|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث عشر ـ أهلاً بحاصد.. أين كنت كل هذا الوقت لا شفناك، ولا سمعنا صوتك؟! ـ في البستان في بيتي، عند الزوجة والأولاد. ـ وتاج رأسك وسيدك برهوم أين هو؟ هل ابتعدت عنه؟! ـ اللعنة عليه، وعلى صهره وعلى "العتل". ـ صعقت ماري الدريوسي حين سمعت اسم "العتل" وشلّع انتباهها، فتاهت عن حديثها مع حاصد الدروك. قال حاصد: ـ ما بالك: ضعت عن الحديث، وغبت عني؟! ردت ماري: آخ ومئة آخ. ـ لماذا الآخ يا ماري؟ ـ تذكرت والدي وطفولتي في بيتنا القديم. ـ والدك كان صديقاً لبرهوم و... لم يكمل حاصد كلامه، لأنه يعرف أنه إذا أكمل، سيزيد النار اشتعالاً في صدر ماري. في زحمة شعورها بالاضطراب والمفارقة والخديعة، نسيت ماري أن تميس بقدرها، وإن تبرز عجيزتها المتراصة، ونسيت أن تسأل حاصدَ، عن أمور وحكايات وأحداث كثيرة تهمها، وتتمنى أن تستفسر عنها. أحست بمطر غزير يسقط على رأسها، نُطفُهُ كالمسامير الحادة تجرح وتُعذِّب. قالت ماري في سرّها: "لأول مرة في حياتي اكتشف خيوط النهار وأعرفها، وأميزّها عن خيوط الليل، لأول مرة يمكنني أن أجيب نفسي على سؤالها: بماذا يختلف الإنسان عن الإنسان؟ بماذا يتميز جابر العبود عن برهوم الحبيب؟ لماذا يشعر الجيران بالأمان والطمأنينة تجاه جابر العبود، ويشعرون بالفزع والقلق والاضطراب تجاه برهوم الحبيب ورزوق الحامد؟ لماذا يخاف رزوق الحامد من برهوم؟؟ وعيسى الحميده ومجيد ولد أخيه لماذا أخاف منهما، ولماذا يخاف من أفعالهما الكثيرون؟ وحاصد الدروك لماذا لا أجد نفي آمنة تجاهه.. فلا أحدثه إلا بما هو مسموع ومحكي ومذاع؟ حكي الناس كيف يختلف من رجل لآخر ومن امرأة لأخرى ومن بستان لآخر، ومن ليل لآخر؟! من جديد أعاد صوت حاصد ماري إلى صحوها معه: ـ أين ذهبت وتركتني؟! ردّت بغضب، كالمستيقظ من نوم ثقيل، مزدحم بالأحلام المزعجة: ـ تركتك لفم الوحوش بإذن رب العباد. ردَّ حاصد بلؤمه المعتاد الذي تعوده من برهوم ورزوق: ـ سامحك ربُّ العباد يا ماري... أنا هل أزعجك بشيء، حتى غضبتِ عليَّ، وتمنيتِ لي أن تأكلني الوحوش؟! ـ أكلك الوحش يا حاصد الدروك قبل أن أتمنى لك أن يأكلك. زمَّ حاصد شفتيه، اعتقاداً منه أن زمَّ شفتين علامة على النباهة والتأمل والذكاء، وحاول أن يمطَّ عنقه، ففوجئ بأنه بلا عنق، إذ رأسه يلتقي بكتفيه... وانتبه إلى أسفل، فوجد كرشه واسعاً، فلم يسعفه على النط والقفز، أمام ماري، ليعبر لها عن أنه أعجب بفهمها للدنيا والناس، ولهذا وجد نفسه منشغلاً بزمِّ شفتيه حيناً، ثم عاد الحديث: ـ ومن هو الوحش الذي أكلني يا ماري يا بنت الدريوسي؟ ـ برهوم الحبيب. ـ أنت على حق يا ماري... لكن يخطر ببالي سؤال أتمنى أن أسألك إياه. ـ ما هو هذا السؤال: ـ برهوم أكلني وحدي؟ ـ ماذا تقصد؟ ـ أنتِ أدرى بقصدي يا بنتَ الدريوسي!! ـ حاصد وماري لم يكملا حديثهما، لأن سيارة سرحان القادمة صرفتهما عن متابعة الكلام. حاصد ودّع ماري، واتجه إلى الساحة، ومنها إلى درب السفح، فدرب بستان بيت الحبيب، أما هي فقد اتجهت إلى داخل الدكان. غاب حاصد عن عيني ماري، وظلت تفكر بكلماته: والوحش أكلني وحدي يا بنت الدريوسي؟ وأجابت في سرِّها على سؤاله: "برهوم أكلني قبل أن يأكلك يا حاصد.. لكنني لم أكن يوم أكلني أعرف الوحش من الإنسان، كنت طفلة وكان الدهر ليلاً أسود.. وكانت أمي مريضة، وكان أبي أضعف من أن يواجه الدنيا والبؤس.. لكن لن تدوم لك الأيام البيضاء يا برهوم.. ولن أترك لك ما تشاء بعد اليوم." زال عنها بعضُ أسفها وحزنها حين شاهدت سيارة سرحان. وزارها شعورُ الطمأنينة والأمان.. أحسَّت أن وجهاً من وجوه البساتين الطيبّة اقترب من مخاوفها وإحساسها بالذعر، فأذاع في دنياها الأمل بأن الدنيا بخير. انتبه سرحان لماري، فألفاها تعاينه معاينة دقيقة.. شعر جيداً بنظراتها الموجه إليه، ورغب بأن يكلّمها و يبادلها النظرات. لكن خوفه من أن يصبح مَحطَّ أحاديث الناس السيئة لجم الرغبة فيه، ومنعه من أن يتوجه بنظراته إلى ماري، أو أن يكلمها أية كلمة.. استيقظت عنده حاسة "السُّمعه". نظرات ماري حين تُركزِّها على أي رجل، تشعره بأنوثتها الخلاّقة، رغم أنَّ كلام بعض الجيران يبعث على خوفها، ويفُزع حتى أنوثتها الناضجة جداً.. رغم كلِّ البشاعات، فهي أنثى خاطفة للدهشة، كسيف برق في جسد الظلام. سرحان منذ وقت غير قريب يُحس أن نظراتها تداهمه.. وتتركز عليه: تقيسه من أسفل قدمه، إلى أعلى رأسه، وتتفحصه تفحّص خبيرة بأحوال الرجال.. عليمة بأقدارهم وأسرارهم. صرفت نظراتها عن سرحان خشية أن يُكشفَ أمرُها للركاب.. الذين بدؤوا بالنزول: الأمور فيما يتعلق بحياتها وفهمها، لها معنيان: خاص، لـه مساس بحنينها وجمالها ومشاعرها، وهي تخشى عليه خشية واسعة، والعالم يتعلق بالجيران ولا يقلقها. صرفت نظراتها عن سرحان إلى الركاب، لتعرفهم، وتحدد وجهاتهم.. نزل شيبان زوج سعدى بن جابر العبود، فاتجهت إليه بنظراتها العجيبة المكتنزة أنوثة، قالت في سرِّها: "شيبان فارس في ليل البساتين، ورجل في دنياه سعدى.. وسيد في بستان الصافي.. وأبوه ليس أقلَّ شأناً وهمَّةً من جابر العبود. إلا أن جابرَ اكتسب من الدنيا عقلاً ارجح من عقل والد شيبان، وذاع صيته وعمَّ في كل البساتين، وهو الآن من أكبر الرجال". مرّ شيبان عاجلاً من أمام ماري، فلم يلتفت إليها، رغم رغبته الملحاحة بأن يشاهدها، ويعرفها ليتأكد من صدق أو كذب كلام الناس حول ملامحها وجمالها، ووضعها العام، الذي غدا مدار أحاديث مختلفة في البساتين.. خاف شيبان من أن تكون نظراته إلى ماري محطَّ اتهام الركاب، الذين تتابعوا نزولاً، من سيارة سرحان. التهمت ماري شيبان بنظراتها، وسلطّت عليه سيوف أنوثتها وملاحتها، لكنه خاف من الخوض معها أية معركة صغيرة أو كبيرة، لأنه إذ ذاك سيضعف أمام سعدى، وأمام البساتين، وهو غني عن هذه المعركة. وزوجته أكثر حسناً وبهاءً من ماري، وهي لـه وحده، لا يشاركه في حبّها إلا هو، أمّا ماري فعشاقها كثيرون، وطالبو ودادها لا ينقطعون، قال في نفسه: "للبساتين مفاتيح من أضاعها، ضاع، ومن أمسك بها وحفظها، أمسك بنفسه وحفظها". ابتعد شيبان عن ماري، وهي على وقفتها، التي تقفها دائماً،التي تقف دائماً، عندما تريد أن تكون أكثر بهاءً، وأقرب من حسِّها، ومشاعرها الخاصة، المتعلقّة بفتنتها: تعرف أن الجمال حين لا تتوافق المرأة برجل تحبه ويحبها ويحرسها، يصير فتنة تجذب الانتباه، وتعوِّض عن نقص كبير، تعانيه المرأة أمام نفسها وطموحها.. وماري متأكدة من أن هذا التعويض لا يغنيها عن حقائق أكيدة في حياتها الشعورية والنفسية.. هي أكبر من شيبان بسنوات قليلة. لكن سنوات زواجها السابق في المدينة أبعدتها عن المواسم والملتقى والحنطة والصافي، وبقي وحده برهوم الحبيب يلتقي بها ويراها في أثناء زواجها في المدينة: سفراته المتكررة إلى المدينة، تجمعه بـ "العتل". وقد حاول في بعض المرات أن يلتقي بزوجته: أم نجود. واستعان على ذلك بزوجة عباس حامضه. عاد سرحان إلى سيارته جلس وراء المقود، وأرسل نظرة خاطفة إلى ماري، التي بقيت واقفة في مدخل البيت تعاينه. التقت نظراته بنظراتها، فأحس بلهيب يشبُّ في روحه. قال سرحان، وقد أحس بنظرات ماري وأنوثتها الناضجة تضجُّ في عالمه: "كيف أصل إلى هواك يا ماري، من غير فضيحة؟! كيف سأتمكن من نظرات عينيك، ولا يراني أحد؟! الفضيحة بلوى يا ماري: إنها كالرائحة المزعجة يزداد انتشارها بسرعة. إنها أقوى من الحب والنظرات.." سارت السيارة وماري بعدُ واقفة، كأنها شجرة همّت الريحُ تداعبها، فمالت على جذعها الأغصان، وسرحان، وجد في نفسه رغبة ملحامة في أن يقترب منها. لم يجد نفسه في أي وقت مضى مشتاقاً لماري كاليوم، وجدها ملء نفسه.. لكن خوفه من الفضيحة لجم رغبته واشتياقه، وجعله يدفع بنفسه وبسيارته شرقاً باتجاه درب السفح، وبستان الملتقى. حين أقبلت السيارة على السفح، ظهرت لعيني سرحان بيوت البستان، وظهرت الأشجار المنتشرة في الجهات. وتخيل ماري الجسد الممتلئ والعينين المليئتين بهاءً، دائماً، والحزينتين دائماً.. تخيلّها وهي تنظر إليه، لكنه فكر بأن يقترب منها فتراءت لـه الفضيحة كبقرة مقتولة بين الأشجار، انتشرت رائحتها النتنة، فكانت أقوى من زهور الأشجار وعبير الأزهار المتفتحة... الرائحة المزعجة تصل إلى كل الأمكنة والبيوت والأنوف، أما الرائحة العبقة يتعذَّر ابتعادها ووصولها إلى الأمكنة والأنوف.. لا يشمّ الرائحة الحنون إلا من يقترب منها... ولا يعرف طعم الثمار إلا من يذوقها، أما الرائحة المتميزة.. والمختلطة تتسع وتعمُّ، القريب والبعيد. قال: "الفضيحة بلوى يا سرحان وأنت غنيٌ عنها". تابعت السيارة انحدارها ببطء عبر درب السفح، المؤدي إلى الساقية.. قال سرحان حين نظر إلى الساقية، ورآها جافة: "يقلُّ ماء الساقية هذه الأيام، ويكثر في الشتاء، ويا ليته يكثر هذه الأيام، ولا يقل في الشتاء". اجتازت السيارة الساقية وانطلقت باتجاه الملتقى.. أمّا سرحان فلم يستطع أن ينسى ماري: الجسد الممتلئ، والأنوثة الناضجة والنظرات الفاتنة. نظر إلى جهة المواسم، فلاح لعينيه بيت جابر العبود في الأعلى، تحيط به الأشجار. وصلت السيارة ووصل سرحان إلى الساحة. التفت إلى بيت محمد الشحاده، فلم يرى سوى زوجته أمِّ أمين منشغلة ـ كعادتها ـ بالدجاجات ـ وإشعال النار تحت القدر المسودِّ من لهيب النار ودخانها.. لم يشأ أن يسألها عن زوجها، لأن خياله لم يترك صورة ماري: بيديها بأشكال، وحالات مختلفة.. حيناً يراها أمام الدكان تكلّم أحد الجيران، وحيناً يراها تقبل من جهة ساقية الحنطة وحيدة، ترخي جدائل شعرها على كتفيها، و يرى على بعد منها خوفاً أسود يلفُّ المدى.. ويسمع كلاماً مزعجاً، وأصواتاً تعلو وتنخفض كأصوات الغابة، فقدّر في نفسه أنَّ المكان الذي تنطلق منه الأصوات، هو بيت عيسى الحميده. لم يصح سرحان رغم أنه اقترب من الدرج المؤدي إلى الطابق، الذي يسكنه وزوجته وأولاده.. أم صديق ورجاء وقفتا كعادتهما، حين يجيء سرحان، وقفتا على الشرفة المطلة على الساحة وبيت محمد الشحاده. نادت زوجته: ـ ما بالك اليوم كالدجاجة المضروبة على رأسها لا تعرف أن تصعد الدرج؟؟ حين سمع صوت زوجته صحا مرغماً، وصحت معه خيالاته: ـ نعم يا أم البنين.. أنا قادم إليك وسأصعد الدرج، وسيأتينا الفرج. زوجة سرحان تفرح حين تشاهد زوجها، تشعر بسعاد طفيفة، تتغلغل إلى أنفاسها وروحها، رغم أن قامته محدودة الامتداد، ورغم جحوظ عينيه، واتساع منخريه.. رغم هذا فأم البنين، كما سماها محمد الشحادة تشعر بالطمأنينة حين ترى زوجها قادماً... وتتفاخر به بين الجيران.. وتقول دائماً: "سرحان بني لي بيتاً واسعاً، ورتَّبه، وفرشه فصار من أجمل البيوت، وهو يحبني، ولا يعرف أن يعيش من غيري، وأمره بيدي". * * * أشرقت نفس غزال، وامتلأ بشعور غامض، لم يفسره في تلك اللحظات. من بعيد رفع صوته كالبائعين الجوالين حين يرفعون أصواتهم منادين على بضائعهم: ـ السيد عمران سبق الطلاب، ولم يسبقه أحد.. ـ شكراً يا سيد غزال.. سمعت أنك ستدرس في الجامعة في المدينة. ـ ما رأيك؟! من أبوه جابر العبود، يجب أن يطلب العلم ولو كان في الصين. سعدى وشيبان وقفا بانتظار أن يصافحا غزالَ، لكنه نسي ذلك، وانشغل عن مصافحتهما بالحديث مع عمران، وزاد من نسيانه أن صوت "صبا" جاء من جهة نبع الصافي كنداء شفيف حنون.. أيقظ ما غفا من مشاعر في أعماقه.. فزاد نطُّه وقفزه، وتاه في ذهول عميق، غاب فيه عن الجميع. قالت سعدى: شّرف أستاذ غزال لنجلس!! مدّ غزال يده إلى رأسه، مسح على شعره بكفّه وغمز بعينه، ثم رشَّ من لعابه رشتين متقاربتين، استعداداً للتكلّم: ـ نعم.. نعم يا سيدة سعدى: أنا نسيت أن أصافحك وأن أصافح الأستاذ شيبان. ـ صوت الحبيبة ينسي الحبيب كلَّ كلام وكلَّ تحية وسلام، ولا يلام حبيب إذا أنساه صوت الصبا المصافحة والتحيات. ـ أنت يا سعدى تعرفين ما يجري في بال غزال، وتعرفين كم يكابد من هذا الصوت. عاد صوت صبا.. وعاد ذهول غزال وخوفه وشعوره الغامض.. ونسي ما كان سيقوله عن نجاح سحر الزهيري. ـ أنا هنا يا أمي املأ الجرة ماءً. ـ أسرعي إلى عندي أنا بحاجة إلى مساعدتك في رقِّ الأرغفة. ـ سأسرع. دخان تنور زوجة ماجد العبود ارتفع في الأفق فعرفت سعدى أن زوجة عمها انشغلت بإشعال الحطب داخل التنور استعداداً للخبز.. وعرفت أنها نادت صبا لتساعدها، أو لأمر آخر لم ترد أن تخبرها به بصوت مسموع. جلس أخيراً غزال على الكرسي الخشبي المتوازن، وجلس إلى جواره عمران، وسعدى وشيبان: كلٌّ على كرسيٍّ، ودخان كثيف يصعد من مدخنة المعمل، ودخان آخر ناعس، يصعد من فوهة التنور. التفت غزال إلى جهة عمرا، وغمز بعينه غمزاتها المعهودة، ورشَّ بعض رشات من لعابه، وسأل عمران بصوت ظنّه غزال منخفضاً، لكنه جاء عالياً ومسموعاً.. أراد أن يهمس همساً، فتكلم بصوت خطابي واضح، قال لعمران بعد أن اقترب بفهمه من أذنه: ـ كيف الرجاء لقلب العاشق الولهان؟ ـ ابتسم عمران، وانشغل بمسح رذاذ اللعاب الذي يخصَّه به غزال وحده دون سعدى ودون شيبان. حاول عمران أن يهرب من الإجابة، لكنه لم يستطع، لأن غزالَ أتبع سؤاله بسؤال أكثر مباشرة: ـ هل تشاور والدك ووالدها بشأن الخطبة والزواج؟ جاء كالضربة على الكتفين، ترجُّ البدن، وتفقده توازنه، ولا تؤذي أذىً بالغاً. لم يجد عمران في باله أية كلمة يردّ بها على سؤال غزال... فكر بكلام غزال، فوجد نفسه عاجز عن دراسته ومناقشته. سعدى وشيبنان أخذتهما الدهشة إزاء ما سمعا من كلام، ونظر كل منهما إلى الأخر نظرة استفهام وحيرة. وظلاّ على هذه الحل إلى أن انتقل غزال إلى الحديث عن المعمل وبرهوم، وعيسى والعتل، قال: سمعت عيسى يقول: إنّ برهومَ شريك العتل وأنا شريكه في المعمل. فجأة أنشدّت الأنظار إلى المعمل، ثم إلى بيت برهوم المبني على طراز غريب، لم يألفه الجيران: بنى الطابق الأرضي، فأوسعه، وقسّمه أقساماً متفاوتة الاتساع. خصّص قسماً للدواب، وقسماً ثانياً للمؤن وقسماً ثالثاً للخدم، وقسماً رابعاً جعله فسحة للاستراحة.. أمّا الطابق الأول، فقسمه غرفاً وممرات، ومستراحات، وبنى لـه شرفات عديدة في كل جهة جعل للبيت شرفةً، تُطلُّ على الأشجار والبيوت. وشقَّ للبيت طريقاً خاصة به، تؤدي إلى الدرب العام الواصل بين المدينة والسهل والبساتين، واشترى لنفسه سيارة تشبه سيارة سرحان العيسى، بل هي أفضل منها: سيارة واسعة.. عريضة المقعد، سقفها مغطى بالقماش. بيت شداد الحبيب وبيت راشد الحامد والد رزوق، من أكبر وأقدم البيوت في البساتين، ولا يفوقهما بيت العتل في المدينة جمالاً وإتقاناً، ولا يزيد عنهما اتساعاً.. ورث برهوم بيت والده، وورث عنه أملاكاً وأرصدة وكروماً واسعة. ورث عنه مساحة شاسعة من كروم وبستان الحبيب، وورث عنه أموالاً طائلة في بنوك المدينة: في مدينة المواسم وجد لأبيه في مصرفها رصيداً من المال ضخماً. غزال استمتع بالجلسة والحديث مع شيبان وعمران وسعدى.. وزاد في ابتهاجه أن الأفق مفتوح أمام عينيه، و أن صوت صبا بين الحين والحين يعلو حنوناً كأنه الأغنية المستعذبة، المنتظرة بالنسبة لـه. وبيت أهلها يبين بوضوح لعينيه، ويظهر دخان التنور واضحاً، حين تطعم زوجة ماجد العبود النار حطباً رطباً، فيصير دخانه أكثف في عينه من دخان المعمل وكلِّ دخان.. حتى إنه نسى ضجة ودخان المعمل. انقطع غزال عن الكلام، وتاه في دروب الشوق.. سها عن الحاضرين، فألفى نفسه يركض كالملدوغ في جهات المسافة.. وصبا على مرتفع وهو لا يقدر أن يصعد الدرب المؤدي إليها. انتبه شيبان إلى حالة الذهول التي غرق فيها غزال، لكنه لم يشأ إنقاذه منها، لأنه يعرف أن إنقاذه، لن يكون إلا على يد صبا.. بل سيزيده شقاءً، لو أنه أيقظه من ذهوله. بيت برهوم يلوح عالياً في المدى، وحوله الشجر القديم يميل مع النسيم، ثم يرتاح، وقد شدَّ هذا المشهد انتباه سعدى، وملأ رأسها تأملات متداخلة.. وأسئلة بعيدة الإجابات والدلالات: من أين جلب شداد الحبيب والد برهوم الأحجار والأخشاب؟. وكيف بناه، ولماذا اختار بناءه هكذا؟ الأسئلة والتأملات ازدحمت في رأس سعدى، وهي تنظر إلى بيت برهوم الذي ورثه عن والده، الدرب المؤدي إلى فسحته الأمامية والأشجار المحدقة بالبيت والدرب، وشكل الشرفات، وارتفاع الجدران وعلو العتبات. كلُّ ما بدا لعيني سعدى من بيت برهوم كان داعياً للتأمل والاستفهام العميق. وغزال المولّه بصبا، اختلط عليه الشوق بالحزن، بالشعور بالجوع والبؤس.. فازداد انزعاجه وذهوله، ولم ينجح من حالته القلقة التي وصل إليها إلا صوت شيبان: ـ مالك نسيتنا يا غزال، وكأنك نائم؟! انتبه غزال إلى صوت شيبان وانتفض كالمذعور من حالة ذهوله: ـ وجدت نفسي منشغلة بالتفكير يا شيبان!! ـ المهم الآن أننا سنأكل معاً يا غزال!! ـ غمز غزال بعينه، وحرك فمه حركات لا تفرح الناظرين، وهمَّ بالكلام، لكنه لم يتكلم، لأن صوت صبا علا حنوناً، فحضر خيالها: عيناها الواسعتان وشفتاها النضرتان.. وشعرها المسترسل، وقامتها المكتنزة النضيدة.. أحسَّ غزال بأنها اقتربت منه، واقترب معها بهاؤها. ورنين صوتها العذب صار يأتيه من داخله، لا من جهة النبع، لكن إحساسه الراسخ بالخيبة والبؤس لم يترك لـه هناءة باله، وعذوبة خيال صبا القادمة إلى بيت بنت عمها سعدي. سمع غزال صبا وهي تقول لأمها: ـ أنا ذاهبة إلى بيت سعدى. وسمع ردَّ أمها: ـ اذهبي.. لكن لا تقعدي عندها حتى العشاء المتأخرِّ، ولا تنسي أنني بحاجة إليك. لكنه لم يستوضح من صوتها إلى أين ستذهب.. صوتها وحده ذهب بانتباهه.. حالة من الذهول العجيب سيطرت على غزال، حتى نسي أنه جالس مع سعدى وشيبان وعمران.. لمحت سعدى صبا وهي تعبر الدرب باتجاه بيتها، وأدركها الاضطراب.. وتمنت أن ينهض غزال قبل وصولها.. * * * ـ صار المساء أسود كلون الغراب يا شياله..؟! ـ أراك مسحت حذاءك، وهيأت نفسك للذهاب!! إلى أين ستذهب بعد هذا الوقت؟ ـ إلى المواسم إلى بيت جابر العبود، فلم أره منذ أيام. ـ ألا يضجر منك جابر؟ كلَّ ليلٍ يراك في وجهه كالليل؟! ـ جابر من الكرام.. وزوجته تعرف طباعه، وتقدِّر. رجاء وأمها جلستا على الشرفة ترقبان المساء وهو يزدحم ملءَ الأفق والبيوت والجهات والشرفات، وصوت محمد الشحادة وزوجته لم يكن بعيداً عن سمعهما. قالت رجاء لأمها: ـ أشعر بالارتياح حين أسمع صوت محمد الشحادة. ـ لو كان شاباً لخطبناك لـه. ضحكت رجاء حتى بانت أسنانها الناصعة، وازدهت ملامحها ازدهاء الفرح والشعور بالحب والطمأنينة. سألت أم رجاء: ـ مع من سأسهر بعد ذهابك إلى الجامعة يا رجاء؟ لم تجب رجاء، واكتفت بأن ابتسمت ابتسامة لم تكتمل، لأن صوت محمد الشحادة الحزين جاء كصوت الريح المقبلة من ديار الخراب والهجران.. نهضت رجاء، وراحت تعاين محمد الشحادة، وهو جالس على كرسيه يتأمل حزن المساء، ولون الظلام القادم: عيناه تحكيان سيرة أسف مستبدٍّ في أعماقه.. وصوت زوجته يتأرجح قريباً من سمعه، لكنه لا يعيره أيَّ انتباه. تركت أمُّ أمين زوجها، وانصرفت إلى جهة الدجاجات لتتأكد من حضورها، ودخولها إلى البيت لتغلق وراءها الباب. مشيةُ شياله تشبه بعض الشيء مشية زوجها، توسع الخطوات، لكنها لا تعرف بتاتاً أن تحافظ على توازن الخطوات. أحصت الدجاجات، وتأكدت من وجودها، وأغلقت عليها الباب، وعادت إلى حيث جلس زوجها محزون الفؤاد كليم الأعماق، تسرح في رأسه الخيالات المخيفة، وتحاصر روحه الأحلام المهزومة الخائبة.. فيعلو صوته مردداً أبياتاً شعرية بتلكؤٍ يصدعُ الحروف، ويُخلخل الكلمات ويقصم ظهر الوزن والقافية والرنين الموسيقي: قالت رجاء لأمها: ـ ألا تسمعين محمد الشحادة. ـ نعم اسمع، وهذا الشعر اسمعه يقرؤه في الأفراح وفي المآسي.. سمعته يردده. ـ أما أمُّ أمين فلا تغني.. ـ أمُّ أمين تغني للدجاجات. انقطعت رجاء وأمها عن الحديث والنظر إلى محمد الشحادة وزوجته، لأن ضوء سيارة لاح قادماً من جهة السفح، قالت رجاء: ـ هل السيارة القادمة سيارة والدي؟؟ ـ قد تكون سيارة جابر العبود التي استلمها منذ بدأ عمله الجديد، والدراجة أعطاها لصهره. انعطفت السيارة إلى جهة المواسم، فعرفت رجاء وأمها أنَّ السيارة ليست سيارة سرحان. قالت رجاء: ـ هذه السيارة سيارة جابر العبود. ـ إذا كانت لجابر فمحمد الشحادة سيذهب إلى المواسم ليسهر عنده. ـ لماذا أنت ووالدي لا تذهبان إلى بيت جابر، وتسهران عنده وعند زوجته؟ ـ وأنت ألا تذهبين معي ومع والدك، وتسهرين؟ ـ مع من سأسهر يا أمي؟؟!! ـ تسهرين معنا. ارتاحت مشاعر رجاء لكلمات أمها، واضمرت في نفسها بهجةً غامرة، لم تعلنها لكن أمها لاحظت الارتياح على ملامحها، دون أن تفسّر حقيقة ما يجول في بالها. لم يبق محمد الشحادة على حاله على كرسيه، بل نهض، وهمَّ بالسير، إلا أن صوت أم أمين أخمد همته: ـ لا تعرف أن تهدأ في البيت. ولا يهمك أن أسهر أنا وأن أنام.. أو أخاف لأنني وحيدة، أو لا أخاف: المهم عندك أن تسهر عند جابر العبود، وجابر على الرأس والعين، لكن أنت لا تُعطى وجهاً.. أنت متى ما شفت من الواحد الاحترام والكرم، لا تتركه يوماً يوماً؟! ـ أسامحك على كل كلمة تقولينها يا شيالة، وأرى أن تذهبي إلى بيت سرحان، فزوجته وبنته جالستان على الشرفة. شاهدت أم البنين محمد الشحادة، وسمعت كلامه وقالت لرجاء: ـ السيارة التي اتجهت إلى المواسم هي لجابر العبود. ـ كيف عرفت أنها لـه، وليست لغيره؟ ـ انظري.. إلى محمد الشحادة.. فقد مشى باتجاه المواسم. ـ وإذا مشى إلى المواسم، ما علاقة مشيه بالسيارة؟ ـ محمد الشحادة يا رجاء: من سنين وهو يعرف جابر العبود، ويسهر عنده كلَّ ليل.. ويُحبُّه، ولا يحبُ السهر إلا عنده.. ولولا أنه تأكد من السيارة التي جاءت هي سيارته، لما توجه إلى المواسم. ـ يقول لي عمران دائماً: محمد الشحادة من أصدقاء والدي، ويسهر كلَّ يوم عنده. ـ ما السبب الذي جعله يقول لك هذا القول عن علاقة محمد الشحادة بوالده وعن سهره عنده كلَّ ليل؟؟ ـ السبب هو أنني استعرت منه كتاباً. . وقلت لـه أن يزورنا ويأخذ الكتاب. حينها قالت لي: يمكنك أن ترسليه مع محمد الشحادة، لأنه يجيء إلى بيتنا كلَّ مساء، ليسهر عند والدي. ـ جابر العبود صديق كل الناس، ويحب الخير لكل الناس: وقف مع سحر، وساعدها في المدرسة، حتى نجحت.. ومحمد الشحادة من معاشريه وأصدقائه العتيقين يا رجاء.. ـ انظري إلى مشيته ما أسرعها!! ـ محمد الشحادة مشهور بسرعته في المشي، وبتلميع حذائه، والمحافظة على نظافته مهما مشى، وفي أي مكان.. لكنه هذه الأيام مفجوع بذهاب أرضه. حكى لي عمران عنه وعن أرضه. ـ ماذا حكى لك؟ ـ قال لي: محمد الشحادة أخطأ ورهن أرضه لدى برهوم، وحين فكر باستعادة أرضه لم يستطع، لأن برهومَ، كتب عليه عقداً يفيد أن محمد الشحادة يترك أرضه إذا تأخر عن فكَّ رهنها فترةً زمنية تزيد عن الخمس سنوات، وقال لي: إن نجاح سحر عند أبيه يعادل نجاحي ونجاحه. ـ أنا لا أعرف هذه التفاصيل عن محمد الشحادة وأرضه وبرهوم، وعن سحر ونجاحها. أم أمين أغلقت باب البيت، وانطلقت باتجاه بيت سرحان، قمطت منديلها على رأسها، ومشت على مهل. رأتها أم البنين ورجاء، قالت رجاء: ـ أم أمين جاءت إلى عندنا يا أمي! ـ أهلاً وسهلاً بأم أمين وبمنديلها. أم أمين إلى حدٍّ بعيد بعيد شجرةً خلّعتها الريح، وأهرمتها الفصول والأيام السوداء. كانت في زمن مضى محمّلةً بالثمار والبهاءت، وكانت نضرة الأغصان والمرآى.. وأحبّها يومها محمد الشحادة لما فيها من أنوثة ونضارة.. رجاء ظلَّت تتأملها وهي تمشي بهدوء وتوازن، وقد استوقف انتباهها منديلها النظيف، رغم قدمه. سألت رجاء أمها: ـ أين صديق؟ ـ أخوك صديق يُعذبني بأفعاله.. وزاده فوضى أنه لحق "شلة".. من الأولاد لا يقرؤون ولا يهتمون بأمر من الأمور إلا السهر والتدخين واللعب. ختمت رجاء وأمها حديثهما عن صديق وفوضاه، لأن أم أمين بدأت تصعد الدرج باتجاههما. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |