|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع عشر ـ يا سيد رزوق، جئت طالباً مساعدتك! ـ قل لي حاصد ماذا تريد؟ ـ أن تطلب لي من سيدنا عربش صهرك زوج السيدة سائدة الكريمة بنت الكريم وزوجة الكريم. ـ ماذا سأطلب لك.. قل لي. ولا تكثر من الكلام!؟ ـ أن تطلب لي منه أن يوظفني!! ـ وأين سيوظفك ـ يوظفني آذناً في مدرسة المواسم. ـ هذه الوظيفة قد لا يقدر عليها عربش يا حاصد. مدَّ حاصد يده إلى راس بنته التي رافقته من البيت، دون أن تعرف لماذا رافقته، وقال لرزوق: ـ وهذي بنتي تخدم أمَّ سائدة وتساعدها في أشغال البيت. نظرت بنت حاصد إلى أبيها، وإلى رزوق الحامد، فألفت والدها يشبه خروفاً هزيلاً إلى جانب حمار ضخم، لا ينقطع عنه العلف. لم تعرف بنت حاصد ماذا تقول.. ولم تعرف معنى كلام والدها بالتفصيل: ظلت نظراتها معلقة بالأفق كأن الأفق وعدها بكنز، وهي تنتظره. قال رزوق بعد أن عاين بنت حاصد جيداً: ـ قبل أن أسأل أم سائدة بشأن وظيفتك وخدمة البنت لها لا يمكنني أن أقول لك كلاماً فصلاً. ـ اسألها الآن يا سيد رزوق. ـ لم تستيقظ بعد يا حاصد. ـ هل اترك البنت عندك، وحين تستيقظ سيدتنا أم سائدة تقرر ما تراه مناسباً لوضعنا ووضعها. ـ أنا عندي رغبة أن تبقى، لأن أم سائدة لا تحبُّ الترتيب والتنظيف والطبخ والنفخ.. ـ ومن يساعدها يا سيد رزوق؟! ـ دعنا الآن من هذا الحديث، وارجع في المساء. فرحت بنت حاصد حين علمت أنها سترجع مع والدها الذليل دائماً ككلب جائع هزيل. ودع حاصد سيده رزوق، كما يروق لحاصد أن يخاطبه دائماً، وانطلق عبر درب النبع لا يلوي على أمر، ولا ينتبه إلى الأشجار، وذُهل للحظات عن بنته. رزوق وقف على الشرفة المطلة على النبع وراح يرقب حاصد وبنته المقبلة على الدنيا.. ويتأمل الموقف المنتظر. قال في سرِّه: أنا ارتاح إذا قبلت أم سائدة أن تخدمها بنت حاصد، ارتاح من أشغال البيت في بعض الأيام، التي تتكاسل فيها أم سائدة عن الشغل، وأرتاح من غسل قدميها وتقليم أظافرها في العشايا. لكنني لا أعرف ماذا ستقول بهذا الشأن؟ وهل ستقبل أن نوظف حاصد آذنا في المدرسة؟! ترك رزوق الشرفة باتجاه المطبخ، لم يسرع أثناء مروره في الممر المؤدي إلى المطبخ، رغم رغبته الملحاحة في أن يصل على عجل إلى الأكل، خشية أن تزعج خطواته نوم زوجته، فتغضب عليه أشدَّ الغضب، وتشتمه إذا وجدت لديها رغبة في الشتم. أقبل على العسل فأكل منه بنهم، ثم أكل من اللحم المطبوخ المتبقِّي منذ الأمس، ثم اتجه إلى صحن البطاطا، ولم تسلم من نهمه حبات الزيتون التي وجدها في صحن آخر قريب من متناوله، وبعد أن أكل من كل أكلة صادفها في المطبخ، انصرف إلى اللبن فغبَّ منه بشراهة، كما يغب حمار ظامئ من بركة ماء، وقد نسي التزامه بالهدوء، فأصدر صوتاً غليظاً وهو يشرب اللبن من الإناء الكبير. أكل رزوق حتى امتلأ بطنه الواسع، ولم يشغل نفسه بالبحث عن المنشفة المخصصة لمسح الأيدي، بل استخدم عباءته الفضفاضة لمسح يديه وفمه، ووصل بها إلى عينيه فمسحهما بها. صوت فمه الغليظ، الذي صدر عنه وهو يشرب اللبن بلغ سمع زوجته، أما الصوت الذي أزعج نومها إزعاجاً لا ارتياح بعده ولا رجوع إلى النوم هو ضراط رزوق المصحوب برائحة لا يغُبطُ على شمِّها أنفٌ في الوجود.. رزوق دخل دورة المياه، ونسي أن يغلق الباب وراءه، وأن يفتح عنفة الماء بقوة، ليضمن ذهاب برازه ومشتقاته وملحقاته، وتتماته من الروائح القتالة. نادت أمُّ سائدة من داخل غرفتها: ـ رزوق.. رزوق.. اسمعني يا رزوق. سمع رزوق وخاف أن يردَّ على زوجته خشيةَ أن تناله الشتائم المتلاحقة. عادت إلى النداء: رزوق الطبل.. اسمعني. حين سمع كلمة الطبل ردَّ بسرعة: نعم يا أمَّ سائدة. ـ اغلق الباب وافتح الماء يا رزوق النحس.. طولي بالك يا أمَّ سائدة.. ـ أنت كلك مقلق ومزعج ونحس بنحس.. صمت رزوق، خشية أن تسترسل زوجته بوصفه وشتمه، أما هي فقدت الأمل بأن ترجع إلى النوم، فرأت أن تنهض. دفعت الغطاء عنها بكلتا قدميها، فبانت ساقاها الناعمتان كلون البريق المحتفى به، تركت ساقيها ممددتين فشعر الغطاء بالبهجة، واستقرَّ هانئاً، وفوقه ساقان بهيتان ناعمتان. تجاوزت أم سائدة الأربعين، لكنها لم تخسر من بهائها بهاء، وكيف ستخسر بهاءها، وهي لا تنفق منه شيئاً كرمى لرزوق، ولا تجد في نفسها الرغبة في ذلك؟! ومن أين يأتي التعب إلى ساقيها، وهي لا تقف عليهما إلا حين ترتاح للوقوف؟! ومن أين يأتي الترهل إلى عجيزتها المنضودة المتماسكة وهي لا تعذبها بالجلوس القلق، ولا تدع لرزوق أن يداعبها إلا حين تريد؟! وصدرها كعجيزتها وساقيها ملاحة وشبابا وكياسة. رفع رزوق ثيابه، وانطلق مسرعاً باتجاه المغسلة غسل ونخر وشخر، وزوجته مستريحة في سريرها، والنعاس خابت رجاءاته في أن يعيدها إلى النوم، بعد وجبة الضراط المصحوب بالرائحة المقيتة. لملمت حسنها والنعاس المتبقي على عينيها، ونهضت باتجاه الشرفة حيث الفجر والضوء، واتخذت لنفسها كرسياً، وجلست قبالة الأفق والنهار المقبل، أما رزوق فعاد من الغسل والنخر والشخر، ولم تعره بادئ الأمر انتباهاً.. لكن صوته لم يتركها لصمتها: ـ صباحك طيبّ يا أمَّ سائدة. ـ أنت لا تترك صباحاً طيباً لمن يعيش معك. سحب كرسياً اقترب به من كرسيهما، وجلس، فأشاحت عنه قليلاً لتظلَّ ترى النهار المقبل، والأشجار المنتشرة في جهات الأرض، سألته بصوت لا حنين فيه ولا حب: ـ أين حاصد الدورك الذي يأتي إلى عندك؟ ـ لماذا سؤالك عنه؟ ـ الأشجار بحاجة إلى سقي، وإلى تعشيب، وإلى قصِّ الأغصان اليابسة. ـ حضر اليوم وكنت نائمة، ووعد أنه سيعود. ـ ووعد أنه سيعود!! وكأنه رجل ذو أهمية، قالت كلماتها باشمئزاز وسخرية، وتابعت أسئلتها، بنفس السخرية وعدم الاكتراث: ـ ولماذا جاء حاصد.. أكيد أنه لا يجيء إلا إذا كان بحاجة إلى مساعدة أو وظيفة، أو مال أو إلى كلام يريد أن يسرقه منك، وأنت غافل مغفَّل، لا تعرف ما تقول وما لا تقول. لم يجبها بنفس الحدة والانفعال، بل ظلَّ ليناً وهيناً مطواعاً: ـ جاء ومعه بنته، يريدها أن تخدمك، وتساعدك إذا رضيت بذلك. ـ وماذا يريد مقابل ذلك؟ هدأ رزوق وخاف من قسوة زوجته أن تزداد إن هو أخبرها بأن حاصد جاء بغية أن يوظف آذناً في مدرسة المواسم. ـ بنته كم عمرها؟ ـ صبية. زَّمت شفتيها ولملمت ما تبقى من هواجس ليلية دفعت بها إلى أعماقها، وعادت تكلِّمُ رزوق. صبية.. تريحني منك يا رزوق ومن أوساخك وترتب البيت. ـ والوظيفة، هل يمكننا أن نؤمنها لـه، فهو ملحاح في البحث والسؤال. ـ والوظيفة تذهب اليوم إلى عربش، وتحدثّه بشأنها، وإذا أراد حاصد أن يذهب معك لا تستجب لرغبته!! لأن سائدة لا تحبُّ مشاهدته. تركت كرسيها والنهار المقبل، واتجهت إلى المغسلة، لتغسل وجهها وتعيد هندسة ملامحها ومكياجها النهاري، استعداداً لاستقبال من تريد استقبالهم، أما رزوق فقد سرح في جهات أرضه، وراح يعاين الأشجار وأغصانها الخضراء، واستمرَّ سارحاً حتى تخوم النبع. لحق مجرى الماء حتى منتهاه، ليعرف إن كان جابر العبود يسقي أولاً يسقي.. لم يصل إلى أرض جابر، لأنه سمع أصواتاً فقد أنها أصوات جابر وزوجته وولده أو أصوات سرحان العيسى وزوجته وأولاده. عاد رزوق عبر درب الدلبات إلى حيث النبع يتدفق ماؤه صافياً رقراقاً، شرب حتى ارتوى، وهب واقفاً. زوجته أنجزت غسيل وجهها وعادت إلى موقعها على الشرفة المطلقة على المسافات. عاينت التخوم والأشجار، ورأت رزوق على النبع، لكن نظرتها لم تقف عنده بتاتاً، بل أرسلتها إلى جهات المدى.. أقرب بيوت الملتقى إلى بيت رزوق هو بيت سرحان، يليه بيت محمد شحاده، لكن أم سائدة سدَّت الطرقات في وجه أية علاقة أو أية زيارات متبادلة مع الجيران. حتى أختها هاجر زوجة مرجان لا تزورها إلا نادراً، وهاجر لا تزورها ـ أيضاً ـ لأن مرجان الزهيري قال لها: ـ أختك أم سائدة ترى نفسها فوق كلَّ الناس. ـ يوم كنا في بيتنا في المدينة قبل أن ينتقل والدي إلى بيتنا في بستان الحبيب، كانت تقول لها أمي: أنت قوية مثل أم نجود، وأبي كان يقول لها: أنت مثل أمك: العفاريت تسكن نفسك وروحك. وصبحة زوجة ماجد العبود تشبهها، إلا أن ماجد خير من رزوق وشخصيته تختلف عن شخصية رزوق. وأم غصن هي قريبة أم سائدة وهاجر وصبحة، لكن هاجر وحدها واصلت زياراتها، وحافظت على مودة القربى حتى إن سحر بنتها تعتبر أمَّ غصن خالتها. مرجان الزهيري لـه طبع أنيق وقد أخذ عن والده شراسة الطبع إذ أهين، أو أحس أن الآخرين يزدرونه، ويستهزئون بشخصيته.. أم هاجر هي التي أجبرت مرجان على ترك بيت والده في المواسم، وبناء بيت جديد في الملتقى، وقد تركت هذه الحادثة انطباعاً غير حسن في أنفس الجيران. كثيرون قالوا: مرجان الزهيري عبد زوجته هاجر بنت عباس حامضة، وعباس هو عبد لزوجته. مرجان قبل شروط أم هاجر، تحت ضغط الحب الذي كان يشعر به تجاه حبيبته وزوجته هاجر وقد اشتهر مرجان بحبه هذا. * * * أنت كلب بن كلب، وإلا ما رضيت أن تأخذ بنتك للعالم خدامة.. ـ طولي بالك يا امرأة: الأمر أبعد من خدمة العالم، عرجت زوجة حاصد عرجات خفيفة متلاحقة باتجاه مكان زوجها الذي جلس على مقعد خشبي، جلست على طرف المقعد وبدأت مناقشته: ـ كيف ترضى على نفسك يا سيئ!! يا جبان! يا نذل!! أن تجعل من بنتك خادمة عند السيدة زوجة رزوق؟؟!! ـ اسمعي الكلام أولاً، وبعد أن تسمعي الكلام يمكنك أن تقولي رأيك. ـ أنتن وكلامك نحس بنحس وسوء بسوء.. وإلا ما كنت قبلت أن تأخذ بنتاً صبية مثل الوردة، وتقدمها لزوجة رزوق، تغسل لها وسخها ووسخ زوجها ووسخ أصحابها. ـ الوظيفة أجبرتني على ذلك. ـ الآن صرت تبحث عن الوظيفة، أما الأرض، وقد رهنتها، وأخذت من اللعين برهوم المال ورحت تشتري فيه لماري هدايا، من أجل أن تفتح لك بابها، ساعة أو ساعتين. يومها ما كنت بحاجة إلى الوظيفة.. كنت فقط بحاجة إلى ماري؟! كنت أنا والأولاد ننام جوعانين، وأنت منشغل بماري، وبتأمين طلباتها وحاجتها من البساتين ومن غير البساتين.. ولم تكن تسأل عن بنتك، كيف تعيش؟ أما الآن تفكر أن تفعل بهما كما فعلت بالأرض؟! بيت حاصد لا يبتعد كثيراً عن بيت برهوم، هو في أسفل تلة الحبيب، وبيت برهوم في أعلاها.. تجاور بيت حاصد بيوت أولاد عمه وأخويه: بيوتهم متجاورة، لكن الدنيا توسع المسافة بينهم، وتخلق جدرانا تبعدهم عن بعضهم، ولا تقربِّهم. إلا أن صوت زوجة حاصد المرتفع جداً والغاضب نبَّه الأسماع، وزاد في الانتباه أنها ذكرت اسم برهوم ورزوق وزوجته وماري. حاول حاصد أن يهدِّئ من غضب زوجته، فلم يفلح، وقد وجد نفسه في النهاية مضطراً لمواجهتها بالضرب أو الفرار من أمامها، لأن غضبها زاد عن حده، وحملت خشبة مسودَّة، تستخدمها عادة لتحريك الجمرات والعيدان، التي لم يكتمل اشتعالها في الأثفية، تحت قدور الطبخ والطعام. ضجة الخيبة والمكابدات وأنياب الجوع عضَّت روحها حتى الوجع والآلام، وأفقدتها سيطرتها على نفسها، وهي تجادل زوجها وتطلب منه أن يمتنع عن فكرته السوداء بأن يجعل من بنته خادمة عند زوجة رزوق، وقد أجج نار غضبها أن بنتها لم تقطع البكاء منذ عادت مع والدها. وقد حملت الخشبة المسودَّة وهجمت بها على حاصد، نهض وهب راكضاً من أمامها خشية أن تناله بضربة محكمة بالخشبة، وهو يعرف طبعها وقوتها ومتانة بدننا. لحقت به وشتائمها لم تنقص: يا كلب!! يا جبان!! يا ذليل!! رهنت البنت وتقتل مستقبلها كما قتلت مستقبلنا وضيعت أرضنا. سمع ولد عمه مصطفى صوت زوجة ابن عمه حاصد، فترك كرسيه تحت أغصان شجرة الزنزلخت، وأسرع إلى حيث وقفت سميرة زوجة ابن عمه، تُلِّوح بالخشبة السوداء وتهدد: أنت يا حاصد إذا الواحد ما ضربك لا تعرف قيمة أهل بيتك. اقترب منها مصطفى ولد عم حاصد، وقال لها بهدوء: طولي بالك يا سيدة سميرة!! الفضيحة ليست نعمة لأحد. ردّت عليه وهي في أوج غضبها: ـ ابن عمك كلب.. وأنت تعرف.. ضيَّع الأرض والآن يريد أن يضيع البنت. ـ معك حق: حاصد لا يعرف أن يتصرف بالأمور بما يخدم بيته ومصلحته. وقف حاصد عند تخم أرض ابن عمه وراح يرقب زوجته الغاضبة، ويرقب نفسه وأولاد عمه الذين انتبهوا.. شعر باحتقاره لنفسه، وتمنى لو أنه لم يتزوج. مالت سميرة زوجة حاصد ميلات متتابعة، واتجهت إلى بيتها القريب، أما مصطفى الدروك فقد تقدم باتجاه حاصد. بيوت بيت الدروك تشكِّل حارة أو محلّةً مستقلة، تسمى حارة أو محلة بيت الدروك، وهي حارة من حارات بستان الحبيب.. تبدأ من تخم تلة الحبيب حيث في أعلاها بيت برهوم. وقف حاصد عند تخم أرض ابن عمه، وفي الجهة المقابلة بدت أرضه، وقد نهض في جهاتها المعمل.. وبيت برهوم في أعلى التلة بدا واضحاً تحيط به الأشجار القديمة، وتتصدره شرفاته المطلة على الأفق والمسافات، أمّا بيوت أولاد عمه وأقربائه فلم تستوقف انتباهه طويلاً. خفَّ وضعف شعوره باحتقاره لنفسه، حين شاهد ابن عمِّه مُقبلاً.. فرأى نفسه على حالة وهيئة أفضل من حالة وهيئة ابن عمه، رغم هياج زوجته وحملها الخشبة المسودة، والهجوم بها عليه، والركض وراءه بغية ضربه والنيل منه، وتأديبه التأديب اللائق. قبل أن يصل إليه تماماً قال مصطفى: ـ أنت ظلمت زوجتك وأولادك زيادة عن اللازم. سكت حاصد، لأنه لم يجد في باله الكلام الملائم للرد على كلام مصطفى الدروك ولد عمه. وقف حاصد ومصطفى قريبين كلٌّ منهما من الآخر، فبدا حاصد أطول قامة من مصطفى، وأحسن وجهاً وملامح، وثيابه أكثر أناقة، على أنها ليست أنيقة جداً. مصطفى قصير وصوته لا يُبشِّر بالبهجة وحسن الطالع والخصب والمواسم. وهو لا يتفوق بأي أمر سوى أنه لا ينجب أولاداً وبرغشاً، حسب تصريحات زوجته. وغير هذا فحاصد أكثر بدانة من مصطفى، وأكثر بحثاً عن النساء اللواتي ينفقن الهوى، والأشواق للعشاق والراغبين بالهرب من زوجاتهم. حاصد في هذا الميدان سبّاق، وذو خبرة واسعة، وقد ذاق من النساء العديد أما مصطفى فلم يذق حتى زوجته كما تذكر هي، وحاصد مشهود لـه بتحركاته ومعرفته للأمور وتصاريفها، وأحوال الناس وتبدلاتها. وحاصد وحده من حارة بيت الدروك، تربطه ببرهوم الحبيب علاقة من نوع خاص، يعرف بيته وزوجته وبنته، والأصدقاء الذين يزورنه، والرجال الذين يسهرون عنده في ليالي الصيف والشتاء. قال حاصد وهو منتبه إلى حيث بيت برهوم، والدرب المؤدي إليه: ـ جاءت سيارة بيت برهوم. ردّ مصطفى: ـ أنت تعرف كل شاردة وواردة عن حياة وبيت برهوم. ـ حياة برهوم على كيفه، أمّا حياتنا فاللعنة عليها. ـ لماذا أنت غاضب إلى هذا الحد؟ ألأن زوجتك ركضت بالخشبة وراءك؟ ـ برهوم ليس بحاجة إلى من يركض وراءه، ولا هو بحاجة إلى زوجته، متى نشأ يسافر إلى أية مدينة. ـ أمواله تساعده على أن يسافر.. وأن يسعد نفسه. عضّ مصطفى شفته السفلى دون أن ينتبه حسرة وأسفاً، ثم عاد إلى حديث الشجون والشؤون مع ولد عمه: ـ وأنت يا حاصد ألا تسافر معه؟ ـ سافرت معه في بعض المرات. ـ ألم تسعد نفسك مثله؟ ـ من أين لي الأموال يا مصطفى؟! ـ ومع ماري؟! ـ من خبَّرك بخبري مع ماري الدريوسي؟! ـ سمعت بعض الأحاديث تقول: إن حاصد الدروكُ يحبُّ ماري، وسمعت الآن زوجتك، تقول لك: من أجل ماري ضيّعتَ الأرض. ـ فضحتني زوجتي، وخربّت عليّ العيش وسوَّدت في عينيّ الدنيا. ـ الفقر يقاتل يا حاصد!! ـ معك حق.. الفقر داء لا علاج لـه. وصلت سيارة برهوم إلى مستقرها في الساحة التي أمام البيت، وحاصد ومصطفى واقفان ينظران بحسرة إلى بيت برهوم والأشجار القديمة المحيطة به، والنساء والرجال الذين يدخلون إلى داخله كل حين. قال حاصد: ـ فرق كبير بين دنيا برهوم ودنيانا يا مصطفى. ـ حظُّه أحسن من حظوظنا. ـ الحظ حظ أبيه وليس حظَّه، هو أخذ الثروة والغنى من أبيه. ـ ونحن أولادك الدروك ماذا أخذنا عن آبائنا؟ ـ أخذنا عن آبائنا ثروة كبيرة من الفقر والتعاسة يا مصطفى! ـ هذا حظُّ آبائنا تركوه لنا، فأخذناه، أما أنت يا حاصد تجاوزت حظَّ أبيك. ـ بماذا يا مصطفى؟ ـ بحبِّ ماري. ابتهج حاصد قليلاً حين ذكرت ماري، تذكَّرها.. وتخيَّل نفسه واقفاً معها في الغرفة الداخلية ذات البابين، فنسي همّه ومعركته مع زوجته العرجاء سميرة. أما مصطفى فقد أفزعه صوت زوجته غير المرنان بتاتاً: ـ يا مصطفى.. يا خنزير.. أين تذهب ولا ترجع؟! قال حاصد: ـ سمعت صوت زوجتك وشتائمها؟ ـ نعم سمعت. ردّ عليها قبل أن تحمل الخشبة، التي تحرك بها عيدان الحطب وسط النار، وتركض بها وراءك. عاد صوت زوجة مصطفى: ـ يا لعين.. يا مصطفى.. طابت لك الوقف مع حاصد؟! ردّ مصطفى: ـ سأجيء بسرعة.. ـ شايفتك ستصير مثل حاصد وستحتاج إلى الخشبة لتتعلم الالتزام ببيتك؟! قال حاصد: ـ اذهب إلى زوجتك أحسن لك وأفضل. لم يودِّع حاصد مصطفى، ومصطفى فعل مثله.. ترك كل منهما الآخر دون تحية أو سلام.. مصطفى انطلق عبر درب البيوت باتجاه بيته، وحاصد اتجاه إلى درب البساتين حيث بيت برهوم. حُفَر درب البيوت، ليست غريبة على قدمي مصطفى الدروك: حفرة في الوسط، وأخرى تجاورها، وفي جهة مقابلة أخدود خددَّته أمطار الشتاءات، فظل على حاله. بلغ مصطفى أول البيوت، فلم يلتفت، خشية أن يلاقي أحداً من أقربائه واقفاً، فيضطُّره الموقف أن يحيّه، فيسأله على حاله، وعن حال المعركة الدائرة بين حاصد وزوجته. نجا من البيت الأول وهو بيت ابن عمه وقريب زوجته أيضاً، لكن البيت الثاني القريب من بيته لم ينج منه، فقد وجد زوجه عمه إسماعيل، العم الأصغر في عائلة الدروك كلها، وجدها منتظرة متلهفة أن تسمع تفاصيل جديدة عن معركة حاصد مع زوجته. شاهد مصطفى زوجة عمه إسماعيل، ولمح فكُّها العلويَّ، الذي لا يغيب كثيراً عن الأنظار، رغم محاولات الشفة العليا تغطيته، فكها أميز ما فيها، حتى يظنها الناظر إليها لأول مرة أنها ركبَّت فوق فكِّها واقياً يقيها عاديات القُبل المفاجئة، ويحمي أسنانها العجيبة من لفح الشمس وبرد الأيام الباردة. كاد مصطفى أن يسقط في حفرة من حفر الدروب، وهو ينظر إلى فكِّ زوجة عمه إسماعيل: وضع قدمه اليسرى في الحفرة دون أن يعاين الدرب، فمال قدمه ميلة قاسية، لكنه لم يسقط، وقد عاينته زوجته وزوجة عمِّه، فقالت لـه زوجته: ـ طولت وقفتك مع حاصد. ـ كان متصارعاً مع زوجته.. قالت زوجته، وهي بعد واقفة أمام عتبة باب البيت، القريب من بيت إسماعيل، عمِّ مصطفى: ـ صرت يا سيد مصطفى قاضياً تقضي بين الزوجات والأزواج؟ التفتت إليها زوجة إسماعيل ونادتها: ـ طولي بالك يا ست رفيدة.. وشرفينا بزيارتك الآن، نقعد عندنا، ونسمع حديث مصطفى عن حاصد وزوجته. ـ ارتاحت رفيدة لكلمة (شرفينا بزيارتك) وقبلت دعوة زوجة إسماعيل، وجاءت لا تلوي على شيء. ونسيت أن تهندم نفسها وأن تدفع بسترتها الداخلية إلى تحت السترة الخارجية، فظلت منشورة كشراع منسي على شاطئ لا تهلُّ الريح عليه ولا تقترب منه الأمواج. جلس مصطفى بعد أن قرأ في عيني زوجته رغبتها الملحاحة في أن يجلس قريباً منها. وجلست زوجة إسماعيل، سأل مصطفى: ـ أين عمي إسماعيل؟ ـ عمك لا يهدأ في البيت. ـ هذا موسم حركته وسعيه. قالت زوجة مصطفى: صار عجوزاً ومن العيب عليك يا سيدة بهجة أن تتركيه يسرح في الجهات البعيدة: يمشي في دروب محفرة، ويصعد تلالاً، وينحدر في سفوح لا يعرفها. فقد تزلُّ به قدمه يوماً، وهو وحيد، فينتهي. لم ترتح زوجة إسماعيل لهذا الحديث وازداد فكها بروزاً مستعدٌّ للعضِّ أو للهجوم على وجبة أكل شهية. حاولت أن تكتم غيظها فلم تقدر، ولهذا تكلمت بغضب واستياء: ـ أنت يا ست رفيدة: كلامك ثقيل على الرأس مثل الضرب، ودائماً اسمع عنك هذه الأحاديث: عيب على بهجة أن تترك إسماعيل يسرح ويبتعد من أجل أن يجمع القمح أو الزيت أو المال.. بانت علامات الغضب على ملامح بهجة، وعرف مصطفى أن معركة ساخنة ستنشب بينها وبين زوجته، فأسرع بالكلام ليبعد زوجته عن حديث عمه إسماعيل وسرحانه وبحثه عن القمح والزيت والمال، قال: ـ هل يعقل تصرف حاصد مع زوجته سميرة؟ انتبهت رفيدة زوجته، ومثلها انتبهت بهجة وانشدّتا إلى الحديث، لعلمها أن حياة حاصد مليئة بالأحداث والخفايا. قالت رفيدة: ـ لماذا اختلفت سميرة مع حاصد؟ ـ اختلفت معه من أجل بنتها الكبيرة. قالت بهجة: ـ هل كان سيزوِّجها لبرهوم أو لرزوق؟ تحرك مصطفى، وركز جلسته على كرسيه، تعبيراً منه عن أهميته في هذه اللحظات المشحونة والموترة.. صمت قليلاً، فلم يتكلم، مما دفع زوجته لسؤاله وحضِّه على الإجابة: ـ قل: لماذا اختلفت سميرة وحاصد، ولماذا غضب عليه، وحملت خشبة تحريك النار، وهجمت بها عليه؟! مصطفى لا يجد في نفسه الشجاعة على مخالفة رغبات زوجته رفيدة، لأنه إذا فعل هذا ستناله الشتائم الملوَّنة وغير الملونة. انتظرت رفيدة أن يجيب على سؤالها عن حاصد.. شدَّت عجيزتها المستديرة والمتراصة، وأظهرت حسنها لعيني مصطفى، وهي بحركاتها تهدده.. وتؤكد: أنه لن يلمس عجيزتها إذا تكاسل في الإجابة عن أسئلتها. مصطف ورفيدة يتشابهان بالقامة، لكن رفيدة شهية وقريبة من النفوس، أما هو لا شعر في وجهه، ولا معاني، ولا علامات تنبئ عن وجود رجل، ولعل رفيدة استهانت به من هذا الجانب. أمام حركات رفيدة المغرية وإلحاح زوجة إسماعيل، لم يقدر مصطفى أن يصمت عن الحديث عن حاصد وسميرة وسرّ خلافهما الحاد: ـ حاصد وعد رزوق: أنه سيترك بنته في بيته، لتخدم زوجته أم سائدة. سألت زوجة إسماعيل وفكُّها لم يغب بعد: ـ لماذا سيترك بنته في بيت رزوق لتخدم أم سائدة؟ ـ مقابل أن يوظفه رزوق في مدرسة المواسم. قالت رفيدة: هل يستطيع أن يوظفه في مدرسة المواسم، دون مشورة وموافقة جابر العبود؟ دهش مصطفى وازداد غرق رأسه بين كتفيه، ووقف عن الكلام مذهولاً: جابر العبود يوافق على من سيوظف في المدرسة.. معنى هذا أنه رجل كبير وقوي كما قال لي حاصد منذ وقت قال لي: جابر سيد وقوي وشجاع وكلمته مسموعة.. ورزوق وبرهوم وعيسى الحميدة والعتل يهابونه.. من الخارج جاء صوت إسماعيل الدروك: أين أنت يا بهجة.. تعالي.. قال مصطفى: جاء عمي يا زوجة عمي. قالت بهجة: نشكر القدر والأيام على رجوع عمك وسلامته. تدخلت رفيدة: ـ ونشكر إسماعيل على جهده وتعبه، وعلى ما يحمله إلينا من البيوت البعيدة والقريبة. لم تعلِّق بهجة على كلمات رفيدة وانصرفت إلى حيث زوجها، وقف ينتظرها، وأمامه حمارة سوداء حملت كيسين متوسطي الحجم مملوءين بالحاجات والقمح والمأكولات. لكزت رفيدة مصطفى وهمست في أذنه: انهض ساعد عمك، واعرف ماذا جلب معه.. لا تنس حصتنا.. * * * لم يرجع حاصد إلى بيته، بل صعد الدرب باتجاه بيت برهوم: من تخوم المسافات حتى بيت برهوم، تحيط الأشجار القديمة بالدرب، ولا يعذب حاصد أو سواه اضطراب الدرب وحفره. بل يرتاح السائر، وهو يسعى صعوداً إلى بيت برهوم: الأغصان تحمي الرأس من الحر، وتشعر النفس بالأمان والاستقرار، والدرب مرصوف بالحجارة رصفاً، جعله يخلو من الوهد الحفر.. صعد حاصد قليلاً عبر الدرب المؤدي إلى بيت برهوم، وزال عنه غمّه وخوفه، وأحسّ أنه صار في دنيا غير الدنيا التي كان فيها منذ لحظات. كاد أن ينسى أنه على موعد مع القتال الدائم مع زوجته، وأنه سيذهب إلى بيت رزوق ليستخبر عن وظيفته.. التفت حاصد إلى جهة البيوت حيث بيته وبيت مصطفى وبيت عمه إسماعيل، وبيت أهل زوجته وبهجة زوجة عمه إسماعيل.. فعاد إلهي غمُّه وخوفه.. قال في نفسه: بيوتنا واطئة.. ودروبها محفَّرة موحلة، وأشجارها لم تشمخ بعد، أما بيت برهوم فهو مشرف، واسع تحيط به الأشجار.. ودربه مرصوف.. اقترب من الساحة فشاهد سيارتين وفرسين، ربطا إلى جذعي شجرتي (كينا) باسقتين. عرف حاصد سيارة برهوم لكنه لم يعرف السيارة الثانية لمن هي، وكذلك لم يعرف الفرسين لمن هما. سمع همهمة وحركة فالتفت إلى الدرب من أسفل السفح، فإذا ببغل زوج ماري بحر عربته، وقد أثقلتها الصناديق والأكياس.. وزوج ماري لم يترجَّل، بل ظلَّ جالساً على العربة. لم يفاجأ حاصد حين رأى الدريوسي والد ماري وأمها يشعلان النار تحت القدر، لأنهما منذ وقت بعيد يعيشان هكذا، يخدمان برهوم وأسرته، مقابل أن يعيشا، وأن يضمنا حقهما في أرضهما وبيتهما الصغير القريب من بيت برهوم. الدريوسي يعرف حاصد معرفة وثيقة، وكذلك زوجته. سحب حاصد علبة التبغ من جيبه استعداداً منه للفِّ لفافة تبغ، أما الدريوسي فقد وقف بعد أن دفع العيدان إلى تحت القدر، قال حاصد: ـ بانت عليك علامات السنين يا دريوسي! ـ وأنت يا حاصد لم تعد شاباً.. ـ وأم ماري كيف صحتها؟ ردت أم ماري، وهي منشغلة بدفع العيدان، وإشعالها: الصحة بخير والدنيا لا تدوم على حال يا حاصد! صوت زوج ماري كان مسموعاً وهو يخاطب البغل: شُدَّ حيلك.. لا تخف!! وصلنا إلى بيت برهوم. الدريوسي ابتسم ابتسامة مخلعَّة مثل عمره وبائسة مثل أحلامه، وحاصد ابتسم ابتسامة ليس خيراً منها، فكلاهما عمره مخلَّع كنافذة خشبية، قدم بها العهد مع الريح والمطر. وبؤس حاصد كبؤس الدريوسي، وشقاؤه متراكم مثله.. والفرق الوحيد بينهما هو أن الدريوسي وقد وشعر رأسه يشبه جسم وقد وشعر رأس حاصد. أنجز زوج ماري وبغله صعود الدرب، ووصلاً إلى الساحة الواسعة المحوطة بأشجار الكينا.. القديمة. وظل زوج ماري يخاطب بغله بلغة بليغة: يا بغل البغل.. أسرع إلى حيث وقف عمك وعمي الدريوسي، وأخوك وأخي حاصد. سمع حاصد والدريوسي وزوجته كلمات زوج ماري واستبدت بهم رغبة الضحك، إلا أن خروج برهوم أقف تنفيذ الرغبة لحظة. قال برهوم: ـ كيف الشغل يا دريوسي؟ ـ على كيف كيفك يا سيد برهوم. ـ وحاصد كيف أحواله؟ لم يجب حاصد أولَّ الأمر.. فعاد برهوم وسأل: ـ حاصد أفندي كيف عمله في وظيفته الجديدة في المدرسة؟ عرف حاصد أن برهوم يسخر منه فردَّ عليه بنفس السخرية: وظيفتي تُقِّبل يديك. انشغل الدريوسي بالعناية بالنار، وزوجته انصرفت إلى البيت الصغير المجاور للبيت الكبير المخصَّص للحاجات والمؤن، أما زوج ماري فقد اقترب وبغله وعربته من الواقفين. وكلماته مسموعة وهو يخاطب البغل: ـ كن مهذباً ومحترماً أمام سيدك وسيد الأسياد برهوم. ضحك حاصد ضحكاً عالياً، أما الدريوسي فابتسم، ثم عاد إلى هدوئه، وبرهوم ضحك ثم استقرَّ حال وجهه وشفتيه. فكرَّ برهوم أن يومئ لزوج ماري ليحَّرضه على حاصد، لأنه ضحك، فلم يفلح، لأن زوج ماري لا يفهم بالإشارة! وكلُّ لبيب من الإشارة يفهم.. وهو ليس ليبيا، ولا لبا ولا لبقا.. باءت محاولة برهوم بالفشل، وأوقف زوج ماري البغل، وهمَّ بإنزال الصناديق والأكياس وهمَّ يعاونه على ذلك الدريوسي وحاصد.. سأل الدريوسي زوج ماري: ـ كيف حال ماري يا صهري المحترم!! ماري ست البيت وست الحبايب، واليوم أحسن من أي يوم، حممتني في الليل وقبلت أن تنام عندي. أسرع الدريوسي بالانتقال إلى سؤال آخر ليبتعد عن الحديث عن النوم وماري. ـ والدكان كيف عمله معك ومع ماري؟ ـ الدكان دكان الحبايب ودخله محترم ماري تدِّبر الأمور. قال الدريوسي في سرِّه: زوج ماري هذا قدره: بغل وعربة.. وماري لماذا اختارته لا أعرف؟؟؟ لعل فشلها بزواجها الأول حطمَّ نفسها وجعلها تتزوج أي رجل تصادفه، لا يعرف برهوم وأساليب الاحتيال والكذب.. اتضح لعيني حاصد أن الدريوسي لم يفهم لعبة برهوم وتزويجه ماري من العتل الذي باعه أرضي وأرض محمد الشحادة، فبنى معملاً للأخشاب ومعملاً للأحذية، وبنى بيوتاً لناس جلبهم معه؟ لم تدم تأملات حاصد، إذ فجأة أن رأى العتلَّ يخرج من الباب الواسع للبيت الكبير، ومعه برهوم ورجل ثالث.. راحوا يتنسمون الهواء العليل. سأل حاصد بدهشة: ـ من الذي يمشي مع برهوم والعتل؟ دهش الدريوسي حين سمع اسم العتل: ـ وهل تعرف العتل يا حاصد؟! تلكأ حاصد واضطرب إذ سأله الدريوسي: ـ هل تعرف العتل يا حاصد؟ قال حاصد بارتباك: ـ أع. أعرفه.. شا.. شاهدته عند برهوم. انتبه الدريوسي إلى ارتباك حاصد وغضَّ عن ذلك طرفا، لأنه يعرف أن الوقت ليس ملائماً لهكذا أحاديث ولأنه يعرف أن حاصد ينقل الأحاديث إلى برهوم ويزيد عليها وينقص منها بما يخدم مصلحته. ابتعد برهوم والعتلُّ والرجل الثالث في مشيتهم وفي الداخل ارتفعت الأصوات والضحكات.. بعضها أصوات.. وضحكات أنثوية. لم يجرؤ الدريوسي على إبداء أي تعليق.. وحاصد ركز نظراته عليه.. وراح يسأل بعينيه وإشارات يديه: من في الداخل؟ لم يجب الدريوسي، وانصرف بنظراته عن حاصد وتوجه إلى القدر والنار؟ الدريوسي علمته الأيام أن النار لا تحرق الأكاذيب، وأن المفطوم على الكذب لن يترك الكذب، وأن المتعود على نقل الأحاديث وبثها بين الناس لن يقدر على ترك عادته، وعلمَّته حياته مع برهوم الحبيب أن الصمت أفضل من أي كلام... وأن الغدر شيخ هرم في بيت ونفس برهوم لحظة لحظة وساعة ساعة ويوماً يوماً، وزواج ماري من العتل كشف لـه أوراق فصول متراكمة، وأفصح لـه عن حياة ونوايا وحركات برهوم وحاصد. أنهى زوج ماري إنزال الصناديق والأكياس ونقلها إلى البيت الصغير المخصص لذلك،وقد شاهدته زوجة الدريوسي مراراً، لكنها لم تكلمه، ولم تسأله عن ماري لأنها تعرف أن إجابته لا تشفي ولا تكفي. قال حاصد: ـ الدهر دولاب يا دريوسي. ـ الدهر دولاب، والناس تجرُّ هذا الدولاب، وتحرِّكه. ـ صرت فهيماً وفيلسوفاً يا دريوسي. ـ تركت الفهم والفلسفة لك يا حاصد. انقطع حديثهما إذ عاد الثلاثة برهوم وصاحباه والأصوات النسائية لم تهدأ في الداخل والضحكات المكتظة بالأنوثة لم تنته، سأل حاصد: ـ الرجل الثالث الذي مع برهوم والعتل من هو؟؟ ـ هل يعقل أنك لا تعرف عيسى الحميدة؟؟ ـ هذا هو عيسى..!!؟؟ * * * بيت سرحان العيسى أول البيوت، التي بانت لعيني أم سائدة، وهي تنظر إلى جهة بستان الملتقى، وبان لها بيت محمد الشحادة يجاوره. وفي أعلى المواسم بدا بيت جابر العبود عالياً: تحيط به الأشجار. وفي البعيد ظهر بيت ماري الدريوسية. قالت في نفسها: "جابر العبود من يوم يومه رجل وكبير.. وأبوه كان مثله.. أعرف هذا.. وغيري يعرف هذا.. وكثيراً قال لي والدي: "رزوق الحامد أغنى بماله من جابر، لكن جابر أغنى بحاله ونفسه ومعرفته وسمعته". هذا حق يا والدي: جابر العبود غني بحاله ونفسه ومعرفته وسمعته وبشخصيته.. وهذا هو الغني يا والدي". رنق سمعها صوت محمد الشحادة المضطرب المتلكئ: "أقول وقد نحيت بقربي حمامة أيا جارتا هل تشعرين بحالي" شجرات الدلب المجاورة للنبع لم يُخفها المساء، وأصوات مبعثرة ظلت تتردَّد في سمع المدى ومحمد الشحادة لم ينقطع عن الغناء. أم سائدة أخذتها نشوة المساء الخريفي والأصوات المتبقية، ونسيت نفسها سارحة في جهات الأرض والأشجار. انحدرت باتجاه النبع.. لتقترب من النبع أكثر، وتشرب من مائه الصافي، أو تغسل يديها. لم تكن تعتقد أنها ستشاهد أحداً على الدرب أو قرب النبع، ولو اعتقدت ذلك لكانت غيرَّت ملابسها، وارتدت ملابس تلائم جسدها وتظهر مفاتنها. سمعت وشوشات.. اقتربت الوشوشات من النبع، لكنها لم تخف، لأن الظلام لم يغط الجهات. وغير هذا فهي قريبة من شرفة البيت.. ورزوق يسمع صوتها إذا نادته. ترك حاصد غزال يتابع سيره باتجاه بيته، وانعطف باتجاه أم سائد. ـ كيف حال سيدتنا أمِّ سائدة؟ ـ عاينت غزال وهو يمشي قفزاً كالأرنب الخائف. وسألت حاصداً: ـ من الرجل الذي كان معك؟؟ ـ هذا هو غزال موجه المدرسة.. ـ غزال شاهد أم سائدة وهي تمشي، وكادت نظراته أن تأكلها أكلاً، لكنه حين صار قريباً، خاف أن ينظر إلى عينيها الواسعتين كالحلم.. الناعستين كظلٍّ على تخوم الهاجرة. خانته شجاعته، فلم ينظر على رغم تمنيّه ذلك. لم تخجل أم سائدة من حاصد، ولم تخاطبه كعادتها دون اهتمام. بل اقتربت منه، وسنحت لـه الفرصة ليقترب منها، ويحدثها عن ماري وعلاقتها بها. ـ سألها حاصد بصوته القوي جداً: ـ أين سيدنا رزوق؟! ـ اللعنة عليك: ألا تعرف أن تتكلم إلا بصوت كالرعد؟ ـ أمرك على الرأس والعين.. ـ سألته: ـ أين كنت الآن؟ عند ماري أليس كذلك يا حاصد؟؟! ـ دهش، وأخذته الحيرة إزاء ملاطفة أم سائدة لـه، وسؤالها لـه عن ماري. ـ نظر إلى عينيها فأحسّ بسحر فتان يخترق روحه المجللّة بالتعاسة، فيضيء فيها قنديلاً كان مطفأ. ـ ابتسمت ابتسامة هازئة، وهو ينظر إليها بحيرة ورغبة: ـ ماري أجمل من زوجتك ومعاشرتها أمتع لك من معاشرة زوجتك.. أليس كذلك؟؟! ـ أنت تعرفين كلَّ الأسرار والأخبار يا سيدتنا أمُّ سائدة. قطعت حديثها مع حاصد إذ رأت ضوء سيارة يقترب من البيت، ورأت رزوق ينهض لملاقاة من في السيارة، قالت لحاصد: ـ ما تريد من رزوق؟؟ ـ جمعت لك بعض البيضات، وجلبت لك شيئاً من العسل جمعته: ـ تابع إلى البيت، أعط الكيس والبيضات والعسل لرزوق. تابع حاصد.. أما أمُّ سائدة فبقيت في مكانها قرب النبع، ترقب الدنيا وهي تضيع في متاهة الليل: تأملت حاصد وهو يصعد الدرب وأعادت مخيلتها صورة غزال وهو ينطُّ ويقفز.. قالت في سرها: حاصد بشع، لكنه يعرف: ماري درَّبته على معرفة الأنثى ومعرفة الخوض في غمارها.. غزال خير من حاصد، ومتأنق الرغبة واللهفة.. "السُّمعة" شأنها عجيب، وهي بحد ذاتها محطُّ قلق وخشية الصبية قبل زواجها، والمرأة حين تصير زوجة المرأة تربط كلَّ عمرها بـ السَّمعة وبالخوف من الفضيحة، وتزداد المخاوف في البساتين على هاتين القضيتين، لأن الجيران يعرفون الجيران، والجميع يعرفون الجميع، والبيوت قريب أهلها من بعضهم. لو سمحت لنفسي أن اقترب من غزال، قد يكلفني هذا الاقتراب بعض طمأنينتي، وسيجرُّ عليّ ويل الفضيحة. الأمور جميلة بسرِّيتها أما هنا فمن الصعب بقاؤها دون العلن: النسمات تنقل خبر الهمسة أو الرغبة في الحال.. في المدينة قد تضيع العلامات وقد تختلف الفضيحة، قد تسمي المدينة "السُّمعة" بأسماء أخرى.. قد لا يذكرها أحد.. أتذكرَّ: أم نجود حين ابتعدت عن "العُتلّ" وحتى قبل ابتعادها كانت تعيش مثل ماري وأكثر منها، لكنني لم أسمعها يوماً تعلن قلقها على سمعة أحد. والفضيحة لم أرها تجيء على بيتها أو بيتنا، رغم أن أمي أحبتها وصادقتها ورافقتها إلى حيث أصدقاؤها. أمي وأنا وبنتي حالنا واحدة أبي أردأ من الرجال وزوجي مثله وعربش مثلهما.. ما هذه المصادفة العجيبة؟! وقبل اختتامها مشوارها استوقفها بيت أختها مرجان بنى بيتاً خاصاً به وبأختي وهو خير من زوجي وصهري وأبي، لكن بنته "سحر" ساء حظُّها، إذ سقطت في شرك "نجيب" سيئ السُّمعة والصيت. قالت ثانية لنفسها: "السُّمعة" عند برهوم وولده وبناته مختلفة عنها عند سحر ومرجان، والفضيحة عند هؤلاء لا تعني البشاعة والضعف والقلق والشديد، والشعور بالخيبة والعيب أمام الجيران. الفضيحة عندهم يبررونها، ويكرمِّونها ويلوننها بكل أسلوب ماكر. أما واحد مثل جابر العبود فسُمعته شيء عال، كأنها رزقه وحياته. والفضيحة بالنسبة لـه كارثة وضعف لا يقبله ولا يرضاه. وأحاديثه التي يتناقلها حاصد ومحمد الشحادة وغيرهما تكشف عن حقيقته وعن درايته بمعاني الأمور. كل هذه التأملات لم تله أم سائدة عن رغباتها وجنون جسدها: الأنثى تضج في كل مسامها، وكل حركاتها، ولفتاتها وهي التي تدرك حق الجسد على المرأة، وتدرك علاقته بصميمية حسّها ونفسها وروحها: لا تصدِّق أن الروح معزولة عن القوام والملامح والأنفاس!! لكن السمعة والفضيحة بالمرصاد لكنها أخبرت نفسها: الأمور الجميلة باهظة وصعبة وتحتاج إلى التضحية التي تقتل وتدمر وتحطم الفضيحة أحياناً. واقع عيشها وعلاقاتها وجمالها جعلها تفصح لمشاعرها عن الكثير من إحساساتها، وجعلها تتفقه وتتثقف بفقه وثقافة حواسها، بكل نباهة ودراية.. جسدها الفاتن الأنثوي علمّها مفردات اللهفة والبحث عن إرضائه.. ومعايناتها للعلاقات والأشخاص كشف لها الأسرار، وأخبرها الأخبار، وجعلها تميّز بين الأشرار وغيرهم.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |