النبع ـــ حسين عبد الكريم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس عشر

ـ سيارتي تنقل الطلاب الذين يدرسون في الجامعة، القريبين والبعيدين. كم سافر معي غصن وغزال، وقبلهما سافر طلاب كثيرون ورجعوا، وسافروا ورجعوا، حتى أنهوا دراستهم..‏

ـ فهمت من كلامك أنك ستتكفل بنقل عمران ورجاء وإعادتهما.‏

ـ نعم يا جابر العبود.. سيارتي رهن لعمران ورجاء ودراستهما، وهل عندي من أضحّي من أجله خير منهما.. وإذا أرادت سحر أن تدرس معهما.. أنقلها مثلهما أيضاً.‏

ـ بارك الله بمساعيك، وأدام عليك الصحة والنعمة وأم البنين.‏

ـ أراك أطلقت مثل محمد الشحادة، لقب أم البنين على زوجتي.‏

ـ اللقب من اختراعات محمد الشحادة، وهاهو جاء.‏

انتبه سرحان العيسى إلى حيث أشار جابر، فبدا لعينيه محمد الشحادة بجاكيته الداكنة وشملته المزركشة بالأبيض والأسود والرقع، وبقع الزيت التي لم تجد أم أمين الطريقة المناسبة لإزالتها.. رآه وهو يصعد درب المواسم بخطواته الواسعة دائماً، ودخان لفافة تبغه محوّم فوق رأسه كبقايا غيمة مزّقتها الريح، وشتتتها، لمح محمد الشحادة والد غصن، حيّاه وتابع السير.. قال سرحان:‏

ـ استعدَّ محمد الشحادة لملاقاة الشتاء، وتوقِّي البرد:‏

هو يواجه الشتاء بجاكيته السوداء، وشملته القديمة، ويستقبل الصيف بالقميص البني.‏

ـ أنت تعرفه تمام المعرفة..‏

ـ ما رأيك الآن بأن تدخل إلى الغرفة الوسطى.‏

ـ فعلاً برد الهواء، وجاء الشتاء.‏

ـ لم يستقرّ بعد، لكن الجوَّ صار بارداً في الليل، أمّا في النهار، فالشمس لا تغيب.‏

اقترب محمد الشحادة من بيت جابر، وعرف أن جابر في البيت، لأنه رأى السيارة، وحين اقترب من الشرفة المطلة على السهل حيث شجرتا التوت والكينا رأى سرحان وجابرَ جالسين على المقعد الخشبي، فدهش:‏

ـ سرحان في دار جابر العبود يا مرحباً بالضيف والدار.‏

رد سرحان:‏

ـ أهلاً بك ومرحباً يا أبا أمين.‏

ـ زمان مضى، أيام وشهور وسرحان لا نراه إلا عندما ينزل من البيت إلى السيارة وينطلق بها إلى المدينة.‏

ـ صافح محمد الشحادة سرحان وجابرَ مصافحة حارة.. وودودة..‏

قال جابر:‏

ـ أراك خفت من الشتاء؟!‏

ـ البرد سبب كل الأمراض.‏

صوت دراجة جابر اقترب قادماً من جهة الدرب.‏

قال محمد الشحادة:‏

ـ صوت دراجتك.. هل يكون عمران يقودها؟!‏

ـ يقودها صهري شيبان.‏

ـ أهديتها له؟!‏

قال سرحان:‏

شيبان شاب من النخبة، ويستحق كل خير وكل توفيق..‏

تدخل محمد الشحادة:‏

ـ وسعدى أليست وردة من بستان ورود؟!‏

قال سرحان:‏

أنت تنطق بالشعر يا أبا أمين.‏

أوقف شيبان الدراجة، ونزل، ونزلت سعدى عن متنها.‏

قال سرحان لمحمد الشحادة وقد وقفا قرب الجدار، بينما جابر مشى باتجاه بنته وصهره:‏

ـ شيبان من الشباب الجيدين في بستان الصافي: شباب كيس، ومنطق وأخلاق وتهذيب.‏

ـ أخذ من عمه جابر وأخذ من أبيه.‏

ـ شيبان يشبه جابر: قامته ممشوقة وهيئته لها هيبة.‏

ـ هكذا كان والده يا سرحان..‏

ـ أين والده الآن؟‏

ـ في بيته، لكن خالته تلكأت. ولولا أنها ضعفت، لكان وقف وحده في وجه عيسى وبرهوم.‏

ـ أنا لا أعرف أين بيته، ولا أعرفه.. لكنني أسمع عنه كثيراً.‏

ـ بيته يجاور بيت ماجد العبود: تمرُّ من أمامه حين تريد الوصول إلى سهل الصافي.‏

عاد جابر وسعدى وشيبان باتجاه البتي.. سعدى تلفعت بشالها الصوفي الأبيض خشية البرد، وشيبان لفَّ رأسه بشملة تشبه شملة محمد الشحادة، لكنها أكثر جدة وأناقة، أما جابر فظلّ يلبس، جاكيته الرمادية.‏

قال محمد الشحادة وهو يعاين جابر بحب وإعجاب:‏

ـ جابر رجل من الرجال المعدودين يا سرحان.. درس فنجح وعلّم فوُفِّق، وعاش في البساتين سيد الأسياد. همس سرحان في أذنه:‏

ـ صحيح يا أبا أمين أن جابر العبود هو الآن المعنيُّ الأول بالمعارف في البساتين؟‏

ـ سمعت أن عربشَ حاول أن يوظف حاصد في المدرسة، وفشل، لأن أية وظيفة في المدرسة لا تتم إلا بموافقة جابر.‏

ـ جابر يحق لـه أن يكون مسؤولاً عن أمور المدرسة وغير المدرسة.. وقد وعد أن لن يسمح لبرهوم والعتل وعيسى أن يجروا النبع إلى حيث يريدون.‏

قطع سرحان وأبو أمين حديثهما الهامس، لأن سعدى وشيبان وجابر اقتربوا منهما.‏

سارع محمد الشحادة وصافح شيبان وعانقه، ثم صافح سعدى باحترام، ومثله فعل سرحان، لكن بطريقة مختلفة: محمد الشحادة أغرق شيبان بالأسئلة عن حاله وعن صحته وعن أبيه وعن عمله وعن جيرانه وأقربائه، حتى لم يعد بمقدور شيبان أن يجيب على أي سؤال، فتلعثم واضطرب أمّا سرحان فسلّم على سعدى وشيبان واكتفى.‏

أم عمران لم تكن في البيت، بل كانت في جهة الأرض القريبة من البيت، ولم عرف أن صهرها وبنتها صارا في البيت حتى ناداها جابر:‏

ـ أم عمران.. يا أم عمران!!‏

ـ نعم.. أمرك يا جابر! ماذا تريد؟!‏

ـ أريد أن تحضري بسرعة إلى البيت..‏

ـ أنا قادمة يا جابر.‏

صوت أم عمران ترك صدى ملء المساء، رنَّ في سمع غصن ووالده، اللذين وقفا عند تخم الدرب المؤدي إلى الملتقى.‏

قال والد غصن لولده:‏

ـ بيت جابر اليوم ازدحم بالناس.. عنده محمد الشحادة وسرحان العيسى، وصهره شيبان وبنته سعدى.‏

ـ لأنه في الغد سيسافر هو وسرحان ورجاء وعمران..‏

ـ لماذا سيسافرون وسحر لا تفكّر مثلهما بالسفر؟؟‏

ـ عمران ورجاء سيدرسان في الجامعة، أمّا سحر لا أعرف إن كانت ستسافر.‏

ـ عمران مثل والده من الأذكياء.. ورجاء استفادت من معاشرتها لـه، ودراستها معه.‏

ـ رجاء صبية جميلة يا أبي.‏

ـ ما رأيك أن نطلبها لك؟؟‏

تبسم غصن، وقال، وابتسامته ترتحل وئيدة عن شفتيه، فخرجت الكلمات متباعدة، وكأنها تخرج من بين أسنانه:‏

ـ أنت تريد مني أن أتزوج بسرعة، لا أعرف لماذا؟‏

ـ الزواج استقرار يا غصن.‏

ـ لكنني لم أكلم رجاء في عمري عن الحب والزواج، وأنا أكبر منها بعشر سنوات أو أكثر.‏

ـ هذا لا يهم.. يا غصن، البنت تكون أصغر من الشاب، ويتزوجان.‏

ـ دعنا الآن من هذه القصيدة يا أبي.‏

انقطع غصن عن الكلام، وصورة سحر ملأت خياله.. وكذلك صورة رجاء، وعمران..‏

عاد والده إلى الكلام:‏

ـ لن أتركك دون زواج!‏

صمت غصن، وانشغلت عيناه بالنظر إلى الدرب والمسافات والمساء المقبل كسولاً كطيف حبيب، دونه المخاوف والكوابيس، دلبات النبع ظلت ظاهرة لعيني غصن، لم يحجبها أي شيء، وبيت رزوق، رغم بعده لم تصعب على غصن مشاهدته.‏

وفجأة انتبه غصن، اهتزت وقفته، قال أبوه وقد اتضح لـه أن غصنَ تغيّرت حاله فجأة:‏

ـ ما بالك ارتجفت كالملدوغ؟!‏

ـ قبل لحظات قلت لي: هل تطلب لي يد رجاء من أبيها وأمها.‏

ـ نطلبها.. وأنت خير من سيكون لها زوجاً.‏

ـ وعمران العبود من يتزوج؟‏

بهت والد غصن، ولم يجب ولده، إذ رأى عمران، ورجاء يمشيان الهوينى عبر الدرب القادم إلى المواسم، ومشيتهما تقول للناظر: إنَّ هذين الشابين محبّان.. استبدّ بهما الهوى: الحب في البساتين يتضح كثيراً، مثله مثل السمعة.‏

اقترب عمران ورجاء من مكان غصن ووالده..‏

احمرت وجنتا رجاء، فازدادت تألقاً وبهاء، وأطرقت قليلاً، ثم رفعت رأسها إلى الأفق، كقروي يقرأ طالع الطقس.‏

واجهت رجاء خجلها من غصن، وحيّته ووالده، وتابعت مشيتها، لكن عمران وقف معهما، مما اضطرها أن تتمهل وتقف.‏

سأل غصن:‏

ـ ستسافر أنت ورجاء في الغد، وستكملان الدراسة في الجامعة؟!‏

ـ من أخبرك؟‏

ـ محمد الشحادة أخبرني، ووالد رجاء أخبرني، ووالدتك: أنت ورجاء يعز عليَّ أن تبتعدا عني، وأتمنى لكما الخير والنجاح، وأنتما أهلٌ للخير والنجاح.‏

ـ شكراً لك يا أستاذ غصن.‏

والد غصن اهتم بلف لفافة تبغ جديدة، وأشعلها، ولم يدع لنفسه أن يشارك في الحديث، لعلمه أن غصنَ يعرف ما الذي يجب أن يقوله، وهو أستاذ المدرسة، يحبه الناس والطلاب ويقدرونه.‏

استأذن عمران، وانطلق عجلاً إلى حيث رجاء واقفة لكن غصنَ لم يقدر أن يترك مكانه. ظلّ يتأمل حياته، وحضرت صورة سحر.‏

وقد تمنى أن يذهب إلى الملتقى، ليشاهدها، ويسألها عن حياتها.‏

شاهد غصن أم أمين وأم رجاء، وهما تتجهان إلى بيت جابر.‏

بيت والد غصن لا يفصله عن بيت جابر العبود إلا الدرب، وهو شبيه به، إلا أن بيت جابر أوسع، وشرفته مطلّة على السهل، بينما شرفة بيت والد غصن مطلة على الدرب..‏

وبيت جابر في السنوات الأخيرة أضاف إلى غرفه غرفتين وفسحه، وبنى حول البيت جداراً..‏

فتميز بيته عن بيت والد غصن، وصار يشبه بيت سرحان العيسى. وغير هذا فجابر العبود صار لديه سيارة كسيارة سرحان، تقضي لـه حاجاته، وهي قوية وأنيقة.‏

زوجة محمد الشحادة ووالدة رجاء اقتربتا من غصن ووالده، وحيّتاهما، واتجهتا إلى بيت جابر، وتبعهما غصن ووالده، ولم يتركاهما، حتى مالتا معهما إلى بيتهم، حيث أمه.. استقبلت أم غصن أم أمين وزوجة سرحان:‏

قالت أم رجاء:‏

ـ الصحة بخير، وهذا ما ترجوه ست البيت.‏

ـ وأنت بخير.. ووجهك مثل الورد.‏

أم أمين قمطت منديلها جيداً، وانتبهت إلى أمِّ غ صن ووالده وإليه، قالت لأم غصن:‏

ـ عندك وردة مثل غصن وخائفة؟‏

ـ البركة فيك وبأولادك يا أم أمين.‏

ـ نتأمل الخير.. والخير أحسن من الشر.‏

أم غصن وأم أمين تتشابهان بطريقة ربط المنديل على الرأس، أمّا أم رجاء فهي مختلفة عنهما، لا تضع على رأسها منديلاً، وتسرِّح شعرها، فيبدو شبابها وحسنها. ولباسها يظهر بهاءها، ورونقها. أمّا أم غصن وأم أمين، فلباسهما يخفي أيَّ حسنٍ عندهما، ولا يعطيهما هيئةً متميزة، ولا يشعر الناظر غليهما أنه أمام أنثى، بل هو أمام امرأة هجرت صباها وأنوثتها، وانشغلت ببيتها والمزروعات والأرض، فضاع جمالها، وتهدم عالمها الخاص.‏

أمّا أمُّ رجاء فهي محتفظة بأنوثتها وعالمها وشبابها، والناظر إليها يشعر أنه في حضرة أنثى ممتلئة نضرة، لم تفقد حيويتها وعلاماتها الفارقة وملامحها.‏

الدرب الفاصل بين بيت جابر ووالد غصن مرصوف بالحجارة، فلا تتعب عجلات السيارة السائرة عليه، وكذلك الدرب المؤدي إلى الملتقى، أما الدرب المؤدي إلى النبع والدلبات وأرض رزوق فهو مرصوف بالحجارة، لكنَّ النهر يقطعه.‏

أم أمين وزوجة سرحان لم تمكثا طويلاً في بيت والد غصن، وقد دعتا الجميع أن يحضروا السهر في بيت جابر.‏

غبش الظلام لم يحجب الدرب، لكنه سقط على الكون، ورسم خيوطه على الشجر والجهات، فلم يعد يظهر للعيون سوى الأضواء، المنبعثة من نوافذ البيوت. لكن جابر قريب، والسير إليه لا يكلِّف السائر مشقة الاصطدام بالحجارة الكبيرة، أو السقوط بالحفر. وقد زارت زوجة سرحان وزوجة محمد الشحادة زوجة جابر مراراً في نهارات متباعدة من شهور وفصول وسنين ماضية. وقد عرفتا الدرب والبيت، لكنهما في الشهور الأخيرة، لم تزورا أم عمران، ولم تشاهدا الغرفتين الواسعتين، اللتين بناهما جابر مؤخراً، ولا الفسحة المطلة على السهل والبساتين، التي أوسعها بين الغرفتين، لتتسع لضيوفه وأصدقائه وأقربائه.‏

ازدان ليل المواسم بأضواء جابر العبود وصوت محمد الشحادة المضطرب الخائب دائماً. في الجهة المقابلة لبيت والد غصن علق جابر قنديلاً، وفي الجهة المشرفة على السهل علق قنديلاً، وفي الداخل توزع الجالسون على الكراسي والمقاعد الخشبية.‏

رجاء جلست بين أمها وأبيها، أمّا شيبان فقد تأخر في الجلوس، إذ راح يساعد زوجته وأمها في إعداد العشاء، وكذلك فعلت أم رجاء.. بقيت تساعد أم عمران وسعدى، حتى أنجز العشاء، ووزعت الصحون.‏

شامة رجاء شعَّت، كأنها قنديل على صحن خدها، يشع، فيزين دنيا الليل، ويسكب الفرح في نفس عمران وغصن، اللذين حضرا أخيراً.‏

أم أمين نامت على كرسيها، ولم يوقظها صوت زوجها العالي.‏

حاولت أم رجاء أن توقظها، فرفض محمد الشحادة ذلك، وقال:‏

ـ هذه عادتها في كل سهرة نسهرها، تقول: إنها تحبُّ أن تسهر، من أجل أن تقتل القلق أثناء الليل، لكنها ما أن تصل إلى كرسيها، حتى تنام، ولا تستيقظ، حتى يحين موعد انتهاء السهرة.‏

جابر لم يخسر من أناقته شيئاً، وظل ينظر بمودة إلى محمد الشحادة، وهو يشرب من كأسه باشتهاء، ويغني بصوته القوي: رغم ازدحام الخيبات والسنين على كاهله، فقد ظهر البشر والفرح على ملامحه.‏

غصن اكتفى بالصمت والنظر إلى رجاء: إلى وجهها النضر، وشامتها المستريحة في صحن خدها كأنها وردة في حقل ورد صغير. جلس مقابلها طوال السهرة، ولم يخرج عن صمته إلا حين يتوجه جابر إليه بالحديث.‏

محمد الشحادة وأم رجاء انتبها إلى نظرات غصن المتلاحقة، التي لم يقدر غصن أن يصرفها عن رجاء؛ وهي لعلها فعلت مثله، إذ وزعت أكثر نظراتها باتجاهه.‏

لليل المواسم في نفس كل واحد من الساهرين معنى محدد مختلف عن معانيه في نفوس الآخرين:‏

رجاء شغلت بهاجس الدراسة، والجامعة والحياة الجديدة التي ستعيشها، وشغلها حبّها لعمران، وقد تكون الحياة المنتظرة سرقتها من دهشة حبِّها لعمران، وراحت تزرع شجرة الدهشة والاحتمالات في حقل النفس والإحساس.‏

ازداد شعورها بعالمها الخاص، وصار همُّها الأكبر أن تبدو أكثر تألقاً وبهاءً. وقد أحست بأنها محطُّ اهتمام وانتباه غصن، لكنها لم تعرف تفسيراً واضحاً لاهتمامه، وبقيت مع هواجسها الطفلة الفرحة.. غمرتها فرحة الانتقال إلى فصل جديد مختلف عن الفصول السابقة.. ودنيا لها معالمها وعلاقاتها وغرائبها وعيشها وناسها.‏

أم أمين لو أنها بقيت ساهرة، لتحدثت بصراحة ووضوح عن ضرورة زواج غصن، وعن جمال رجاء، وأخلاقها وتربيتها، لكنها لم تستيقظ رغم الأصوات المحيطة برأسها: صوت زوجها وحده يوقظ قرية بدجاجها وناسها، ولم يوقظها.!؟ لعلها ألفته، حتى صار بالنسبة لها صوتاً لا يزعجها، أو لعلها من كثرة ما أمضت سهراتها نائمة على كرسيها، والساهرون من حولها يتكلمون، والكلام قرب أذنيها يبدأ وينتهي.. والأصوات ترنُّ وتطِنُّ.. تعودت أن تنام وتغرق في نومها، فلا يزعجها إلا أحلامها المخيفة وكوابيسها التي تشبه أحلام وكوابيس زوجها.‏

منذ اللحظات الأولى، لم تترك الأحلام السوداء أم أمين.. تراءت لها الساحة التي أمام بيت زوجها مزدحمة بالثعالب، وتراءت لها دجاجاتها قريبة منها، حاولت أن تطرد الثعالب، فلم تفلح، وأرادت أن تدخل الدجاجات إلى بيتها فلم تقدر، وبقيت الثعالب، وبقي حلمها الخائف يعذّب روحها، حتى صحت قليلاً، فغاب حلمها المزعج.‏

استيقظت أم أمين نصف استيقاظ، وعادت إلى نومها، فداهمها حلم آخر: رأت ولدها أمين الشحادة، مرمياً على رصيف من أرصفة المدينة، مشرداً جائعاً، مريضاً، لا يجد مأوى ينام فيه، ولا يجد طعاماً يأكله، ولا طبيباً يعطيه دواءً، فرأت نفسها تركض في الجهات من أجل ولدها.. تصرخ، وتنادي، وتحاول أن تساعده. فوجدت عزمها ضعيفاً، وهمتها هامدة، وقد سمع صراخها ونداءها الساهرون، لكن محمد الشحادة لم يعرها أي اهتمام، ولم ينتبه إليها، والساهرون ظنوا أن ذلك هو حال أم أمين، ولا يفهمه سوى زوجها.‏

محمد الشحادة امتلأ بشعور الفرح والبهجة، وأذاعت السهرة في روحه حنيناً لم يعشه منذ بيعت أرضه. عاد طفل أعماقه.. وعادت ذكريات الأيام.. ورغائب العمر.. رجاء الصبية الممتلئة حسناً.. النضرة، المزدانة بالبهاء والثياب الملائمة لجسدها.. رجاء أوحت لمحمد الشحادة إيحاءات غريبة، وأحيت في روحه رسيس الهوى والحب والصبوات.‏

سعدى ليست أقل جمالاً من رجاء، لكنَّ لباس رجاء أكثر فتنة، وهي بعد في مقتبل العمر كأنها طائرٌ جناحه حسنه والنشاط.‏

طوال السهرة بقيت رجاء محطَّ دهشة واهتمام محمد الشحادة، وغصن، وعمران والآخرين.‏

جابر العبود انشغل بإرضاء الساهرين والتحدث إلى كل واحد منهم على حده، ولم يسمح لنفسه أن يضيق على أحد.‏

أم عمران لم تكن محطَّ نظراته، ولم تشغله بأي أمر من أمور البيت، بل صرفت أغلب وقتها على تقديم الصحون. وكانت بين الحين والحين تتوجه بالنظر إلى عمران، تعاينه بفرح وشعور مليء بالأمان والأمل. عمران لم يبادل أمه النظر إلا قليلاً، وانصرفت نظراته إلى رجاء: نظرات اتضح فيها الشوق، وبان الحب، لكنها مطمئنة آمنة. وراودته أمور مثيرة، تداخلت في دنياه، وهو ينظر إلى رجاء وإلى الحاضرين، وكانت نظراته تلتقي بنظرات رجاء أحياناً، فتبتسم شفتاها ابتسامة فيها من السحر والبهاء ما يفرح النفوس، وكان عمران يقابل ابتسامتها بابتسامة ذات إيحاء ودلالات. وقد امتلأت روحه بهواجس غريبة وخيالات مختلفة عن عالم الجامعة والمدينة والدراسة: مثله مثل رجاء، انشغل بالتفكير بالعالم الجديد المقبل عليه، لكنه قرن صورة رجاء بكل الصور التي رسمها خياله، وهي أيضاً حملت صورة عمران: علّقتها على عتبة روحها، ووجدتها في كل تخيلاتها صورة أليفة تحبها نفسها، وتبحث عنها بلهفة.‏

سعدى عاينت الحب في عيني عمران ورجاء، وعاينت اللهفة في عيني غصن، واستوقفتها أنوثة رجاء ورشاقتها وحركاتها، قالت في نفسها:‏

"هل يعقل أن رجاء وعدت غصنَ بالحب، أو بادلته الشوق؟! لا أعتقد ذلك لأنها بعد جديدة على دنيا العشق، وغصن لا يفلح في هذا المجال أيضاً: اذكر يوم جاء إلى شباك بيتنا كالخائف، وقال لي بسرعة واضطراب: أنا أحب يا سعدى! هل تقبلين بي حبيباً وزوجاً؟! ثم هرب كالسارق، ولم يجرؤ أن ينتظر حتى أردَّ على سؤاله، وفي اليوم التالي أرسل لي ورقة كتب عليها:‏

أنا مجنون عينيك.. وأنت الحلم يا سعدى!"‏

سرقها خيال الشباك وغصن والذكريات.. وأخذها على سنوات الدراسة حين كانت مثل رجاء تضجّ حسناً وحياة وفتوةً، والجيران ينظرون إليها بدهشة وإعجاب.‏

نهضت عن كرسيها، واتجهت إلى الغرفة القديمة، اقتربت من المرآة المعلقة في الجدار، وراحت ترقب ملامحها، وجبينها، وشعرها، وأسنانها..‏

شيبان لم يبرح كرسيه المجاور لكرسي جابر وأم عمران.‏

قال جابر وهو يبتسم بصوت هامس:‏

ـ هل قلت لسعدى كلاماً أزعجها؟‏

ردَّ شيبان:‏

ـ لا لم أقل لها شيئاً..‏

قالت أم عمران وقد سمعت كلام زوجها وكلام صهرها:‏

ـ من أول السهرة رأيت سعدى على غير عادتها صامتة لا تحكي مع أحد، ولا تضحك مع أحد، ولا تضحك لأحد.‏

عادت سعدى، وملامحها لم يودعها الحزن الشفيف والهدوء. عادت إلى الفسحة الواسعة المزدحمة بالساهرين.‏

توجهت بنظراتها إلى الشباك القديم المطل على مكان الساهرين لعلها تعثر على كلمات غصن وصورتها التي كانت، لكنها لم توقف إلى ذلك بل جاءها صوت ماري من الخارج ففاجأها. سمعت صوتها وهي تقول لزوجها:‏

ـ أوقف البغل و انتظرني حتى أدخل إلى بيت جابر، واجلس بعض الوقت، لأن عمران ورجاء بنت سرحان العيسى، سيسافران في الغد على المدينة، والسهرة اليوم من أجل أن يخطب عمران رجاء، ويكتب كتابها، قبل سفرهما.‏

دهشت سعدى، وهي تسمع كلمات ماري. سألها والدها:‏

ـ اجلسي.. ما بالك وقفت، وبقيتِ واقفة والجميع جالسون؟!‏

ـ سمعت صوت ماري في الخارج.‏

نهض جابر، والدهشة بادية على ملامحه.. وصوته مسموع وهو يقول لسعدى:‏

ـ لماذا تجيء ماري في مثل هذا الوقت؟‏

سمع الساهرون أكثرهم ما قاله جابر، وهموا بالوقوف، لكنهم لم يقفوا، لأن ساقي ماري ظهرتا.. وظهرت عجيزتها، وصدرها الناهد وشفتاها الشهيتان، وعيناها اللتان تنظران إلى الناس بتساؤل الحائرة، أو برغبة الأنثى:‏

"ملامح ماري تضجُّ بالحكايات.. ومجيئها ليس عادياً..، وأمرها عميق.. وإلا لماذا تجيء في مثل هذا الوقت؟!"‏

هذا ما قاله جابر لنفسه وهو يدعو ماري للجلوس:‏

ـ تفضلي يا سيدة ماري.‏

ـ فضلك دائم يا أبا عمران.‏

مقولة الكتاب الذي قد يكتب بين رجاء وعمران مختلف عن "كتاب النبع" الضخم، الذي ينفق عليه الكثير من وقته، ويعاونه الآخرون من حيث يدرون ويريدون، ومن حيث لا يدرون، ولا يريدون.‏

أموره، وأسلوبه في التفكير والمعرفة يؤكِّد أنه في حدِّ ذاته موسوعة البساتين، وشارحها، وجامع فصولها: صوته فصل شجاعة، وتعبير عن الاخضرار، والتدفق.‏

صبره فصل آخر يعبرِّ عن بقاء الخير ونمو أشجاره.‏

علاقته بزوجه تشبه سيرة قوية عالية قديمة، لها نبعها وحقولها وحكاياتها وأناسها الطيبون، الممسكون بجذوع أيامها البيضاء: أم عمران لا تتفنن تفننّاً كبيراً بالثياب وتسريح شعرها، لكنها على شيء خاص من الكياسة والملاحة والرقة.‏

وجابر مؤلف كتاب النبع، وموسعة محبة ورضى وشجاعة نادرة. ولا يغفل في كتابه عن ذكر "السمعة" وأحوالها، وأشكالها، وأصحابها، ومقوماتها، وما تصير إليه من نهايات وبدايات..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244