|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس عشر ـ هل تعرف أحمد الحسون يا مصطفى؟! ـ اسمع عنه الأحاديث، لكنني لم أره؟! ـ كان منذ أيام في بيت برهوم. ـ هو يحب بنته إلهام منذ وقت ليس قريباً. ـ يحب بنت برهوم؟! ـ ما أسمع من الناس.. واسمع مني ما سمعته. ـ بنت برهوم إلهام.. لن تقف عند شاعر مثل أحمد الحسون، ولن تقف عند سواه. ـ شاعر.. وشعره تعرفه البساتين، وتحفظه.. ولا تقبل به إلهام برهوم الحبيب، لماذا يا حاصد؟! ـ تقبل به وبغيره.. لأنها تلعب مثل أبيها على كل الحبال.. زم مصطفى الدروك شفته، ورفع كتفاً وأنزل كتفياً، وحاول أن يمتن وقفته على الحجرة التي وقفت عليها منذ التقى بحاصد، لكنه لم يفلح، ومالت بقدميه الحجرة، وكاد أن يسقط أرضاً، لولا أن أمسك به حاصد، وساعده على أن يتوازن. قال لـه حاصد، وهو يسنده ليتوازن: ـ أنت قصير يا بن عمي، والحجرة لن تجعلك طويلاً. ـ قصري وطولي لا يهم يا حاصد.. أما المهم هو الأبنية التي بناها "العتل" في أرضك وفي أرض محمد الشحادة وفي الأراضي التي أخذها من برهوم، وهي ليست لـه.. نظر حاصد إلى جهة أرضه وأرض محمد الشحادة، وأرض الدريوسي والدماري، والأراضي الأخرى، فألفى الغرف قد انتشرت إلى جوار بعضها، وألفى الناس الغريبين منتشرين في جهات الأرض، وألفى المعمل الكبير، الذي بناه "العتل" يطلق دخاناً أسود كثيفاً.. سأل حاصد: ـ ها شاهدت مثلي الدخان الأسود؟! ـ شاهدته. ـ هذا الدخان غريب يا حاصد، ولن تعرف أنت، ولن أعرف أنا ما سر هذا الدخان. ـ نعرف يا حاصد، لأن الأمور تنفضح، والمخفي يظهر، والمخبأ لا يبقى مخبأ. ـ أتراه جابر العبود يدري بالذي يجري في هذه الدنيا؟! ـ يدري.. أو لا يدري.. الأمر ليس هيناً.. وبرهوم قوي.. ولعين. ـ ورزوق ألا يستطيع أن يفعل شيئاً؟ّ ـ رزوق مع زوجته لا يفعل شيئاً. حتى يكون بمقدوره أن يفعل شيئاً أمام واحد مثل برهوم الحبيب أو مثل العتل. لم يتابع مصطفى حديثه لأن صوت زوجته رفيدة جاءه كالرعد القوي: ـ يا مصطفى.. أين أنت؟! ـ أنا هنا قرب شجرات الرمان؟ خرت رفيدة من بين البيوت، وأشرف على مصطفى.. فرأته مع حاصد.. قرب شجرات الرمان، فرفعت صوتها من جديد: ـ ماذا تعمل عند شجرات الرمان.. أكيد أنت مع حاصد.. تحيكان عن ماري، وعن برهوم وعن رزوق، وكأن الدنيا بدأت وانتهت عند هؤلاء. ـ طولي بالك يا سيدة رفيدة. ـ ملعون أنت وملعون بالك.. نظر حاصد إلى ولد عمه مصطفى.. وقال بصوت غير مرتفع: ـ حالتك في بيتك وفي دنياك أسوأ من حالي يا مصطفى. ـ هذا قدرنا الأسود الذي يخلقنا لـه. ـ قدرنا وعلينا أن نعيشه يا مصطفى، وأنت عليك الآن أن تذهب إلى عند زوجتك، وإلا يزداد غضبها، وتتحول من الكلام السيئ والسباب إلى الضرب الخشبة مثلها مثل امرأتي. ـ اللعنة عليها وعلى العيش.. ـ اسمعها اللعنة إن كنت شجاعاً يا مصطفى. ـ أنت شقي يا حاصد، تريد أن تراني أتقاتل بالخشب وغير الخشب معها؟! ـ رفيدة وأنت أدرى بها مني. ـ أنت أدرى بسميرة زوجتك وبخشبة تحريك النار السوداء. ضحك حاصد ومصطفى ضحكاً مزيجاً من الأسف والشعور بالتعاسة، ومحاولة الهرب من حالة القتامة التي بلغاها. وقد ساعدهما على أن يتخلصا من حالتهما التعيسة هذه إن سيارة برهوم أقبلت.. قال حاصد: ـ انظر إلى سيارة برهوم، جاءت.. وجاءت خلفها سيارة العتل.. وجاءت معهما الصبايا.. ـ هذا قدر برهوم، أن ينعم بالحياة، وهذا قدرنا أن نشقى ببؤسنا. انتبه مصطفى وحاصد إلى السيارتين، وقت وقفتا أمام بيت برهوم، في الساحة الواسعة المرصوفة بالحجارة، المحوطة بالأشجار القديمة. نزل برهوم أولاً، ونزل رجل ثانٍ ونزلت صبيتان، ومن السيارة الثانية نزل العتل ورجلان وصبية. قال حاصد: ـ هل رأيت برهومَ يا مصطفى. ـ نعم.. لكنني لم أعرف من الرجال الذين جاؤوا معه. ـ وعل عرفت الصبايا؟ ـ عرفت ماري، وعرفت بنتي برهوم.. ـ ماري لا تقبل أن تجيء مع برهوم يا مصطفى.. ـ كيف لا تقبل، وهو رجل واسع الأملاك، وأمواله كثيرة، ويعرف الناس. عاد صوت رفيدة قوياً عنيداً غاضباً، فروّع نفس مصطفى، وجعله يركض باتجاهها، دون أن يستأذن حاصدَ بالذهاب، وقد تعثر مراراً بحفر الدرب، وكاد أن يرتمي على الحجارة، لكنه تماسك، وخدمه في ذلك أن قامته قصيرة، رفيدة دخلت إلى البيت.. ولم تنتظر حتى يصل مصطفى.. غيرت لباسها وعادت إلى ركن الأحذية، لبست حدوته المحزونة السوداء. وصل مصطفى، سألته بغضب: ـ هلا تنسى أن علينا اليوم أن نقطف الرمانات، وأن نجمعها في أكياس أو صناديق، لتنقلها إلى البازار؟ ـ نسيت يا ست رفيدة. ـ حديثك مع حاصد أنساك الرمان وأنساك زوجتك. ـ طولي بالك يا زوجتي العزيزة. ـ عن ماذا كنت تتحدث مع حاصد؟ ـ عن الدنيا وأحوالها وأحوالنا. ـ وأكيد تحدث حاصد عن سميرة وعن خلافاته معها، وأنت أكيد تحدثت عن حياتك التعيسة في البيت معي. لم يردَّ مصطفى على أسئلة رفيدة وظل شارداً، مأخوذاً ذهنه بحديثه مع حاصد: "عيشنا أسود وحياتنا تعيسة، وزواجنا ألعن من أي زواج". هرب من شروده، وأرسل نظراته إلى الدرب والبيوت.. فازداد شعوره بالخيبة والأسف على عيشه وحظه.. بيت عمه إسماعيل يجاور الدرب مثل بيته، وهو واطئ السقف ضيق مخنوق، وبعده بيت أهل زوجته، وبعده بيوت أقربائه وجيرانه، تنتشر قرب الدرب.. تتلاصق.. وتتوزع، لكنها لا توحي إلا بالشقاء. عند نهاية الدرب والبيوت المنتشرة، وكأنها أكوام من شقاء ومكابدات، رماها الدهر أو أسقطتها السماء، أو جمعتها الأيام، يبدأ درب بيت برهوم. ويزيد من شعور مصطفى وسواه بتعاسة بيوت عائلة الدروك، إنها تقابل بيت برهوم الحبيب العالي والضخم، والواسع والمحوط بالأشجار القديمة. لم يجد مصطفى بداً من أن يلبس حذاءه السميك، وأن يسير وراء زوجته إلى شجرات الرمان لقطف الرمانات الناضجة. شجرات الرمان تحيط بأرض مصطفى، وتفصلها عن أرض حاصد الصغيرة وبيته، وعن أرض إسماعيل وبيته، وهذه ميزة حسنة تشعر مصطفى بأنه إنسان لـه حدود واستقلالية وخصوصية لا ينازع عليها. حاصد صعد درب بيت برهوم متمهلاً، تعيش في روح رغبات وهواجس وحكايات، لا يدري كيف يعالجها.. ينساها، أو يحاكمها، يهجرها، أو يستأنس بها. جو بيت برهوم يوقظ في نفس حاصد شهية الوصول إلى أنثى، يجعله ككبش هائج يتمنى أن يكون قريباً من إحدى الصبايا اللواتي يجئن مع برهوم، أو مع إحدى بناته. قال في نفسه، وهو يعاني الدرب والأشجار والساحة: "هنيئاً لبرهوم: المال عنده، وما يشتهيه يناله.. صبايا مثل الشجر.. يجئن معه.. وأنا وكل أمثالي، لا نعيش إلا مع الهمِّ والنكد والكوابيس". في الساحة كعادته، الدريوسي يشرف على إشعال النار، والطبخ والنفخ، وفي جهة البيت الصغير المخصص للمؤمن وقفت زوجته تنتظره أن يناديها، ويطلب منها ماذا يريد، أمّا باب البيت الكبير، فكان مفتوحاً، والشمس تستريح على عتبته.. يتسرب شعاعها باتجاه النوافذ والشرفات من بين الأغصان المتدلية. رائحة العيدان المشتعلة، ملأت أنفاس حاصد، ورائحة أخرى دخلت إلى أعماقه وروحه، واستقرت، لكنه لم يجد لها تفسيراً وتوضيحاً شافيين: رائحة مزيج من العطر والأنوثة والاشتهاء والخمر. الرائحة الآتية من الباب الواسع، لن يقدر حاصد أن يهرب منها.. فتنته، وهو لا يدري كيف يفسرها خياله. كان يتصور ماري جالسة.. صدرها الناهد، وعجيزتها الممتلئة، وشفتيها المكتنزتين، كتفيها وعنقها، الرائحة أوحت لحاصد أن الجالسين في الداخل يشربون الخمر، ويقبلون الصبايا، ويقتربون منهن فتظهر الأنوثة، لكنه لم يقدر أن يستحضر أية صورة من صورهن، لأنه لم يحالفه الحظ في أي وقت من الأوقات السالفة أو القادمة أن يراهن.. بقيت صورة ماري هي مؤنة خياله وصورته المستحبة، يراها في أشكال مختلفة وهيئات متعددة، يرها في ثيابها، يراها في نصف ثيابها، ويراها دون ثياب، ويرى كتفيها عارتين، ويراها بعيدة ويراها قريبة. وحيناً تبدو لـه تقبل من جهة الدرب العام، وهي ترتدي ثيابها المغرية، وحيناً تراءت لـه مع برهوم، وهو منكب يقبل شفتيها وعنقها وصدرها. تجاوز الساحة قليلاً، دون أن ينعطف باتجاه البيت حيث الدريوسي يشعل النار، ويحرس القدور. داخل البيت في الغرفة الواسعة المتصلة بالشرفة المشرفة على بيوت آل الدروك، وسهل بستان الحبيب، جلس برهوم وجلس قربه العتل وقربهما رجلان آخران الشاعر أحمد الحسون ورجل رابع جاء مع العتل، وجلست قرب العتل وبرهوم صبيتان بانت عليهما الملاحة، نزعتا عن صدريهما الثياب، وأبقتا النهود مكورة داخل لباس ضيق خاص بالنهود، ولم تبقيا على عجيزتيهما إلا قماشتين شفافتين، وأظهرتا امتلاء جسديهما: عجيزة وفخذين وساقين. برهوم انصرف بكل حواسه إلى الصبية التي أسندت رأسها على صدره، أما العتل فقد أنشغل بالأكل قليلاً ثم عاد إلى الصبية القريبة منه، أما أحمد الحسون فقد أمسك بيديه ورقة، وراح ينشد الشعر، والرجل الآخر أمسك بيديه آلة صغيرة، راحت تصدر ألحاناً عذبة عند كل لمسة يلمسها.. صوت أحمد الحسون يعلو وينخفض حنوناً، يتلون مع الكلام فيغنيه، ويعطيه معناه البعيد والواضح، وعازف الربابة يمعن في الاقتراب من ربابته يلامس أوتارها فتصدر صوتاً كأنه النشيج حيناً، وحيناً كأنه تنهيدات محب يتذكر حبيبته. الدريوسي في الخارج، لم يهدأ، يدفع العيدان إلى النار، ليزداد اشتعالها تحت القدر.. والدجاجات يسرحن في جهات الساحة.. زوجة الدريوسي أخذت سمعها أغاني أحمد الحسون وأنغام الربابة.. حمل الدريوسي الغطاء الذي يغطّي القدر، وعاين الطعام ليتأكد إن كان نضج، أو اقترب من النضج. نادته أم ماري: ـ كيف حال الطعام.. هل سلق اللحم، وطبخت القمحية؟! ـ كادت القمحية أن تطبخ، واللحم ينقصه غليان.. ترك الدريوسي النار مشتعلة، وراح يخطو وئيداً باتجاه البيت الصغير، حيث جلست زوجته على المقعد الترابي، وراحت تبحث عن الزؤان بين حبات القمح التي حملتها على طبق القش. الدريوسي تجاوز الخمسين من عمره، لكن صحته، حافظت على سلامتها، ولولا أنه انحنى قليلاً، لظل يوحي للناظر إليه، أنه لم يبلغ الخمسين بعد، وزوجته لم تخسر كياستها وحسنها، وقد ساعدها على أن تبقى متينة البنية، متماسكة أنها لم تلد سوى ماري.. قال الدريوسي: ـ هل سمعت صوت أحمد الحسون؟! ـ صوت ولا كل الأصوات. ـ لكن إلهامَ بنت برهوم.. ليست هنا يا دريوسي. تأمل الدريوسي كلمات زوجته، وأشغل ذهنه بالتفكير البعيد بإلهام بنت برهوم.. ثم عاد إلى الحديث: ـ قد تكون سافرت، لأنني منذ أيام لم أرها في البيت، ثم أنها لن تقبل بأحمد الحسون. ـ لماذا لا تقبل، وهو شاب وشاعر، وأحواله مقبولة يا دريوسي وبرهوم يحب الشعر ويحب أحمد الحسون. ـ برهوم يا أم ماري لا يحب سوى نفسه.. ولا أحمد الحسون، ولا العتل ولا حاصد الدروك.. ولا غيرهم. ـ حاصد الدروك هل تعده مثل أحمد الحسون أو العتل؟ ـ أنا لا أعده مثل أحد، لكن برهومَ في فترة سابقة كان لا يتركه لا في الصيف وفي الشتاء. كان يأخذه معه إلى أي مكان يذهب إليه. ألا تذكرين يوم جلب معه العتل وطلب ماري ليزوجها لـه، يومها ألا تذكرين أن حاصدَ جاء معه؟! رفعت أم ماري رأسها عن الطبق ونظرت إلى زوجها والسماء.. وقالت: ـ الآن تأكدت أن حاصدَ جاء مع برهوم.. والآن تأكدت من أن المثل صادق: على الباغي تدور الدوائر.. لم ينتظر الدريوسي، حتى تتم زوجته حديثها عن الدوائر والباغي والبغي، لأن صوت برهوم جاء من الداخل قوياً: ـ أين الأكل يا دريوسي؟! أسرع الدريوسي إلى حيث القدر والنار وصوته يسبقه: الأكل جاهز يا سيد برهوم. ـ أسرع إلينا يا دريوسي.. فقد جعنا كثيراً. * * * وقف حاصد قريباً من نبع الدلبات، لا لأن العطش استبد به.. بل لأن أم سائدة في أيام و أيام تسرح في جهات الأرض والأشجار المجاورة للنبع.. تسرح بحثاً عن مستراحٍ لروحها، وهرباً من رزوق. تفر من الضجر، والركود والملل.. وهي تعرف ذلك في نفسها، وتفسيره دائماً إمّا بالخروج من البيت، وإما بالنوم، أمّا رزوق، فلا ترى فيه مهرباً، ولا تحب أن تنفس عن قلقها بالتحدث معه والاستماع إلى أحاديثه. رزوق بالنسبة لأم سائدة مبعث ضجر ووحشة، وقد فشلت في محاربة هذا الإحساس. حاصد صار ينظر إلى بيت رزوق نظرة مختلفة عن نظرته السابقة: يرى أم سائدة في كل ما يرى، في بيت وأرض وحياة رزوق. تغير رأي وإحساس حاصد برزوق ودنياه. في السابق ظل يعتقد أن رزوقَ سيد، يعيش على هوى نفسه، ويفعل كما يريد بالنسبة لمعيشته وبيته، وينظر إليه نظرة اهتمام ومهابة. أما الآن. وقد عرفه، فغدا ينظر إليه بازدراء وقلة تقدير واعتبار! شرب حاصد حتى ارتوى من ماء النبع، وصورة أم سائدة لم تبرح مخيلته: يوم صادفها تمشي مساءً قرب النبع وعلى ملامحها يبين الضجر، وتضج في أنفاسها الأنوثة.. والرغبة الملحاحة في العثور على رجل يملأ فراغها ويروي عطشها. نهض حاصد، وأرسل نظراته إلى أرض رزوق، وبيته، لعله يصادف أم سائدة تتنزه في أرجاء الأشجار والتخوم. لكن لم يحالفه الحظ، وباءت نظراته بالخيبة إذ لم يرها. قال في نفسه: أم سائدة في مثل هذا الوقت تنام، ولا تبدأ نزهتها إلا في المساء، حين تميل الشمس إلى الغروب. شمس تشرين لم تكن مزعجة لحاصد: ماء النبع والأشجار المجاورة والعشب، ونسيم هانئ يمرّ بين الأغصان، فيداعب أوراقها، والنبع وما يحيط به يبعث على البهجة ويسعد النفس، ويسرق من الأعماق قليلاً من خيباتها القريبة من مناول الهاجس: أمّا الخيبات العميقة، والهموم الراسخة كأنها الشجر القديم تماسكت حول جذعه الترابات والحصى والحياة،لا تنسى، ولا تمحي ندوبها وجراحاتها لأن أثرها يبقى.. حاصد نسي حديثه مع مصطفى، ونسي فشل محاولاته في أن يحصل على وظيفة، لكنه أبداً لم ينس: أن أرضه بيعت، وصارت لغيره، ولم ينسى أن أولاده كبروا، وغدوا بحاجة إلى مال، ليعيشوا، ولم ينس جنون اشتهائه وتمنيه في أن يبني جسراً خاصاً مع أم سائدة.. غاب عن نفسه، وشرد مع تأملاته وهواجسه. غدت أم سائدة حكاية خياله وروحه واشتهائه. يراها وهي تمشي قرب شجرات الرمان المنتشرة عند التخم القريب من النبع، يعاين وجنتيها النضرتين ويكاد يسمع صوتها، وهي تكلّمه يوم جاء مساءً وصادفها تتنزه. انتبه إلى ماء النبع، فألفى صورته معكوسة على الماء.. رأى رأسه وشعره الكثيف وشفتيه الخشتين قليلاً.. وبانت لعينيه دمامة وجهه.. وبدلته ليست خيراً من وجهه.. لكنه بررّ لنفسه: (( قد ترغب في معاشرتي أم سائدة، لأنها تألف فيَّ أنني أكون أماها كما تريد.. وقد لا تعير شكلي الانتباه والأهمية، سأجهد نفسي لكسب مودتها، وتعرف أنني أحبها.. وقد قرأت المرة الماضية حين صادفتها وحيدة بين الأشجار، في عيني لهفتي ورغبتي. وقد عرفت من معاشرتي لماري أن شكل الرجل ليس كل شيء، وليس مبعث اهتمام بالنسبة للمرأة.. المرأة تحب في الرجل أن يشتهيها، وأن يكون طوع رغبتها المجنونة، حين تثور عاصفة أنوثتها)). حاصد لم يستفد من ملازمته الطويلة لبرهوم إلا أنه ذاق حيناً طعم الحياة، وحيناً جرّب الأمور، التي كانت بعيدة عنه لولا برهوم.. حاصد ذاق لذة القرب من ماري، ولولا برهوم لما كان بمقدوره أن يصل إليها.. وهي نفسها لم تعره أدنى اهتمام أول مرة شاهدته مع برهوم، لكنه بأسلوبه المرن، وبدماثته وطراوته اقترب منها.. جلب لها الحاجات.. وأهداها الهدايا.. حكى لها حكايات غير معروفة عن برهوم والناس والبساتين.. فاقترب منها، وأشعرها بأنه رجل محب وجدير بأن يكون صاحباً لها دائماً، يلبي رغباتها، ويبحث عن راحتها وسعادتها. دخل حاصد متسع الحياة واللذة، وذاق الثمار الشهية، من خلال برهوم.. ووجد نفسه مقبلاً برغبة على هذه الثمار، لكن حاله لم تساعده على الاستمرار.. برهوم أسلمه الغصن، لكنه لم يبقى معه.. وقد أسلمه غصن اللذة والثمار من حيث لا يدري ولا يرغب.. ثم تركه ضعيفاً، لا تقوى حاله على البقاء بين الثمار.. لأن النواطير يريدون إكراميات ورشوة باهظة، لا يمكن لحاصد أن يلبيها.. ماري سلمته قيادة نفسها مراراً، وأشعرته ببهجة القرب منها، وأسعدته، إذ وجد المسافة شاسعة بينها وبين زوجته.. لكنها حين وجدته ضعف، وقلّ ماله، وصار غير قادر على جلب ما تريد من الحاجات.. رفضته وطردته عن بابها مراراً.. وعيرته بشكله حيناً، وحيناً بفقره، وحيناً بذله وحيناً بملازمته لبرهوم، وانبطاحه أمامه.. بقي النبع.. وبقيت صورته في مرآة الماء وبقيت أم سائدة ملء خياله. لم يتعب من الوقوف و الانتظار والنظرات، وقد وجد لديه الجرأة في أن يصعد الدرب إلى البيت، لعله يصادفها، لكنه تمهل. وراح يتمتم بصوت خافت متقطع: "حاصد الدروك هل يصح لـه وهو ابن بستان الحبيب، حي آل الدروك، وبيته غرفتان وفسحة، وبدلته لا تساوي الغبا.. هل يصح لـه أن يلمس جسد أم سائدة.. أو أن يقبل ساقها أو عجيزتها الممتلئة.. و هي المنعمة.. وبيتها كامل مكمل من كل الحاجات.. هل ترضاني أن أقبل أسفل قدميها!؟ شعور حاصد بالشقاء ازداد وازداد إحساسه بالبؤس، حين قارن حاله بحال أم سائدة.. رأى نفسه في الحضيض، ورآها في الذروة، رآها النجمة المعلقة على عتبة المساء.. ورأى نفسه غيمة لا جدوى منها، تدفعها الريح في كل فج، وهي لا تقدر على فعل أي شيء، ولا تقدر على البقاء.. أو الارتفاع. استيقظ فيه شعوران: شعور بالرغبة تجاه أم سائدة وشعور بالشقاء، أججه أنه فاتح نسه بهاجسه الملح: أنه يحاول أن يصل إلى أم سائدة. هذا الهاجس هي أحيته في نفسه، وهي خلقته منذ البداية.. يوم وقفت معه مساءً قرب النبع، وسألته عن ماري، وعن علاقته بها، وعن النساء. وقد فعلت ذلك، رغبةً منها في أن تفتح لحاصد باباً خاصاً، يدخل منه إليها، ليكون رسولها إلى من تريد. ولم تلغ بينها وبين نفسها فكرة أن يكون حاصد صاحبها عند الضرورة: فهو يعرف كيف يسعد المرأة، وكيف يسعى من أجل تلبية رغباتها، وكيف يبهج هواجسها، وكيف يتعامل مع أسرارها، وحياتها. * * * ـ اطمئني يا أم عمران.. ولا تحملي همّ عمرا،، فهو مجتهد ويحب الدراسة. ـ لكن الغربة مريرة، وقاسية يا جابر! لولا المشقةُ ساد الناسَ كلهُّم الجودُ يفقرُ والإقدامُ قتَّالُ ـ ما فهمت عليك. ـ أقول: إن من يريد أن يتعلّم عليه أن يتعب، وأن يبتعد عن أهله وجيرانه.. و أن يسهر. ـ أنت على حقٍّ يا جابر.. العلم يفوق كلَّ الأمور.. ـ العلم يزينُ صاحبه، ويُرقِّيه.. ـ معنى هذا أنك رأيتني مزيناً بالعلم يوم وافقت على الزواج مني. ـ أحببتك يا جابر لعلمك وشخصك.. وروحك وإنسانيتك.. وعزيمتك وتضحيتك.. ـ طولي بالك يا أم عمران: أراك عدت إلى ذاكرتك، وبدأت تنبشين ما فيها من أفكار عن حبك لي وعن زواجنا. ـ هذه هي الحقيقة يا جابر.. أنت تضحي وتعطي. جابر وزوجته جلسا على كرسيين خشبيين، في الغرفة الجديدة المجاورة للمدخل.. جلسا وحيدين، والمساء يبني مملكته الهادئة الانتقالية، والظلام بدا وهو يزدحم على عتباته، ليهزم مملكته وهدوءها.. جلس جابر وأم عمران في الداخل، لأن النسيم غدا بارداً في المساءات والعشايا والليالي.. جابر شرد مع خيالاته.. وصورة عمران وهو يسجل في الجامعة.. ومع صورة رجاء وهي تنظر إلى صبايا الجامعة بدهشة، ولم يسرقه من شروده إلا صوت زوجته: ـ أين ذهبت؟! لم يقل: إنه شرد مع خيالاته، لم يقل أي شيء عن خيالاته وعن المدينة والجامعة وسكن الطلاب، خشية أن يفجر فيها رغبة البكاء والحزن على عمران. وقال بها بمرح وابتسام: ـ ذهبت معك.. يا ست الحبايب يا حبيبة. ـ شايفتك بدأت تغني. ـ أنت تستحقين الغناء والشعر. ـ أيام زمان كنت تقرأ لي الأشعار القديمة، وكنت أسعد بقراءتك وصوتك.. ما بالك اليوم لا تقرأ لي كأيامنا الأولى؟! ـ شغلتنا المشاغل يا أم عمران.. شغلتنا الأرض، والأشجار والمزروعات والبساتين.. فابتعدنا عن أحلامنا، وشغلتني أكثر إدارة المعارف.. ومشكلة نبع الصافي. ـ على ذكر الأشجار والمزروعات: اليوم جلب لنا حاصد صندوق زمان، وبعض العسل، وقال لي: إنه من إنتاج نحلاته.. ـ .. أ.. حاصد الدروك؟ ـ نعم حاصد الدروك.. ـ لماذا قبلت أن تأخذي منه الرمان والعسل أو أيَّ شيء. ـ رفضت في البداية، لكنه حلف أيماناً مغلظة، وحلف بحياته وبأولاده أنه لن يُرجع معه شيئاً. ـ لدينا رمان أكثر منه.. فلماذا يجلب الرمان؟؟! ـ هذا أمر لا أعرفه.. ـ أنا أعرفه.. ـ بالله عليك لماذا جلب الرُّمان والعسل، وهو من عادته أنه لا يزور بيتنا.. وأنه يراني في أيام كثيرة، ويحاول أن يتجاهلني؟! ـ حاصد يريد أن يتوظف في المدرسة يا أم عمران. ـ لماذا لا يوظفه برهوم أو رزوق؟! لم يجب جابر على سؤال زوجته الأخير هرباً من شرح قد يطول، ولا يقصر.. ولا يكون بمقدوره أن يستمرَّ فيه إلى آخره، ليوضح لزوجته، لماذا لم يوظف برهوم أو رزوق حاصد الدروك. قالت أم عمران بعد هنيهات من الصمت: ـ لأول مرة منذ شهور يتأخر محمد الشحاده عن المجيء؟ ـ بقي عند ولده في المدينة.. ـ كيف يمكنه أن يبقى عند ولده، وولده لا يوجد عنده بيت، هل ينام في السكن مع الطلاب؟ ـ من قال لك إنّ ولده لا يملك بيتاً؟ ـ من أين لـه بيت، ووالده حالته تعيسة، وهو حالته أتعس؟ ـ من هذه الناحية معك حق: أمين ولد محمد الشحادة لا يملك بيتاً، لكنَّ زوجته اشترت لـه ولها بيتاً. ـ هذه حكاية تحكي يا جابر: امرأة تشتري بيتاً، وتُسكن معها فيه رجلاً؟! ـ هذه حكاية أو ليست حكاية، فقد تزوج ولد محمد الشحادة وسكن عند زوجته، وهذا أمر ليس عيباً، مادام الزوجان متفقان ومتعايشان! ـ وعمران لم تقل لي أين سكن؟ ـ سكن في سكن الطلاب.. ـ ورجاء بنت سرحان العيسى؟ ـ سكنت أيضاً في بناء قريب من البناء الذي سكن فيه عمران.. ابتسمت أم عمران، ومثلها ابتسم جابر، تعبيراً عن فرحتهما بحب عمران لرجاء، لكن ابتسامة جابر غابت على عجل، سرقها هاجس قلق: هل يستمُّر حبُّ عمران ورجاء في المدينة؟ أم أنَّ دهشةَ ومظاهر الحياة الجديدة، ستأخذ رجاء إلى عالم ليس في مصلحتها ومصلحة عمران أن يدخلان إليه، ويضيعا فيه. انتبهت أم عمران إلى شرود زوجها، لكن صوت غصن لم يدع لها الفرصة لتسأله عن سر شروده. أقبل غصن من جهة الليل وساقية السف البعيدة، وهذا ما فاجأ جابرَ: حين سمع صوته يجيء من جهة السفح، لا من جهة الدرب المؤدي إلى بيت أهله: ـ كيف حال أستاذنا جابر العبود؟ ـ التفت جابر إلى جهة الصوت: ـ أهلاً بالسيد غصن... ـ دخل غصن من الباب المفتوح، وعلى رأسه بقايا قطرات مطر.. سأله جابر: ـ هل تمطر السماء؟ ـ تمطر مطراً خفيفاً. وقف جابر ومثله وقف غصن، وراحا يعاينان وجه الليل والسماء، والمطر الخفيف، وهو يتساقط على أوراق الشجرات القريبة من البيت. أم عمران نهضت من على كرسيها، واتجهت إلى حيث زوجها وغصن وقفا وحيَّت غصنَ: ـ مساء الخير أستاذ غصن. ـ أسعدت مساءً يا أم عمران. سألتهما: ـ لماذا وقفتما هنا، ولم تجلسا؟ ـ رد جابر: المطر في أوله يا أم عمران يسعد النفس. قال غصن: والمطر في وسطه وآخره هل يزعج النفس؟ ـ لا يزعج النفس.. لكنه يسعدها وهو في بداياته كطفل يحبو.. أو كهمس يبلغ السمع حنوناً، أما حين يشتد ويزداد فأمره مختلف. التفت جابر إلى نفسه، ثم التفت إلى زوجته، فألفاها في زيٍّ جميل، ونظر إلى غصن فوجده يرقب الليل برغبة واندهاش.. سأله جابر: ـ أراك مشدوداً إلى جهة الليل والسفح يا غصن؟ ـ رأيت ضوءاً قوياً في بستان الحنطة. ـ عيسى الحميده أو و لد عمه قاسم أو ولد أخيه الثاني مجيد، يكون واحد منهم أضاع بقرته أو جدياً أو خروفاً، أو حماراً.. ـ الضوء الذي شاهدته هو ضوء الباحث عن حمار أو خروف أو بقرة أو معزى. ـ ضوء قوي؟ ـ نعم: قوي، وكان حوله عيسى الحميده وأولاد أخوته وناس آخرون وقد سمعت أصواتهم، وهم يحكون عن البناء الجديد والناس الجديدين الذين سكنوا قرب المعمل الكبير الذي بناه "العتلُّ". ـ هذا خبر يا غصن؟!؟! ـ وقد سمعت صوتاً قدرّت أنه صوت "برهوم الحبيب". ـ وسيارته، هل كانت موجودة؟ ـ لا أدري إن كانت موجودة لكنني شاهدت سيارة واقفة قرب الدرب.. ـ برهوم والعتلُّ وآل الحميده لن يتركوا الدنيا، بخير يا غصن. صمت غصن.. وأخذته كلمات جابر العبود بعيداً: "برهوم والعتل وآل الحميده لني تركوا الدنيا بخير". تساءل في سره: "ما علاقتنا بهم؟! وهل يقدرون أن يزعجوا بستاننا وطمأنينتنا؟!" نظر إلى ملامح جابر فألفاها مسكونة بالحكايات والمعاني.. والهموم.. وقد تمنى أن يسأله، عن سر انزعاجه وتفكيره البعيد، لكنَّه لم يسأله، لأن جابرَ كلّمه قبل أن يسأل: ـ برهوم لا يهُّمه إلا نفسه، أذهبت الأرض أو بقيت، أجاع حاصد الدروك ومحمد الشحاده وغيرهما أو شبعوا، والعتل مثله. وهو أعرف بالأمور من برهوم وأدرى. أمّا العلاقة الجديدة بينهما وبين عيسى الحميده فلها حكايات وقصص يا غصن..!! عادت أم عمران، وقد أنجزت غلي الشاي، وأحضرتها، وأحضرت الكؤوس في الطبق النحاسي القديم، ودعتهما لارتشافها: ـ تفضلا واجلسا، والليل لن يهرب منكما، والكلام لن ينتهي إذا جلستما.. قال جابر: ـ معك الحقُّ يا أم عمران.. والتفت إلى غصن، ودعاه: تفضل لشرب الشاي. جلس غصن على الكرسي القريب من كرسي جابر، أما أم عمران، فقد خرجت باتجاه بيت الدجاجات، لتتأكد من بياتها.. لم يقدر جابر أن ينسى حكاية الضوء وبرهوم والعتل وعيسى الحميده. قال في نفسه: "ماري صارت تعرف كلَّ شاردة ووارده عن حياة وحركات وعلاقات برهوم الحبيب، ولا أظنها ستتركه ينجو منها، بل ستجد لـه الحيلة الملائمة، لتذلّه، وتفضحه". عاد غصن ينظر إلى جابر، وظل يقرأ الحكايات والمعاني والهموم في ملامحه وأنفاسه.. عرف جابر أن غصنَ مندهش وحائر أمام اضطرابه المفاجئ.. ولم يرد أن يشرح لـه الأسباب. فقط قال لـه: ـ أنت يا غصن شاب جيد، لكن عينيك بحاجة إلى نهار أبيض، يكشف لك الأمور، ويوضحها. ـ وهل احتاج إلى من يوضح لي الأمور، وأنت موجود؟ ـ أنا لك وأنت لي.. وأنا وأنت وأمثالنا نعيش للبساتين.. نحبها.. ونفرح بها وتفرح بنا، لكن الإيضاح لا يجيء بالشرح والتفسير يا غصن. خذ مثلاً: "ماري الدريوسي صارت تعرف الأمور.. وتفهمها: تعلمّت ذلك من أيامها وحياتها يا غصن. ازدادت دهشة غصن، وازداد حبُّه للإطلاع على الأسرار والحكايات.. بقي جابر وغصن مأخوذين: كلٌّ بدهشة من نوع خاص: جابر دُهش لأمر الضوء وبرهوم والعتل وعيسى الحميده، وغصن دُهش، لأن جابرَ أوصله إلى الليل والأسرار، ثمَّ ترك لـه أن يدخل بنفس، ويعرف من أين تبدأ الدروب، وإلى أين تنتهي!؟ رشف غصن رشفات متقطعة من كأسه، أما جابر فقد وضع رأسه بين يديه، ونسي في زحمة الهواجس أن يرتشف من كأسه أية رشفة، وكاد أن ينسى أنه جالس مع غصن: أخذه خياله إلى أيام بعيدة تترامى على عتبة البال.. تذكر أيام دراسته وأيام سفره إلى المدينة، وأيام الجامعة. وعاد به الخيالُ إلى بيت برهوم، تراءى لـه عالياً وأمامه الدريوسي يطبخ وينفخ، وتراءت لـه بيوت آل الدروك.. تراءى لـه بيت حاصد وتراءى لـه حاصد يوم خلافه مع رزوق ويوم طردته ماري.. بقي شارداً مع خيالاته حتى فاجأه صوت أم غصن، وهي تنادي من وراء الحائط: ـ يا أم عمران: أين أنت؟! ـ ردتّ عليها أمُّ عمران، وهي منشغلة بإغلاق باب بيت الدجاجات: ـ نعم يا أم غصن: أنا هنا عند بيت الدجاجات.. ـ أنا رائحة إلى عندك.. لا تتركي أشغالك. أقبلت أمُّ غصن باتجاه السفح، حيث الفسحة المجاورة لشجرات التوت والزنزلخت والرُّمان، وحيث بيت الدجاجات يتاخم الفسحة من جهتها الشرقية.. لمح غصن منديل أمه وهي تسعى بخطواتها الوئيدة إلى حيث وقفت أم عمران.. قال جابر: ـ أمك لا تعرف أنك هنا.. ـ تعرف أنني ذهبت لزيارة غزال. ـ ذهبت فقط لزيارة غزال؟! قال جابر كلماته وهو يبتسم، تعبيراً منه عن معرفته بحال غصن ونفسه ومحاولته الزواج من سحر. قال غصن، وشعاع فرح بدأ يدخل إلى روحه، فأضاء عتمتها: ـ غزال لا يهدأ في بيته، بل يبقى في بيت سعدى وشيبان، أكثر من بقائه في بيت أهله. ـ وأنت كيف حالك: هل فكّرت بالزواج؟ ـ ابحث عن صبية ترضي الخيال، وتبقى في البال. ـ الصبايا كثيرات يا غصن، وما عليك إلا أن تختار.. ـ أين هُنَّ الكثيرات؟! لم يجب جابر، لأن ذهنه انشغل بصورة رجاء بنت سرحان.. وهي تنظر إلى صبايا الجامعة ولباسهن بإعجاب وحيرة. وقطع حديث جابر وغصن، عن العشق وغزال والصبايا وقدوم أم غصن وأم عمران.. فوجئت أم غصن بوجود ابنها: ـ أنت هنا:من أين أتيت. ما خفت من درب السفح الصعب؟! ـ خفت إلى أن رأيت ضوء بيت جابر وبيت جابر وبيتنا فراح الخوف. * * * ـ طولي بالك يا أم البنين والبنات: رجاء بخير، وقد اهتمّ بها جابر كاهتمامه بولده عمران.. ـ أعرف أن جابر اهتمَّ بها، وأعرف أنها ستبقى قريبة من عمران، لكنني لا أتخيلها بعيدة عني. ـ هذا قدر من يريد أن يدرس ويصير متعلماً.. مثل غصن ومثل أستاذ الأساتذة جابر العبود، ومثل أمثالهما. ـ جابر جيد، لكنني أراه ينشغل بالمزروعات والأرض والأشجار، ولا أراه يُدّرس في المدرسة مثل غصن. وغزال؟! ـ جابر صار في مرتبة أعلى من مرتبة غزال وغصن: وهو الآن مسؤول عن أمور كثيرة في بستان المواسم وفي المدينة. ـ اسمع هذا عنه من محمد الشحادة، ومن زوجته، لكنني حتى الآن لا أعرف ماذا يعمل بالتحديد؟! ـ جابر يفهم الأمور، ويعرفها.. ويجب أن تبقى بعض القضايا سرية.. لا يدري بها عامة الناس؟! ـ أنا أتمنى لـه كلَّ التوفيق وكلّ النجاح، فهو خيرُ من يسيّر أمور بستان المواسم، وسواه من البساتين، وهو خير من يعرف المدينة، ويعرف كيف تمشي فيها الأمور. ـ أراك بدأت بالفصاحة يا ست الحبايب؟! ـ الفصاحة صراحة يا سرحان. شباك غرفة سرحان وزوجته لم يكن مفتوحاً، لكن ضوء الفجر أقبل عليهما من وراء الزجاج.. وقد استمتعا به. لكن أصوات بعض الركاب جاءت تتبع ضوء الفجر، فقطعت على سرحان وزوجته متعة الصبح المطبل من وراء الزجاج.. قال سرحان: ـ أنا سأمشي، لأنّ الركاب واقفون قرب السيارة. ـ إذا سافرت إلى المدينة، لا تنسَ أن تزور رجاء.. وتعطيها ما تشاء.. ـ لو أن عباس حامضه بقي في بيته إلى الآن، لأسكنتها عند أهله. لكنه ترك المدينة. في الغرفة لم تفارق مخيلتها صورة رجاء.. تذكرتها وهي تجلس قبالتها على السرير، وهي تنام، وهي تقرأ، وهي تحكي لها عن المدرسة والدراسة وعمران والأستاذ غصن.. وقد استوقفتها كلمات سرحان عن عباس حامضه: لو كان باقياً في المدينة، لأسكنته عند أهله. سرحان لم ينتظر كعادته، حتى يسخن محرك السيارة بل انطلق بها بعد تشغيلها بلحظات.. جلس قربه في المقعد الأمامي قاسم ومجيد الحميده وفي المقعد الخلفي جلس ماجد العبود وصبا بنته.. ورجلان آخران لم يعرفهما سرحان. استرعت صبا انتباه سرحان.. نظر إلى وجهها بالمرآة.. وقال: "من أجلها جُنّ غزال، وهو على حقٍّ في أن يفقد بعض عقله إن هي رفضته عشيقاً وزوجاً". صوت السيارة، وهي تنطلق باتجاه البساتين، أعلن أن سرحان انطلق لكن زوجته بقيت في غرفتها تتذكر رجاءً.. وتحاول أن تتخيلها، ولم يسرقها من حالتها هذه إلا نداء أم أمين لدجاجاتها، ونداءات أخرى من جهات وبيوت ملأت سمع المدى وسمع زوجة سرحان ضجة مستحبة.. قامت إلى النافذة، وراحت تعاين أم أمين، وهي تنادي الدجاجات، وتنثر لها القمح، وبعد ذلك تلتفت إلى النار المشتعلة، ومن أمام البيوت المجاورة للساحة من الجهة الشمالية يعلو الدخان من الحطب المشتعل تحت القدور، وتتبعه نداءات النسوة للدجاجات للإقبال على القمح، أو لإيقاظ الأزواج والأولاد. زوجة سرحان لم تجد في نفسها الرغبة لإشعال النار في الأثفية لطبخ القمحية، أو حساء العدس.. وظلت تستمتع بالدخان والنداءات والفجر الشتوي المحمل برداً وحكايات. أم أمين كعادتها قطمت منديلها المرقع، وانشغلت حيناً بالنار وحيناً بالدجاجات.. وحيناً بالأحاديث مع الجارات، وبغير هذه الأمور لا تجد ما تشغل نفسها به، محمد الشحاده سافر وبقي في المدينة.. وأمين لا يجيء إلا قليلاً، وبناتها الثلاث المتزوجات مشاغلهن لا تدع لهن الوقت الواسع لزيارة أمهن والاهتمام بها، إلا في أحايين متباعدة، وهذا ما يجعلها تشغل نفسها بالنار والدجاجات في كل الصباحات، وفي الظهيرات تشغل نفسها بزيارات الجيران.. أو بزيارات بناتها المتزوجات في بستان الملتقى والمواسم. قالت زوجة سرحان لنفسها: "هل سأصير يوماً مثل أم أمين، رجاء تتزوج، وتنشغل عني وصديق يتزوج، وينساني، وسرحان يبقى يعمل على السيارة؟" هاجس مرير داهم زوجة سرحان، وهي تنظر إلى أمام أمين، ومنديلها ودجاجاتها، والدخان المتصاعد من نارها. الوحشة هي التي أشعرتها بمأساة أم أمين، وأفزعت في روحها الحلم والأمل.. رجاء غائبة تتابع دراستها، وصديق ضيع عمره مع الأولاد: غاب زمناً وعاد، ولم يتابع دراسته وهو الآن يبحث عن وظيفة ليحقق رغبته في الابتعاد عن البيت، وفي الزواج من سحر، التي رفضت حبه لها بعد نجاحها،وبعد تفكيرها بغصن، وتفكيره هو بها. صديق بقي نائماً، أما أمه، فقد استيقظت في رأسا المخاوف.. وازداد ذعرها.. وشعرت بغيظ غريب يعذّبها، وهي تشاهد سحر تقبل عبر الدرب الآتية من شمال الملتقى.. رأتها أم أمين وهي تمشي وساقاها الممتلئتان ظاهرتان لا يغطيهما سوى ثوب قصير. قالت أم أمين بصوت هامس غير مسموع: "قاتل الله هذه الأيام.. وقاتلك الله يا سحر يا بنت مرجان.. وقاتل الله ثيابك ما أقصرها!! والعتب ليس عليك، بل على أهلك الذين سمحا لك بأن تعيشي على هواك، لكن ما بقي في يد والدك حيلة تجاهك.. تزوجت وطُلقت.. والآن نجحت، فازداد الطين بللاً وأمك هاجر تربّت في المدينة، فلا تسمع كلامنا؟! زوجة سرحان رأت سحر.. ورأت أم أمين وهي تعاينها وتتمتم غير مسموعة. رأتها والخوف يملأ روحها، ويضجُّ في صدرها.. انصرفت من وراء النافذة إلى الغرفة الثانية حيث ينام صديق، لتتأكد من أنه نائم، خشية أن ينتبه إلى سحر، فيذهب معها إلى حيث هي ذاهبة. لم تقف سحر في الساحة، وأشاحت بعينيها عن أم أمين، خوف أن تؤنبها على لباسها القصير جداً.. تابعت خطواتها عبر درب الملتقى المؤدي إلى المفترق، مشيتها الوئيدة تمنت أن تكون أسرع، لتخلص من سهام نظرات أم أمين ونظرات زوجة سرحان بسرعة، لكنها لم تقدر على الإسراع، لضيق ثوبها على عجيزتها، ولعلو كعب حذائها علواً زائداً خطيراً.. أن هي أخطأت في نقل قدميها، أو أسرعت. عيون من كل البيوت المجاورة للدرب والساحة شخصت ترقب سحر عند المفترق وقفت لحظات شغلتها بالتلفت إلى جهات النبع والدلبات.. قالت في نفسها: "هل اذهب إلى المدرسة، لعلني أصادف الأستاذ غصن لكن المسافة ليست قريبة.. وإن أنا لم أذهب إلى المدرسة إلى أين أذهب.. هل أروح إلى عند خالتي، لكن الوقت مبكر؟! حسمت الرأي، واتجهت عبر درب النبع باتجاه المدرسة.. شاهدت من بعيد وبنات وأولاد الجيران يتجهون عبر الدرب نفسه باتجاه المدرسة.. علامات المدرسة اتضحت عليهم من بعيد: لباسهم.. ودفاترهم، وطريقة مشيهم المتعجلة.. كل ملمح من ملامحهم يقول: هؤلاء طلاب في المدرسة، في صفوف مختلفة بعضهم في الصفوف الإعدادية، وبعضهم في الصف الأخير.. حيث يتقدم لنيل الشهادة. سحر مرجان الزهيري في السنة الأخيرة، نجحت ويحق لها أن تتقدم وتسجل في الجامعة، لكن ملامحها لا تقول أبداً إن هذه تريد أن تنجح.. حياتها مختلفة عن حياة الطلاب ولباسها مختلف.. وطريقة مشيها مختلف.. زوجة سرحان وقفت ترقبها من على الشرفة المطلة على الدرب اقترب الطلاب المنطلقون إلى المدرسة من سحر، وتجاوزوها دون أن تلتفت إلى أحدهم.. تمنت أن تسير معهم، لكنها وجدت نفسها مختلفة عنهم.. وجدت الفارق بينهم وبينها واسعاً من حيث العمر ومن حيث اللباس، ومن حيث التفكير، ومن حيث الحياة. بنات أم أمين وبنات الجيران استوقفهن لباس سحر.. وأدهشهن، وتمنين أن يلبسن مثلها.. ويظهرن ما لديهن من مفاتن مثلها.. لكنهن وجدن الدرب مسدوداً أمامهن وصعباً للوصول إلى ما وصلت إليه سحر من تفنن باللباس وحسن منطق. قالت رحيق بنت أم أمين لأختها رائدة: ـ هل نظرت إلى سحر؟ ـ نعم.. ـ رأيت كيف تلبس.. ـ يليق لها أن تلبس: جسمها يملأ ثيابها.. وساقاها جميلتان، و تعرف أن تتفنن بلباسها.. وطريقة تسريح شعرها.. ـ سحر جميلة، وجسمها ممتلئ، لكنه لم تتوفق في زواجها. ـ زوجها سافر إلى المدينة، وتركها. ـ زوجها ولد برهوم الحبيب، ويقولون إنّ سحر هي التي طلبت أن تتركه.. ـ طلبت أن تتركه لأن حياتها معه كانت عذاباً ونكداً وتعاسة. ـ ولد برهوم مثل أبيه: تزوّج سحر، لأنها جميلة وجذابة، وجسمها جميل. ولم يتزوجها، لأنه أحبها.. رائدة ورحيق تأخرتا قليلاً عن بقية الطلاب، أخذهما الحديث عن سحر وزواجها، وجمالها.. وعن برهوم الحبيب وولده وحياته. رائدة ورحيق تزيدان رجاءً سنتين.. لكنهما تأخرتا في الدراسة عنها، لأنهما فشلتا في أكثر من سنة دراسية.. أمّا رجاء فقد واتتها المصادفات، وندحت في كل السنوات الدراسية. وقد ساعدها على النجاح أنها لازمت عمران.. وتأثرت به.. وأحبته، وأحبت أن تكون مثله ناجحة.. وأمها لم تنسى أن تستطلع سلوكها ونتائجها من خلال الأستاذ غصن، أو من خلال غزال، أو من خلال عمران نفسه بشكل دائم، ووالدها لم يبخل يوماً عليها يعطيها ما تريد.. رحيق ورائدة تابعتا السير، لكنهما لم تلحقا ببقية الطلاب وسحر لم تلحق بهما أيضاً، إذ ظلت تمشي وئيدة.. درب الدلبات بدا واسعاً حنوناً، تحيط به التخوم، وتلفه زقزقات العصافير الفرحة بشمس كانون.. المطلة من بين الغيوم. وورقات الدلبات تقطر ماءً.. خبأته من الليل الفائت.. والآن تسقطه كأنه دموع مفارق يحب حبيبه.. قالت رحيق: ـ لا تقربي شجرات الدلب يا رائدة.. لأن المطر مختبئ في أوراقها. ـ أنت مجنونة يا رحيق!! هل المطر عصفورة حتى يختبئ في الأوراق. ـ جربي أن تقتربي من أي غصن من الأغصان، لتتأكدي من أن الأوراق خبأت المطر.. أقبلت رائدة.. وأمسكت بغصن قريب من الأرض وهزتّه.. فتساقط من أوراقه الماء..فبلل شعرها وسترتها الخاكية ودفاترها وكتبها.. رأت سحر رائدة وهي تداعب غصناً من أغصان الدلبات ورأتها كيف فحنَّت نفسها إلى الضحك، لكنها لم تجد من تضحك معه فهدأت رغبتها ولم تضحك. قالت رحيق بلهجة المنتصرة: ـ قلت لك يا رائدة: تُخبِّئ مطراً لم تصدقي قولي. ـ صمتت رائدة، وشعرت بالندم، وأحست بالكآبة والبرد جراء تبللِّها، وقالت لأختها: ـ تبلل دفترُ الأدب.. والوظيفة التي طلبها الأستاذ غصن كتبتها عليه!!؟ ـ قولي لـه الحقيقة.. قولي لـه: لم أكن أعتقد أن الأغصان تُخبِّئ مطراً، ومررت قربها، فبللتني أوراقها بالماء. زوجة سرحان ظلت على الشرفة تعاين سحر وهي تمشي وئيدة باتجاه الدلبات والنبع.. ظلت تعاينها وفي روحها تدور الأفكار وتتبدل.. تتوافق وتتعارض.. حيناً ترى أن سحر من أبهى وأجمل صبايا الملتقى، لكن زواجها من ولد برهوم أضرّ بها.. وعذّبها وحيناً، تشعر بالنقمة عليها، لأنها تمازح ولدها، وتسمح لـه أحياناً بالسير معها، وتحكي لـه أحاديث، تدخل إلى نفسه، وتجعله مشدوداً إليها. وتجعله كالمجنون يركض وراءها، ويبحث عنها، ويتمنى أن يصل إليها، ويتزوجها بأي أسلوب.. وحيناً تشعر إزاءها بالإعجاب بشخصيتها، وجمالها، وطريقة لباسها. وتقول لنفسها: هنيئاً لأي شاب في الملتقى أو المواسم، إن هو تزوجها، لكن صديق طائشُ اللبِّ، لا يعرف ماذا يريد، وماذا يرفض.. وهي صبية حسناء، لكنه مطلقة، وهذا عيب بها.. ولولا أنها مطلقة لكانت سحر أخرى. تجاوزت سحر أرض جابر العبود وسرحان العيسى، ورائحة الأنوثة تضجُّ في دنياها.. حتى الدرب غدا أكثر زهواً واتساعاً حين وَطِئته قدما سحر.. والعصافير ازداد تحليقها وصداحها، وسحر تعبر المسافات باتجاه المدرسة، وفي خافقها أسرار وحكايات، وفي عينيها كلام وحنين، وفي عناد روحها جمر أنثى يدفئ الثلج لو عاشر الثلج. مرّت بعيداً عن الأغصان، خشية أن يحل بها ما حلّ برائدة حفيدة أم أمين.. خطوات الطلاب بقيت مرسومة على الوحل.. نبع الدلبات وحده يتدفق أنيقاً، عذباً، وإلى جواره تترامى أرض رزوق الحامد، وتنتشر أشجاره.. في بيت رزوق، لم يستيقظ أحد، وأمام بيته لا شيء يشير إلى أن البيت مأهول سوى سيارة واقفة أمام الباب الجنوبي، اعتقدت سحر أنها لصهره لكنها لم تفكر بزيارة خالتها أم سائده لأسباب عديدة. * * * ـ كيف حال عمران ودراسته؟؟ ـ بخير يا أم غصن.. ـ ألم يرسل لكِ ولأبيه الرسائل؟ ـ والده يعرف عنه كل شيء ويستطلع أخباره وأخبار رجاء دائماً. سمع غصن وهو في غرفته حديث أمه وأم عمران واستمتع به، وتمنى أن يدوم.. فهو يشعر ببهجة غامضة، حين يسمع اسم رجاء واسم سحر، أو أسم أية صبية جميلة. بيت أهل غصن يقابل بيت جابر العبود، لا يفصله عنه سوى الدب والبستان الصغير المحيط ببيت جابر، إلا أن إطلالة بيت جابر والفسحة التي أمامه المخصصة لهواجر ومساءات الأيام الدافئة لا تقابلان فسحة ومدخل بيت أهل غصن. وبيت جابر مشرف على سفح المواسم، يبدو الليل للناظر من أمامه كغابة تنتشر في أمدائها القناديل والحكايات، وعند تخوم السفح الذي يشرف عليه بيت جابر تمر الساقية الفاصلة بين بستان الحنطة وبستان الملتقى.. وتفصل السهل جهته الشمالية عن جهته الجنوبية.. يبدو ذلك واضحاً لجابر العبود حين يعاين المسافات والسفح والسهل والساقية.. تبدو الأشجار الناهضة في ضفتي الساقية عالية، مختلفة عن بقية الأشجار. أما بيت أهل غصن، فإنه أدار ظهره للسفح والسهل وأطل على الدرب القادم من الملتقى، وبيوت المواسم: بابه الرئيسي يقابل الدرب، وفسحته تنتهي عند تخوم الدرب.. وغرفة غصن تتاخم الفسحة، ونافذتاها مفتوحتان واحدة على الدرب، وثانية على الفسحة. أمه وأم عمران جلستا قرب النافذة المفتوحة قليلاً، مما يسر لـه أن يسمع أحاديثهما.. ـ كانون هذه السنة ليس بارداً كالسنة الماضية. ـ وقد جاء بالمطر. ـ المطر خير يا أم غصن. ـ المطر خير، ويجعل الجو دافئاً يا أم عمران. انتبهت أم عمران إلى الدرب فألفت والد غصن وهو يجرُّ البقرة ببطء باتجاه البيت، قالت: ـ هذا أبو غصن جاء من رعي البقرة. ـ هو يحب أن يخرجها من البيت، لترعى وتسرح. ـ وغصن لماذا لم تزوجيه، وهو ولدك الوحيد يا أم غصن، وهو شاب مرغوب ومحترم، وسمعته كالعطر. ـ غصن ـ كما تعرفين ـ رابه جابر، وتعب عليه كابنه عمران، وهو لا ينسى لـه فضله هذا. ـ البركة بغصن وبأهله يا أمَّ غصن. ـ لكن سؤالك عن عدم زواج غصن جوابه أنه متقلب الآراء.. لا يعرف أن يختار الصبية التي يرتاح لـه، ونحن إن اخترنا لـه يرفض اختيارنا. ـ هو خجول، ومقتصر تفكيره على الدراسة والمدرسة.. ـ حيّرني، وحيرّ والده. ـ الصبايا في كل مكان من البساتين. ـ فكر في يوم من الأيام بسعدى، لكنه لم يخبرها بحبه لها.. وهاهي الآن تزوجت شيبان وهو شاب ومتعلم، وموظف. ابتسمت أم عمران ابتسامة باهتة، سرعان ما أغمدتها، خشية أن تسيء أمُّ غصن فهمها.. ـ قالت أم عمران: ـ سعدى تزوجت الآن.. وغير سعدى بنات الكرام كثيرات؟ ـ فكر برجاء بنت سرحان العيسى، فسافرت إلى المدينة لتدرس. ـ والآن ألا يفكر بأية صبية؟ ـ يفكر بسحر بنت هاجر، لكنني ليست موافقة على زواجه منها، لأنها مطلقة، على أنها من أجمل صبايا الملتقى. ـ الطلاق ليس عاراً على البنت، ثم هي صبية جميلة، ولم تلد.. ـ أنت على حق يا أم عمران، لكنني أتمنى لـه أن يتزوج بنتاً غير سحر.. ـ لا تقفي في وجه حظه يا أم غصن.. وسحر قد تكون من أفضل الزوجات.. ربط أبو غصن البقرة في الوتد القريب من الحائط.. وملأ معلفها تبناً خلطه بالشعير المجروش، وانصرف إلى مرفِّ الدجاجات المجاور لمكان البقرة.. فلم يجدها قد أتت كلها إلى مرفاتها. ترك الباب الخشبي المصدوع قليلاً، مفتوحاً، وخرج باتجاه المساء المزركش بحمرة الشمس المشوبة بالضباب والدكنة.. بيت البقرة والدجاجات يقابل بيت سكن أهل غصن.. ويبعد عنه مسافة قصيرة، والدرب الرئيسي هو الحد الفاصل والواصل بين بيت الدجاجات والبقرة، وبين بيت سكن..وبيت الدجاجات والبقرة كان بالأصل بيت سكن أهل غصن، وحين تحسنت حالة والده تحسناً يسيراً بنى غرفتين وفسحة غطاها بالأخشاب والقصب.. فبقي البيت القديم مأوى للبقرة والدجاجات والمؤن.. مؤن علف البقرة والدجاجات، ومؤن ا÷ل غصن من زيت وقمح وحاجات أخرى. يجاوز بيت المؤن، من الجهة الشرقية بيت ترابي قديم آخر هو بيت أهل سحر القديم، الذي تركه والدها مرجان الزهيري وبنى بيتاً غيره في الملتقى من الأحجار والباتون، ومثله فعل ماجد العبود، ترك المواسم، وأقام في بستان الصافي، نزولاً عند رغبة زوجته. مرجان الزهيري ـ كذلك ترى المواسم، وأقام حيث أرادت زوجته أم سحر.. وقد وجد التبرير لنفسه يوم بنى بيتاً وأقام فيه في الملتقى قال لنفسه: "من يعثر على جمال كجمال زوجتي عليه أن يرحل وراءه حيث دارت به الدنيا، واتجهت به الدروب". لكن أخته "زهرة" لم تقبل تبريراته، وبقيت في البيت القديم. لم يدم حديث أم عمران وأم غصن، لأن والد غصن جلس على الكرسي قربهم، سأل أم عمران: ـ أين جابر؟! ـ عنده أوراق يريد أن يقرأها ويتأكد من معاني كلماتها ومن صحتها. ـ ما هي هذه الأوراق؟ ـ لا أعرف.. سمع غصن كلمة أوراق.. واستوقفته.. وراح يفكر بهذه الأوراق التي تشغل بال جابر، قال في نفسه: ما هي هذه الأوراق؟ فكر غصن بأن يخرج من غرفته، ويجلس عند أمه أم عمران ووالده، إلا أن صوت زوج ماري جاء رعاداً خشناً، وهو ينهر البغل ليسرع خطواته. قال والد غصن: ـ هذه ماري.. تجلس على العربة والبغل يجرها، وزوجها يتولى أمور قيادة البغل، لكنه لا يمكنه أن يتولى قيادة ماري سألت أم غصن: ـ ماري لماذا تجيء إلى عند جابر يا أم عمران؟! ـ في المرة الماضية جاءت من أجل أن تودع عمران، ويومها طلبت من جابر أن يوظفها في المدرسة.. وانفردت به، وحكت لـه حكاية عن أمور لم يخبرني بها جابر. تبسم والد غصن، وقال وهو يضحك مازجاً الكلام بالضحك: ـ هل تكون ماري أعجبت بجابر، وأرادت أن تعشقه؟! ابتسمت أم غصن، وأم عمران، لكن الحيرة دخلت إلى روح أم عمران، وهي تنظر إلى ماري، وهي تنزل عن العربة.. وساقاها الناصعتان تلمعان جمالاً وأناقة، وجسدها يضج بالأنوثة المغرية. غصن وجد نفسه، من حيث لا يدري، واقفاً أمام النافذة المطلة على الدرب، ليعاين ماري.. وشفتيها الشهيتين.. ومشيتها المتمايلة قليلاً.. تسمر غصن وراء النافذة المفتوحة.. وشده أكثر إلى النافذة مرور ماري من قربها وعطرها الفواح الذي استبدَّ بأنفاسه.. وتغلغل إلى كل روحه، أيقظ فيها رغبة الحب. عطر ماري ذكَّره بعطر سحر. ولباسها أيضاً، جعله يتذكَّر سحر، وهي تلبس تنورتها القصيرة. قال غصن في سره، وهو ينظر إلى ماري، وهي تتجه إلى بيت جابر العبود، وأمامها زوجته أم عمران، قال: "سحر ستكون زوجتي.. سحر صبية الصبايا.. وحسناء الحسان.. وهي أكثر بهاءً وفتنة من ماري، وهي لم تكن يوماً مثلها تستقبل في بيتها من تشاء، وتطرد من تشاء.. و سحر هي زوجتي.. سحر حبيبتي.. متى سيكون لقائي بها... متى سأكون معها؟! دخلت ماري إلى بيت جابر وغصن واقف وراء النافذة يعانق خياله خيال سحر، ولم يوقظه من حلم يقظته، سوى صوت أمه: ـ بعدك نائم يا غصن؟ صار الوقت مساءً.. وأبوك عاد.. وماري جاءت إلى بيت جابر.. قم لنجلس معك.. ـ نعم يا أمي.. أنا لست نائماً.. بل أنا مستيقظ منذ وقت بعيد. والد غصن ظلَّ على كرسيه أمام البيت يعاين المساء وهو يقبل ومعه النسيم بارد قليلاً، وأسراب من الطير تلمَّ أشرعتها عائدة باتجاه دفء الأعشاش.. ومن جهة الدرب القادم من الملتقى ينطلق صوت محمد الشحادة وهو يتحدث مع آخرين بصوت مسموع: ـ أنا لا أعرف أن أسهر وأبتهج إلا عند جابر العبود. سمع والد غصن صوت محمد الشحادة، وسمع صوت أم سحر قريبة زوجته: ـ لكنك طولت غيبتك في هذه السفرة. ـ بقيت عند ولدي في المدينة.. ـ سمعنا أنه تزوج؟ ـ تزوج، وسكن مع زوجته في بيت اشترته لها وله. البغل والعربة عاد بهما زوج ماري إلى حيث شجرة الزيتون الكبيرة، ربط البغل بجذع الزيتونة، وجلس على العرب.. أخذ من جيبه علبة تبغه.. لف منها لفافة، وأشعلها، وظلَّ على العربة.. يعبُّ الدخان من اللفافة، وينظر إلى جهة بيت جابر، حيث زوجته، وزوجة جابر، وجابر. غصن لم يدهش دهشة واسعة، حين رأى زوج مارين ينتحي بالبغل والعربة جانباً بعيداً قليلاً عن بيت جابر، لأنه يعرف عنه وعن زوجته ماري هذا منذ سنوات. شغل عينيه بالنظر إلى زوج ماري، لكن صوت محمد الشحاده، وصوت أم سحر، رنّ في سمعه.. وجعله يترك النافذة باتجاه الباب، حيث الفسحة المقابلة للدرب الآتي من الملتقى. استبدَّ به فرح عارم، وجُنّ في روحه نداء الحب والأنثى حين رأى سحر تقبل مع أمها ومحمد الشحاده. غصن يحب محمد الشحاده، ويستوقفه منظره، ويعجب بحياته.. بلباسه، وعفويته، ومشيته، وطريقة عبّه من لفافته،التي لا ينقطع دخانها.. لكنه لم يجد نفسه معنياً بالنظر إليه، ومعاينة ملامحه، شغله عن ذلك سحر.. ملأت عينيه وروحه.. وشدته، فنسي أن ينظر إلى غيرها، ونسي حتى أن يحييّ والده العائد من التخوم حيث كان يرعى البقرة. * * * أم أمين أطعمت الدجاجات.. نادتها طويلاً، وهي تنشر أمامها حبات القمح وفتات الخبز المبلل: تعاه.. تعاه.. تعاه.. استجابت لها الدجاجات، وأقبلت تنقر القمح وفتات الخبز الرطب.. زوجة سرحان وقفت على الشرفة تعاين أم أمين، وهي تدعو دجاجاتها، لتنقر القمح والخبز.. أطعمت أم أمين الدجاجات، وبعد ذلك دعتها لتبيت: بيتي.. بيتي.. بيتي.. وفتحت أمامها باب البيت الصغير الواطئ المجاور للبيت الكبير الذي يؤويها وزوجها محمد الشحاده. أرض سرحان بدت واضحة لعيني زوجته، وبدت الأشجار.. وأرض جابر وأشجاره وما عليها من ثمار.. وإلى جوار الدرب بدت شجرات الدلب العالية.. وبدت أرض رزوق الحامد وأشجاره وبدا بيته في أعلى الأرض. نادت زوجة سرحان أم أمين: ـ يا أم أمين تعالي.. نقعد! ـ أنت عندك.. ولم أنظر إليك.. ـ كنت مشغولة بالدجاجات. نفضت أم أمين ثيابها، ونظرت إلى حذائها، لتتأكد من سلامته ونظافته.. وانطلقت باتجاه بيت سرحان القريب.. بيت سرحان يطل على الساحة وعلى بيت محمد الشحاده شباكاه الشماليان يشرفان على الفسحة التي أمام بيت محمد الشحاده، وشرفته الشمالية الغربية كذلك تطل على الساحة وعلى المسافات، وعلى أرض وأشجار جابر وسرحان والأراضي المجاورة. بيت سرحان يجاور بيت محمد الشحادة منذ سنوات بعيده، وزوجة سرحان منذ تزوجت سرحان، وسكنت بيته، وهي ترى أم أمين وتستمتع بالإصغاء إلى أحاديثها وحكاياتها.. أم أمين تعرف تفاصيل لا حصر لها عن البساتين وناس البساتين.. وأيام البساتين. تمنت أم أمين زوجة سرحان أن تجلسا على الشرفة الشمالية الغربية، لتعاينا الأفق والمسافات والبيوت.. والجيران.. تمنتا ذلك لأنّ في النظر إلى الناس والمسافات متعة لا تقدر، كما تقول دائماً أم أمين، لكن النسيم البارد لسع جلد أمَّ أمين وجلد زوجة سرحان، وأشعرهما بأن الجلوس في الخارج لا تحمد عقباه. قالت أم أمين لزوجة سرحان، وهي تجلس على الكرسي الواسع في الغرفة المفتوحة على الشرفة، قالت: ـ يا أم صديق! هجم الشتاء، وصار الليل بارداً والنسيم يلدع. ـ هذا كانون يا أم أمين.. ـ كانون كُنَّ ببيتك يا مجنون. ـ وأبو أمين ليس في بيته جابر العبود، أمّا سحر وأمها إلى أين تذهبان؟ ـ كأنك يا أمَّ صديق في دنيا غير هذه الدنيا. ـ لماذا؟ ـ ألا تعرفين أن أمَّ سحر قريبة أم غصن. ـ آ..آ.. الآن عرفت... يا أم أمين.. ـ أنت مثل بنتي يا أم صديق، وسرحان مثل والدي.. أعرفك وأنت طفلة، وأعرفه وهو طفل يركض في دروب الملتقى. ـ أم سحر.. كانت من أجمل الصبايا وأحسنهن، وقد تعذب مرجان الزهيري من أجلها، وذاق الشقاء ولم يتركها، وتزوجها.. ومرجان كان يسكن بيت والده في المواسم. ترك البيت، وانتقل إلى هنا.. وهو الذي دَلَّ ماجد العبود على زوجته. ومرجان كان ذا مالٍ وحالٍ، انفق من أجل زوجته المال والحال. ـ وسحر تشبه أمَّها؟ ـ أنت محقة يا بنت الحلال: سحر صبية الصبايا، لكن لم يحالفها الحظُّ. ـ هي بحثت عن المال والجاه، فقبلت بولد برهوم. ـ الأمر أبعد مما تتصورين. أصغت زوجة سرحان، وأرسلت نظراتها المتسائلة إلى أم أمين.. وقد قرأت أم أمين استفساراتها في نظراتها: وما هو أمر سحر وولد برهوم؟ ـ سحر لم تكن تعرف ولد برهوم، إلاَّ أن المدرسة جمعتهما، وقد راق لولد برهوم المدرس في مدرسة المواسم، أن يتزوج سحر.. راقه جمالها: جسدها الممتلئ، وراقته فتنتها، وملامحها، فقرّر أن يتزوجها. ـ معنى هذا أن ولد برهوم كان مدرساً في المدرسة؟ ـ نعم يا أمَّ البنين، ولد برهوم كان مدرساً، وكان يشتغل في المدرسة على هواه، وكأن المدرسة مدرسة أبيه. كان يفصل الطالب الذي يريد، وينجح الطالب الذي يريد، وإن كان لا يستحق النجاح. ـ كنت لا أعرف عنه هذا يا أمَّ أمين. ـ اسألي من يعرف يا بنت الحلال. ذهلت زوجة سرحان، وأحست بدوار خفيف برأسها، وهي تسمع حديث جارتها العيقة زوجة محمد الشحاده.. المساء أخذ يغرق في عتمة الليل المقبل ويضيع، ومعه أسراب العصافير العائدة إلى مخابئها وأعشاشها.. حاولت زوجة سرحان أن تنظر إلى المسافات، فوجدت الظلام يتراكم وراء النافذة، التي أبقتها مفتوحة. دلبات النبع لم تعد واضحة لعينيها، وكذلك أشجار أرض رزوق.. بقي ضوء بيته فقط يرسل شعاعه باتجاه الفسحة والأشجار القريبة.. قالت أم أمين، وقد انتبهت إلى زوجة سرحان، وهي ساهمة النظرات، شاردة الأفكار: ـ أراك تنظرين إلى البعيد، وهل في الليل منظر لناظر يا بنت الحلال؟ ـ أنظر إلى بيت رزوق الحامد. ـ وهل ترينه وسط الأشجار؟ ـ أرى ضوءَه.. حاولت أم أمين أن تنظر إلى بيت رزوق، فألفت عينيها غير قادرتين على معاينة ضوئه إلا كبقعة حمراء صغيرة في سواد كثيف.. سألتها زوجة سرحان: ـ ألم تري ضوء بيت رزوق؟ ـ تأخر عندي البصر، وتعب يا أمَّ البنين. ضيقت أم أمين عينيها، إذ وجدت ذهنها منشغلاً بهموم وأفكار قديمة.. تذكرت أيام طفولتها البعيدة البائسة، وتذكرت بيت أهلها الذي كان قريباً من بيت الدريوسي والد ماري وجدت نفسها منسجمةً مع تلك الدنيا البعيدة خلف تخوم العمر.. تراءى لها بيت أهلها الترابي، يجاوره بيت الدريوسي، عند سفح تلة الحبيب من الجهة الشرقية.. تذكرت كلَّ البيوت التي كانت تجاور بيت أهلها، وتذكرت والد برهوم بجسده الضخم وعينيه الجاحظتين.. تراءى لها وهو يصعد الدرب باتجاه بيته حيناً راجلاًن وحيناً على فرسه الكبير. زوجة سرحان تركت أمَّ أمين على كرسيها، تستذكر أيامها وأيام أهلها وعيشها، وأيام بستان الحبيب.. وأيام والد برهوم، تركتها وانصرفت إلى المطبخ المجاور للشرفة من الجهة الثانية المقابلة للنافذة.. منديل أم أمين المبرقع بالتلوينات المتنافرة، والرقع والبقع التي أعيت الغسيل، وبقيت على منديلها كبصمات الخائف على جذع شجرة بلوط أو توت.. تمنت أم أمين لو أنها ذهبت مع زوجها إلى بيت جابر، لكنها لم تفعل لأن زوجها لا يحبذّ مصاحبتها. وقد أسرع بالذهاب إلى بيت جابر، قبل أن تطعم الدجاجات، خشية أن تطالبه بأن يصطحبها معه، فتحرمه بهجة التحدث مع أم سحر، وسحر. عرفت ذلك، لكنها لم تفعل شيئاً إزاءَ زوجها، لعلمها، أنها لن تستفيد، بل قد ينزعج. عادت زوجة سرحان، وفي يديها طبق صغير يحمل كأسين وإبريقاً، يتصاعد منه البخار، فأدركت أم أمين أن الشاي صار في متناولها، وأنَّ السهرة ستطول. سكبت زوجة سرحان الشاي لها ولأم أمين، وجلست على كرسيها الخشبي الواسع قبالة أم أمين التي سألتها: ـ وينو صديق.. ما شفت؟ ـ صديق لا يهدأ في البيت. ـ وأخوه أين هو؟! ـ كلّ واحد منهما يذهب من الصباح، ولا يعود إلا حين يريد أن ينام. ـ هذه مصيبة يا أمّ البنين.. ـ ما هي المصيبة؟ ـ الأولاد لا يقرؤون، والبنات صرن يدرسن أكثر منهم. ـ هذا حظُّنا يا أم أمين. ـ أنا مثلك يا أم البنين، لم يتابع ولدي أمين، وترك الجامعة.. تصوري بعد أن وصل إلى نصف الدرب ترك. ـ حظُّنا سيئ يا أم أمين. ـ بنات بناتي ينجحن، وأولادهن لا ينجحون. ـ وسحر برأيك هل ستتابع الدراسة في الجامعة؟؟ ـ سحر كانت من الطالبات المجتهدات، لكن حظها الملعون أوقعها في شرك اللعين بن اللعين ولد برهوم. ـ أراك لا تذكرين برهوماً أو أحداً من أهله بالخير. ـ كيف سأذكره بالخير، وقد باع أرضنا؟! الضوء المقبل من بيت رزوق قويٌّ رسم ظلاله على أغصان الأشجار القريبة. رشفت أم أمين رشفات متلاحقة من كأسها، وانتبهت إلى زوجة سرحان، فرأتها تنظر إلى جهة النبع والدلبات وبيت رزوق. قالت لها: ـ طولت النظر إلى بيت رزوق.. لماذا؟ ـ بيت رزوق مرتب.. وموقعه قريب من النبع. ـ وزوجة رزوق هل تعرفينها؟! ـ شاهدتها مرتين أو ثلاث مرات قرب النبع: أرضها قريبة من النبع، لكنها لا تعمل في الأرض ولا تتعب جسدها إلا بما ترغب به. ـ وهل تعرفينها جيداً يا أم أمين؟! ـ كيف لا أعرفها.. ورأيتها وقت أحبها رزوق، وجاء من أجل أن يخطبها من أبيها وأمها. وهي أخت هاجر زوجة مرجان.. نعم أعرفها، وأعرف أختها زوجة ماجد العبود.. ووالدهما كان في المدينة وعاد. ـ الأيام تعلّم الإنسان ما لا يعلم.. والمجالس ـ كما يقولون ـ مدارس، يا أم أمين! ـ أم سائده لا تقيم لرزوق وزناً.. وتحبُّ أيَّ رجلٍ أكثر منه. ـ من أخبرك بهذا؟ ـ أخبرني بهذا سمعي ونظري.. انصرفت زوجة سرحان بنظرها عن ضوء بيت رزوق، إلى ضوء السيارة المقبلة من جهة السفح. قالت أم أمين: كأنني أرى لمع برق في السماء. ـ لا .. هذا ضوء سيارة قادمة من جهة بيت ماري. ـ لمن تكون ؟! ـ لا أعرف.. ـ قد تكون سيارة سرحان أو سيارة جابر العبود.. لكن الذي أعرفه أن محمد الشحادة ذهب إلى المواسم، ليسهر في بيت جابر، ولولا أنه وجده في البيت لعاد. ـ قد يسهر في بيت والد غصن. ـ هو لا يحب والد غصن، ولا يكرهه.. ولا يتمنى أن يسهر عنده. ـ وصلت السيارة إلى الساقية، وتجاوزتها باتجاه الملتقى.. وهاهو ضوؤها يقترب.. ـ معك الحق يا أم البنين: هذا ضوءها.. بدأ يكشف البيوت الضائعه في الليل. ازداد اقتراب السيارة، وازداد انعكاس ضوئها على الأشجار والبيوت المواجهة للدرب.. زوجة سرحان قدرت في نفسها أنها سيارة زوجها سرحان العيسى، وقد ترقبت بلهفة أن تصل، لتسمع منه أيَّ كلام عن رجاء وحياتها ودراستها وصحتها وسكنها، وعن المدينة.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |