|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السابع عشر حاصد الدروك عرف تمام المعرفة ماذا يدور في ذهن أم سائده، وقد شغل نفسه بالتفكير بها.. صار لا ينام ليلة من الليالي غلا ويجدها ملء خياله.. تتراءى لـه قرب النبع واقفة تتأمل الأفق والمساء.. والرائحين إلى بيوتهم.. وتتراءى لـه نائمةً، وجسدها الممتلئ النضر يضج أنوثة وحياة.. الليل من أوله إلى آخره لم يقدر حاصد الدروك أن يشبع عينيه نوماً.. يسرقه النعاس لحظات تمرُّ سريعةً، ثمّ يعود إلى رأسه خيال أم سائده، فيسرقه من نعاسه إلى دنياها..فيصحو على صراخ لهفته المجنونة.. زوجته سميرة انتبهت إليه وهو يحلم ويتأمل ويتلهف.. شاهدت في عينيه النفور حيالها، فعرفت أنه واقع تحت تأثير امرأة قد تكون ماري، وقد تكون سواها؛ لكنها لم تزعجه، لعلمها الأكيد أنها لن تستفيد من إزعاجه، وأنها لن تُوفَّق إلى إقناعه أن ينساها. سمع حاصد صياح ديك دجاجات سميرة، ينطلق عالياً من شقوق الجدار القريب، فارتاحت نفسه، وأحسَّ أن الصبح غدا قريباً، وأن أم سائدة قد ترضى به عشيقاً من نوع خاص، تتمتع به حين يحاصرها ضجرها، وتقفر حياتها.. هو يعرف أن أم سائده ليست معجبة بجماله، لأنَّ ميراثه من يهديها هدايا تفرح نفسها، لكنه يعرف أيضاً أنها قد ترغب به أحياناً، لأنه صيد سهلٌ لا يعذبها الوصول إليه في كلِّ الأحيان. علا صياح الديك، فبلغ سمع حاصد وسمع زوجته، التي بدأت تتهيأ للاستيقاظ. لم يرحها اهتمام زوجها وانشغاله بالصياح، خشيت من أن يكون فريسة شهوته الطاغية إزاء ماري الدريوسي، أو امرأة أخرى لها من الأنوثة والجمال ما لماري. بادرته بالكلام: ـ على غير عادتك أراك هذا الصباح مستيقظاً مع الصياح. مسح حاصد وجهه بكلتا يديه، والتفت إلى زوجته، والأولاد الذين انتشروا في السرير المجاور لسريره وسرير زوجته، وفي الغرفة المفتوحة على الغرفة الزوجية دائماً. أخذه خيال أم سائده.. الوجه النضر، والشفتاه الشهيّتان، والعينان اللتان تحكيان الرغبة والأنوثة، والجسد العبل المكتنز. عادت زوجته إلى السؤال: ـ أين شردت، ولم تجب على سؤالي؟! ـ أنا أعرف أين شردت.. حياتنا تشرُّد وشقاء وتعاسة.. أين سأشرد، والدنيا من كل جهة تأتينا بالسواد؟! ـ من يوم يومنا وحياتنا تعيسة و شقية، وكنت لا تشرد ولا تغيب عن البيت.. ـ أخطأنا وخلّفنا أولاداً زيادة عن اللزوم. ـ هذه حجتك الكاذبة منذ عرفت ماري. عاد خيال أم سائدة إلى رأسه.. وعاد معه خيال ماري، لكنه لم يلبث ن شغل ذهنه بخيال أم سائده، وانصرف عن زوجته وخيال ماري. أحبّ حاصد أن يبقى صامتاً، يعيش مع خيال أم سائده، إلاَّ أن زوجته وجدت في نفسها رغبة قوية للكلام: ماري لولا أنها كلبة بنت كلاب، كانت طردتك من بيته وحرمتك من أن تزورها في كلِّ عمرك؛ لكنها تبحث عن واحد مثلك داشرٍ، يترك بيته وأهله من أجل أن يتسلى. ازداد علوّاً صياح ديك دجاجات زوجة حاصد، ورافقه صياح ديوك الأقرباء والجيران، من كلِّ الجهات.. وازدادت أصوات الدجاجات المرافقة لـه.. ومن النافذة الشمالية بدأ يتسلٌّ شجرة التين.. والأفق يتضح.. وعلامات الصبح أخذت تتميز.. وأصوات أولاد حاصد انطلقت من الغرفة الثانية معلنة انهم استيقظوا، وأن التعاسة بدأت.. * * * صعد حاصد درب بين رزوق وغمامة خوف تطارد حلمه.. وتشتت أمله الباهت.. أمام البيت لم يجد أحداً.. ولا على الشرفة المطلة على الدرب والنبع.. نظر إلى المسافات، فطالعه بستان الملتقى يجاوره بستان المواسم، وفي القريب بدت أرض جابر العبود وأشجاره، وبدت شجرات النبع.. في أرض جابر لم يرَ أحداً، وكذلك في أرض سرحان العيسى لم تقع عينه على أحد. خاطب نفسه: في كانون يركنون.. وجه كانون المشرق الندي بث في روح حاصد الدروك الأمل، وأعاد لـه بعض عزيمته المدحوره في أكثر الأحيان.. العشب المبلل كأنّه غريق نجا، وبدأ يستحم بالدفء. بيت رزوق صار على بعد أمتار من حاصد.. والخشية وقفت على عتبة الروح. حاصد المشهود لـه بمغامراته وقبوله للذل، ودرايته الواسعة بالنساء، والتعامل معهن، وجد نفسه، وهو يقترب من بيت أم سائدة خائفاً.. تطعنه الخشية، فتردي عزيمته واندفاعه، فيتمهل.. ثم يمشي.. ثمَّ يقف.. يعاين المدى.. ينظر إلى المدخل.. يتطلع بخوف ورغبة إلى نافذة غرفة أم سائدة. اقترب أكثر من البيت، وازداد أكثر خوفه، لكنه أعدَّ عدّته لمواجهة كلّ الحالات.. هيّأ الكلمات التي سيقولها، أمام كلِّ حالة، قد يواجهها. قال لنفسه: "إن وجدت رزوقَ، سأقول لـه: جئت إلى عندك يا سيدنا رزوق، لأسألك إن كنت بحاجة إلي، ولأخبرك بخبر ماري الدريوسي، وخبر جابر العبود، وإن لم أجده.. وتأكدت من عدم وجوده.. سأدخل إلى غرفة أم سائدة، لأسألها إن هي تريد مني أية خدمة". رزوق غائب هذا الصباح، قصد المدينة، ليقبض حساباته المتبقية في "البازار" وسيزور صهره هذا ما عرفه حاصد من رزوق نفسه.. سمعه يحي هذا الكلام منذ أيام.. لكنه رغم هذا ظلَّ خائفاً من أمرين: الأول أن يكون رزوق غيرَّ رأيه، وصرف عزيمته عن الذهاب إلى "البازار" وبقي في البيت، لكن هذا الأمر لم يثقل كثيراً على نفسه حاصد، لأنه لو كان موجوداً، لكان شخيره ملء البيت.. أما الأمر الثاني، فهو أنه لم يتأكد بعدُ من شعور أم سائدة حياله، ومن رغبتها في مصاحبته.. لم يتخلص من هذا الهاجس بتاتاً.. وقد أحسَّ بالخطر يداهمه، وهو يطأ بلاط البيت.. ولكي يذهب عن نفسه الإحساس بالخوف.. نادى بصوت مسموع: ـ يا سيدينا رزوق.. أين أنت؟ انتشر النداء.. في هدأة الضحى.. أم سائدة لم تسمع سوى صدى النداء، ولم تحدد: من المنادي، وأين ينادي.. كانت تغفو على حلم بهي.. كانت ترى نفسها في حضن شيبان زوج سعدى.. يقبلها برغبة وحب.. ويمد أنامله، يداعب أنوثتها.. حلم يفرح النفس، ويسعى بها إلى البعيد.. عاد حاصد إلى النداء: يا سيدنا رزوق! أزعج النداء حلم أم سائدة، وسرقها من بهجة الغفو المسحور. أعارت انتباهها للنداء، لكنها لم تحدّده، حتى ارتفع صوت حاصد من جديد: لا يوجد أحد في بيت سيدنا رزوق؟؟ صحت أم سائدة. وعرفت أنَّ المنادي هو حاصد، بحثت عن شيبان، فوجدته حلماً قد هرب.. فتشت تحت اللحاف عنه، فألفت الحلم الحنون الذي عاشت معه، قد ابتعد.. لم تتكلم.. لم تتمتم.. وأبقت فمها على حاله، وشفتيها على حالهما، خشية أن تضيع نكهة الحلم.. عاد حاصد إلى النداء: ـ أين سيدنا رزوق.. وسيدتنا أم سائدة؟! تأملت أم سائدة الموقف.. تراءى لها حاصد: الرأس المفلطح، والشفتان الخشنتان، والجسد المائل دائماً.. راق لها أن تتسلى معه، لكن قُبَلَ شيبان أبقت على شفتيها عذوبة لا تنسى.. وقد قارنت بينه وبين حاصد، فوجدت الفارق كبيراً. قالت لنفسها: "حاصد يُسلِّي، لكنه ليس شيئاً أمام الرجال" عاد صوت حاصد.. وعادت من حيرتها.. وتساؤلاتها: " هل أدعوه ليأتي إلى غرفتي؟! هل أبدّلُ الحلم بحاصد؟! هل أسمح لواحد كحاصد أن يزور فراشي؟! شيبان بعيد يا أم سائدة، وحاصد في متناول اليد.. وهو على علاّته خير من رزوق.. ورجل أكثر منه؛ ولولا أنه يعرف كيف يعاشر المرأة لما قبلت ماري أن تعاشره! لكنه دنيء.. وبائس ولعل فقره، جعله يتذلل للآخرين.. لرزوق وغيره.. ومهما يكن فهو الآن هنا وأنا وحدي.. إنني سأدعوه.. وإن وفقت يوما إلى شيبان، فذلك خير من حاصد ومن أمثاله". رفعت اللحاف بساقيها، فبان للشمس جمال فخذيها، ونضارة أنوثتها الناضجة. * * * ـ لم تخبرني عن حياة رجاء يا سرحان.. لم تقل كيف تنام، وكيف تقرأ، ومن هن زميلاتها؟؟ ـ قلت لك عن رجاء وحياتها كثيراً، لكنك تحبين أن يظل الحديث دائراً حول رجاء، ودراسة رجاء ولباس رجاء. ـ رجاء أملي.. وحبي.. هي الوحيدة التي لم تفشل في كلِّ دراستها. ـ رأيتها مع زميلة لها اسمها نجود، فخفت من مصاحبتها لها. ـ لماذا.. قل لي يا سرحان، هل هذه النجود إبليسة وسيئة؟ رنين صوت سرحان وصوت زوجته تجاوز جدران البيت، ووصل إلى سمع محمد الشحاده، الذي ظلَّ أمام البيت، استعداداً للذهاب إلى المواسم.. أشعل لفافة تبغه العريضة، وعبَّ منها نَفَساً عميقاًً، ورنين صوت سرحان يصل إلى مسمعه.. لكنه لم يفهم إلا كلمات قليلة من حديثه. لم يجب سرحان على سؤال زوجته عن نجود زميلة رجاء، وشغل عينيه بالنظر إلى المساء المقبل.. عادت زوجته إلى سؤالها: ـ لم تقل لي كيف هي نجود صديقة رجاء؟؟ هرب سرحان من الإجابة، وصار يتحدث عن أرضه وأرض جابر وعن المساء. قال لها: ـ المساء لا يؤتمن جانبه من هذا الوقت.. يجيء بارداً، وإن كان النهار دافئاً.. ـ نحن الآن في كانون.. ـ كانون كُنَّ في بيتك يا مجنون.. كانون كُنَّ. . كن في بيـ.. بيتك يا مجنون .. ويا مجنون كُنَّ في بيتك في كانون.. ـ أراك صرت تغني يا سرحان، ونسيت أن تحكي لي عن رجاء وزميلتها نجود. لم يجب سرحان على سؤال زوجته، وعاد ينظر إلى المساء والجهات.. أرضه وأرض جابر والأشجار المنتشرة في المسافات ظلت واضحة لعينيه، رغم شبح الضباب الذي أقبل مع المساء، قال سرحان لزوجته: ـ في الغد علينا أن نذهب إلى أرضنا القريبة من النبع. ـ ذهبت أنا في النهار، وعاينت الأشجار، والثمار. ـ هل نضجت؟ ـ بعضها أصفر، وصار ناضجاً وبعضها أخضر إلى الآن. ـ هل قطفت لن بعض الثمار، نأكلها هذا المساء، لنقول: هذه من أرضنا، ومن أشجارنا؟؟! ـ ما رأيك أنت.. هل قطفت أم لا ؟؟! نظر سرحان بحب إلى زوجته، فرآها تبتسم ابتسامة هادئة، فأراد أن يبتسم مثلها، فلم يفلح، بل فتح فمه، كأنّه سيصرخ، ولم يبتسم، وليس بمقدوره أن يبتسم دائماً.. قال لها: أعرف أنك قطفت لنا برتقالاتٍ ناضجة، وأنك ستحضرين بعضها، لنتذوق طعم تعب الأيام.. تذكر المدينة ورجاء ونجوداً.. وأحاديث نجود عن عمران: من هو عمران العبود، حتى يكون محطّ اهتمامك يا رجاء؟ ألف شاب أفض لمن عمران ووالد عمران، يتمنونك يا رجاء يتمنون لقاءك.. والحديث معك، والسهر معك. تذكر بيت عباس حامضه في المدينة، وأم نجود، التي كانت تسكن إلى جوار بيت عباس. وبقي شارداً، تضجُّ في روحه المخاوف، وتصحو في أنفاسه رائحة الضياع المحدق برجاء.. بقي هكذا إلى أن نادته زوجته: ـ أراك نسيت أين أنت، ونسيت أنني جالسةٌ معك!! ـ نعم.. يا أم البنين. أراني نظرت إلى جهة أرضنا وأرض جابر، والدلبات وبستان رزوق، ونسيت أنني جالسٌ معك. ـ منذ عدت من المدينة، وأنت مضطرب في ذهنك وتفكيرك، وسألتك عن رجاء، فلم تخبرني عنها أيّ خبر مفرح، بل أجبتني: هي بخير.. وصحتها جيدة.. ودراستها مقبولة. هذا الكلام عن رجاء لا يكفيني يا سرحان.. رجاء بنتي.. وأملي وأملك.. وأتمنى ن تبقى تحكي لي عنها كلَّ الوقت. ـ في الأيام المقبلة سآخذك معي إلى المدينة، لتشبعي من رؤية رجاء، والحديث مع رجاء. غمر الفرح روح زوجة سرحان، وهي تسمع كلماته: "في الأيام المقبلة سآخذك معي إلى المدينة، لتشبعي من رؤية رجاء، والحديث مع رجاء وقد راق سمعها أن يستمر حديث سرحان عن المدينة. والسفر إلى المدينة، وعن رجاء ودراستها ، لكن صوت محمد الشحاده قطع السبيل على بقية الكلام: ـ أين أنت يا سرحان؟! ألا تذهب معي إلى بيت جابر العبود!؟ عبَّ محمد الشحادة نفساً عميقاً من لفاته العريضة دائماً، وأعاد ما تبقى منه إلى الفضاء، وانتظر أن يجيئه صوت سرحان. سأل سرحان زوجته: ـ ما رأيك: هل أذهب مع محمد الشحادة إلى المواسم؟! ـ تذهب وأذهب معك. ـ الأمر أمرك يا ست الحلوين.. يا أم البنين. عاد من جديد صوت محمد الشحاده: ـ أين أنت يا سرحان العيسى.. ألا تفكر بأن تذهب معي؟ أم أنك خصصت ليلتك هذه لأم البنين؟! نهض سرحان، فتح باب الشرفة المطلة على الساحة، وأقبل باتجاهها: ـ مساء الخير يا أبا أمين! ـ أهلاً بالسيد سرحان.. ـ ما سمعت صوتي قبل الآن. ناديت مرتّين؟! ـ كنت في الغرفة الداخلية. ـ المهم.. هل تريد أن تذهب معي إلى بيت جابر؟! ـ أذهب.. وستذهب معي أم البنين. ـ أم أمين ذهبت إلى بيت الزهيري، لتسهر عندهم، وقد تذهب إلى بيت بنتها.. المهم أنها ذهبت إلى السهريّة. ـ هل أنت متأكد أن جابر العبود في بيته؟! ـ لا أعرف إن كان في بيته أو في المدينة. ـ هذا هو معنى كلامي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |