|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:42 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الحادي عشر صوت رجاء، جاء مفاجئاً.. كظلّ سحابة أفرح خيال الصيف. وتبعه صوت سحر وصوت حفيدة محمد الشحاده.. لم يتعب صوت رجاء في الوصول إلى سمع ونفس عمران، بل وجد السبيل يسيراً. تجاوز السلم الخشبي المتصدع، ودخل الباب.. وأخذه من أحلامه والأوراق التي بين يديه إلى الباب، ليعرف أن رجاء تزوره، وجاءت معها سحر وحفيدة محمد الشحاده.. فرح عمران، لظفر عينيه وروحه برؤية رجاء، وارتبك، لغياب أمه، لأنه أحسَّ بأنه سيفشل بالترحيب الجيد وسيفشل أكثر بالضيافة، وهذا الفشل أمم حبيبته، تحديداً، يربكه وتركه مضرباً، تتجاذب أنفاسه جاذبيتان: جاذبية الدهشة والحب والفرح، وجاذبية الاضطراب والشعور بالفشل، في الاحتفاء اللازم بضيوفه. هبط درجات السلم، وهو لا يعرف كيف يستقبل رجاء وصديقتيها، وكيف يصافحها، لكنه، ما إن وصل إلى الفسحة التي أمام البيت حيث وقفن، حتى بدأ الارتباك يهرب قليلاً.. ووجد أن الأفق مزدان بخفق الأجنحة، وأغصان الأشجار.. ابتسم قبل أن يصل، وردت رجاء على ابتسامته بابتسامة مثيلة، أدخلت النشوة إلى أعماقه.. مدّ يده أولاً إلى رجاء، وصافحها، وسألها عن نفسها وحالها، وعن النتيجة. ثم انتقل إلى سحر، التي لم تبخل بالابتسامة في وجهه. أما حفيدة محمد الشحاده، فلم تبتسم، ولم تتكلّم، وكأنها خُلقت لغير تبسّمِ، وتكلم. أو لعلها وجدت نفسها محبطة أمام رجاء وسحر واهتمام عمران بهما وإهماله لها. قالت رجاء، بعد أن جلست على المقعد الخشبي، وجلست قريباً منها سحر وقد توجهت بالكلام إلى عمران: ـ بيتكم عال، ويطل على السهل، والدرب.. ردّ عمران: ـ وبيتكم جميل، ويطل على الدرب، والنبع، والدلبات. وأراك في أثناء جلوسك أمام البيت، حيث أذهب إلى أرضنا، وأراك أحياناً، حين تصعدين إلى السطح.. ـ لكن لا تزورنا؟؟!! ـ ...... لم يجب عمران... وترك لطائر البهجة أن يخفق في صدره.. وأبقى لدمه إن يسير عجولاً في الأوردة. قالت سحر، وقد راقها إن تتبادل الحديث معها: ـ بيت رجاء أول بيوت الملتقى.. وهو عال.. ومثله بيت عمران.. حفيدة محمد الشحاده، أرادت، أن تشارك في الحديث، فجاءت مشاركتها عادية: ـ وبيت جدي قريب من بيت أهل رجاء.. قال عمران: ـ منذ وقت لم أر جدك.. أين هو الآن؟؟!! ـ بعد ذهاب والدك إلى المدينة، وعمله الجديد، ضاع جدي.. فهو لا يعرف أين يسهر، وإلى أين يذهب.. ـ والدي يرجع كلَّ يوم تقريباً إلى البيت.. تدخلت رجاء: ـ أرى جدك كلَّ صباح، حين يجلس على المقعد الخشبي القريب من شجرة، التوت، لأن شباك غرفتي مقابل لبيت جدك والساحة، لكنني هذه الأيام لا أراه؟! تبسمت سحر، وأردفت تبسمها بالكلام: ـ أنت يا رجاء تفتحين الشباك كلَّ صباح لتعايني جدَّه.. معنى هذا أنك عشقته؟! وسأخبر بهذا جدَّتها أمَّ أمين.. وجد دمُ الخفر دربه، إلى وجنتي رجاء، النضرتين. بينما سحر، وحفيدة محمد الشحادة ضحكتا، وعمران شاركهما الضحك.. ثمّ ترك الضحك وعاد إلى الاهتمام برجاء، ليذهب عنها الخفر، الذي فرد عليها وشاحه. سحر أكثر امتلاءً من رجاء.. وقد استوت جيداً على كرسيها، فبانت ملاحتها. البهاء.. وهي رشيقة وحسناء.. إلا أن سحرَ، تتفوق عليها بأنها أكثر منه دراية بشؤون الأناقة، وشؤون الأنثى، إذ هي جرّبت الرحلة مع نجيب ولد برهوم، وذاقت طعم الزواج مراً علقماً، أما رجاء فلم تختبر بعد نفسها مع الحياة والأنوثة والزواج.. ولم تذق الطعم مرّاً، أو حلواً. صمت عذب، أخذ عمران إليه.. صمت خلاء من أية ضجة أو كلام أو حضور سوى حضور رجاء.. ولم يرجعه من صمته إلا صوت، سحر: ـ ألم يقل أبوك: متى ستصدر نتيجة امتحاناتنا؟! ـ منذ ثلاثة أيام لم أره، لأنه سافر من أجل المنهاج الدراسي الجديد. ـ وأمك سافرت معه؟ ـ أمي تزور أختي سعدى.. لم تكمل سحر أسئلتها، لأن صوت سيارة جابر أكمل الكلام المتبقي، وأجاب عن بقية الأسئلة.. رجاء داخلها شعور بالاحترام لجابر، والاضطراب أمامه.. أما سحر فاحتفظت، ما أمكنها، بلياقتها وتوازنها، وحفيدة محمد الشحادة، بقيت على حالها من الارتباك... قالت سحر: سيارة والدك يا عمران: تشبه سيارة والد رجاء. قال عمران: وأنا هل أشبه رجاء؟! اكتفت سحر بالضحك. مثلها فعلت رجاء إذ ضحكت ضحكتها الرشيقة، التي تضيف إلى نضارتها نضارة، وإلى عذوبتها عذوبة. غصن كان أول من صافح جابرَ، وأول من شاهد سيارته، وهي تصعد درب المواسم، وتتجه، إلى حيث الساحة الضيقة، الفاصلة بين بيت جابر، وبيت غصن. تعاظمت البهجة في نفس سحر، وقت رأت غصنَ!! ووقفت كالآخرين بانتظار أن تصافحه وجابرَ. وقد حاول غصن أن يحمل الأوراق والكتب، التي حملها جابر ليخفي ارتباكه، الذي أفقده توازنه، وجعل قدميه تصطدمان ببعضهما.. نسي غصن أن يسير مع جابر.. ونسي أين هو.. وسار في شروده وذهوله.. وبقيت سحر تقترب منه أكثر فأكثر.. وبقي شروده يحاصره أكثرن حتى كاد أن يسقط مغشياً عليه، وقد بانت علامات ذلك على وجهه. * * * ـ هذا النبع لبستاننا أباً عن جد. هذا ما قاله عيسى الحميده لشيبان.. سأله شيبان: ـ ونحن من أين نشرب؟؟ ـ تشربون من أي نبع سوى هذا النبع.. ـ لا يا عيسى، لن يكون بمقدورك أن تمنعنا من الشرب من النبع، ومن سقي أشجارنا ومزروعاتنا. دار هذا الحوار الغاضب بين عيسى وشيبان قرب نبع الحنطة والصافي، المجاور لأرض وبيت ماج العبود.. سمعت صابا وأمها الحوار.. قالت صبا: ـ عيسى يريد أن يقطع الماء عنا.. ـ شيبان هو سرّ المشكلة يا صبا.. ـ كيف هو سرّ المشكلة ؟؟!! ـ المعمل الكبير، الذي بناه زوج ماري "العتلُّ" وبرهوم الحبيب، واشترك في بنائه، والعمل فيه، عيسى الحميده الذي أراد أن يستفيد من ماء النبع، لتشغيل المعمل.. ـ ونحن من أين نشرب.. ووالدي كيف يسقي الأشجار والأرض إذا قطع عيسى الماء؟! ـ عيسى لن يقطع الماء.. ـ سمعته يقول: إن النبع لهم أباً عن جد.. ـ نحن لا يقطع عنا الماء، لأنه صديق زوج خالتك رزوق.. ومتفاهم معه على كلّ شيء. ارتفع صوت عيسى، حتى صار صراخاً، وانضمّ إلى صوته أصوات أخرى، لم تعرفها صبا.... وإلى صوت شيبان، لم ينضمّ سوى صوت الموجِّه "غزال" الذي جاء راكضاً. البناء الكبير، الذي نهض حديثاً في الأرض، التي منحها برهوم لـ "العتلِّ" زوج ماري السابق.. سدّ على بيوت كثيرة الأفق، وحجب عن نوافذها، وشرفاتها رؤية السهل، والأشجار، وبقية البيوت.. شاهدت صبا البناء الكبير، وسمعت كلام عيسى، وانزعجت.. وفكرت بأن تركض إلى الجهة الأخرى من الأرض، حيث والدها، لتخبره، بأن عيسى ومعه آخرون سيضربون شيبان، وسيجرون ماء النبع إلى المعمل الجديد.. لكنها خشيت غضب أمها، وثورتها عليها، إن هي فعلت. لمحت صبا وأمها الموجهّ غزالَ، وهو يركض باتجاه النبع.. قالت الأم: ـ هذا هو الموجه غزال، انضم إلى زوج سعدى.. ـ هو صديقه.. ـ وهو يريدك.. ـ من قال لك إنه يريدني؟ ـ خالتك.. ـ خالتي.. يا خالتي.. ومن طلب من خالتي؟ لم تجبها على سؤالها الأخيرة، وانتقلت إلى التعليق على غزال وعلاقته بزوج سعدى. * * * شجرات نبع الصافي، تلوح للقادم إلى البستان، كعلامة تهدي التائهين. ولم يزعجها إلاَّ صوتُ ودخانُ، الموتور، الكبير، الذي وضعه عيسى وبرهوم، والعتل، على مقربة من النبع.. وماجد العبود أحسَّ بدخان الموتور، وضجيجه مزعجاً، وحاول أن يقول رأيه، الغاضب، أمام زوجته، لكن المحاولة هذه ضاعت هباءً، وقت رأى زوجته منشدّةً للدفاع عن الموتور، والدخان وبرهوم وعيسى، والعتل. وهي لا تعرف بتاتاً، لماذا تناصر ضجيج الموتور، والمعمل، والاعتداء على النبع ومائه، وشجراته. فقط تعرف أن أختها أم سائده، طلبت منها أن تناصر عيسى والموتور، والعتل وبرهومَ، وأن تحرّض زوجها على مناصرة رأيها، وعدم مناصرة شيبان، ونفسه أيضاً. ماجد العبود، لم يقل أية كلمات لزوجته، وترك البيت، واتجه إلى أرضه، وهو مغضب، مستاء، من صوت ودخان الموتور، ومن الإساءة للنبع، وضخِّ مائه، وحرمان المزروعات والأشجار، من أن تروى، وأن تبقى خضراء، نضرة؛ توحي بالخير والموسم. عرفت زوجته، أنه مغتاظ من حال النبع، وخافت من أن تفاتحه، بالكلام، الذي قالته لها أم سائده.. خافت من ثورته عليها، وغضبه.. وجد ماجد العبود نفسه، مأخوذة بحديث والده القديم، الذي يتذكره، كلما شعر بالغبن من زوجته: " يا ولدي! يا ماجد! هذه الأيام أيامك، انتفع منها، النفعَ الباقي.. اقرأ ما أمكنك! تابع ما أمكنك الطريق إلى الغاية الأفضل.. وحين تفكر بالزواج، تُوفَّق إلى الصبية اللائقة.." أعاد كلمة الصبية اللائقة مراراً.. وقال لنفسه: الآن عرفت ماذا عنى أبي بالصبية اللائقة. لم يرجع ماجد إلى الحديث مع زوجته، لأنه شعر بالضجر.. والغبن، وهو ينظر إليها.. وزاد في ضجره وغبنه دخان وصوت الموتور، القريب من النبع وبيته.. استبدَّ به شعور عارم بالنقمة على برهوم، وعيسى الحميده، والعتلِّ، الذي لم يره، لكنه سمع عنه أحاديث متفرقة.. زوجة ماجد قرأت غبن زوجها منها، وقرأت حالة الغيظ، التي ألمت به، وهو يعاين المعمل الكبير، ودخان الموتور الذي عكّر مزاج الأفق، ونبع الصافي.. ماجد لم يدر بالخلاف، الذي حصل بين شيبان وعيسى، ولو أنه عرف بذلك، لكان وقف مع شيبان، دون أيّ تردد.. وقد كتمت زوجته الخبر عنه، وأوحت لـ "صبا" أن تُبقي الأمر طيَّ الكتمان عن والدها.. كعادته، استيقظ جابر العبود مع صياح الديك، ومثله استيقظت أم عمران.. ـ هل نذهب اليوم إلى نبع الدلبات وأرضنا؟؟ ـ نعم سنذهب إلى النبع، وسنسقي الأرض والأشجار.. تذكر جابر أن عليه أن يتابع العمل في الكتاب الجديد، الذي جمع فصوله وأنجزها.. وبقي عليه أن يضيف بعض الحواشي التاريخية والأدبية، التي لابدَّ منها لهكذا كتاب، سيوزع على المدارس، ويدرسه الطلاب. تذكر الكتاب، وتذكر النبع والأرض والأشجار.. وصياح الديك ظلَّ يحمل لـه البشرى، والبهجة.. وظل يحكي لـه حكاية الفجر المقبل.. والبساتين!! فتحت أم عمران الباب، فبان لعيني جابر المدى: يتسع ضياؤه ويتعرَّى من لبوس الليل.. وبانت لـه الشجرات القريبة من الشرفة، وازداد حضور الصياح في سمعه. قرأ بعض عناوين الكتاب: عائلات البساتين، ينابيع البساتين، الأسياد.. الدروب.. الحب.. الخلافات. أخذته فصول الكتاب، وعناوينه، حتى كاد أن ينسى أنه سيقصد أرضه، حيث النبع.. والصياح المرنان، ظلّ يدخل إلى نفسه، حاملاً البهجة، ورائحة النهار.. وأمُّ عمران، انشغلت، بإعداد الطعام اليسير، لزوجها. * * * بيت غصن، هو نفسه، لم يتغيَّر: غرفتان ضيقتان، أمامهما الفسحة القديمة، تحيط به شجرات الزيتون الكبيرة.. قال جابر لنفسه، وهو يعاين بيت أهل غصن: "لم يتغير البيت.. وبيت المؤنة، والبقرة والدجاجات، أيضاً بقي على حاله، منذ تركه والد غصن وانتقل إلى الغرفتين الضيقتين اللتين، بناهما منذ سنوات، ليست بعيدة.. وغصن أمام هذه الحال، لن يكون بمقدوره أن يتزوج؟! وسحر لا ترضى بالعيش عند أمه، مهما أحبتَّه، وشعرت بالمودة تجاهه". والد غصن شاهد جابرَ، وهو ينحدر عبر الدرب المؤدي إلى الملتقى، فسهل النبع، وتمنى أن يلتقي به، وأن يكلمّه ببعض الأمور، التي تشغل باله. لكنه وجده مسرعاً، ولم يقدر على اللحاق به... أراد جابر أن يتمهل في مشيته، ليشبع عينيه نظراً إلى بيوت الملتقى.. كأنه يراها هذا الصباح، بعينين جديدتين لم يكن ينظر بهما قبل الآن. وقد أحسَّ جابر بهذا التغيير الذي طرأ على نظراته إلى بيوت الملتقى، وأشجاره، وقد تساءل في سرّه عن ذلك: "هل يكون الغياب عن الملتقى هو الذي جعلني أنظر إلى البيوت هذه النظرة المشرقة. أم أن الأحداث، التي تمرّ على الملتقى وبقية البساتين عمّقت نظرتي إلى الحياة والناس والبيوت؟". وقد رغب في أن يلمح محمد الشحاده أمام بيته ورغب أن ينادي عليه، وعلى سرحان العيسى ليرافقاه إلى الأرض والنبع.. ورغبته هذه لم تأتي من فراغ، ولم تأت فجأة، بل هي رغبة قديمة، تقوى، حين يبتعد عن البساتين: عمله الجديد أبعده قليلاً عن البساتين، وانشغاله الدائم بكتابه الذي بدأ جمع فصوله وتواريخه منذ وقت ليس قريباً. انشغاله بهذا الكتاب، أخذ بعض اهتمامه بالبساتين، والجيران. لكنه بتاتاً، لم يصرفه عن الأحداث والعلاقات، التي لها علاقة به.. والجيران. وكيف لـه أن ينأى عن جوّ وأحداث الملتقى أو المواسم، أو الصافي أو الحنطة أو الحبيب، وهي جميعاً لها علاقة به، وتؤثر على حياته.. وأهله، وجيرانه؟! الفسحة التي أمام بيت محمد الشحاده، مقفرة من دخان اللفافة، والسعال العالي.. وأمُّ أمين لم تنهض بعدُ إلى الأثقيه، ولم تفتح باب الدجاجات، والشجرة القديمة هادئة، تغازل بأغصانها هدأة المدى، ونسيم الصبح البارد برودة يسيرة... والدرب المؤدي من بيت محمد الشحاده، والساحة إلى البيوت المجاورة كالفسحة هادئ... مقفر إلاّ من ضوء الفجر، وصياح الديوك.. حاول جابر أن يحدد صياح كلّ ديك: انطلق صياح ديك دجاجات بيت الزهيري، تلاه صياح ديك بيت صهر محمد الشحاده، وصياح ديك بيت سرحان العيسى، والديوك الأخرى، فضاع انتباه جابر، في زحمة الصباح المنطلق من كلّ البيوت.. استيقظت في رأسه أفكار وأسئلة، وأحداث، وتذكر أرض محمد الشحاده، التي أخذها برهوم، وأعطاها للعتل، وتذكر سحرَ، وزواجها من نجيب ولد برهوم.. واجترأت على تأملاته مخاوف واحتمالات حيال سحر والمعمل الجديد.. والينابيع: "هل تنجح سحر هذه السنة؟! إذا نجحت تستقرُّ حالتها، وتصبح أقوى على نسيان فشل زواجها.. و تتزوج من غصن، أن اتفقت معه على الحياة المشتركة، في بيت والده، أو أنه يبني غرفتين لنفسه.. لكن من أين لـه أن يبني حائطاً واحداً"! أو لعله يسكن في البيت القديم، الذي استخدمه والده مأوى للبقرة والدجاجات، وقسماً منه للمؤن. لكن سحرَ لن تقبل بهذا البيت مسكناً لها، وهي التي عاشت في بيت برهوم البني بناءً أنيقاً والمنظم.. واللائق.. وسحر قبل أن تسكن مع نجيب، وهي ذات شخصية أنيقة، وتحب الأناقة.. وتبحث عنها، ولن تقبل بأقل من ذلك. وغصن نفسه، رغم هدوئه الزائد، يفرح للأناقة ويتمناها". سحر تشغل بال جابر كثيراً، لكنه لا يعرف سرّ ذلك تماماً: يرتاح لشخصيتها.. لرشاقتها.. لجمالها.. لكن انشغاله الدائم به، واهتمامه بحياتها. لا يرجعان إلى هذا التجلّي والجمال فقط.. بل يرجعان إلى أبعد من هذا وأعمق؟! تجاوز الساقية، واتجه إلى الأرض، وسحر تشغل باله. ومخاوفه من ألاعيب برهوم، تجترئ على خياله، وتعكّر عليه الصفوة والهناءة.. دلبات النبع العالية، وجدها تقترب منه أكثر منها في الأيام الماضية، ووجد نفسه متلهفةً إلى البقاء قريباً منها، ومن النبع.. وقد ذهب إليها أولاً، قبل أن يعبر تخم أرض سرحان العيسى، إلى أرضه وأشجاره.. أحسّ بالدلبات كرجال عرفهم وجاورهم منذ وقت بعيد، واشتاق إليهم وتمنى أن يبدأ نهاره بالتحية والأحاديث المتبادلة بينه وبينها.. أمام الدلبات، والنبع نسي أن يفكّر بأمور كثيرة، كانت تمرّ برأسه. لكنه ما إن غسل وجهه بالماء واستراح على بساط العشب، حتى عادت إليه ذكرى صدامه مع رزوق الحامد، من أجل الماء. وعادت إليه ذكرى ضجيج المضخة، وعاد إليه وجه حاصد الدروك.. * * * صحا عمران، وصحت معه خيالاته، وآماله.. غادر سريره المضطرب؛ باتجاه النافذة المطلة على المدى، والدرب: شجرات البيوت والتخوم المقابلة للنافذة، وجدها، كعادتها، ناهضة، تمسح عن أغصانها بقية الليل بضوء النهار. وصياح الديوك، يتسلق الأغصان، ويسعى عبر الفضاء إلى كلّ الجهات، ومن كلّ البيوت.. لكنه لم يقف طويلاً أمام هذا المشهد، بل انتقل به خيال إلى بيت رجاء؛ وقد اقترنت صورتها حالاً بالمدرسة والدروس، والامتحان، وانتظار النتيجة المرتقبة.. عمران يشبه والده، في ملامحه، ويشبهه في حساسيته الرهيفة.. يتأمل الحياة بروحه، حتى يتعبها.. ثقته بنفسه ليست ضعيفة، لكنَّ رهافته تجعله يتأمل الأمور، ويحسبها حسابات بعيدة، فتصير الثقة تردداً، وتصير الآمال قلقاً.. رجاء يعرف أنها تحبه، لكنه، نتيجة حساسيته المفرطة تجاهها، يظن، أن أحداً ما يمكنه، أن يؤثر عليها، ويصرفها عنه. ثمّ إنه يرتفع بها إلى مستوى روحه، فتغدو كنجمة، يخاف أن تضيع في متاهة الليل.. وهذه هي حال إحساسه تجاه رجاء، منذ دخل حبُّها إلى روحه.. ولم يوفق يوماً إلى لجم هذه الحساسية الزائدة. ومن أين لـه أن يلجم كياناً هو أغلب كيانه: كيان ورثه عن والده، وعمقته التربية.. وضخّمه أسلوب الحياة والتفكير، والتأمل، والتعامل مع الآخرين، الذين لهم في النفس صدىً وحضور؟!؟! تذكر عمران المدرسة، وأيام الامتحان، وفكر بالنتيجة، التي اقترب موعد إعلانها، وقال لنفسه: "إن نجحت وتفوقت، أقدر حينها أن أقول لرجاء: أنت حبيبتي.. وأن أقول لوالدي، وأمي: أنا أحبُّ رجاء، وأستطيع أن أصون رجاء مع الآخرين..". تراءى النجاح العمران، كأنه مفتاح ذهبي، يملكه دون سواه، ويفتح به وحده، باب حياة رجاء، التي تحبُّه، وتريده. وتراءى لـه ظلّ ظليل، يفيء إليه، وتفيء معه رجاء، ويحتمي به، وتحتمي معه به.. النجاح صار بالنسبة لهن هدية كبيرة، يمكنه أن يقدمها لحبه، الذي أتعب روحه، وآذى مشاعره أذى مستحباً، لا تفسير لـه سوى رجاء!! ولم يرجعه من وراء النافذة، سوى صوت غزال وشيبان. صعد صوت غزال غزال السلّم، ويلغ سمعه، وأعاده من تأملاته وخياله إلى صحوة، جاءت مباغتةً إحساسه: فلم يعرف، في تلك اللحظة أن يفسر الحال، التي صار إليها.. فكّر بالنتيجة، وسأل نفسه: هل يكون غزال جاء حاملاً لـه النتيجة؟! لكنه انصرف عن سؤال هذا، بقوله لنفسه: هل يعقل أن يعرف غزال النتائج قبل والده؟! هبط السلمَّ مسرعاً، إلى حيث وقف غزال وشيبان. قرأ علامات الحزن، والاستياء، في وجنتي صهره شيبان.. لكنه لم يعرف تفسيراً لهذا الحزن والاستياء. باب بيت الدجاجات المفتوح أكد لعمران أن أمه لحقت والده إلى أرض النبع.. صافح صهره، وغزالَ، ونقّل نظراته بينهما، ثم لمح الدراجة، التي أعطاها والده لصهره. سأل غزال: أين الوالد والوالده؟ وأتبع سؤال برشات متلاحقة من اللعاب، تفاداها عمران بأن بقي بعيداً عن فم غزال، ومرمى لعابه.. قال عمران بصوت هادئ، تتنازعه المخاوف والأسئلة حيال حزن واستياء صهره: والدي وأمي ذهبا إلى أرض النبع.. من الخلف جاء صوت غصن، فقطع الحديث: ـ أرى الموجه هنا في بستاننا، وأرى السيد شيبان؟! استدار غزال، وبادر بالتحية والكلام: ـ جئنا، نعم، إلى بستانكم، وهل نرى أفضل من بستانكم، وهل نرى أفضل من أهل بستانكم؟! ـ شكراً لك.. قال غصن، شكره، وحاد برأسه ما أمكنه عن مرمى لعاب غزال. أما شيبان فقد بقي حزيناً ومستاءً: يسرق انتباهه دخان المعمل الكثيف، الذي ملأ أفق نبع الصافي، وعكّر مزاج البستان كاملاً... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |