|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني عشر بهربيت برهوم، عقل عيسى الحميده، واستحوذ على كل اهتمامه: الساحة الرحبة، والدرب المرصوف رصفاً جيداً، والمحاط بالشجر الكثيف.. والغرف الواسعة، والعتبات العالية. وراقه كثيراً أن يرى رجلاً وامرأة يطبخان الطعام، لبرهوم وضيوفه.. عيسى لم يجرّب، بعدُ هذه الحياة الرفيهة، ولا يعرف أن يجربها، إنه جاهل بكل مفردات الرفاه، وكل حالات الأناقة البشرية، وغير البشرية.. يتمنى ذلك، لكنه لا يعرف كيف يحقق تمنياته. جلس عيسى، وعيناه تنظران نظرات مندهشة قلقة: حيناً تنظران إلى الجدران العالية، وحيناً إلى المقاعد.. وحيناً إلى العتل، والآخرين.. وحيناً إلى برهوم.. وحيناً إلى الساحة، التي لم يحجبها عن عينيه الباب المفتوح.. وقد عرف برهوم أن عيسى دهش لما رأى، وأن الدهشة ستزداد، حين يعرف أن الرجل والمرأة، اللذين يطبخان في الخارج، هما والدا ماري. * * * ـ كيف يمكننا، يا سيد عيسى، أن نحافظ على ماء النبع القريب من المعمل؟! ـ نحافظ على ماء النبع كما حافظت على زوجتك ماري، التي تركتها! ضحك برهوم، وضحك العتل، مع إحساس بسيط بالانزعاج عبرت بنت برهوم مسرعة، فلمحها عيسى فغاب عن صحوه، والآخرين؛ وراح يكلّم نفسه كالمأخوذ: "من أين لك يا برهوم هذا الحسن كله، وأنا ما عندي من الحسن شيء؟!" نادى الدريوسي برهوم: ـ يا سيد برهوم: الطعام نضج، هل نقدِّمه لكم الآن؟؟ تمهل برهوم بالرد على الدريوسي، وتوجه بالسؤال أولاً إلى العتل، هل نأكل الآن؟ أم ننتظر؟! ـ اسأل السيد عيسى: إن كان يرغب بالطعام؟ أجاب عيسى، قبل أن يوجه السؤال إليه: نأكل إذا رغب زوج ماري بالطعام. عاد العتلُّ إلى ارتباكه السابق، لكنه كتم ذلك، وانصرف باهتمامه عن الطعام، إلى السؤال عن حال المعمل، والماء، والنبع والأرض المجاورة، والجيران.. لم يقدر عيسى على البقاء جالساً، على المقعد، بانتظار الطعام؛ وراقه أن يخرج إلى الساحة، ويعاين البيوت المجاورة لبيت برهوم. الشمس ترسل لهيبها، لكن الشجر الكثيف المحيط بالساحة، خففَّ من وطأته.. ولطف من جوّ الساحة والغرف. والدرب الصاعد إلى الساحة لـه نصيبه الواسع، كالساحة، من ظل الأغصان المتشابكة، التي لا تدع للحرّ الشديد، أن يصل إلى الماشين عبر الدرب. عينا عيسى، رغم جحوظهما غير المستحب، ورغم كثافة حاجبيه، حتى يظنهما، من يرى عيسى لمحاً، أنهما نعلا حذاء، هرّأهما طولُ السير، والشقاء.. رغم جحوظ عينيه، وبشاعة حاجبيه، عيسى يدقّق النظر إلى ما يريد أن يعرفه.. نظر إلى الساحة.. وإلى دربها.. وإلى الجهات وإلى البيوت، فوجد أن بيت برهوم يستقر في أعلى مكان من البستان، تحيط به ساحة واسعة، وأشجار عالية، وتفصله عن بقية البيوت تخوم حددها برهوم، أو سواه، لتفصل البيت الكبير، والساحة الكبيرة، والأشجار، عن الآخرين، فصلاً، لا يمكن لأحد، أن يلغيه.. في الجهة المقابلة للساحة تنتشر على بعد، بيوت صغيرة، تلاصقت.. وحولها تنهض أشجار مبعثرة، كأنها بقيات نهار، في متاهة الليل، تشتدّ ظلمته.. ومن الجهة الأخرى تفتح الساحة ذراعيها، لتضم إلى صدرها، الدرب الأخضر الآتي إليها من بستان الصافي.. وقد تمنى عيسى أن يرى المدى البعيد، فلمي يفلح في ذلك، لأن نداء برهوم، جذبه إليه، وأبعده عن الساحة، والجهات.. وقد لمح عيسى، وهو يعود باتجاه البيت، بغلاً يجر عربة، عبر الدرب المؤدي إلى الساحة، من الجهة الأخرى، حيث البيوت الصغيرة. شاهد رجلاً يصعد، وفي مشيته عرج، واعوجاج، إلا أنه لم يبق، حتى يرى الأعرج وصاحب البغل والعربة، لأن صوت برهوم عاد ثانية: ـ الطعام بانتظارك يا سيد عيسى!! برهوم لم ير حاصداً، ولم يرَ ـ أيضاً ـ محروساً. ولو رآهما، لأسرع لملاقاتهما، لعلمه الأكيد، أن حاصداً، سيحكي، ما يمكنه أن يحكيه، عن العتل، وعن مارين وعن زواجهما السابق. وهذا الإفشاء لا يخدم برهومَ، لأنه الآن منشغل بالعتل، والمعمل الكبير، الذي بناه قريباً من نبع الصافي.. وقلق إزاء ردّ فعل جابر العبود، الذي قد يوقف المعمل. وبرهوم، غدا يعرف أن زوج مارين لا يفهم.. ولا يعرف كيف يواجه هكذا قضايا.. وقد يسارع إلى ضرب العتل وإهانته، وقد يضرب زوجته.. وقد يضرب برهومَ نفسه.. وماري في هذه الحال، ستسرع إلى جابر العبود، لعلمها أنه الوحيد، الذي يقف معها في وجه العتل وبرهوم، وألاعيب حاصد. لم يعر محروس حاصداً أي انتباه، وظلَّ ممسكاً رسن البغل، ليشتدَّ خطوه، باتجاه وسط الساحة، لكن حاصداً، وقف أمام البغل والعربة، معلناً المودّة، تجاه محروس، وأسرع إليه، حين أوقف البغل، وحيّاه وسأله عن صحته، وأحواله، وعن البستان، والدكان، ووالده، وأمه، وزوجته. ثمّ قال متسائلاً بكثير من الحذق والمكر: ـ هل تعرف لمن هذه السيارة التي أمام بيت برهوم؟! نظر محروس إلى السيارة، وفي نفسه شيء من الدهشة إزاء السيارة، وإزاء حاصد، وحديثه المفاجئ معه: ـ أنا لا أعرف لمن هذه السيارة، هل تعرف أنت؟ ـ نعم أعرف يا سيد محروس، إنها سيارة العتل زوج زوجتك السابق. أرغى وأزبد محروس، وهمّ بلطم حاصد لطمةً، تنسيه الدنيا والبساتين: ـ أنت ما علاقتك بزوجتي، ولماذا تذكر اسمها على لسانك؟! ـ أنا يا سيد محروس أحترمك، وأحترم أهلك، وأحترم زوجتك، ولا أريد لأحد أن يسيء لك ولسمعتك. لم يجب محروس.. وانقطع عن الكلام، و عن التفكير، غرق ذهنه في حالة غضب وغيظ، لا يعرف كيف يتخلصَّ منها.. وقد ودّعه حاصد، وانصرف مسرعاً إلى الدرب البعيد، المؤدي إلى بيت رزوق الحامد؟! أشعل حاصد النار، وهرب من جوارها، ليزداد اشتعالها، وهو عنها بعيد. والآخرون، لا يعرفون أين مفتاح إطفائها، وكيف يمكنهم أن ينتهوا منها قبل أن تلتهم، الكثير.. الكثير!!؟ * * * "صبا" لم تقطع زياراتها إلى سعدى، بل أحست بارتباطها بها يزداد، بعد حادثة النبع، وبعد اعتداء عيسى على شيبان، وماجد والدها، انتفض في صدره طائر غريب عجيب، وتأزمت علاقته بزوجته، حتى إنها، صارت لا تجرؤ، على مصارحته بعدائها لأخيه، وصهره، وبنته: في البدء هرب ماجد من حماقتها، وخاف على حبه لها، ثمّ تغيرت المعادلة، بعد إساءة عيسى لشيبان، وللجيران جميعاً، وبعد إساءة المعمل إلى البستان كاملاً، بدخانه، وضجيجه، وأخذه لماء النبع، وقد صارت زيارات عيسى للنبع مصدر إزعاج، للبستا، ولماجد قبل الجميع. بيت ماجد، يجاور النبع، وشجرات أرضه، وشجرات النبع، تتلاقى أغصانها، حين يهبُّ النسيم. في الظهيرة جاء عيسى، وجاء وراءه، ولد عمه مجيد، وآخرون. وشاهدهم ماجد، واغتاظ، وكتم غيظه، لعلمه الأكيد أنه لا يقدر،على مقاومتهم. ومن حيث لا يدري، نادى على غزال، وهو يعبر الدرب، باتجاه بيت شيبان: ـ سيد غزال.. يا سيد غزال!! بادئ الأمر، لم يصدِّق غزال أذنيه، واعتقد أنّ ماجدّ ينادي غزالَ آخر سواه.. عاد ماجد ينادي: سيد غزال.. ألا تسمع؟! ـ نعم.. نعم.. يا سيد ماجد.. هل تريد مني شيئاً.. أنا بخدمتك، وخدمة كلّ عائلتك. كلمات غزال جاءت مضطربة، ولحقها لعابه، ولولا أن ماجد كان بعيداً عن مرمى اللعاب، لنالته رشات متلاحقة من رذاذه. شاهد غزال عيسى، وهو يقترب من النبع، وشاهد مجيداً، والآخرين وقدرّ أن ماجد، ناداه من أجل هذا الأمر. قبل أن يصل إليه، قال غزال: ـ أنت سيد.. وكريم يا عمي ماجد!! ـ أهلاً بك يا غزال: كيف حالك، وحال المدرسة؟! ـ بخير.. والنتيجة، اليوم سأجلبها، وسنعرف الخبر الأكيد، عن نجاح ولد أخيك السيد عمران. أحسّ ماجد بالطائر العجيب الغريب، ينتفض في صدره، ويحاول أن يطير عالياً.. أحسّ بحبه لأخيه الذي قطعت أوصاله زوجته: أمُّ "صبا". نأى ماجد عن الطائر، الذي راح ينتفض في صدره، وسأل غزالَ: ـ النتيجة اليوم، وعمران سينجح، لأن الولد لأبيه.. أما خبر النبع وعيسى والعتل وبرهوم، والمعمل، متى سنعرفه؛ ومتى ننجح في الوقوف في وجه عيسى وجماعته؟! ـ أخوك قال: لن نترك لبرهوم والعتل وعيسى أن يجروا ماء النبع، على هواهم، وأن يعكروا بالدخان مزاج البستان. ـ لكنهم فعلوا: عكّروا مزاج البستان، وأجروا ماء النبع إلى المعمل، ولم يردوا على أحد.. ـ وهل وقف في وجههم من أحد سوى أنا وشيبان؟! ـ لم نكن نعرف أن الأمر معهم سيصل إلى النبع والبستان.. استاءت أمُّ صبا، حين رأت زوجها يقف مع غزال، ويحدّثُه.. لكنها امتنعت عن الكلام حتى مع بنتها، التي جلست قريب منها.. أحسّت بالخيبة، تدمي أنفاسها وروحها، وهي ترى زوجها وغزالَ، وقد أشعرها دخان المعمل الكثيف، بأن عيسى وبرهوم والعتل، ليسوا، كما وصفتهم أختها أم سائده: "هؤلاء هم الأسياد، يا أمَّ صبا، وإذا يسر لزوجك، أن يصل إليهم، تتغير في حياتكم أمور.. وأمور؟!" الدخان.. والضجيج، الواسع، الذي أحدثه المعمل، أضعف ثقة أمِّ صبا، بأختها وكلامها.. وثورة زوجها أضافت إلى قلقها قلقاً، فصارت، لا تعرف أين تقف، وماذا تقول! صبا، لم تشاركها قلقها، وشعورها بالاستياء، وأشغلت نفسها أول الأمر بالتفكير بغزال؛ وسألت نفسها: "هل أقبل بغزال زوجاً، وسعدى تزوجت من هو أفضل منه؟!" ولم يصرفها عن التفكير بغزال، وشيبان وسعدى، إلاّ الدخان، والأصوات العالية، التي صارت تعكرِّ على النبع والبستان الهدوء والاطمئنان.. الدرب المنحدر عبر سفح جبل بستان الحنطه، باتجاه بستان الصافي، بدا واضحاً لعيني سعدى، وبدت الأحفه والتخوم: كيف تحيط به..وعلت شجرات نبع الصافي العالية؟! وراق لسعدى، أن تشبع عينيها من النظر إلى النبع؛ والشجرات؛ وأحست بالقلق، يداهم شعورها، وهي تلمح صبا، قريبة من النبع وفي يدها الجرّة الفخارية الكبيرة، التي تعودّت أن تحملها إلى النبع، وتملأها من مائه، ثم ترجع بها، دون أن تشعر بالتعب. قلقت سعدى، لأن الدخان، كان ينتشر في جهات البستان، والنبع. وكانت الأصوات،تذيع في المدى ضجة مُفزعة.. بقيت سعدى، قلقه، حتى رأت صبا راجعة، من على النبع تحمل الجرّه، باتجاه البيت.. رجع شيبان من الأرض المجاورة للبيت، وزوجته، لم تبرح مقعدها أمام البيت. قال لها: ـ سأذهب إلى عملي! ـ ألا تأكل قبل الذهاب؟ ـ هل أحضرت الطعام؟ ـ أنساني درب النبع، والنظر إلى صبا أن أحضر أي شيء. ـ أين شاهدت صبا؟ ـ كانت تتجه إلى النبع، لتملأ الجرةّ ماءً. ـ صبا "شايفي حالها" على غزال: لا أعرف لماذا، وهو موجه، وهي لم تكمل الدراسة؟! ـ أمها هي السبب يا شيبان. ـ وأبوها لماذا لا يقف معه؟ ـ البارحة رأيته يقف مع عمي. ـ معنى هذا أن عمك فهم برهوم العتل.. وكره ما صار إليه البستان والنبع. ـ عمي يفهم على هواه، وزوجته هي هواه؟! ـ لعله تغيّر أمام الحال الجديدة، التي صار إليها بستاننا. انتهى شيبان من حديثه مع زوجته، وانطلق إلى الدراجة. حاولت سعدى أن تقنعه بالبقاء، حتى تعدَّ لـه الطعام، فرفض. قالت لـه: ـ في الماضي لم تكن تذهب من غير طعام؟ ـ في الماضي، لم يكن المعمل يضجُّ هذا الضجيج، ولم يكن الدخان يزعج حياتنا.. وكان النبع يسقينا، ويسقي الأرض والأشجار.. ـ والآن.. ماذا ستفعل أنت وولدي والآخرون من أجل النبع؟! والدك قال: لن نترك لبرهوم والعتل وعيسى أن يفعلوا ما يريدون فعله. وأنا سأحاول أن أتقدم بشكوى كبيرة لمدير الري والزراعة في البستان. ـ أتمنى أن تنجح في ذلك يا شيبان، وأن ينجح والدي أيضاً. ركب شيبان الدراجة.. وسعدى وقفت تودعه، فبانت قامتها الرشيقة، وملامحها الأنيقة، وبان عليها الحزن: هي تشبه والدها طولاً وامتلاءً، وتشبه أمها نضارة وجنتين، واسوداد شعر.. و أخذت من والدها الاجتهاد، وقوة الشخصية والتوازن. بقيت للحظات، واقفة، أمام البيت، تعاين الدرب، ودراجة زوجها، والشجر القريب من النبع والدرب.. غاب شيبان عن عيني سعدى.. وبقيت واقفة، يهزُّها قلق، لم يكن يهزّها قبلاً.. ووشوات قريبة، تحاول أن تصل إلى سمعها، فيبعدها الضجيج، الذي يعلو، وينخفض.. وصياح ديوك قليلة، ظلَّ ينطلق عذباً يحمل في رنينه بعض البشر والتفاؤل. بيت عمها ماجد قريب، لكنها لا تجرؤ على زيارته خوف أن تنزعج انزعاجاً شديداً، من سلوك زوجته، وأسلوبها في استقبالها، والحديث معها. صبا وحدها ظلت تزورها، وتحكي لها همومها، وآمالها، وحياتها، وحياة خالتها أم سائدة.. وأمها.. لم تدخل سعدى إلى البيت رغم حاجته إلى التنظيف والترتيب. شعرت بالاسترخاء والضجر. ومن جهة ثانية قدرت أن "غزالَ" قد يرجع مبكراً ومعه أسماء الناجحين والناجحات في مدرسة المواسم، فتعرف منه نتيجة أخيها عمران وعلاماته، وترتيبه. ظلُّ الشجرة التي أمام غرفتي شيبان وسعدى ردّ عنها حرَّ الشمس الشديد، وأشعرها بالطمأنينة، فأخذتها الخيالات والأفكار إلى مسارحها: تراءت لها طفولتها في بستان المواسم، وتراءت لها أيام المدرسة الأولى، وأيام المدرسة الثانية وأيام الدراسة في المدينة: تذكرت أول أيامها في المدينة، حين ذهبت بصحبة والدها إلى المعهد، وسجل لها اسمها في سجل المعهد، ودخل معها إلى حيث يتناول الطلاب دروسهم المسلوقة والمشوية، والخضراء واليابسة، واستوقفها خيالها عند أول لقاء لها بشيبان في المدينة. قبل أن تلتقي به في المدينة، لم تكن تعرفه معرفة وثيقة، كانت تسمع عنه وعن أهله الأحاديث، فلا تشغل بالها طويلاً. لكن الأحداث الصغيرة، التي تلتجئ إلى البال، وتستقرُّ فيه، تبقى هادئة: تعيش في زاوية معتمة.. إلا أنها في أوقات معينة تترك العتمة إلى الضوء.. تجيء كالجمر يُشعلُ بردَ البال.. ويرمي العتمة إلى ركن مهجور. هكذا تعيش حكايات الحب.. لا تعيش إلا في البال.. تختبئ وتظهر فيه.. البال والحلم وحدهما لا يفرّطان بالحكايات والحب والأحاديث التي تبقى:تغيب وتحضر، تنام وتستيقظ، لكنها تعود فتكبر كمثل أشجار الينابيع. سعدى العبود سمعت الأحاديث عن شيبان وأهله: "شيبان الصقر، متفوق في المدرسة، ووالده من الأشداء في بستان الصافي، وأمه كانت من أحلى صبايا البساتين.. وشيبان أخذ من أمه ومن أبيه الكياسة وحسن الهندام، والشدة". هكذا بقيت الأحاديث في أدراج البال، حتى أخرجها اللقاء الأول بين صبية حسناء من صبايا البساتين، وشاب أنيق من شبابها: سعدى العبود تشبه الشجر الفارع. وعيناها تذيعان في الناظر حلماً وأنوثة وشفافية.. ونضارة وجهها تنسيك أن الدهرَ موحشٌ، وأن الأيام قد تصير سوداء، وأن برهوم الحبيب يمكنه أن يُدمِّر حياة واحد كمحمد الشحاده أو يزعج البساتين. سعدى حكاية من حكايات البساتين.. وصرخة جمال من صرخاتها، وشيبان يعرف هذا. ويهيم به، ويزداد هياماً مع الأيام، وسعدى تُسمرّ هذا الهيام بعذوبتها وروحها وبهائها، وتعلّقه على مدخل أيامها كحلم كبير نضر. ارتفعت الشمس، لكن سعدى لم تبرح كرسيّها تحت الأغصان: الدرب لا تمر تماماً من أمام البيت. والأصوات المبعثرة في الجهات، والخطوات التي لا تنقطع لم تعكرّ على سعدى بهجة السرحان مع أفكارها وهواجسها وذكرياتها. وزادها إمعاناً في تأملاتها وسرحانها مع خيالاتها أن البيت لا يلاصقه بيوت، بل تفصله أصوات الجيران تصل إلى سمع سعدى، لكنها تصل منهكة، أتعبتها المسافة، وسلبت معناها الضجّة.. ومهما يكن من شأن هذه الأصوات فهي لا تعني سعدى، ولا تلحّ عليها. وهي لا تجدر رغبة في أن تعملُ ذهنها بها: أصوات تأتي من خارج دائرة اهتمامها وحياتها، وهي أصوات عادية فلا تهزّ هدأتها، ولا تسرقها من خيالاتها وأفكارها. يمكن لهذه الأصوات أن تشدّها من سكينتها إلى ضجتها، فقط حين تجيء منذرة بفجيعة، أو تجيء محمّلة برائحة خوف محدق أو مفاجأة خاطفة، أو حين يأتي الدخان كثيفاً.. مزعجاً. الصوت الذي بقي يرنُّ في سمعها رنيناً عذباً، فلا يزعجها، هو صياح بعض الديوك، التي لم تتوقف عن غنائها، رغم سطوع الشمس، وازدياد حرّها. صوت "صبا" كان مسموعاً، وهي تخاطب أباها: ـ أنا سأذهب إلى بيت سعدى. ـ عندنا عمل في الأرض.. ـ لا أبقى وقتاً طويلاً عندها. نظرت صبا إلى أبيها، وابتسمت ابتسامة يسيرة، وهمّت بالانطلاق إلى بيت سعدى، لكن صوت أمها جاء من داخل البيت قوياً: عادة الذهاب إلى عند سعدى اتركيها! لم تردَّ صبا على أمها، وعادت تميس وشعرها على كتفيها وظهرها كجدائل الريح والصيف. وشفتاها النضرتان اللتان أعلنتا الابتسام، عادتا إلى الهدوء، وأغمدتا الابتسام، فبدتا كوريقتي وردة حمراء زيَّنتها النضرة، وألوان البهاء. عادت صبا إلى حيث صوت أمها معلّقٌ على عتبة الباب وعلى مدخل عمر والدها ماجد العبود: صوت أمها كالرعد في أوله: يرعد ولا يجيء بعده المطر.. يخيف، ولا يفرح، يزعج ولا يطمئن. بانت قامة صبا واضحة كدلبة في مقتبل السنوات والأنهر.. غزال قريب شيبان، وموجه مدرسة المواسم، رأى "صبا" وهي تخطو خطوات متمهلة باتجاه مدخل البيت، فوجد نفسه ينطُّ نطاً زائداً، ووجد قلبه كطائر يحاول أن يطير فلا يقدر.. كاد أن يسقط في حفر الدرب وهو ينظر إلى أمل نفسه ورجائها الخائب: "صبا" ماجد العبود. * * * ذاع خبر نجاح عمران العبود ورجاء العيسى في دنيا البساتين. محمد الشحاده نقل الخبر ونشر في كل مكان وكل بيت.. من بعيد نادى أم رجاء: ـ احضري الحلوى يا أم البنين والبنات. ضحكت زوجة سرحان العيسى بفرح، حين سمعت كلمات محمد الشحادة: احضري الحلوى يا أم البنين والبنات. قالت لـه: أراك اليوم أضفت على أم البنين أمّ البنات. ـ نعم أضفت البنات، لأن رجاء ترفع الرأس. بلهفة صارخة سألته: ـ هل عرفت نتيجة رجاء يا محمد الشحادة؟ ـ عرفتها وتأكدت منها: رجاء نجحت، وعمران جابر العبود نجح وتفوق على المدرسة كلها. سمعت رجاء صوت محمد الشحادة، وأحست به البُشر والأمان والبهجة.. أحبته وملأت نفسها منه. رشفته كما ترشف الأشجار العطشى ماء الغيوم. لم تخرج من غرفتها، لأنها لا تجيد التعبير عن فرحها ولا تعرف كيف تشكر محمد الشحادة: قالت لسرِّها: السرور الكبير، لا تقوله الكلمات. يبقى في طور الكتمان والسعادة العميقة، التي لا تظهر إلا لعيني البال، وحاسته الخاصة. * * * رزوق الحامد سمع خبر نجاح عمران وتفوقه وخبر نجاح رجاء بنت سرحان العيسى: نقل لـه الخبر حاصد الدروك: صعد حاصد الدرج المؤدي إلى أرض رزوق، ومن ثمَّ انطلق عبر درب البيت، لا يلوي على شيء إلاّ غايات صغيرة، أو كبيرة، نقية، أو ملوثة يحتفظ بها في طويته، لأنّه يعرف: أهميته تأتي من هذه الأخبار والغايات التي يحملها.. شاهد حاصد زوجة رزوق، وشاهد "عربشَ" وزوجته..: الجميع جلسوا مساءً تحت أغصان الأشجار المحيطة بالبيت. فكرّ حاصد حين رأى عربشَ وزوجته وزوجة رزوق بالعودة، لكنه قال لنفسه: " تعودت يا حاصد على اللطمات والمصائب، وتعودت على الذل والدناءة!! لكن ما حاجتي الآن إلى واحد مثل رزوق الحامد؟. قد احتاج صهره. ومهما كان الأمر صعباً عليَّ فقد وصلت إلى قرب البيت، وسأغيظ رزوقَ ومثله عربشَ. سأقول لهما: نجح عمران ولد جابر العبود، وتفوق، ونجحت رجاء بنت سرحان العيسى. وسيفهم رزوق من هذا الكلام أن جابرَ رجل راسخٌ، وأن أولاده ناجحون، أمّا أنت يا رزوق، فكلب أمام زوجتك. وبنتك زوجة عربش لم تنجح". حاصد، بعد الفعلة السوداء التي فعلها به برهوم الحبيب تغير سلوكه، وانقلبت طباعه: غدا كالطائر المعذّب بضعفه، لكنه يستخدم منقاره لنقر وجرح الطيور الجارحة، التي كان يقيم لها وزناً، ويخاف منها خوفاً واسعاً. قبل فعلة برهوم به، كان حاصد يتصيد من مستنقعات الأيام فتاتاً، يلقطه من هنا ومن هناك، من رزوق الحامد يأخذ فتاتاً.. ومن برهوم يأخذ فتاتاً. وعند ماري يأكل هذا الفتات الضحل.. لكن ماري عرفته على حقيقة فقره ولؤمه، فطردته وأوصدت دونه الباب.. ماري تبحث في أي عاشق أمر يريد من عشاقها ومريديها، عن الشجاعة أو المال، وحاصد لا يملك من الشجاعة شيئاً، وهو بائس بؤساً شديداً، لا يؤهله لبلوغ ربتة عاشق أو مريد لدى ماري الدريوسي.. تابع حاصد الدروك الصعود باتجاه بيت رزوق الحامد.. اقترب من البيت فشاهده رزوق وعربش وزوجتاهما. لم يهتم لأمره أحد، وأشعروه جميعاً، أنه كلبٌ بائس، يمكن أن يطعموه كسرة من خبز، ما خلا رزوقَ، فقد نهض واتجه إلى جهته، ليبتعد به عن مجلس صهره وبنته وزوجته.. حيَّا حاصد رزوقَ بالتحية المعتادة: ـ كيف حال سيدنا رزوق؟؟ ردَّ رزوق كعادته من أنفه: ـ أهلاً حاصد، ماذا تريد؟؟ ـ لا أريد سوى سلامتك.. وسأخبرك بأن عمران جابر العبود نجح وتفوق، ومثله نجحت رجاء بنت سرحان العيسى.. ـ عمران تفوق.. ورجاء نجحت؟! ـ نعم ياسيد رزوق. ختم حاصد حديثه بكلماته: نعم يا سيدنا رزوق. ودعه، وانطلق عائداً باتجاه النبع، حيث الدرب، بدا لعينيه بيت جابر العبود في أعلى المواسم، وبدا السهل فسيحاً، لا تدرك تخومه الأعين، وبدا بيت محمد الشحادة، يجاور بيت سرحان العيسى.. لكن الفرق بين البيتين كبير: بيت محمد الشحادة غرفتان متجاورتان، يسكنهما أبو أمين وزوجته وابنهما حين يعود من المدينة.. غرفة ثالثة خصصت للدجاجات. أما بيت سرحان العيسى فهو طابقان واسعان. البيتان يتشابهان بالفسحة والشجرة التي أمامهما. قال حاصد في نفسه: "لكن محمد الشحادة مثله مثلي راحت أرضه كما راحت أرضي، وحزنه مثل حزني، إلا أنه صديق لجابر العبود ودروب البساتين، ويُلمِّع حذاءه، ويحاول أن يحكي بالفصحى مع الجيران، أما أنا: حاصد الدروك، الذي يعرفني الجيران أنني بلا وفاء، وأنّ همَّ نفسي أن أخبر رزوقَ عن البساتين وأحداثها، وأن أنقل رغبات ماري الدريوسي فيما مضى لبرهوم الحبيب، وأن أحدّد لـه معها المواعيد.. هكذا عشت يا حاصد الدروك: كلباً لرزوق الحامد وبرهوم الحبيب وأصهارهما!! هكذا كانت تقول لي ماري: يا حاصد لن تحصد إلا الندامة من معاشرتك الدنيئة لرزوق وبرهوم". تابع حاصد انحداره عبر درب النبع، وتابع اليأس يطعنه، والأفق ازداد شحوباً واسودّت الأشجار والمسافات والجهات في عينيه.. نظر إلى جهة المواسم، فطالعه بيت جابر في أعلى البستان؛ تحول بنظره عنه إلى جهة بستان بيت الحبيب حيث أرضه وأرض محمد الشحادة. رأى بعض الرجال يتحركون في جهات أرضه وأرض محمد الشحاده، وبانت لعينيه في أيديهم خشبات طويلة، راحوا يركزونها في التراب، وبان المعمل الكبير ينفث الدخان، ما أمكنه أن ينفث. لم يجرع رزوق حال تركه حاصد، بل وقف يرقب السهل الفسيح والبساتين، واستوقف نظره بيت جابر العبود في أعلى المواسم، يقابله في جهة السفح الثانية بيت ماري الدرويوسي. زوجته انتبهت إليه، لكنها لم تناد عليه أن يجيء، لأنه لا يعنيها كثيراً: تأخر أو عاد عاجلاً. رزوق بالنسبة لزوجته "السيدة" كما سماها، محمد الشحادة، مجرد واجهة ولقب.. أما غير هذا، فرزوق لا يساوي عند زوجته حذاءً قديماً أو بيضة دجاجة. وهو يحسّ بإحساس زوجته تجاهه، لكنه لا يقدر على فعل شيء، وصهره عربش ليس أفضل منه في شيء، سوى أنه أكثر شباباً، وأنه في موقع مهم، يستطيع من خلاله أن يؤمن لزوجته وأمها ما ترغبان به، وأهميته تأتي من هنا حصراً. وقيمته البشرية والإنسانية والذكورية لا تعني لزوجته وأمها أكثر من أنه يؤمن لهما السيارة إذا احتاجتا لها، وأنه زوج السيدة سائدة.. ظلَّ عربش جالساً على الكرسي يعاين دنيا البساتين، والمساء يحبون خاملاً مهيض الجناح، وطيور متفرقة راحت تسرح عبر الأفق المترامي.. عينا عربش أنشدتا إلى الكون والمدى، أمّا زوجته فقد نهضت، ولحقت أمها إلى الداخل.. لم ينصرف عربش بنظره إلى عجيزة زوجته الواسعة المتراصة تراص تراب داسته الأقدام كثيراً، على رغم حبه لها.. اتجهت أمها إلى الممر الرئيسي المؤدي إلى غرفة البيت ثم دخلت غرفة النوم المخصصة لها ولزروق. زوجة رزوق ممتلئة، وجسدها شهيّ مكتنز عجيزة وكتفين، وشفتاها تضجان بالأنوثة، وكأنهما خلقتا فقط للقبل وحالاتها، وللرشف المجنون وبنتها أخذت منها ملامحها الأنثوية الفارقة، أما رزوق فجسده ضخم كأنّه من صنف الجمال، وضخامته لا نفع منها ولا جدوى، وهذا ما تقوله زوجته دائماً لبنتها: أبوك ضخم من غير فعل جيد، وذكاؤه محدود، وزوجك يشبهه بعض الشبه. خافت بنت رزوق الحامد أن تدخل وراء أمها إلى غرفتها الخاصة خشية أن تغضبها، إلا أن أمها نادت: ـ سائدة، يا سائدة! ـ نعم يا أمي، ماذا تريدين؟؟ ـ تعالي إلى غرفتي. أقبلت سائدة تتمايل بإغواء، وكأنها تغوي جدران الغرف الكبيرة المحيطة بالممر. رزوق أخذته النشوة أمام نسيم المساء البليل واستباحت بلادته أصداء الأصوات المرمية على عتبة المساء. وجه السماء المعروق من أثر حر أيلول، ازدانت به دنيا البساتين الفسيحة.. وشرع يرمم ضعف الأصوات المنهوكة من شقاء النهار، والخيبات. صوت أم أمين لم يهدأ، يرن في أذن المسافة وهي تخاطب زوجة سرحان العيسى: ـ أنت وفقت برجاء يا أم البنين. ـ أراك حفظت اللقب الذي لقبّني به أبو أمين. لم تبتسم أم أمين إذ اكتشفت أنها متأثرة بأسلوب زوجها بالتسميات والألقاب، بل شمرت شفتها فبانت أسنانها المتعبة، ثم أرجعت شفتيها إلى سابق عهدهما. سألت أم أمين: ـ هل ستذهب رجاء إلى المدينة من أجل المدرسة؟ ـ الرأي رأي والدها ورأيها. ـ إذا سمعت رأيي زوجيها لابن حلال وارتاحي من همها. لم تجب زوجة سرحان، ووجدت نفسها مشدودة إلى بكاء الأطفال المقبل من بيوت الجيران: أزعج سمعها وسمع أم أمين، وحرمهما متعة الحديث عن رجاء والأيام. نظرت أم أمين إلى جهة بستان الحبيب فألفت الرجال يسرحون في أرض زوجها وأرض حاصد الدروك. أبو أمين ظل على كرسيه أمام البيت، وظلت الطيور تؤنس صمته: تجيء إلى جهته، تلبث قليلاً ثم تحلّق عائدة. عرفت زوجة سرحان أن أم أمين تنظر إلى جهة أرض زوجها وأرض حاصد، والمعمل الكبير. أم أمين وزوجة سرحان أخذهما الحديث، والنظر إلى المسافات.. الشرفة، التي جلستا عليها مشرفة على الجهات والمدى والسهل، والبساتين القريبة. وأبو أمين غفا على كرسيه تحت أغصان شجرة التوت والعصافير تقبل على الأغصان.. تستقرُّ في أنحائها حيناً، ثم تعود إلى تحليقها. سرق النعاس همّتَه، فنام، لكن أحلامه ازدادت صحواً وحضوراً. وأحلام أبي أمين ليست من النوع الترفيهي ولا من الماركات المسجلة في سجلات الأحلام العامة والخاصة. أحلامه لا خانات ولا سجلات.. هي مثله تماماً، عائلتها الجوع والمخاوف والسعي الملحاح من أجل البقاء.. ومن أسمائها الصراخ، والكوابيس، والمكابدات. حاول أبو أمين في حياته كثيراً، أن يتعامل مع أحلامه مثل تعامله مع حذائه، فلم يستطع، لأن مسح الأحلام أمر مرير وصعب، وممتنع، وقد عرف محمد الشحادة هذا الأمر بنفسه، واكتشفه مراراً. أم أمين وزوجة سرحان بقيتا على الشرفة.. وشاهدتا وشاهدتا أبا أمين وقت غفا على الكرسي الخشبي، والعصافير تستقرُّ على الأغصان قريباً منه ثم تطير.. وفجأة سمعتا صوته الخائف وتمتماته غير المفهومة.. انتفضت مخاوف محمد الشحادة في أعماقه، فأفزعت حلمه ورجاءات روحه.. انتفضت صرخاته المغمدة، وهو يعاين في حلمه ونومه جابر العبود يركب السيارة الصغيرة، تراءت لـه السيارة وهي تنطلق في جهات البساتين، وتراءى لـه جابر وهو يقودها.. والذي أيقظ فيه الرعب والمخاوف، والصرخات هو أنه رأى جابراً يخطئ في قيادة السيارة، فتنحرف عن الدرب باتجاه هاوية قريبة. حاول أن يبتعد بالحلم عن الهاوية، فلم يستطع، صرخ صرخت عالية، في وجه حلمه المقبل على الهاوية والفجيعة. صرخاته هذه في وجه حلمه المقبل على السقوط، لم تجيء كأية صرخات، بل جاءت كأنها رعدات متلاحقة، قبل ابتداء المطر.. خرجت من زاوية خبيئة في الأعماق فبلغت سمع أم أمين وزوجة سرحان كنداء قريب ذاخر بالنذير والهلع. قالت زوجة سرحان: ـ ماذا جرى لأبي أمين يا أم أمين!؟ ـ هذا حال أحلامه دائماً يا أم البنين! رجاء لم تخرج من غرفتها، خوف أن يفرَّ من يدي روحها حلمُها الزاهي: حلمت رجاء كثيراً، لكنها لم تجد نفسها فرحة بأحلامها، كما رأت نفسها، وقد أنجزت الشهادة الثانوية، وأوحت لعمران أنها تحبه، وهو أوحى لها بأنه يغفو على خيالاتها ويصحو. نظرت رجاء في المرآة الكبيرة الموجودة في غرفتها، دققت النظر إلى وجهها وشفتيها وعينيها، فتراءى لها عمران يسرح في أحلامها. صوت أمها وأم أمين ظلَّ يرن في غرفتها، لكنها لم تستوعب كل الكلام الذي قالتاه.. فقط سمعت وفهمت أنَّ أبا أمين يحلم أحلاماً خائفة، فيتمتم في نومه تمتمات، لا تفهم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |