمها الأسود القديم.. فكّرت ماري بأن تنهي فترة الخصومة، التي بدأتها مع والد زوجها ووالدته بعد زواجها من محروس بشهور قليلة؛ لكنها لم تفعل، لأن صوت زوجة محمد الشحاده، جاءها من جهة الجدار، فأبعدها عن تأملاتها وأفكارها.. حّيت شياله غزاله وعرنوسَ، ورداًّ لها التحية، ولم تقطع الكلام بالتحية وردِّها، بل سألت غزاله عن حياتها وحالها: ـ كيف حالك يا غزاله يا أم محروس؟ هربت غزاله من حلمها الأسود، وأجابت شياله: ـ بخير يا شياله يا أم أمين... ـ أراك حزينة!؟ ـ تذكرت أيامي، فحزنت على حياتي.. ـ كلنا حزن بحزن يا أم محروس. رفع عرنوس رأسه وأوقف يديه عن لفِّ القصب وربطه، وانتبه إلى أم أمين، وسألها: ـ أين أبو أمين في هذا الوقت؟؟ ـ أبو أمين عند مرجان الزهيري جارنا.. ـ مرجان جاره، لكنه لم يكن يلتقي به كثيراً قبل الآن.. ـ ماذا قصدت يا عرنوس؟! ـ قصدت أن محمد الشحاده ومرجان الزهيري، كلّ واحد منهما تضرّر من برهوم الحبيب.. ـ أنت قدرت الأمور، وعرفتها.. لكن لا تنس يا عرنوس أن تسلّم جابر العبود لعمله الجديد، وانشغاله بالامتحانات، ترك محمد الشحاده، في فراغ وضجر.. ـ دعت غزاله أم أمين بإلحاح: ـ تفضلي واجلسي عندنا: أنت جارة ونِعمَ الجارةُ، وزوجك نعم الزوج.. ـ سأعطي البيضات لماري.. ـ أعطيها البيضات، وارجعي، لنجلس.. فأنا مشتاقة إليك يا شيالة!! تركت شياله غزالة، واتجهت إلى حيث الساحة، فدكان ماري.. سألت نفسها، وهي تخطو باتجاه الدكان: "غزالة ألحت عليَّ بأن أجلس عندها.. هل هي مشتاقة أم أن في بالها كلاماً، تريد أن تقوله، لي.. غزالة رفيقة الصبا.. أعرفها وتعرفني، وعشنا أيامنا الأولى، وباب بيت أهلها قريب من باب بيت أهلي.. هل تكون غزالة أرادت أن تقول لي بعض الأمور عن ماري، لتبعدني عن دكانها، أم أنها ستقول لي حكايات جديدة عن الأرض وزوج ماري الأول الذي اشترى الأرض؟!؟!" * * * بناء المعارف يتوسط المدينة.. يُطلُّ على المدارس والبيوت والشوارع، ومحلات البيع.. ومكتب جابر العبود في الطابق الثاني من البناء، شُبُّاكهُ الشرقيُّ يُطلُّ على السهل الفسيح، الذي يربط البساتين بالمدينة.. والشباك الثاني المقابل يطل على المدرسة الكبيرة القديمة.. أنفق جابر العبود أكثر الساعات في التجول في المدرسة القديمة، حيث الطلاب يكتبون ما حفظته ذاكراتهم من أفكار ومعلومات لنيل الشهادة الثانوية.. وقد استوقفته ذكريات، وأحلام عديدة، وهو يدخل إلى الغرف وهو يعبر الممرات.. وهو يعاين الجدران والمقاعد والطلاب.. واستوقفته الكلمات المكتوبة على واجهة المدرسة: مدرسة البساتين الكبرى. وقف جابر عند ولده سريعاً، وقرأ السطور الأولى التي كتبها، ثم تابع سيره باتجاه الطلاب الآخرين، ومرّ على جناح الإناث، في المدرسة، حيث رجاء وسحر الزهيري وبنت حسيب الحموده صهر محمد الشحاده.. وأناقة كلّ ملمح في جابر العبود أذاعت الاطمئنان في النفوس والغرف والمدرسة.. ارتاحت مشاعر جابر، وهو ينظر إلى سحر الزهيري، وقد وقف قريباً منها وقرأ إجاباتها، ليتأكد من صحة معلوماتها، وأفكارها.. جابر العبود، يعتبر نجاح سحر نجاحاً لـه، في مواجهة برهوم الحبيب، وولده نجيب اللذين سببا لها فشلاً صعباً في حياتها، حتى كادت أن تيئس من نفسها وجمالها.. ولولا وجود غصن وجابر، ولولا عودتها إلى المدرسة.. في بداية طلاقها من نجيب، شعرت بالفوضى تدخل إلى روحها وأعماقها. وفتشت ـ آنذاك ـ عن أيّ زواج، يخرجها من فشلها وخيبته. وقد رغبت أول الأمر بالزواج من صديق ولد سرحان العيسى، لاعتقادها أنه قد يخرجها من محنتها..!! رجاء شعرت بالغيرة تملأ أرجاء نفسها، حيال اهتمام جابر بسحر، وعدم اهتمامه بها، وكذلك شعرت حفيدة محمد الشحاده، وقالت لنفسها: "جدي صديقه منذ سنوات بعيده، لكن لم يهتمَّ بي، واهتمَّ بسحر.." خرج جابر من جناح الإناث، وشعور بالفرح يغمر روحه، لأنه قرأ النجاح في ورقة سحر، ولأنه أحس أن نجاحها، هو نجاحه؛ إذ قبلها في المدرسة على مسؤوليته وأوصى بها غصنَ، والمدرسين، ووقف في وجه برهوم، مرتين: مرة حين رفض عودة ولده إلى التدريس في المدرسة، وثانية حين عين غصنَ مديراً لمدرسة البساتين الحديثة، ورفض عودة نجيب الحبيب، إلى المدرسة بأي شكل من الأشكال... في ممرّ المدرسة العام المشترك بين جناحي الذكور والإناث لمح جابر غصنَ، وهو يشرف على الغرف التي خصصت رقابتها لـه.. وفي الجهة الثانية بدا غزال يسرح في الممر، حيث عُيّن للمراقبة.. غصن وغزال شاهدا جابرَ، وأسرعا لملاقاته، سلمَّا عليه، وأرادا أن يحدثاه عن الامتحانات، لكنه أوجز عليهما الحديث: اهتما الآن بالمراقبة، وبالطلاب، وحين ينتهي وقت الامتحان، أراكما.. مسح غزال بقية اللعاب المتناثر على جانبي فمه، وبدأ الكلام ورشّ اللعاب من جديد: ـ جابر العبود رجل الرجال يا غصن، وشخصيته قوية.. ونفسه رضية.. ويعرف الناس.. ولا يخاف في رأيه لومة لائم.. ويا ليت أخاه ماجدَ مثله، لكنت وفقت في حياتي.. رد غصن على كلمات غزال بهدوء: ـ أنت رجل عجيب يا غزال!! ـ لماذا أنا عجيب؟! ـ تركت البساتين كلّها، وأحببت صبا.. ـ صبا.. صبا.. فعلاً أحببتها، وهي لا تحبّني.. ـ صبا لا تحب ولا تكره إلاّ بأمر من أمها، وأنت عليك أن تقنع أمها بك أولاً، وبعد ذلك يختلف أمرك مع صبا. ـ وكيف السبيل إلى محادثة أمها؟ ـ كيف علاقتك بحاصد الدروك؟ ـ ما علاقة واحد كحاصد الدروك بصبا وأمها، وما علاقته بالبساتين كلِّها؟! ـ أنت تقول هذا عن حاصد، لأنك تحتقره، لكن الحقيقة غير ما تقول يا غزال.. والآن دعنا من حديث الحب واذهب إلى المراقبة؛ وأنا سأذهب.. * * * عاد محروس السطوف مساءً عبر درب البساتين.. تجاوز بستان الحبيب والصافي، واتجه إلى بستان الحنطه.. عند الساحة التي تجمع دروب البساتين التقت عربة محروس وسيارة سرحان العيسى. حيّا سرحان محروسَ، ورد محروس لـه التحية، بأن رفع يده عالياً، ورفع صوته: أهلاً بك يا سرحان وأهلاً بالركاب.. عرف محروس من ركاب السيارة محمد الشحاده، وعرف غزالَ موجه المدرسة.. ثمَّ انعطف بالحصان والعربة باتجاه مفرق بيته، فلم يشاهد الركاب الآخرين في السيارة.. ماري على غير عادتها، تقدمت باتجاه زوجها، وراحت تمطره ترحيباً وكلاماً جميلاً، لم يسمعه كثيراً من قبل.. أعارت انتباهها إلى السيارة، وسرحان، والركاب، لكنها لم تتوقف عن بثِّ أشواقها وحبها لزوجها المصون، محروس ولد عرنوس السطوف، أمه غزاله.. نزل غزال من السيارة، واتجه مسرعاً إلى الجهة الثانية، حيث وقفت ماري تستقبل زوجها. قال غزال في نفسه، وهو يتجه إلى حيث وقف محروس وماري: محروس درس معين ثمّ لم يتابع، وإذا أردت أن أجلس عنده بعض الوقت، فهو سيفرح، وماري أيضاً، ترحب بقدومي وجلوس، لأنها تحسب الأمور، وتعرف أنني لا أحب لها الضرر؛ ولا أريد لها الفضيحة.. وتعرف أنني من أصدقاء جابر العبود.. بادرت ماري بالترحيب بغزال، أما محروس فقد انشغل بربط الحصان، وفك العربة بعد أن رحب بغزال. قالت ماري: ـ أهلاً بالموِّجه غزال: زيارتك مباركة لبيتنا.. ونتمنَّى أن تكررها دائماً.. فأنت من الشباب المتعلمين، والجلسة معك مفيدة.. ـ شكراً يا سيده ماري: أنت زينة في البساتين.. والناس يذكرونك كثيراً. * * * ـ بيتك يا برهوم في الأعلى.. وأنا أستحق أن أكون في الأعلى يا "عتل" تأمل "العتل" كلمات برهوم الحبيب، ثم وجد نفسه تائهة.. في فضاء البيت الواسع، الأنيق.. خرج برهوم باتجاه الساحة، حيث الدريوسي وزوجته، يعتنيان بالنار لينضج الأكل.. أعجل الدريوسي خطوه إلى حيث وقف برهوم: ـ هل تريد أن نقدم لكم شيئاً الآن يا أبا نجيب؟ ـ هيئوا الطعام استعداداً لتقديمه، لأن بعض الضيوف في الطريق إلينا.. ـ أمرك على الرأس يا سيد برهوم!! زوجة الدريوسي بقيت تعتني بالنار، تلقمها العيدان، ليزداد اشتعالها، وتعاين القدر لتتأكد من نضج الطعام.. ترك برهوم، الدريوسي، واتجه إلى المدخل، ليعود إلى حيث صديقه "العتل" بقي جالساً في البيت، لكنه لم يكمل سيره، وانعطف باتجاه الشجرات القديمة العالية المحيطة بالبيت، لأنه لمح حاصد يصعد الدرب باتجاهه. عرف برهوم أن حاصدَ يحمل أخباراً وأحاديث كثيرة عن البساتين، جاء ليقولها.. بعض الأخبار والأحاديث يعرفه برهوم، وبعضها لا يعرفه، إلا أن حاصد يعرف تفاصيل وحيثيات، لا يمكن لبرهوم أن يعرفها.. الدريوسي وزوجته لمحا حاصداً وهو يصعد الدرب، ويتجه إلى حيث وقف برهوم. قريباً من الشجيرات القديمة العالية. قالت زوجة الدريوسي لزوجها: ـ حاصد الدروك يحمل أخباراً وأسراراً جاء ليقولها لبرهوم. ـ وهل تبقىَّ في البساتين أسرار لا يعرفها برهوم، ولا يعرفها الجميع!؟ توقفت زوجة الدريوسي عن الكلام، واكتفت بالإشارة إلى البناء الضخم الذي نهض في جهة بستان الحبيب. هذا السرُّ يعرفه برهوم، ويعرفه العتلُّ.. بل برهوم هو صاحب هذا السر يا أم ماري!. ـ آخ عليك يا ماري.. وآخ من الأيام كيف فعلت بنا يا دريوسي!؟ أراد الدريوسي أن يتابع الحديث مع زوجته، فوجدها انشغلت عنه بالتفكير والتأمل: تذكرت يوم عرفت الدريوسي وتزوجته.. وتذكرت بيت أهلها الذي انهدم منذ سنوات عديدة وتذكرت معرفتها ببرهوم الحبيب، وتذكرت حاصدَ يوم جاء لأول مرة مع برهوم.. وقالت لنفسها: "برهوم يخبِّئ الأسرار والأضرار. وعمري مع الدريوسي راح هدراً من أجل خدمة برهوم وضيوفه وأهله.. * * * ـ أخوك جابر درس الجامعة، وصار مديراً للمدرسة الجديدة، واليوم صار مديراً للمعارف. وتحسنت أحواله، وصار عنده سيارة مثل سيارة سرحان العيسى.. وأنت كم تعبت من أجله ومن أجل أصدقائه وضيوفه.. ولكنك لم تستفد من تعبك إلاَّ التعب يا ماجد؟! تأمل ماجد العبود كلمات زوجته (صبحه).. وتأمل أيامه مع أخيه جابر، في بستان المواسم.. ورأى كيف أن جابرَ انقطع إلى القراءة. وكيف أغوته هو السهرات والتسليات، والصبايا.. وتراءت لـه صورة والده، وهو يزجره، ويهيب به، ليهتمَّ بنفسه وبالقراءة، مثل أخيه جابر... تراءت لـه قسماته المقطبة.. ونظراته.. وشفتاه، وهو يقول لـه: الصبايا الجميلات، لن ينقطعن، لكن الأيام، والفرص، متى مرّت، لا تعود يا ماجد خذ اليوم ما أمكنك أن تأخذ لنفسك، وغداً تختار شريكة لك في حياتك!!.. كادت الدموع أن تطفر من عيني ماجد، وتفضح تأملاته، أمام زوجته صبحه، التي أرقّته أياماً طوالاً، وأرغمته على ترك بستان المواسم، والسكن في بستان الصافي.. وأبعدته عن كلام والده، وعن أخيه جابر.. أغمد ماجد العبود سيف الدموع، وهرب من حالة التأمل والذكريات، خشية أن تقرأ زوجته الضعف لديهن لتقدر من خلاله، أن تسيطر على حياته وشخصيته. وأساليبها بارعة في التأثير عليه.. وفي الدفاع عن رغباتها، و تحقيقها.. تركت صبحة ماجدَ لسرحاته وتأملاته.. ودخلت إلى البيت، لتعدَّ لها وله كأسين من الشراب، ولتتضح في رأسها حكاية عمرها في المدينة، لتسلي بها ماجدَ وتشدّه إليها. فكرت، وهي تبحث عن الكأسين، أنت تختار لـه حكاية ما عن أختها أم سائده، قبل زواجها من رزوق.. لكنها تراجعت عن فكرتها هذه، ثم خطر لها خاطرٌ أن تحكي لـه حكاية ما عن برهوم أو عن أي ماري.. لكنها، لم تقف عند هذا الخاطر، لأنّها لم تتثبت من الحكاية، التي يمكنها أن تحكيها لزوجها عن برهوم الحبيب، أو عن ماري الدريوسي.. وبعد هذا، وجدت نفسها تدور، وتدور، ولا تعرف لماذا تدور، فقد شردت، وتاهت في شرودها!؟. * * * فرحت سعدى بزيارة صبا، بنت عمّها ماجد لها، واحتفت بها ما أمكنها الاحتفاء: قدمت لها العصير، والحلوى وحدثتها عن حبها لشيبان، وعن علاقتها بوالدها جابر، وأخيها عمران، وأمها، والمدرسة، والأيام. واستمعت إليها، وسألتها عن حياتها، وعن أبيها، وعن أمها. جلست سعدى وصبا متجاورتين على المقعد الخشبي الواسع، الذي أمام يدخل البيت. قالت سعدى لصبا: ـ أمك لا أذكرها جيداً، لأنني لم أرها إلاّ مرة واحدة. ابتسمت صبا ابتسامتها الناعمة، الرشيقة، ثم بدأت تنطق كلماتها على مهل: ـ أمي تشبهني يا سعدى، لكننيّ أجمل!! وهي إلى اليوم تتأنّق، وكأنها لم تتزوج؟! ـ جدك والد أمك كان شرطياً، في المدينة.. ـ وخالتي أم سائده تتأنَّق أكثر من أمي، هل تعرفينها؟! ـ لم تعلّق سعدى على كلمات صبا، واكتفت بتأملها، وتأمل أيامها، قبل الزواج، وذهابها مع أمها إلى أرض نبع الدلبات، المجاورة لأرض رزوق، زوج أم سائده، وبيته. ـ وحظ خالتي أم سائده طيّب، وحياتها مع رزوق منعّمه. انزعجت سعدى، وأحسَّت بالغيظ يتسلّل إلى شعورها، وهي تسمع حديث صبا، عن حظِّ خالتها الطيب، وعن تنعّمها في العيش مع رزوق، لأنها فهمت من هذا الكلام، أن صبا تفضل رزوقَ وحياته، على والدها وحياتها. المساء الهادئ، ودرب نبع بستان الصافي تركا في نفس وجلسة صبا وسعدى، صدى مستحباً، إلاّ أن صبا، لم تنس، أن أمها، أوصتها ألا تتأخر، عن البيت. سعدى، ظلت تتأمل صبا، وكلماتها.. ولم ينسها المساء، ودرب النبع أن تنظر إلى صبا وحركاتها، وملامحها، وإلى جهة بيت عمها ماجد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |